الجواب عن الوجه الأول والثاني بأنهما خلاف الظاهر، وبأن الأصل عدم وضع سابق، وعن الثالث كذلك وبأن قوله: { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء}[البقرة:31] {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}[البقرة:33] نص في أنه ليس المراد بالأسماء المسميات، وأيضاً لو كان التعليم بالمسميات لما صح الإلزام للملائكة" ضرورة أن إلزامهم لا يكون إلا بما اختص بالعلم به آدم دونهم وهم يعلمون الحقائق؛ إذ منها ما يدرك بالحواس كالمبصرات والمسموعات، لا يقال الفضيلة بإدراك الحقائق أفضل إذ هي المقصودة بالمعرفة والأسماء كالآلة التي يتوصل بها إلى الإدراك والتمييز، وأيضاً التحدي إنما يجوز بما يمكن السامع من مثله في الجملة؛ إذ لا يحسن من العربي أن يقول للزنجي: تكلم بلغتي وأفصح بمثل بلاغتي، والمعلوم أن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات، بخلاف العلم بالحقائق فإنه متمكن من تحصيله فيجب أن يكون التحدي إنما وقع به؛ لأنا نقول: لا نسلم أن الفضيلة بإدراك الحقائق أكثر، سلمنا فذلك لا يوجب حمل الآية عليها؛ إذ المقصود ما به تظهر الحكمة في خلق آدم وبيان فضيلته في العلم وهي تحصل بما ذكرنا.
قوله: التحدي لا يجوز إلا بما يتمكن السامع من مثله...إلخ.
قلنا: هم متمكنون بمعنى أنه لو كان التعليم متوجهاً إليهم لفهموا وقبلوا، ثم إن المراد بالآية التنصيص على أن الله تعالى فضل آدم بما اختصه به من العلم دونهم، وليس المقصود بها التحدي والدلالة على نبوته عليه السلام ، وإلا لكان مرسلاً إليهم ولكان هو الذي يتحداهم كما فعل سائر الرسل"، وعلى الجملة إن الآية لم يرد بها إلا بيان الحكمة والمصلحة في خلق آدم والنص على فضله. والله أعلم.
والجواب عن الرابع: بأن الآية لا تقتضي ذلك إلا لو كانت اللام فيها للعهد، ولا دليل عليه.
وعن الخامس بأن آدم لم يتحد الملائكة وإنما تحداهم الله عز وجل لإظهار حكمته في خلق آدم.
وعن السادس بأن قوله تعالى: {كلها} يدفعه، وعن السابع بأنه خلاف الظاهر، بل قيل: إنه من فرض المحال.
احتج أهل القول الثاني بأنا لا نعلم فائدة الكلام إلا إذا علمنا المواضعة، وكذلك لا نعرف فائدة الذبح إلا إذا عرفنا ما وضع له، فالتوقيف إذا لم يكن مواضعة ومواطأة سابقة لا تعلم منه فائدة؛ لأنا نجوز أن يقصد به غير ما يراد منه، ألا ترى أن الباري تعالى إذا قال ماءً قبل أن يكون له وضع سابق فإنا نجوز كون المراد به طعاماً.
فإن قيل: إنه يقرن التعليم بالإشارة.
قيل: الباري تعالى لا تجوز عليه الإشارة؛ لأنها لا تتم إلا بآلة وكونه في جهة والعلم الضروري الذي يدعيه الأشعري لا يجوز مع بقاء التكليف؛ لأن معرفة الله تعالى نظرية، وكونه مريداً لمعنى مخصوص من اللفظ صفة له تعالى، ولا يجوز أن تعلم الذات دلالة والصفة ضرورة، وأيضاً العلم النظري يدخله التشكيك بخلاف الضروري، وكيف يصح أن يكون شاكاً في الذات مع كونه يعلم صفتها ضرورة، ألا ترى أنه لا يصح كون أحدنا يعلم كون الجسم متحركاً وهو شاك في جمود الجسم.
فإن قيل: لِمَ لا يصح أن يخلق الله من لا يكون مكلفاً ويغنيه بالحسن عن القبيح، ويكمل عقله، ويضطره إلى معرفة المراد فيخبرنا، ويضيف إلى ذلك قرائن تضطرنا إلى قصده وإن كنا مكلفين؛ لأنه وإن كان لا يصح الاضطرار إلى مراد الباري تعالى فيصح الاضطرار إلى قصد أحدنا.
قيل: ذلك جائز عقلاً لكن لا دليل عليه.
فإن قيل: لا مانع من أن يحصل العلم الضروري بها لغير العاقل، كما أنه قد يحصل للصبيان العلم الضروري ببعض المعلومات.
قيل: من البعيد أن يحصل العلم بهذه اللغات مع ما فيها من الحكم العجيبة لغير العاقل، والعلم الحاصل للصبيان إنما هو في المحسوسات من دون شعور منهم لما تضمنته من الحكم الغريبة.
احتجوا ثانياً بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ}[إبراهيم:4] أي بلغتهم، وبيان الاحتجاج بها أنها تدل على سبق اللغات للإرسال، ولو كان حصول اللغات بالتوقيف فلا يتصور التوقيف إلا بإرسال الرسل إليهم لسبق الإرسال للغات، فيلزم الدور لتقدم كل من الإرسال واللغات على الآخر، فتعين أن تكون اللغات سابقة على الإرسال، وإذا كانت كذلك فلا تكون إلا بالمواضعة.
قالوا: وطريقنا إلى العلم بقصد الواضع ما يصحب القول من القرائن أو الإشارة نحو أن يشير بيده إلى كتاب ويقول لمن قد عرف معنى خذ لقرينة خذ هذا الكتاب، ونحو أن يقول لمن عرف معنى خذ ومعنى البيت خذ الكتاب من البيت وليس في البيت غير الكتاب، وهذه القرائن قد تفيدنا الضرورة بقصد الواضع، ولذلك إن أعجمي قد يضطر إلى معرفة المراد من كلامنا بالقرينة، والصبي يعلم ما تلقنه أمه من الكلام بالقرائن.
قال الموفق بالله: وبهذا يبطل قول القاسم على أنه لا يمكنا معرفة فائدة الكلام وقصده.
والجواب عن الحجة الأولى: بأنكم بنيتموها على أنها لو كانت توقيفية لما عرف المراد منها؛ إذ لا طريق إلا بالإشارة أو العلم الضروري، وقد أبطلتموهما، ونقول: لم لا يجوز أن يعلم بقرينة غير الإشارة كما قلتم في الطريق إلى معرفة مراد أهل الاصطلاح؟ وما المانع من حصول العلم الضروري للعاقل الذي ليس بمكلف أو لغير العاقل كما مر؟ ولا مانع من ذلك عندكم إلا عدم الدليل والاستبعاد، لكنه يقال: قد ثبت بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ}[البقرة:31] أنها توقيفية، وإذا كان لا طريق إليها إلا خلق العلم الضروري، وقد بطل أن يكون ذلك للمكلف، ولا وجه يقدر إلا أحد الأمرين تعين أحدهما بطريق السبر والتقسيم، وهذا دليل واضح، فيقال: قد ثبت أن اللغات توقيفية فلا تخلو إما أن يكون العلم بها ضرورياً أو لا، الثاني باطل لعدم المشاهدة والمشافهة للباري تعالى، والإشارة ممتنعة كما مر، والأول إما أن يخلق ذلك العلم للمكلف أو لا، الأول باطل لما مر فتعين الثاني، وأما الاستبعاد فلا وجه له مع ما ذكرنا.
والجواب عن الحجة الثانية: أن الآية إنما تدل على سبق اللغات والأوضاع ولا توقف له على الإرسال، وإنما يتوقف على الوحي باللغات والأوضاع إلى آدم قبل إرساله إلى القوم فيكون هناك وحي باللغات، ولا إرسال له إلى قوم لعدمهم، ثم بعد وجودهم وتعلمهم منه عليه السلام ، وتفرق اللغات فيهم أرسل إلى كل قوم بلسانهم، فلا يلزم الدور. والله أعلم.
احتج أبو علي الإسفرائيني بأنه لو لم يكن القدر المحتاج إليه في الاصطلاح توقيفياً لزم الدور؛ لتوقف الاصطلاح على سبق معرفة ذلك القدر، والمفروض أنه يعرف بالاصطلاح فيلزم توقفه على اصطلاح سابق يتوقف على معرفته وهو الدور، أو متوقف على اصطلاح سابق وهو على آخر إلى ما لا نهاية له فيلزم التسلسل.
وأجيب بأنا لا نسلم توقفه على اصطلاح، بل يعرف بالترديد والقرائن كالأطفال والحيوانات، فإنها تعلم مراد تصويت الإنسان لها، وتصويت بعضها لبعض بقرينة حسية، ثم ينتهي ذلك إلى تجربة تامة تفيد الضرورة.
احتج القائلون بأن القدر المحتاج إليه اصطلاحي بما مر عن البهشمية، وأما احتمال الباقي فلعدم الحاجة إليه.
احتج أهل الوقف بما مر وهو مبني على أن المسألة قطعية، وفيه نظر، ولهذا قال ابن السبكي: المختار الوقف عن القطع بواحد منها؛ لأن أدلتها لا تفيد القطع، وأن التوقيف مظنون لظهور دليله.
قلت: ويؤيده أنه قد ورد عن جماعة من السلف منهم ابن عباس أنه علمه اسم كل شيء حتى البعير، والبقرة، والشاة والقصعة، ذكره في (الدر المنثور) وفيه: وأخرج وكيع، وابن عساكر، والديلمي عن عطية بن بشر مرفوعاً في قوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}[البقرة:31] قال: علم الله في تلك الأسماء ألف حرفة من الحرف وقال له: (قل لولدك وذريتك يا آدم إن لم تصبروا عن الدنيا فاطلبوا الدنيا بهذه الحرف ولا تطلبوها بالدين، فإن الدين لي وحدي خالصاً، ويل لمن طلب الدنيا بالدين ويل له).
وقال السيد محمد بن إسماعيل الأمير: ومن نظر في التفاسير المأثورة في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}[البقرة:31] وضمها إلى ما ذكرناه لم يبق معه ريب أن الله واضع اللغات، وعلم الملائكة منها ما يحتاجونه في عبادته، وتقديسه، وتحميده، وتسبيحه، ثم علم آدم ما يحتاجه البشر في ذلك، ثم اختلفت اللغات بتداخل بعض الألفاظ في بعض وتبديل بعض الحروف ببعض، وإلا فاللغة واحدة هي ما علمه الله آدم عليه السلام .
قلت: وأراد بما ذكره ما حرره في حاشيته على (شرح الغاية) من الاستدلال على ما اختاره، وحاصله: أن المعلوم ضرورة أنه لا بد من واضع، والمعلوم ضرورة أنه تعالى لم يوجد البشر في أول إيجاده العالم، وقد تيقن شرعاً أن الملائكة كانوا يسبحونه ويقدسونه قبل إيجاده لآدم، ومعلوم أن قوله: {إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}[البقرة:30] وقوله للسماوات والأرض:{اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْها}[فصلت:11] خطاب قبل إيجاده عليه السلام ، وهو برهان قاطع على أن الله تعالى وضع ألفاظاً قبل خلق البشر، ومعلوم يقيناً أن تسمية يوم القيامة وما فيه من الكائنات والجنة والنار وما فيهما ليس من وضع البشر؛ إذ لا يعلمون ذلك، ووضع الاسم فرع على العلم به، وذكر آثاراً منها ما أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن أول ما خلق الله من شيء القلم وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة والكتاب عنده ثم قرأ: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}[الزخرف:4]، ثم ذكر أن الله تعالى قد أخبر أن اسم محمد صلى الله عليه وآله في التوراة والإنجيل، وأنه بشّر مريم بكلمة منه، وزكريا بغلام اسمه يحيى، وروي عن ابن عباس أنه لم يسم أحداً بيحيى قبله، فهذه التسمية منه تعالى، هذا حاصل كلام السيد رحمه الله، واختار أن بعض الألفاظ واضعها الله يقيناً وبعضها الأظهر أنه واضعها، ويحتمل أن في بعضها إلهاماً منه للبشر، كإلهامه لمن لا يعقل فهم معاني الألفاظ مثل إيحائه إلى النحل أن تأكل من بعض الثمرات.
المسألة السادسة [في أن الاسم غير المسمى]
في هذه الآية دلالة على أن الاسم غير المسمى؛ إذ المراد بقوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}[البقرة:31] أسماء المسميات، فحذف المضاف إليه لكونه معلوماً ومدلولاً عليه بقوله تعالى: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء}[البقرة:31] وقوله: {أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}[البقرة:33] وما قاله ابن المنير من أن المراد بالأسماء المسميات كقوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ}[البقرة:31] والضمير فيه للمسميات اتفاقاً؛ ولأن تعليق التعليم بالألفاظ لا يكون فيه كثير غرض فمدفوع بما مر في المسألة التي قبل هذه.
وأما عود الضمير في قوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ} إلى المسميات، فليس فيه دلالة على ذلك؛ لأنه إنما عرض المسميات على الملائكة ليطلب منهم الإنباء بأسمائها فيكون أدخل في التبكيت وأدل على الحكمة؛ إذ لو طلب منهم معرفة أسماء ما لا يعرفونه لم يكن فيه بيان فضيلة آدم التي هي المقصودة من هذا الطلب.
المسألة السابعة [في تكليف ما لا يطاق]
من الناس من تمسك بقوله تعالى: {أنبئوني} على جواز تكليف ما لا يطاق وهو باطل؛ لأن الأمر فيه للتعجيز لا للتكليف، ويدل عليه قوله: {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة:31].
المسألة الثامنة [في المعاصي هل تقع من الملائكة]
تمسك من قال بمعصية الملائكة لقولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة:30] بقوله تعالى حكاية عنهم: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا...}الآية[البقرة:32]، وقالوا: هذا منهم اعتذار وتوبة عن ذلك الذنب.
وأجاب النافون للمعصية عنهم بوجهين:
أحدهما: أنهم إنما قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز والتسليم، كأنهم قالوا: لا نعلم إلا ما علمتنا، فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه.
والثاني: أنهم إنما قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} بقوله: {يُفْسِدُ فِيهَا} لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم قالوا: إنك علمتنا أنهم يفسدون فقلنا لك أتجعل، وأما هذه الأسماء فلم تعلمنا فكيف نعلمها.
وعلى أي الوجهين فكلامهم هذا غاية في ترك الدعوى والاستسلام التام لله تعالى.
فائدة
قال بعض العارفين: ما بلا الخلق إلا الدعاوي، ألا ترى أن الملائكة لما قالوا: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} كيف ردوا إلى الجهل حتى قالوا: {لاَ عِلْمَ لَنَا}، وروي معناه عن جعفر الصادق.