وقوله صلى الله عليه وآله لما قيل له رجل حسن اليقين كثير الذنوب، ورجل مجتهد في العبادة قليل اليقين، فقال صلى الله عليه وآله: ((ما من آدمي إلا وله ذنوب ولكن من كان غريزته العقل، وسجيته اليقين لم تضره الذنوب؛ لأنه كلما أذنب تاب واستغفر وندم فتكفر ذنوبه، ويبقى له فضل يدخل به الجنة)) هكذا في الإحياء، قال العراقي: أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر بإسناد مظلم.
وقوله صلى الله عليه وآله: ((إن من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أعطي حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار)) قال في (التخريج): لم أقف له على أصل.
قال: وروى ابن عبد البر من حديث معاذ: ((ما أنزل الله شيئاً أقل من اليقين، ولا قسم بين الناس شيئاً أقل من الحلم)).
قال الغزالي: وقد أشار الله في القرآن إلى ذكر الموقنين في مواضع دل بها على أن اليقين هو الرابطة للخيرات والسعادات.
إذا عرفت هذا فلنأت في هذا الموضع بحاصل ما في الإحياء من التحقيق والتقسيم فنقول:
اعلم أن اليقين لفظ مشترك يطلقه فريقان لمعنيين مختلفين، وأما النظار والمتكلمون فيعبرون به عن عدم الشك، وذلك أن لميل النفس إلى التصديق بالشيء أربع مقامات:
أحدها: أن يعتدل التصديق والتكذيب، وهذا يعبر عنه بالشك.
ثانيها: أن يكون أحد الأمرين راجحاً، لكنه رجحان لا يمنع إمكان نقيضه، وهذا هو الظن ولا يخلو من شك الاستواء التجويزين في ميل النفس إليهما، لكن ذلك الميل لا يمنع رجحان أحدهما.
ثالثها: أن تميل النفس إلى التصديق بحيث يغلب عليها ولا يخطر بالبال غيره، ولو خطر لم تقبله النفس لكن ليس مع ذلك معرفة محققة؛ إذ لو وقع التأمل والإصغاء إلى التشكيك أو التجويز لم تنفر عنه النفس، وهذا يسمى اعتقاداً مقارباً لليقين وهو اعتقاد العوام في الشرعيات؛ إذ رسوخها في نفوسهم ليس إلا لمجرد السماع حتى أن كل فرقة تثق بصحة مذهبها وإصابة إمامها حتى لو ذكر لأحدهم إمكان خطأ إمامه نفر عنه.
رابعها: المعرفة الحقيقية الحاصلة بطريق البرهان الذي لا يشك فيه ولا يتصور الشك فيه، فإذا امتنع الشك وإمكانه سمي يقيناً عند هؤلاء، وكل علم حصل على هذا الوجه يسمى يقيناً عندهم، سواء حصل بنظر كإثبات القديم تعالى، أو بحس كعلمنا بالشمس والقمر، أو بغريزة العقل كالعلم باستحالة حادث بلا سبب، أو بتواتر كعلمنا بمكة، أو بالتجربة كالعلم بأن بعض الأدوية مسهلة، فشرط إطلاق هذه الاسم عندهم عدم الشك، وعلى هذا لا يوصف اليقين بالضعف؛ إذ لا تفاوت في نفي الشك.
المعنى الثاني: وهو اصطلاح الفقهاء، والمتصوفة، وأكثر العلماء أنه عبارة عن ميل النفس إلى التصديق، وغلبة ذلك الميل على القلب، واستيلائه عليه حتى صار هو المتحكم والمتصرف في النفس بالتجويز والمنع، فإذا كان كذلك سمي يقيناً عندهم، ولم يلتفتوا إلى اعتبار التجويز والشك، بل إلى الغلبة والاستيلاء، ويوصف عندهم بالقوة والضعف، ولهذا يقال: فلان قوي اليقين في الرزق مع أنه يجوز أن لا يأتيه لما كان قد غلب عليه ميل النفس إلى الوثوق بإتيانه، ويقال: فلان ضعيف اليقين بالموت، أو غير موقن به لما كان غير ملتفت إليه ولا إلى الاستعداد له.
نعم أما الوصف بالجلاء والخفاء فالمعنيان مشتركان في الوصف بهما، ألا ترى أنك تجد تفرقة بين تصديقك بوجود مكة ووجود فدك مثلاً مع أنك لا تشك في الأمرين، وطريقهما معاً التواتر، ولكنك تجد أحدهما أوضح في قلبك من الثاني لقوة سببه وهو كثرة المخبرين، وكذلك ليس ما علمته بدليل واحد في الوضوح كالذي علمته بالأدلة الكثيرة مع تساويهما في نفي الشك.
قال الغزالي: وهذا ينكره المتكلم الذي يأخذ العلم من الكتب والسماع ولا يراجع نفسه فيما يدركه من تفاوت الأحوال، قال: وأما القلة والكثرة فذلك بكثرة متعلقات اليقين كما يقال: فلان أكثر علماً من فلان أي معلوماته أكثر.
فإن قيل: فما معنى متعلقات اليقين ومجاريه وفيماذا يطلب؟ فإني عالم أعرف ما يطلب فيه اليقين لم أقدر على طلبه.
قيل: جميع ما ورد به الأنبياء -صلوات الله عليهم- هو من مجاري اليقين، فإن اليقين عبارة عن معرفة مخصوصة، ومتعلقه المعلومات التي وردت بها الشرائع، ولا مطمع في إحصائها، ولكنا نشير إلى أمهاتها فمنها: التوحيد.
قلت: وأدلته معلومة وهو مما وردت به الشريعة من حيث أنها جاءت بتقرير الأدلة العقلية ومنبهة عليها، وقد اشتمل كتابنا هذا من أدلة التوحيد على ما يغني عن غيره.
ومنها: الثقة بضمان الله تعالى بالرزق في قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}[هود:6] واليقين أن ذلك يأتيه، فعند ذلك يجمل في الطلب ولم يشتد حرصه وشرهه وتأسفه على الفائت، ويثمر هذا اليقين كثيراً من الطاعات والأخلاق الحميدة.
ومنها: أن يغلب على قلبه أن من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره وهو اليقين بالثواب والعقاب، وثمرته صدق المراقبة في الحركات والسكنات والخطرات، والمبالغة في التقوى، والتحرز عن كل السيئات، اليقين اليقين بأن الله تعالى مطلع عليك في كل حال، وهذا متيقن عند كل مؤمن بالمعنى الأول.
وأما بالثاني فهو مختص بالصديقين، وثمرته أن يكون الإنسان في خلوته متأدباً في جميع أحواله، كالجالس بمشهد ملك عظيم ينظر إليه، ويكون تأدبه في الأعمال الباطنة كتأدبه في الأعمال الظاهرة لتحققه أن الله تعالى مطلع على باطنه كاطلاع الخلق على ظاهره، وهذا المقام من اليقين يورث الحياء والخوف، والذل والخضوع، وجملة من الأخلاق المحمودة، وهذه الأخلاق تورث أنواعاً من الطاعات رفيعة.
قال (الغزالي): فاليقين في كل باب من هذه الأبواب مثل الشجرة، وهذه الأخلاق في القلب مثل الأغصان المتفرعة منها، وهذه الأعمال والطاعات الصادرة عنها كالثمار والأنوار المتفرعة من الأغصان، فاليقين هو الأصل والأساس، وله مجارٍ وأبواب أكثر مما عددناه، فهذا حاصل ما ذكره الغزالي، وهو كلام نفيس تقتضيه الأدلة وأقوال الأئمة"، ومنه يتبين صحة ما قاله الناصر عليه السلام من أن العاصي من هذه الأمة إنما يختار المعصية لعدم يقينه؛ لأنه إما أن يكون من العوام فاليقين غير حاصل له بالمعنى الأول لعدم انتفاء الشك عنه، وإما أن لا يكون من العوام لكن قد غلب على قلبه حب الدنيا واستولى عليه حب الشهوات، فاليقين منتفٍ عنه بالمعنى الثاني. والله أعلم.
وقد علم مما ذكرناه هنا وفيما مر أن اليقين علم مخصوص.
الرابع عشر: الذهن. وهو لغة الفطنة والحفظ، ذكره في (المختار) قال: والذهن بفتحتين مثله، وفي (القاموس): الذهن -بالكسر-: الفهم والعقل، وحفظ القلب، والفطنة، ويحرك والقوة والشحم، وجمعه أذهان.
وأما في الاصطلاح فقال الرازي: هو قوة النفس على اكتساب العلوم التي هي غير حاصلة، قال: وتحقيق القول فيه أن الله تعالى خلق الروح خالياً عن العلم بالأشياء ولم يخلقها إلا للطاعة كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56] والطاعة مشروطة بالعلم، ولا بد منه على كل حال، فلا بد وأن تكون النفس متمكنة من تحصيله، فأعطانا الله سبحانه من الحواس ما أعان على تحصيل الغرض فقال في السمع: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[البلد:10] وفي البصر: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ}[فصلت:53] وقال في الفكر: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}[الذاريات:21]، فإذا تطابقت هذه القوى صار الروح الجاهل عالماً، فالحاصل أن استعداد النفس لتحصيل هذه المعارف هو الذهن.
قلت: وما ذكره في حده فهو موافق لقول أهل اللغة، إن أراد بالقوة الفطنة، أو العقل أو الفهم؛ لأن كل واحد من هذه تصدق عليه أنه قوة للنفس على اكتساب العلوم، ولكن كلامه في تحقيق ذلك يفيد أن تلك القوة هي الحواس المستعان بها على تحصيل العلوم، وهذه القوة لا أعلم أحداً من الحكماء يسميها ذهناً، بل كلامهم كلهم يقتضي أن الذهن أمر قلبي.
وأما أهل اللغة فقد عرفت معناه عندهم، ويمكن تخريجه على ما في القاموس من أنه قد يطلق على القوة، ثم تخصيصه الروح بالخلو من العلم، وأنه هو المخلوق للطاعة إنما يستقيم على القول بأن الإنسان المكلف هو الروح وهو قول باطل، وقد مر إبطاله في الثانية من مسائل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ}الآية[البقرة:8].
الخامس عشر: الفكر. وسيأتي الكلام عليه.
السادس عشر: الحدس. وهو لغة الظن والتخمين، ذكره في القاموس و(المختار)، قال في القاموس: والتوهم في معاني الكلام، وقال في (المختار) يقال: هو يحدس أي يقول شيئاً برأيه.
واصطلاحاً قيل: هو سنوح المبادئ المترتبة من غير طلب، وقيل: هو انتقال من المطالب إلى المبادئ دفعة واحدة، ومن المبادئ إلى المطالب كذلك فهو مجموع الانتقالين، وقال الرازي: لا شك أن الفكر لا يتم عمله إلا بوجدان شيء يتوسط بين طرفي المجهول لتصير النسبة المجهولة معلومة، فإن النفس حال جهلها كأنها في ظلمة فلا بد لها من قائد وسائق وذلك هو المتوسط بين الطرفين، وله إلى كل واحد منهما نسبة خاصة فيتولد من نسبته إليهما مقدمتان، فكل مجهول لا يحصل العلم به إلا بواسطة مقدمتين معلومتين، والمقدمتان هما اللتان ينتجان المطلوب، فاستعداد النفس لوجدان ذلك المتوسط هو الحدس.
قلت: وذلك المتوسط هو التصور للمطلوب بوجه ما؛ إذ لا يتصور غيره. والله أعلم.
السابع عشر: الذكاء. وهو لغة سرعة الفطنة، وفي (النهاية): الذكاء شدة وهج النار ونحوه في مفردات الراغب قال: وعبر عن سرعة الإدراك وحدة الفهم بالذكاء كقولهم: هو شعلة نار، وقال الرازي: الذكاء هو شدة الحدس وكماله، وبلوغه الغاية القصوى.
الثامن عشر: الفطنة. قال في (المختار): الفطنة كالفهم، وفي القاموس: الفطنة بالكسر الحذق، وفطن به وإليه وله كفرح ونصر وكرم، وقال الرازي: هي عبارة عن التنبيه لشيء قصد تعريضه، ولذلك فإنه يستعمل في الأكثر في استنباط الأحاجي والرموز.
التاسع عشر: الخاطر. وقد بسطنا القول فيه في المسائل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ}[النساء:1] ولنذكر هنا ما قاله أهل اللغة والرازي، قال في القاموس: الخاطر: الهاجس، وجمعه الخواطر، وقال الرازي: هو حركة النفس نحو تحصيل الدليل، قال: وفي الحقيقة ذلك المعلوم هو الخاطر بالبال والحاضر والنفس، وكذلك يقال: هذا خطر ببالي، إلا أن النفس لما كانت محلاً لذلك المعنى الخاطر جعلته خاطر إطلاقاً لاسم الحال على المحل.
العشرون: الوهم. وقد مر أنه الاعتقاد والتجويز المرجوح، قال الرازي: وقد يقال إنه عبارة عن الحكم بأمور جزئية غير محسوسة لأشخاص حزبية جسمانية كحكم السخلة بصداقة الأم وغداقة المؤذي.
الحادي والعشرون: الظن. وسيأتي الكلام عليه مبسوطاً.
الثاني والعشرون: الخيال. وهو لغة: الشخص، والطيف، وفي القاموس: الخيال والخيلة ما تشبه لك في اليقظة والحلم من صورة، وجمعه: أخيلة، وفي مفردات الراغب: الخيال أصله الصورة المجردة، كالصورة المتصورة في المنام، وفي القلب بعيد غيبوبة الشخص، ثم يستعمل في صورة كلام متصور، وفي كل شخص دقيق يجري مجرى الخيال، والتخييل تصوير خيال الشيء في النفس، والتخيل تصور ذلك.
واصطلاحاً قال المحلى: حركة النفس في المحسوسات يسمى تخييلاً ويقابله الفكر، والمراد بحركة النفس في الشيء مطالعتها إياه ومشاهدتها له في قواها، وقال بعض المحققين: المحسوس ما حصل صورته في إحدى الحواس الظاهرة، والمخيل ما حصل صورته في الخيال التي هي خزانة الحس المشترك، والموهوم الذي أدركته القوة الواهمة وألقته في خزانتها التي هي الحافظة وتوجه النفس إلى المحسوس، والمخيل إحضار صورة إلى الحس المشترك، وتوجهها إلى الموهوم إحضار صورته من الحافظة إلى الواهمة، فصور المحسوسات إن حضرت إلى الحس المشترك من قبل الحواس كان ذلك الإحضار توجهاً إلى المحسوس، أو من قبل الخيال كان ذلك الإحضار يوجهها إلى المخيل، وكلا الإحضارين يسمى تخييلاً، وهو المراد من قول الشريف الجرجاني: إن حركة النفس في صور المحسوسات تسمى تخييلاً، ومن هنا تعلم الفرق بين الخيال والتخيل بياء واحدة، والتخييل باثنتين.
وفي الاصطلاح فالأول هو خزانة الحس المشترك، والثاني حصول صورة في الخيال، والثالث إحضار الصورة إلى الحس المشترك من قبل الحواس أو من قبل الخيال، وهذا كله مبني على إثبات الحواس الباطنة وعلماء الإسلام ينفونها، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله، وكلام الرازي في معنى الخيال قريب من كلام أهل اللغة.
الثالث والعشرون: البديهة. وهي المعرفة الحاصلة في النفس ابتداء في النفس لا بسبب الفكر، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، والبديهيات هي التي يسمونها الأوليات سميت بذلك لأن الذهن يلحق محمول القضية بموضوعها أولاً من غير توسط شيء آخر.
الرابع والعشرون: الرويَّة. هي النظر والفكر كما في القاموس.
وقال الرازي: هي ما كان من المعرفة بعد فكر كثير.
الخامس والعشرون: الكياسة. قال في القاموس: الكيس خلاف الحمق، وفي النهاية: والكيس العاقل، وقال الرازي: هي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع.
السادس والعشرون: الخبرة. قال في القاموس: الخبر والخبرة بكسرهما ويضمان والمخبرة والمخبرة: العلم بالشيء، كالاختيار، وفي المختار: وخبر الأمر علمه، وبابه نصر، والاسم الخبر بالضم وهو العلم بالشيء، ثم قال: وخبره إذا بلاه واختبره، وبابه نصر وخبرة أيضاً بالكسر.
وقال الراغب: الخبر العلم بالأشياء المعلومة من جهة الخبر، وخبرته خبراً وخبره وأخبرت: علمت بما حصل لي من الخبر، وقيل: الخبرة المعرفة ببواطن الأمور.
وقال الرازي: الخبرة هي معرفة يتوصل إليها بطريق التجربة.
قلت: وهذا هو معناها في الاصطلاح.
السابع والعشرون: الرأي. وهو في أصل اللغة مصدر رأى الشيء يراه رأياً، ثم غلب على المرئي نفسه من باب استعمال المصدر في المفعول، وهو اسم لما يعلم بالقلب، ولكنهم خصوه بما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تعارض فيه الأمارات، فلا يقال لمن رأى بقلبه أمراً غائباً عنه مما يحس به أنه رأيه، ولا للأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول ولا تتعارض فيه الأمارات أنه رأي وإن احتاج إلى فكر وتأمل، كدقائق الحساب ونحوها.
وقال الرازي: الرأي إحاطة الخاطر في المقدمات التي يرجى منها إنتاج المطلوب وهو للفكر كالآلة للصانع، ولهذا قيل: إياك والرأي الفطير.
الثامن والعشرون: الفراسة. هي لغة التثبت والنظر، واصطلاحاً قال الرازي: هي الاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن، وقد نبه الله على صدقها بقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}[الحجر:75] ونحوها، وفي الحديث: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عزَّ وجل)). أخرجه البخاري.
وفي التاريخ عن أبي سعيد، والحكيم الترمذي، وسمويه في فوائده، والطبراني في الكبير، وابن عدي في الكامل كلهم عن أبي أمامة، وابن جرير عن ابن عمر، قيل: وهو حديث حسن، وهي ضربان: ضرب يحصل في الخاطر بلا سبب وهذا ضرب من الإلهام، وضرب يكون بصناعة متعلمة وهي الاستدلال بالأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة.
فهذه ثماني وعشرون كلمة تكلمنا عليها في هذا الموضع، وقد نبهنا على بعض ما هو نوع مخصوص من العلم وما ليس كذلك، وسكتنا عن بعضها لوضوحه. والله الموفق.
المسألة الثالثة [فضل العلم]
هذه الآية دالة على فضل العلم، والأدلة على فضيلته كثيرة عقلاً ونقلاً، أما العقل فمن وجوه:
أحدها: أن العلم صفة كمال وشرف، والجهل صفة نقص، وهذا معلوم ضرورة، ولذلك لو قيل للعالم: يا جاهل، فإنه يأنف ويتأذى مع علمه بكذب القائل، ولو قيل للجاهل إنه عالم لفرح بذلك، وهذا يدل على أن العلم شريف وممدوح، وأن الجهل نقصان لذاته.
الثاني: أن صاحب العلم محترم معظم حتى أن الرعاة إذا رأوا من جنسهم من هو أوفر منهم عقلاً وأوفر فضلاً فيما بصدده انقادوا له وأطاعوه، ولذلك قيل: العلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من دونهم.
الثالث: لا شك أن كل نفيس مرغوب فيه ينقسم إلى ما يطلب لغيره، وإلى ما يطلب لذاته، وإلى ما يطلب لغيره ولذاته جميعاً، والمعلوم أن المطلوب لذاته أفضل من المطلوب لغيره، والذي يطلب هو نحو الدراهم والدنانير فإنهما حجران لا نفع فيهما إلا أن الله تعالى يسر قضاء الحاجات بهما، والذي يطلب لذاته هو السعادة في الآخرة، والذي يطلب لهما فكسلامة البدن، فإنها مطلوبة لكونها سلامة للبدن من الألم وللمشي بها ولتوصل إلى المآرب، وبهذا الاعتبار إذا نظرت إلى العلم وجدته لذيذاً في نفسه مطلوباً لذاته، ووجدته مع ذلك وسيلة إلى السعادة الأخروية وهي أعظم الأشياء في حق الآدمي، ولن يتوصل إليها إلا بالعلم والعمل؛ إذ لا يتوصل إلى العمل إلا بالعلم، فأصل السعادة هو العلم، فهو إذن أفضل الأشياء وأعظمها؛ إذ فضل الشيء قد يعرف بفضل ثمرته، وهذا الوجه هو لبيان فضل علوم الإسلام.
الوجه الرابع: أنا نعلم أن الإنسان أفضل من سائر الحيوانات، وليس ذلك لقوته وصولته؛ إذ فيها ما هو مثله أو أعظم، ولم يبق إلا أن تلك الفضيلة ليس إلا لاختصاصه بمزية العقل التي لأجلها صار مستعداً لإدراك حقائق الأشياء والإطلاع عليها.