الخامس: أن الجاهل كأنه في ظلمة شديدة لا يرى شيئاً، والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت، ويسبح في بحار المعقولات، فيطالع الموجود والمعدوم، والواجب والممكن والمحال، ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض، والجوهر إلى البسيط والمركب، ويعرف أثر كل شيء ومؤثره، ومعلوله وعلته، لازمه وملزومه، وكليه وجزئيه إلى غير ذلك حتى يصير عقله كنسخة أثبت فيها جميع المعلومات بتفاصيلها وأقسامها، فأي فضيلة فوق هذه الدرجة الرفيعة، ثم إنه بعد ذلك يصير النفوس الجاهلة عالمة بتعليمه إياها فيصير كالشمس للعالم، وسبباً للحياة الأبدية لسائر النفوس؛ لأنها كانت بسبب الجهل كالميتة؛ ولذلك قيل: الروح بلا علم ميت، وقال عليه السلام : هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقي الدهر. أو كما قال.
وأما الأدلة النقلية فأكثر من أن تحصى كتاباً وسنة وإجماعاً، وسيأتي كثير منها إن شاء الله في أثناء الكتاب ومنها هذه الآية، ووجه دلالتها أن الله تعالى ما أظهر كمال الحكمة في خلق آدم عليه السلام إلا بإظهار علمه، فلو كان شيء أشرف من العلم مما هو داخل في الإمكان لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم. والله أعلم.
تنبيه [معاني الفضيلة]
قد علم مما تقدم بيان معنى الفضيلة، وتحقيق القول في معناها ما ذكره الغزالي وهو: أَن الفضيلة مأخوذة من الفضل وهو الزيادة، فإذا اشترك شيئآن في أمر واختص أحدهما بمزية فيما هو كمال ذلك الشيء فإنه يقال فضل عليه، كما يقال: الفرس فضل على الحمار بمعنى أنه يشاركه في قوة الحمل ويزيد عليه بقوة الكر والفر، وشدة العدو، وحسن الصورة، فلو فرض حمار اختص بسلعة زائدة لم نقل إنه أفضل؛ لأن تلك الزيادة في الجسم ونقصان في المعنى، وليست من الكمال في شيء؛ إذ الحيوان يطلب لصفاته ومعناه لا لجسمه.
إذا فهمت هذا لم يخف عليك أن للعلم فضيلة إن أخذته بالإضافة إلى سائر الأوصاف، كما أن للفرس فضيلة إن أخذته إلى سائر الحيوانات، بل شدة العدو فضيلة في الفرس وليست فضيلة على الإطلاق، والعلم فضيلة في ذاته وعلى الإطلاق من غير إضافة، فإنه وصف كمال الله تعالى، وبه شرف الملائكة والأنبياء" بل الكيس من الخيل خير من البليد، فهو فضيلة على الإطلاق من غير إضافة.
المسألة الرابعة [هل يصح إطلاق معلم على الله تعالى]
قال الإمام المهدي، وأبو هاشم، والرازي: قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}[الحجر:75] لا يقتضي وصف الله تعالى بأنه معلم؛ إذ لا يوصف به في العرف إلا المحترف بالتحريم والتلقين ولا يفيد فعل العلم بالغير.
قال الرازي: ولهذا لا يقال للمدرس معلم مطلقاً حتى لو أوصى للمعلمين لم يدخل المدرس، فلا يطلق على الله إلا مقيداً، ولولا العرف لحسن إطلاقه.
وقال أبو علي: بل يوصف به؛ إذ فعل العلم في غيره بدليل الآية وذلك هو معنى معلم.
المسألة الخامسة [توقيف اللغة]
استدل بالآية على أن اللغات توقيفية، ومعناه أنها حاصلة بتعليم الله تعالى عباده إما بالوحي إلى بعض أنبيائه، أو بخلق الأصوات إما بأنه يخلق في كل شيء إسماع اسمه، أو يخلق في بعض الأجسام إسماع اسمه واسم غيره، وإما بخلق علم ضروري في بعض العباد بها.
والكلام في المسألة يكون في ثلاثة مواضع: الأول في بيان الحاجة إلى الوضع وذكر حقيقته، الثاني في الخلاف في أدلة الألفاظ هل بالوضع أو بغيره، الثالث في الخلاف في تعيين الواضع وذكر الحجج على ذلك.
الموضع الأول في بيان الحاجة إلى الوضع وذكر حقيقته
فأما بيان الحاجة إليه فاعلم أن كل أحد من الناس محتاج إلى وضع اللغات للتعبير عما في ضميره؛ لأنه لا يستقل بنفسه، بل يحتاج إلى من يعاونه في أمر معاشه، وتفهيم ما ينفعه في معاده، والإشارة والمثال وهو الجرم الموضوع على شكل الشيء لا تكمل إفادتهما لاختصاصهما بالموجود المحسوس بخلافها، فإنها تعم الموجود والمعدوم، والمحسوس والمعقول، والقديم والمحدث، والغائب والشاهد، وأيضاً هي أسهل منها وأيسر لموافقتها الأمر الطبيعي وهو النَّفَس بفتح الفاء؛ لأن الصوت إنما يتولد من كيفية مخصوصه في إخراج النَّفَس، وذلك أمر ضروري لا تكلف فيه ولا مشقة بخلافهما فإنهما لا يحصلان إلا بعلاج وتكلف، ولأجل هذا قال العلماء: إن وضع اللغات من نعم الله العظيمة وألطافه الجسيمة؛ لأنه إما أن يكون الله هو الذي وضعها فذلك ظاهر، أو غيره فليس ذلك إلا بتمكينه وهدايته إليها بخلق العقل والقدرة عليها، فهي بأي الاعتبارين نعمة منه جل وعلا {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}[النحل:53].
وأما حقيقة الوضع فهو في اللغة: جعل الشيء في حيز معين، وأما في الاصطلاح فقد اختلف في حده، فقيل: هو تخصيص شيء بشيء بحيث إذا أطلق الأول أو أحس فهم الثاني، وهذا منسوب إلى أئمة النحو والبيان والأصول، واعترض بأنه لم يثبت تعيين الواضع، وإذا لم يتعين فلا سبيل إلى النقل عنه بأنه خصص هذا اللفظ بهذا المعنى.
وأجيب بمنع عدم تعيينه سلمنا فالاتفاق على أنه لا بد من واضع، وعلى أن اللغات منسوبة إليه يكفي في الحكم بالتخصيص؛ إذ لا يشترط النقل عن معين.
قالوا: قولهم متى أطلق الأول فهم الثاني غير صحيح؛ إذا المعلوم ضرورة أنها قد تطلق ألفاظ موضوعة ولا يفهم معناها.
قلنا: هم يشترط في الفهم علم السامع بالموضوع له.
قالوا: يخرج المجاز؛ إذ لا يفهم عند الإطلاق.
قلنا: بل يفهم بمعونة القرينة، سلمنا فقد ذكر بعض المحققين أنه ليس بموضوع فلا يضرنا خروجه.
وقيل: هو جعل اللفظ دليلاً على المعنى، ذكره ابن السبكي، واعترض بأنه غير شامل للمجاز؛ إذ دلالته على المعنى المجازي إنما هو بمجموع اللفظ والقرينة.
قلنا: ممنوع، بل الدال هو اللفظ بواسطة القرينة سلمنا فلا يضر لما مر.
وقيل: هو تعيين اللفظ للدلالة على معنى بنفسه فدخل المشترك؛ لأنه قد عين للدلالة على كل من المعنيين بنفسه، وعدم فهم أحد المعنيين لعارض الاشتراك لا ينافي ذلك ولا يخرج المجاز؛ إذ ليس بموضوع بالنسبة إلى معناه المجازي؛ لأن دلالته عليه إنما تكون بقرينة لا بنفسه، واختلف في الكناية، قيل: -السعد- لا تدخل في الحد؛ إذ ليست موضوعة؛ لأن القول بوضعها إن كان بالنسبة إلى معناها الأصلي فهو فاسد؛ لأن المجاز كذلك، وإن كان بالنسبة إلى معناها الذي هو لازم المعنى الأصلي ففساده ظاهر؛ لأنه لا يدل عليه بنفسه بل بواسطة القرينة.
وقيل: بل تدخل؛ لأنها تدل على المعنى بنفسها؛ لأنها أريد بها موضوعها استعمالاً، وأريد لازمة إفادة، فالكناية موضوعة؛ لأن اللفظ عين فيها للدلالة على معناه الذي هو موضوع اللفظ بنفسه فكانت موضوعة، وكونها دالة على لازم ذلك المعنى بقرينة حالية كدلالة طويل النجاد على طول المقام يحتاج إلى قرينة، لكن ذلك ليس المعنى الذي استعملت الكلمة فيه.
قيل: الوضع تعيين اللفظ بإزاء معنى، فيدخل المجاز؛ لأنه موضوع لمعناه المجازي.
الموضع الثاني في الخلاف في دلالة اللفظ هل ذلك بالوضع أو بغيره
فالذي نص عليه جماعة من المحققين وأحسبه قول الأكثر أن دلالة اللفظ على معانيه إنما هي بالوضع، وقال عباد بن سليمان الصيمري: بل بين اللفظ وبين مدلوله مناسبة ذاتية تقتضي اختصاص دلالة ذلك اللفظ على ذلك المعنى، وهو محكي عن بعض المعتزلة، وفساده ظاهر؛ فإن دلالة الألفاظ لو كانت ذاتية لما اختلفت باختلاف النواحي والأمم، ولفهم كل إنسان معنى كل لغة، والمعلوم خلاف ذلك، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، ويلزمه أيضاً منع الاشتراك بين المتنافيين كالقرء والجون؛ لأنا لو وضعناه لمجرد النقيض أو الضد لما كان له في ذلك الاصطلاح دلالة على ذلك الشيء فيلزم تخلف ما بالذات وهو محال، ولو وضعناه لذلك الشيء ونقيضه أو ضده، فدل عليهما لزم اختلاف ما بالذات بأن يناسب اللفظ بالذات الشيء ونقيضه أو ضده وهما مختلفان.
قالوا: لو تساوت الألفاظ بحسب ذواتها لم يختص بالمعاني؛ إذ لو كان لها اختصاص فإما أن يكون هناك تخصيص أو لا، فعلى الثاني يلزم الاختصاص بدون مخصص، وعلى الأول التخصيص بغير مخصص وكلاهما محالان.
قلنا: نختار التخصيص، والمخصص إرادة الواضع المختار ولا تحتاج إلى انضمام داعية إليها في التخصيص؛ إذ الواضع إما الله تعالى فتخصيصه هنا كتخصيص حدوث العالم بوقته مع إمكان تقدمه وتأخره، وليس المخصص هنا إلا إرادته تعالى من غير انضمام داعيه إليها.
وأما البشر فتخصيصهم هنا كتخصيص الأَعلام بالأشخاص والمخصص الإرادة، وقد يؤول كلام عباد بأن معناه أنها حاملة على الوضع على وفقها، وتحقيقه أن الواضع لا يهمل رعاية ما بين اللفظ والمعنى من المناسبة كالجهر، والهمس، والشدة وغير ذلك، فإن تلك الخواص تقتضي أن يكون العالم بها إذا أخذ في تعيين شيء مركب منها لمعين لا يهمل التناسب بينهما قضاء لحق الحكمة كما قيل: إن الفصم بالفاء الذي هو حرف رخو للكسر من غير بينونة وبالقاف الذي هو شديد للكسر مع البينونة.
الموضع الثالث في الخلاف في تعيين الواضع وذكر أدلة كل قول
فقال المرتضى، وأبو مضر، والبغدادية، وأكثر الأشعرية: اللغات كلها توقيفية لا يوقف عليها إلا بإعلام من الله تعالى للبشر فهو الواضع لها، قال الأشعري: وذلك التوقيف إما بالوحي، أو بخلق الأصوات، أو بعلم ضروري.
وحكى الرازي عنه، وعن أبي علي، وأبي القاسم: أن معنى كونها توقيفية أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني.
وقالت البهشمية: بل واضعها البشر واحداً أو جماعة، قال الشريف: بأن انصرفت داعيته ودواعيهم إلى وضع هذه الألفاظ بإزاء معانيها، وهذا قول الموفق بالله، ورواه في (الفصول) عن جمهور أئمتنا، وفي (جمع الجوامع) عن أكثر المعتزلة.
وقال أبو علي، وأبو إسحاق الإسفراييني: القدر المحتاج إليه في التعريف توقيف وغيره محتمل، وقيل عكسه، وهو مروي عن بعض المعتزلة.
وقال الإمام يحيى، وابن أبي الخير، وبعض الأشعرية: الجمع ممكن عقلاً، وأدلتها لا يفيد شيء منها القطع فوجب الوقف، ونسبه في (جمع الجوامع) إلى كثير من العلماء.
احتج الأولون بالآية، ووجه الاحتجاج بها أنها تدل على أن الملائكة وآدم" لا يعلمون إلا بتعليم الله إياهم، لا يقال: الدليل لا يطابق الدعوى، فإن المدعي وضع اللغات كلها من الأسماء والأفعال والحروف، والدليل لم يتناول إلا الأسماء؛ لأنا نقول: المراد بالأسماء ما يشمل الأفعال والحروف؛ لأن كلاً منها اسم أي علامة على مسماه، وتخصيص الاسم ببعضها عرف طارئ فلا ينزل القرآن عليه، وعلى تقدير اختصاص الأسماء بالمعنى العرفي، فالدليل تام؛ إذ لا قائل بالفصل، ولأن التكلم لمجرد تعليم الأسماء دونهما متعذر أو متعسر.
واعترض بوجوه:
أحدها: جواز أن يراد بالتعليم الإلهام وبعث داعيته على الوضع مثل: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ}[الأنبياء:80].
الثاني: أن يكون المراد علمه ما سبق من اصطلاحات قوم كانوا قبله.
الثالث: جواز أن يراد بالأسماء الحقائق أي المسميات بدليل قوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ}[البقرة:31]؛ إذ لا يصلح للأسماء إلا إذا أريد به المسميات مع تغليب العقلاء؛ لأن عرض الأسماء نفسها غير معقول.
الرابع: أن الآية ظاهرة في إضافة التعليم إلى الأسماء، لكن ذلك لا يقتضي أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم.
الخامس: أن آدم لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلا بد وأن يعلموا كونه صادقاً وإلا لم يحصل العلم بصدقه، وذلك يقتضي سبق وضع الأسماء على ذلك التعليم.
السادس: أَنا وإن سلمنا أن المراد بالأسماء ما ذكروه فلا نسلم العموم لجواز أن يراد بها الأسماء الموجودة في زمان آدم عليه السلام .
السابع: لو سلم العموم منعنا بقاء تلك اللغات لجواز أن يكون من بعد آدم من نسيها، فاصطلح جماعات على هذه اللغات التي يبعد أن يعلمها الحكيم شخصاً واحداً مع غناء أحدها.
والجواب من وجهين: جملي، وتفصيلي، أما الجملي فهو أن جميع ما ذكروه خلاف الظاهر ولا موجب له، وكل ما كان هذا حاله وجب رده.
وأما التفصيلي فنقول: