ثانيها:أنه العلم بأحكام الشرع وما يتصل بها من أسبابها، وشروطها، وعللها، وطرقها، والأسباب، كالنصاب في الزكاة، والشروط على ضربين: شرط في الحكم نفسه كشروط الصلاة من الطهارة وغيرها، وشرط في علته كالزنا علة في الرجم بشرط الإحصان، والعلل كالكيل والوزن مع اتفاق الجنس فإنهما علة لثبوت الحكم الشرعي وهو التحريم، والطرق هي الأدلة وسائر مسائل أصول الفقه، وذكر الأسباب وما بعدها للاحتراز عن العامة إذا اعتقدوا هذه الأحكام تقليداً، فإن اعتقادهم لا يسمى فقهاً لما لم يكن تحصيل ذلك منهم عن معرفة هذه الأمور.
واعترض هذان الحدان بأمور: منها أن أكثر الفقه خارج عنهما وهو ما كان مظنوناً، ويجاب بأن المراد بالعلم هنا الاعتقاد الراجح وهو شامل للعلم والظن.
قلت: وفيه نظر؛ إذ للخصم أن يقول: لا نسلم أن الظن من جنس الاعتقاد، والأولى أن يقال: إنما عبر بالعلم؛ لأن الظن يفضي إلى اليقين، وذلك لأن الشارع جعل مناط الأحكام ظن المجتهد كما جعل ألفاظ العقود علامة عليها وأسباباً لثبوتها، فمتى تحقق ظنه بالوجدان علم قطعاً ثبوت ما نيط به إجماعاً، بل ضرورة من الدين فقد أفضى به ظنه إلى العلم بالأحكام نفسها، ذكر هذا الوجه الإمام الحسن بن عز الدين قال: وعلى هذا لا يدخل اعتقاد العامي المقلد؛ لأن ظنه لا يفضيه إلى علم؛ إذ لم ينعقد إجماع على وجوب اتباعه لظنه، بل انعقد على خلافه، وإنما يتأتى دخوله حيث حملنا العلم على الاعتقاد الراجح وهو جواب حسن لكنه لا يتأتى إلا على القول بأن كل مجتهد مصيب، وأما على الأول بأن المصيب واحد فلا، لكن قد أجاب بعضهم على هذا التقدير بما معناه: أن المجتهد إذا نظر في الدليل الظني فحصل له ظن الحكم فإنه يجب عليه العمل بذلك الحكم قطعاً، وكلما وجب عليه العمل به قطعاً فهو معلوم عنده قطعاً، أما الأولى فللإجماع على أن المجتهد يجب عليه العمل بما أداه إليه اجتهاده من الأحكام المظنونة قطعاً.
قيل: والأخبار في ذلك متواترة معنى.
وأما الثانية فلأن وجوب العمل لا يكون مقطوعاً به إلا بعد العلم المقطوع به؛ لأنه فرع عليه حتى لو لم يكن معلوماً لم يجب العمل به.
وأجيب بأن القطعية لم تحصل من الدليل التفصيلي، وإنما الحاصل عنه ظن فقط، ووجوب العمل به قطعاً أمر خارج عن مفاد الدليل فلا ينافي كون المدلول ظنياً، ومن الأمور المعترض بها على هذين الحدين أن الأحكام الشرعية ومسائل الحلال والحرام متعذر إحصاؤها، والتعريف بأل إن أريد الاستغراق لزم أن لا يوجد فقيه في الدنيا؛ لأنه لا يكون فقيهاً حتى يأتي على كل الفقه، والفرض أنه متعذر، وهذا خلاف ما هو معلوم من إطلاق اسم الفقيه على من عرف جملاً منه، وقد ثبت عن مالك أنه قال في ست وثلاثين مسألة أو أكثر: لا أدري، وتسميته فقيهاً مجمع عليه، وإن لم يرد به الاستغراق فإما أن يراد به بعض معنى فلا دليل عليه، أو بعض له نسبة معينة إلى الكل كالنصف فصاعداً فهو رد إلى جهالة؛ لأن الكل مجهول الكمية، والجهل بها يستلزم الجهل بالأجزاء المنسوبة إليها، أو بعض مطلق وإن قل، وهو باطل وإلا لزم تسمية من علم مسألة أو مسألتين فقيهاً، وليس كذلك اصطلاحاً.
وأجيب باختيار الأول، ولنا في تقريره طريقان:
الأولى: أن العلم هنا بمعنى التهيؤ وهو أن يكون عند المجتهد ما يكفيه في العلم بالأحكام بأن يرجع إليه عند النظر فيحكم، وعدم العلم في الحالة الحاضرة لا ينافيه؛ لجواز أن يكون ذلك لتعارض الأدلة، أو لعدم التمكن من الاجتهاد في الحال لاستدعائه زمناً طويلاً.
فإن قيل: إن أريد بالتهيؤ البعيد فهو حاصل لكل عاقل فيلزم أن يكون كل عاقل فقيهاً، والمعلوم خلافه، وإن أريد القريب فلا ضابط له؛ إذ لا يعرف أن أي قدر من الاستعداد يقال له التهيؤ القريب.
قيل: نختار الثاني، وقوله: لا ضابط له ممنوع، فإن معناه ملكة يقتدر بها على إدراك جزئيات الأحكام، وإطلاق العلم على هذا التهيؤ شائع عرفاً، يقال: فلان يعلم النحو، ولا يراد أن جميع مسائله حاضرة عنده على التفصيل، بل إنه متهيئٌ لذلك.
الطريقة الثانية: أن العموم معتبر بالنظر إلى المجتهد وهو أن تكون جميع الأحكام الحاصلة له بالفعل ثابتة بطريق علمية وهي طريقة الاستدلال، ومما يعترض به عليهما أنهما غير مانعين لدخول غير المحدود فيه، وذلك أن العلم بوجوب الأمر الشرعي على سبيل الجملة حكم شرعي، وكذلك بعض ما يذكر في أصول الفقه وغيره مع أنها لا تعد فقهاً بالإجماع.
قلنا: أما الأول فلا يرد عليه هذا، لأن ما ذكره المعترض ليس من مسائل الحلال والحرام.
وأما الثاني فإنما لزمه بما يلتزمه فإنه قد جعل مسائل أصول الفقه من الفقه كما يفيده قوله: وما يتصل بها...إلخ، وله أن يقول الإجماع على أنها لا تعد فقهاً غير مسلم، فإن السبكي اختار في (منع الموانع) أن المسائل الاعتقادية التي طريقها السمع فقه، وسيأتي لهذا مزيد تحقيق.
ومنها أنه يلزم أن يكون علم الله تعالى بذلك فقهاً وليس كذلك، ولهذا لا يوصف بأنه فقيه كما مر.
ويجاب بأن كون الكلام في بيان ماهية الفقه قرينة واضحة كافية في إخراج علم الله تعالى وتخصيصه بعلم الإنسان الذي يكون به فقيهاً، ومنها أنه يلزم دخول ما علم ضرورة أنه من الدين، ويجاب بالتزام دخوله كما مر.
الثالث من الأقوال في حد الفقه: العلم أو الظن لجمل من الأحكام الشرعية لا يعلم باضطرار أنها من الدين وشروطها، وأسبابها، وعللها، واعترض عليه بوجوه: منها ما قد ذكر في الاعتراض على ما قبله، ومنها: أنها أتى (بأو) فى الحد، والإتيان بها معيب في الحدود.
ويجاب بأن المعيب إنما هو إذا كانت للتشكيك، وليست هنا كذلك وإنما هي للتنويع.
ومنها أن ذكر الظن حشو لا حاجة إليه؛ لأن العلم يشمله على ما ذكره صاحب (التنقيح) من أن العلم يطلق على الظنيات كما يطلق على القطعيات، وبه يشعر كلام صاحب (الكشاف) وقد مر عن بعضهم أنه يطلق بالاشتراك على ثلاثة معان، وعد منها ما يجب العمل به من الأحكام.
وأجيب بأن ذلك الإطلاق مجاز، سلمنا فاستعمال العلم بالظن غريب لا يعرفه إلا الخواص، والمقصود بالحدود التوضيح والتفصيل الذي يعرفه كل أحد.
ومنها: أن الحكم المظنون يصير معلوماً على ما مر تقريره فلا حاجة لذكر الظن.
وأجيب بأن المعلوم انقسام الأحكام إلى معلوم ومظنون، ولا نزاع في أن الحكم المظنون يجب العمل به قطعاً، لكن الفقه هو العلم بنفس الحكم أو ظنه لا بوجوب العمل به فإنه أمر آخر، والحكم المظنون إنما يصير معلوماً بالنظر إلى وجوب العمل به لا بالنظر إلى ثبوته في نفسه، ويؤيد ذلك أن الحكم المظنون محتمل لعدم الثبوت في الواقع، ولو كان قطعياً لم يحتمل ذلك، فثبت أن ذكر العلم لا يغني عن ذكر الظن.
ومنها: أن الفقه هو المعلوم والمظنون لا العلم والظن بدليل أنه يقال: هل علمت الفقه أو ظننته، والفقيه لا يكون فقيهاً حتى يعلم جملاً من الفقه أو يظنها.
ويجاب بأن هذا مخالف لما عليه محققو الأصوليين فإنهم لم يفسروا الفقه إلا بالعلم أو بالعلم والظن، وفي (شرح الجمع) ما معناه: إن جميعهم عرفوا الفقه بالعلم بالأحكام لأنفسها مع أنه أقرب إلى المعنى اللغوي، سلمنا فهو من إطلاق المصدر مراداً به اسم المفعول وهو شائع.
ومنها: أنه يخرج منه علم الصحابة فلا يسمى فقهاً؛ لأنه حاصل عن اضطرار لتلقيهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وأجيب بأن المراد بالعلم التهيؤ كما مر، وإمكان الاستنباط من الأدلة والصحابة كانوا كذلك.
الرابع من حدود الفقه: قول الإمام يحيى بن المحسن وهو أنه جملة من الأحكام الشرعية، أو جمل معلومة، أو مظنونة على سبيل التفصيل لا يعلم اضطراراً أنها من الدين وشروطها، وأسبابها، وعللها، وطرقها، والاعتراض عليه يعلم مما مر، ومما يختص به أن جعل الفقه هو نفس الأحكام، وقد مر أنه خلاف قول المحققين، وأنهم يجعلونه اسماً لما تعلق بالأحكام من علم فقط، أو من علم وظن على الخلاف.
وقال صاحب (الجوهرة): هو العلم أو الظن بجمل من الأحكام...إلخ، ثم قال: ولك أن تقول: هو العلم الذي يتبعه، ويصح معه إمكان استنباط أحكام الشرع عن طرقها بشروطها وأسبابها وعللها، ولعله إنما اقتصر على العلم لنحو ما مر من أن الأحكام المظنونة تفضي إلى اليقين، أو لما ذكره إمام الحرمين في (البرهان) وهو أن الظنون ليست فقهاً،وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون، قال: ولذلك قال المحققون: أخبار الآحاد وأقيسة الفقه لا توجب عملاً لذواتها، وإنما يجب العمل بما يجب به العلم بالعمل وهو الأدلة القاطعة على وجوب العمل عند رواية أخبار الآحاد، وإجراء الأقيسة، ونحوه محكي عن القاضي، وأبي الحسين، والرازي، وابن الحاجب، والسبكي، وأكثر الأصوليين، فهؤلاء يقولون: إن الأحكام كلها معلومة، وقالوا: الظن إنما يدخل في طرف الأحكام لا في الأحكام أنفسها فإنها معلومة عند حصول غالب الظن بطريقها والفقه هو العلم بها.
قال في (الجوهرة): وقلنا بشروطها...إلخ؛ لأن العامة يظنون كثيراً من أحكام الشرع ثقة بمن يقلدونه من أهل الاجتهاد، وليسوا فقهاء لما لم يظنوها بشروطها وأسبابها وعللها.
الخامس من الحدود: ذكره صاحب (الفصول) وهو أنه العلم، أو الظن للأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية ونحوه في (جمع الجوامع) إلا أنه حذف الظن وعبر عن الفرعية بالعملية، وزاد بعدها المكتسب ونحوهما في (الغاية) إلا أنه عدل عن العلم والظن إلى الاعتقاد لشموله الظن، ولأنه إن أريد بالعلم المعنى الأخص خرج أكثر الأحكام؛ إذ أكثرها ظني، أو الأعم دخل الشك والوهم.
قلت: وإن صرح بذكر الظن كان تطويلاً، والحدود مبنية على الاختصار.
إذا عرفت هذا فاعلم أنه خرج بقيد الأحكام العلم بالذوات والصفات كتصور الإنسان والبياض، وبقيد الشرعية العلم بالأحكام العقلية والحسية، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين وأن النار محرقة، وأن هذا مماثل لهذا أو مخالف له؛ إذ لا مدخل لهما في باب الفقه ومعنى انتسابها إلى الشرع ثبوتها به، وبقيد الفرعية العلم بالأحكام الشرعية أي الاعتقادية، كالعلم بأن الله تعالى لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وكمسألة الشفاعة، وبقيد المكتسبة علم الله تعالى وجبريل والنبي -صلى الله عليه وآله- بما ذكر، فإنها لا تسمى فقهاً؛ لأن المنقسم إلى الضروري والكسبي هو العلم الحصولي، وأما علم الله فهو حضوري، وأما علم جبريل فمستند إلى الوحي فهو ضروري، وعلم النبي -صلى الله عليه وآله- كذلك إلا ما كان طريقه الاجتهاد فقيل: إنما لم يسم فقهاً لأن اجتهاده دليل وفي عدم تسمية علمه صلى الله عليه وآله وعلم جبريل فقهاً خلاف ليس هذا موضعه، وبقيد التفصيلية اعتقاد المقلد العامي؛ إذ ليس عن دليل، ويخرج أيضاً الأدلة الإجمالية كمطلق الكتاب والسنة فلا يستند في حل البيع إلى كون الكتاب حجة، بل إلى الدليل التفصيلي وهو قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}[البقرة:275]، والمراد بالأحكام النسب التامة نحو: الحج واجب، والوتر مندوب، هذا ويؤخذ ما ورد على هذا الحد مما سبق.
واعلم أن العلوم وإن كانت كلها فقهاً إلا أنه قد غلب هذا الاسم على هذا العلم، كما غلب اسم النحو على علم العربية وإن كانت العلوم كلها منحوة أي مقصودة، والأمور الاصطلاحية لا مشاححة فيها، ولا حجة منها.
وأما الغزالي فقد صاح وناح وقال: إن الناس تصرفوا في لفظ الفقه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل؛ إذ خصصوه لمعرفة فروع الفقه من الطلاق والعتاق ونحوهما والوقوف على دقائقها، ولم يكن إطلاقه في العصر الأول إلا على علم طريق الآخرة ومعرفة آفات النفوس، واحتج بقوله تعالى: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ}الآية[التوبة:122]، والإنذار لا يكون إلا بتعريف علوم الآخرة لا بمسائل الطلاق ونحوه، بل ربما أن الانكباب عليها يقسي القلب، واحتج أيضاً بقوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا}[الأعراف:179] أي لا يعقلون معاني الإيمان، وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((علماء حكماء فقهاء)) للذين وفدوا عليه، قال في (التخريج): أخرجه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الزهد، والخطيب في التاريخ من حديث سويد بن الحارث بإسناد ضعيف، وروى أبو طالب نحوه من حديث [.......].
وقوله صلى الله عليه وآله: ((ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟ قالوا: بلى، قال: من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يدع القرآن رغبةً عنه إلى ما سواه)) أخرجه أبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق، وابن السني، وابن عبد البر من حديث علي عليه السلام قال ابن عبد البر: وأكثرهم يوقفونه على علي عليه السلام .
وقال في (الجامع الكافي): وروى محمد بإسناده عن أبي الدرداء، قال: قلت يا رسول الله ما الحد الذي إذا بلغه الرجل كان به فقيهاً؟ فقال صلى الله عليه وآله: ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً يبعثه الله يوم القيامة فقيها عالماً، وكنت له شهيداً شفيعاً)).
ومن كلام السلف قول أنس: إنّا كنا نقعد فنذكر الإيمان، ونتدبر القرآن، ونتفكر في الدين، ونعد نعم الله علينا تفقهاً. رواه أبو داود بإسناد حسن.
وعن الحسن: الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بهذا الدين، المتمسك بالإسلام. رواه الموفق بالله.
فهذه وما في معناها لم يقل في شيء منها العالم بالفروع والفتاوي الفقهية.
قال الغزالي: ولست أقول إن اسم الفقه لم يكن متناولاً للفتاوي في الأحكام الظاهرة، ولكن كان بطريق العموم، أو بطريق الاستتباع، وكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر.
قلت: قد أكثر الغزالي التشنيع على العلماء في هذا الموضع، والحق أنهم لم يخصوا اسم الفقه بالأحكام الظاهرة إلا من حيث الاصطلاح، وذلك لا حجة فيه ولا مشاححة، فلكل أهل حرفة وصناعة اصطلاح خاص فيما بينهم به تعرف مقاصدهم في المخاطبة ونحوها، وكذلك يقال: إن العلماء اصطلحوا على هذا التخصيص فيما بينهم لتمييز العلم بالأحكام عن سائر العلوم إذا وقع في التخاطب نحو أن يقال: الأولى القراءة في علم الفقه، أو ابحث عن مسألة كذا في كتب الفقه، وقد تقدم أن هذا اصطلاح غالب كما اصطلح على تسمية علم العربية نحواً.
وأما بحسب الوضع الشرعي الذي تتعلق به فضائل الفقه ونحوها فجميع مسائل الشرع تسمى فقهاً، ولا نزاع فيه إلا أنه يرد على أهل الاصطلاح إشكال وهو أنهم فسروا الفقه المأخوذ في اسم الفن المعروف بأصول الفقه بالمعنى الاصطلاحي، وهذا يفيد أنه لا يتوقف على معرفة فن أصول الفقه إلا الفقه بالمعنى المصطلح عليه، وليس كذلك، فإن كثيراً من مسائل الاعتقاد التي دليلها السمع متوقفة على أصول الفقه، ويتوصل بقواعده إلى معرفتها، وذلك معلوم في مسألة الوعد والوعيد، والشفاعة وغير ذلك، فإن الاستدلال عليها إنما يكون بإجراء الأدلة على قواعد الأصول من عموم وخصوص، وإجمال وتبيين وغير ذلك، فكان الأولى أن يفسر بما يفيد الشمول نحو أن يقال: الفقه هو العلم بالمسائل.
العاشر من الألفاظ المتكلم عليها: العقل. والكلام في العقل يحتاج إلى تطويل وليس هذا موضعه إلا أنا نقول: تسميته علماً هو قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن العقل هو مجموع علوم عشرة ضرورية فهو نوع خاص من العلم.
وقال الإمام أحمد بن سليمان: العقل العلم، وحكى إجماع الموحد والملحد على أن العقل هو العلم إلا المطرفية فإنهم يقولون: هو القلب.
قلت: وفي دعوى الإجماع نظر كيف وبعض أئمتنا" يقولون: إنه عرض غير العلوم العشرة، والفلاسفة يقولون: إنه جوهر وإن العلم هو الصورة الحاصلة أو عنده، ولغيرهم كلمات تدل على أنه غير العلم.
وقال الرازي: العقل هو العلم بصفات الأشياء من حسن وقبح وما فيها من نفع وضر؛ لأن من علم ذلك أقدم على الفعل والترك فصار العلم هو الداعي إلى الفعل والترك، ويكون تارة مانعاً من الفعل، وتارة مانعاً من الترك، فجرى مجرى عقال الناقة.
والجواب: أن العلم بالحسن ونحوه إنما هو نوع مخصوص مما يدرك بالعقل، ولا يحصل إدراكه بغيره، وليس العلم هو نفس العقل، ونظيره المشاهدة للشيء فإنها لا تحصل إلا بإدراك مخصوص، ولا يحصل إلا بمعنى في العين، وليست المشاهدة هي نفس البصر، فكذلك هنا، وسنقتصي الكلام في مواضعه إن شاء الله تعالى.
الحادي عشر: الدراية. وقد تقدم الكلام عليها في مسألة عالم.
الثاني عشر: الحكمة. وسيأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
الثالث عشر: اليقين. وقد تقدم الكلام عليه في قوله تعالى: {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}[البقرة:4] وفي مسألة عالم.
وقال الرازي: قالوا: اليقين لا يحصل إلا إذا اعتقد أن الشيء كذا، وأنه يمتنع كون الشيء بخلاف معتقده إذا كان لذلك الاعتقاد موجب إما ببديهة الفطرة، وإما بنظر العقل، وأتى الغزالي في تحقيق اليقين وتقسيمه بما لا ينبغي جهله؛ لأن اليقين مقام عظيم، ولهذا وجبت العناية الشديدة بتقويته بالنظر في الأدلة كما يشير إلى ذلك تكرار الأدلة في المعارف الإلهية وغيرها؛ إذ لا فائدة لها إلا رسوخ العلم، وثبوت اليقين، واطمئنان القلب، وقد أشرنا إلى هذا في سياق قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21]، وفي الحديث: ((إن اليقين هو الإيمان كله)) وقد مر.
وحكى الغزالي في فضله أحاديث منها قوله صلى الله عليه وآله: ((تعلموا اليقين)) ونسبه العراقي إلى أبي نعيم في الحلية من رواية ثور بن يزيد مرسلاً وهو معضل، رواه ابن أبي الدنيا من قول خالد بن معدان.