إذا عرفت هذا فالإدراك ليس مرادفاً للعلم، بل هو أعم منه؛ لأنه ينقسم إلى تصور ولا يكون إلا علماً خلافاً للمناطقة كما مر، وتصديق وهو ينقسم إلى جازم وغير جازم، والجازم ينقسم إلى علم واعتقاد، والاعتقاد إلى صحيح وفاسد، وغير الجازم ينقسم إلى ظن ووهم وشك كما ذكره أهل الأصول، فثبت أن الإدراك غير مرادف للعلم، واختلف في الإدراك هل هو معنى أم لا، وقد تقدم الخلاف في ذلك في العاشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ}الآية[البقرة:7] إلا أن القائلين بأنه معنى من أئمة العدل إنما يثبتونه في الشاهد فقط، وأما الأشعرية فيثبتونه معنى شاهداً وغائباً.
الثاني من الألفاظ التي نريد الكلام عليها: الشعور، وهو لغة: إدراك الشيء من وجه يدق، مشتق من الشعر لدقته، هكذا قيل، ويشهد له قول صاحب القاموس: شعر به كنصر وكرم، شعراً وشعوراً علم به وفطن له وعقله، وقال فيه: وأشعره الأمر وبه أعلمه.
وفي (المختار): وشعَر بالشيء بالفتح يشعر شعراً بالكسر فطن له، ومنه قولهم: ليت شعري، أي ليتني علمت.
وقال الزمخشري والراغب ومن وافقهما: هو علم الشيء علم حسي، قال الراغب: والمشاعر الحواس، وقوله: {وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ}[الزمر:55] ونحو ذلك، معناه: لا تدركونه بالحواس، ولو قال في كثير مما جاء فيه لا يشعرون يعقلون لم يكن يجوز؛ إذ كان كثير مما لا يكون محسوساً قد يكون معقولاً، هذا ما قيل في معناه لغة.
وأما في الاصطلاح: فهو وصول النفس إلى المعنى لا بتمامه، هكذا قال المحلى في (شرح الجمع).
وفي (المقاصد) عن الرازي وغيره:أنه أول وصول النفس إلى المعنى، فإذا حصل وقوف النفس على تمام ذلك المعنى فتصور، فإذا بقي بحيث لو أراد استرجاعه بعد ذهابه أمكن يقال له: حفظ، ولذلك الطلب تذكر، ولذلك الوجدان ذكر، قال بعضهم: فيؤخذ منه أن الشعور ليس تصوراً.
وفي تفسير الرازي نحو ما حكي عنه هنا فإنه قال: هو إدراك بغير استثبات، وهو أول مراتب وصول المعلوم إلى القوة العاقلة، وكأنه إدراك متزلزل، ولهذا لا يقال في الله تعالى إنه يشعر بكذا كما يقال يعلم بكذا.
قلت: والحق تفسيره بما ذكره، بل لأن علمه تعالى لا يكون من قبيل الحاسة، أو لأنه يفيد ضرباً من التفطن والتفكر والباري تعالى منزه عن ذلك.
الثالث: التصور. وهو في اللغة التوهم، قال في (المختار): تصورت الشيء توهمت صورته، وفي الاصطلاح ما مر من أنه وقوف النفس على تمام المعنى.
وقال القرشي: هو العلم بصور الأشياء ومفرداتها، ومعنى ذلك أنه يحصل في ذهن الإنسان صورة مطابقة لما في الخارج، قال: ومنه قولهم: تصورت هذا الشيء أي علمت صورته.
وقيل: هو حصول صورة الشيء في العقل، وليس المراد من حصول الصورة معناه الحقيقي لاستحالته وإنما المراد تخيله.
قال الرازي: اعلم أن التصور لفظ مشتق من الصورة، ولفظ الصورة حيث وضع فإنما وضع للهيئة الجسمانية الحاصلة في الجسم المتشكل، إلا أن الناس لما تخيلوا أن حقائق المعلومات تصير حالة في القوة العاقلة كما أن الشكل والهيئة يحلان في المادة الجسمانية أطلقوا لفظ التصور عليه بهذا التأويل.
إذا عرفت هذا فالتصور ليس مرادفاً للعلم، بل هو نقيضه بالنظر إلى المعنى اللغوي، وقسم منه بالنظر إلى الاصطلاحي، وقد قسمه العلماء باعتبار معناه الاصطلاحي إلى ضروري ونظري، فالضروري منه ما لا يحتاج في معرفته إلى حد، كعلمنا بزيد، والحرارة، والبرودة، ونحو ذلك مما نجد من أنفسنا العلم بها بلا واسطة نظر في جنس وفصل، بل يدركها العقل بضرورته، والنظري بخلافه وهو ما لا يدرك إلا بالحد ونحوه، كالعلم بماهية العالم، والمحدث، والملك، والجن، والإنسان، ونحو ذلك مما لا تحصل صورته عند العقل إلا بتفكر في جنسه وفصله، وقد استفيد من هذا أنه لا طريق إلى تحصيل النظري من التصور إلا الحد وما في معناه وهو الرسم والشرح، فالحد إن كان المطلوب العلم بالماهية مفصلاً، والرسم إن كان المطلوب مجرد تمييزها عن غيرها، والشرح هو الحد اللفظي إن كان المطلوب العلم بها مجملاً.
الرابع: الحفظ. وهو لغة: الحراسة والاستظهار، قال في القاموس: حفظه كعلمه حرسه، والقرآن استظهره، والمال رعاه.
وقال الراغب: الحفظ يقال تارة لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه الفهم، وتارة لضبط في النفس ويضاده النسيان، وتارة لاستعمال تلك القوة فيقال: حفظت كذا حفظاً، ثم يستعمل في كل تفقد، وتعهد، ورعاية.
وأما معناه في الاصطلاح فمأخوذ مما مر، وقد حققه الرازي فقال: إذا حصلت الصورة في العقل وتأكدت بحيث لو زالت تمكنت القوة العاقلة من استرجاعها سميت تلك الحالة حفظاً، ولما كان لفظ الحفظ مشعراً بالتأكد بعد الضعف لم يسم علم الله حفظا، ولأنه إنما يحتاج إلى الحفظ ما يجوز زواله.
قلت: وهو قريب من المعنى اللغوي، إلا أن الظاهر أنه بناه على ما ذهب إليه الحكماء من إثبات القوة الباطنة والمتكلمون ينفونها، وقد علمت مما ذكرنا أنه غير مرادف للعلم وإنما هو لفظ يطلق على نوع من العلم خاص، وقول الرازي: إنه لا يجوز إطلاقه على الله غير مسلم؛ إذ المعنى اللغوي لا يثبت في حقه تعالى، ولما مر في قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[البقرة:29].
الخامس: التذكر. هو مأخوذ من الذكر، والذكر في اللغة الحفظ للشيء كالتذكار، ذكره في القاموس.
وقال الراغب: الذكر تارة يراد بها هيئة للنفس بها يمكن الإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة وهو كالحفظ، إلا أن الحفظ يقال اعتباراً بإحرازه، والذكر يقال اعتباراً باستحضاره، وتارة يقال لحضور الشيء بالقلب أو القول، ولذلك قيل: الذكر ذكران ذكر بالقلب وذكر باللسان، وكل منهما ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ، وهذا يفيد أن التذكر يقال على استمرار الدرس ونحوه طلباً لاستدامة الحفظ، وعلى استحضار ما قد ذهب عنه بالنسيان بعد حفظه وطلب استرجاعه، وهذا المعنى هو الذي ذكره في (المقاصد) وقد مر.
وذكره أيضاً الرازي فقال: إن الصورة المحفوظة إذا زالت عن القوة العاقلة فحاول الذهن استرجاعها فتلك المحاولة هي التذكر، ثم ذكر أن في هذا سر وإشكال لا تقف عليهما العقول، ولا يعلمهما إلا الحي القيوم، حاصلهما أن الصورة الزائلة إن كانت مشغولاً بها فهي حاصلة، والحاصل لا يمكن تحصيله وإلا كان الذهن غافلاً عنها، والمغفول عنه يستحيل طلبه واسترجاعه، وعلى كلا التقديرين يكون التذكر بهذا المعنى ممتنعاً مع أنا نجد أنفسنا طالبة لاسترجاعها، ثم قال: وهذه الأسرار إذا توغل العاقل فيها وتأملها عرف أنه لا يعرف كنهها مع أنها من أظهر الأشياء عند الناس، فكيف القول في الأشياء التي هي من أخفى الأمور وأعضلها على العقول والأذهان.
والجواب: أنه لا إشكال في ذلك، وقد تقدم نحو هذا في السابعة من مسائل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ...}الآية[البقرة:21]، واستوفينا الجواب هنالك في المقام الأول منها والثاني، وحاصله أن المطلوب لا بد وأن يكون معلوماً من وجه، مجهولاً من وجه، ولا محذور في طلبه من الوجه المجهول؛ لأنه ليس مجهولاً مطلقاً فيستحيل طلبه، وتوجه النفس إليه، بل هو معلوم ببعض عوارضه الذي هو الوجه المعلوم، وبما تقرر يعلم أن الإشكال الذي أورده االرازي إنما يتأتى لو قيل: إن التذكر معلوم من كل وجه، أو مجهول من كل وجه، ويكفي في الدلالة على أنه معلوم من وجه اعترافه بأنا نجد أنفسنا طالبة له؛ إذ لو لم يكن معلوماً من وجه لم يحصل ذلك الوجدان ضرورة استحالة طلب المجهول المطلق، ونحن نعلم من أنفسنا أنا لا نتوجه إلى تذكر الصورة الزائلة ونطلب استرجاعها إلا إذا علمنا أنها قد كانت محفوظة لنا ثم زالت، ولم نعلم بما كان محفوظاً على الوجه الأكمل، وهذا هو معنى قولنا: إنه معلوم من وجه، مجهول من آخر، ثم إن قوله: إذا كانت مشعوراً بها فهي حاصلة، إن أراد أنها حاصلة على الوجه الأكمل ناقض ما مر له في معنى الشعور، وإن أراد أنها مدركة إدراكاً متزلزلاً بطل قوله بامتناع طلبها إذا لم يكن المعنى حاصلاً بتمامه، والمطلوب هو تمام المعنى.
نعم وقد استفيد مما ذكر أن التذكر ليس علماً، وإنما هو طريق من طرق العلم يطلب به استدامته واسترجاع الزائل منه بعد حصوله.
السادس: الذكر، وقد عرفت معناه لغة، وهو في الاصطلاح الوجدان الحاصل بعد التذكر كما مر، وقال الرازي: الصورة الزائلة إذا عادت بعد الطلب سمي ذلك الوجدان ذكراً، فإن لم يسبق بزوال لم يسم ذكراً، ولهذا قال الشاعر:
الله يعلم أني لست أذكره .... وكيف أذكره إذ لست أنساه
فجعل النسيان شرطاً لحصول الذكر ويوصف به القول؛ لأنه سبب حصول المعنى في النفس ثم قال: إن الله تعالى قال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}[البقرة:152] وهذا الأمر إن توجه على العبد حال نسيانه فهو غافل فكيف يكلف مع النسيان، وإن كان حال ذكره فالذكر حاصل، وتحصيل الحاصل محال فكيف يكلف به، قال: وهذا الإشكال وارد على قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ}[محمد:19] إلا أن هذا في التصديقات فلا يقوى فيه الإشكال وذلك في التصورات فيقوى فيه.
قلت:وهذا الإشكال يعرف جوابه مما مر، وقد أجاب عنه الرازي وقارب الإنصاف لولا دسيسة في آخره، وذلك أنه قال: إنا نجد من أنفسنا أنه يمكننا التذكر فما ذكرته تشكيك في ضروري فلا يستحق جواباً، إلا أنا لا نعرف كيف نتذكر، لكن العلم الجملي بالتمكن منه كاف، وعجزك عن إدراك تلك الكيفية يكفيك في علمك بأن ذاك ليس منك، ثم ذكر أن عجزنا عن إدراك ماهية التذكر مع أنه صفة لنا دليل على عجزنا عن إدراك كنه المذكور وهو الله تعالى، والدسيسة المشار إليها هي قوله: وعجزك عن إدراك تلك الكيفية...إلخ فإنه جعل ذلك العجز دليلاً على الجبر وأن ذلك الطلب ليس منا.
وجوابه:أن هذا يناقض قوله أولاً: إِنه يمكننا التذكر وجعل ذلك ضرورياً؛ لأنه إذا كان كذلك فكل فعل يوصف بالتمكن منه ثم يقع منا على حسب دواعينا وقصودنا ويقف على اختيارنا، فلا يصح وصفنا بالعجز عنه؛ إذ لو كنا عاجزين عنه لم يكن كذلك، والتذكر من هذا القبيل باعترافه.
وأما قوله: إنا لا نعرف كيف نتذكر، فغير مسلم، فإن التذكر هو الطلب كما نص عليه في (المقاصد) وبه قال الرازي؛ لأنه عبر عنه بمجادلة الذهن استرجاع الصورة الزائلة، وهذا هو معنى الطلب، والطلب أمر معلوم عندنا وعند الخصم، فعندنا أنه الإرادة، واختاره القرشي كما مر في السادسة من مسائل المقدمة، وعند الخصم أنه أمر مغاير للإرادة والعلم والفكر كما مر هنالك، فعلى قولنا لا شك أنا نعرف كيف نريد وعند الخصم كذلك؛ لأنه أمر يجده الإنسان من نفسه عند الإرادة، والأمور الضرورية لا تحتاج في معرفتها إلى أمر خارج تعرف به لجلائها، ولهذا قالوا: لا يحد الضروري، هذا وقد علم مما ذكرنا في حقيقة الذكر لغة واصطلاحاً أنه أمر مغاير للعلم، أما لغة فلأنه عبارة عن هيئة للنفس يتمكن بها من حفظ المعلوم، وعن حضور الشيء بالقلب أو القول كما مر، وكل من الهيئة والحضور لا يسمى علماً.
وأما على المعنى الاصطلاحي؛ فلأن معنى الوجدان المذكور إنما هو حصول الصورة الزائلة في الذهن، والحصول لا يسمى علماً كما مر في مباحث العلم. والله أعلم.
السابع: المعرفة. قال القرشي: وهي لغة مرادفة للعلم وهو ظاهر القاموس، وقال الراغب: المعرفة والعرفان إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره، وهو أخص من العلم، ويضاده الإنكار يقال: فلان يعرف الله ولا يقال: يعلم الله متعدياً إلى مفعول واحد لما كان معرفة البشر لله هي بتدبر آثاره ودون إدراك ذاته، ويقال: الله يعلم كذا ولا يقال: يعرف كذا، قال: والعلم يضاده الجهل.
هذا وأما الحكماء فلهم في معنى هذه اللفظة أقوال كلها تدل على عدم الترادف فقيل: العلم يتعلق بالمركبات والمعرفة بالمفردات، وربما قالوا: المعرفة هي التصور والعلم هو التصديق، وهؤلاء جعلوا العرفان أعظم درجة من العلم، قالوا: لأن تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود، وأمر معلوم بالضرورة، وأما تصور حقيقته فأمر خارج عن طوق البشر، ولأن الشيء ما لم يعرف وجوده فلا تطلب ماهيته، فعلى هذا كل عارف عالم ولا عكس، ولذلك فإن الرجل لا يوصف بالعرفان إلا إذا توغل في العلم وبلغ غايته بحسب الطاقة البشرية.
قالوا: وفي الحقيقة أن أحداً لا يعرف الله سبحانه لاستحالة الاطلاع على كنه ذاته.
قلت: إن أرادوا أن أحداً لا يعرف كنه ذاته فمسلم، وإن أرادوا أن أحداً لا يعرف ما يجب من معرفته وهو إثباته وإثبات صفاته فهو خلاف ما عليه المسلمون من اتفاقهم على حصول معرفة الله تعالى وإن اختلفوا في كونها ضرورية أو نظرية.
وقيل: المعرفة إدراك الجزئيات، والعلم إدراك الكليات.
وقيل: المعرفة إدراك المحفوظ ثانياً.
وأما المتكلمون فقال (النجري): أطلق كثير من أصحابنا أن العلم والمعرفة مترادفان، قالوا: ولهذا لا يصح أن يثبت بأحدهما وينفى بالآخر، ثم استشكله لما مر من الفرق بينهما لغة.
وعند (الحكماء) قال: وقال بعضهم: المعرفة علم ناقص، ومن ثم يقال: الله تعالى عالم ولا يقال له عارف، قال: ومنع بعضهم أن يطلق على الله عارف وإنما يقال له: عالم، قال: لأن المعرفة هي العلم المسبوق بالجهل والله يتعالى عن ذلك.
قيل: ومن ثم لم يرد لفظ عارف في أسماء الله الحسنى، ولا وصف بها نفسه في كتابه العزيز مع كثرة ما وصف به نفسه بالعلم وما تصرف منه.
قلت: وقد مر في قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[البقرة:29] عن الموفق بالله، والقرشي جواز وصف الله تعالى بعارف.
وبه قال السيد محمد بن عز الدين المفتي، وأجازه الفقيه حميد الشهيد وهو في (الكشاف) وغيره، بل قد روي عن علي عليه السلام حيث يقول في بعض خطبه: هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته، والباطن لها بعلمه ومعرفته. وقال عليه السلام : عارفاً بها قبل إبدائها، محيطاً بها قبل انتهائها.
وأجيب بأن إطلاقه عليه السلام إنما كان للقرينة الصارفة عن المعنى الذي وضعت له المعرفة وهو العلم المسبوق بجهل، والقرينة في كلامه عليه السلام ذكر العلم والمحيط؛ إذ هو بمعنى عالم، وفيه نظر؛ إذ اتباع أحد اللفظين بالآخر لا يقتضي صرفه عما وضع له. والله أعلم.
الثامن: الفهم. قال في (المختار): فهِم الشيء -بالكسر- فهماً وفهامة علمه، ونحوه في القاموس إلا أنه قال: علمه وعرفه بالقلب.
وقال الراغب: الفهم هيئة للإنسان بها يتحقق معاني ما يحسن، وهذا يدل على أنه غير مرادف للعلم في اللغة.
وأما كلام صاحب (المختار) فهو يفيد الترادف وهو قول القرشي فإنه نص على ترادفهما لغة، واحتج بما مر في المعرفة.
وقال الغزالي: هو لغة بمعنى الفقه، وسيأتي معنى الفقه عنده.
وقال الرازي: الفهم تصور الشيء من لفظ المخاطب، والإفهام إيصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع، فقصره على نوع خاص من العلم، لكنه خالف أهل اللغة في معناه كما عرفت، فإن من قصره على نوع من العلم لم يقصره على العلم الحاصل من لفظ المخاطب، بل قصره على علم الإنسان وهم القدوة في معاني الألفاظ اللغوية، وإن كان ما مر من التعليل في منع وصف الله تعالى بفطن وفهم يشهد لصحة قوله. والله أعلم.
التاسع: الفقه. وقد اختلف في معناه لغة واصطلاحاً، فقال القرشي: هو لغة مرادف للعلم لما مر، وفي القاموس: الفقه ـ بالكسر ـ: العلم بالشيء والفهم له، وغلب على علم الدين لشرفه، وفي (المختار): الفقه: الفهم، ثم خص به علم الشريعة، والعالم به فقيه.
وقال الراغب: هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد وهو أخص من العلم، ثم قال: والفقه: العلم بأحكام الشريعة.
وقال الإمام يحيى بن المحسن، والإمام المهدي، وأحمد بن محمد الرصاص ومن تبعهم: هو لغة فهم معنى الخطاب الذي فيه غموض فلا يقال: فهمت معنى قولك السماء فوقنا لما كان لا غموض فيه، ووافقهم الرازي إلا أنه لم يقيده بالغموض.
وقال في (الفصول): هو لغة العلم، أو الظن لأمر خفي ولو كان بغير خطاب في الأصح، قال السيد صلاح بن أحمد: هذا إشارة إلى ضعف تقييد الفهم بكونه عن الخطاب؛ لأنه يصح أن يقال: فقهت المسألة وإن لم يكن ثم متكلم ولا مخاطب، فإن احتج للتقييد بقوله تعالى: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ}[هود:91] ونحوها.
قلنا: هذا يدل على أن الفهم من الخطاب يسمى فقهاً لا على أنه لا يسمى فقهاً إلا ما كان كذلك وقد قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا}[الأعراف:179] وهذا لا يختص بالفهم من الخطاب، بل عدم الفهم مطلقاً من الأدلة العقلية والسمعية، وذكر بعض المحققين أن الفقه يقال لغة على ما ليس من جنس الكلام كالحرف والصنائع.
قلت: ويرد على من قيده بالخفي والغموض أنه مخالف لما نقل عن أهل اللغة كما قررناه لكنه يقال: قد ثبت أن الفقه يستعمل في علم الشريعة وهو مما يدخله بعض خفاء وغموض، ولهذا لا يسمى العلم بوجوب الصلاة ونحوها مما علم من ضرورة الدين فقهاً، ومن حق العرفي أن يكون بينه وبين المعنى اللغوي بعض مناسبة، فإذا اعتبر الخفاء في أحدهما وجب أن يكون معتبراً في الآخر، ثم إن كلام الراغب يقتضي اشتراطه؛ لأنه جعله عبارة عن العلم الاستدلالي، وذلك لا يخلو من غموض.
هذا وأما في الاصطلاح فقد اختلف فيه على أقوال:
أحدها: أنه العلم بالحلال والحرام الشرعي، وأسبابهما، وشروطهما.