قلت: وهو بناء منه على ما مر من أن لفظ العلم مشترك اشتراكاً لفظياً بين معاني متعددة، وأن حده باعتبار جميع معانيه متعذر، ويمكن أن يقال: إن أراد السيد بأنواع العلم فنونه، كعلم الكلام، وعلم النحو، وعلم الفقه ونحو ذلك فاعتراضه غير وارد؛ لأنهم لم يريدوا تمييز تلك العلوم عن بعضها الآخر في حد واحد، ولم يقصدوا في الحد هذه الفنون، وإنما قصدوا مطلق العلم من حيث أنه علم من غير نظر إلى أنواعه، كما يقال في حد الحيوان إنه جسم نام حساس، ولم يلحظوا إلى بيان أنواعه، ولم يقل أحد بمنع هذا التحديد على أن تسمية الفنون علوماً إنما هو اصطلاح وإلا فكثير من مسائلها إنما هو مظنون لا معلوم، والمطلوب حد العلم الذي هو بمعنى اليقين.
وإن أراد أنه متنوع باعتبار متعلقاته فإن العلم بالله غير العلم بزيد، والعلم بالسماء مغاير للعلم بالأرض بناء على ما ذهبت إليه البهشمية من أنه لا يتعلق العلم الواحد تفصيلاً بأكثر من معلوم واحد، فذلك لا يمنع من تحديده؛ لأن بين هذه العلوم قدراً مشتركاً وهو المعنى المذكور، فالحد باعتباره.
وإن أراد ما مر من أنه مشترك بين الظن وغيره، فقد مر أنهم لم يحدوه إلا باعتبار أحد معانيه وهو ما كان بمعنى اليقين.
لا يقال: فكان عليهم أن يبينوا أنهم لم يقصدوا إلا ذلك المعنى؛ لأنا نقول: ذلك معلوم لا يحتاج إلى بيان على أنه مفهوم من الحد؛ لأنهم ذكروا فيه سكون النفس والجزم والمطابقة.
وأما قوله: إن علماء السوء قد تسكن أنفسهم، ومراده أن ذلك قد لا يكون علماً لمخالفته الحق المتقرر في نفس الأمر، كمن ينسب إلى الله ما لا يليق به، فجوابه: أَنا لا نسلم أن ذلك سكون نفس، وإنما هو بصورة السكون، وقد مر المعنى المراد من سكون النفس قريباً، وتقدم أيضاً في السابعة من مسائل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21] الدليل على أن سكون النفس هو الطريق إلى العلم، ومنهم من جعل ذلك ضرورياً. وبهذا تم الكلام على حد المعتزلة.
وقال السيد صلاح بن أحمد المؤيد: الأجود أن يقال إدراك لا يحتمل متعلقه النقيض، قال: أي نقيض ذلك التمييز، فيشمل التصور والتصديق بناء على أن التصورات لا نقائض لها، ويرد عليه أنه غير مانع لشموله الإدراك بالحواس الظاهرة، وليست من العلم عند أكثر المتكلمين خلافاً للأشعري، فالسمع والبصر عنده نفس العلم بالمسموع والمبصر، وهو ضعيف؛ لأنهما صفتان زائدتان.
وقال الإمام القاسم بن محمد: يمكن أن يقال: هو إدراك تمييز مطابق بغير الحواس سواء توصل إليه بها أم لا، فالإدراك جنس يشمل جميع الإدراكات.
وقوله: تمييز يخرج إدراك البهائم، وقوله: مطابق يخرج الجهل المركب، وقوله: سواء توصل إليه بها أم لا، زيادة في توضيح المراد من شموله لعلم الله تعالى؛ لأنه لا يحتاج إلى التوصل إليه بشيء.
ويرد عليه أنه ليس بمانع لشموله الظن وغيره؛ لأن الإدراك قدر مشترك بين العلم والظن وغيرهما، وقد يكون الإدراك بمعنى الظن مطابقاً، فلو قال: إدراك تمييز جازم مطابق لكان أولى.
وقال ولده الحسين عليه السلام : الأولى أن يقال: هو إدراك يتجلى به المدرَك بفتح الراء للمدرِك بكسرها، فالإدراك جنس شامل للتصورات والتصديقات، والتجلي الانكشاف التام الذي لا اشتباه فيه، فيتناول الموجود والمعدوم ممكنة ومستحيلة، والمفرد والمركب، والكلي والجزئي، ويخرج بقيد التجلي ممكن الزوال من تصور أو تصديق سواء كان مطابقاً أم لا،ويعني بممكن الزوال الظن والجهل المركب واعتقاد المقلد المصيب، ويرد عليه شموله إدراك الحواس الظاهرة كما مر.
قال عليه السلام : فإن أريد إخراجه قيل: إدراك يتجلى به المعنى المدرك للمدرك؛ لأن المراد بالمعنى ما يقابل المدرك بإحدى الحواس، ولا يضر كون الإدراك مجازاً عن العلم؛ لأنه مشهور، ولا يلزم تعريف الشيء بنفسه لاشتهار الإدراك في المعنى الأعم الذي هو جنس للأخص المعرف، وتعريف الأخص بالأعم جائز لجلائه.
قال عليه السلام : أو يقال صفة يتجلى بها المذكور أي ما من شأنه أن يذكر لمن هو له، وهو كالذي قبله في الإخراج والشمول.
وقال أبو الحسين: هو ظهور أمر للحي يمتنع معه في نفسه تجويز خلافه، وهذا شامل لعلم الخالق والمخلوق، واعترض بأن الظهور يختص بالمعلوم، والعلم يختص بالعالم، وبأن الظهور هنا مجاز ولا قرينة، وبأنه لا يصح إطلاقه على الله تعالى فلا يقال: ظهر لله كذا، وأيضاً إن أراد بامتناع التجويز استحالته فغير صحيح؛ لأن أحدنا قد يختار الجهل ويجوز في نفسه خلاف المعلوم في المسائل الاستدلالية.
وإن أراد بامتناعه أنا لا نفعله مع القدرة عليه فغير صحيح؛ لأن أحدنا كما يمتنع من هذا التجويز عند حصول هذا الظهور وهو لم يعتبر سكون النفس حتى يتميز به الظهور الحقيقي من غيره.
وقال أبو الحسن الأشعري: العلم ما يعلم به وربما قال: ما تصير الذات به عالماً، واعترض بأن العالم والمعلوم لا يعرفان إلا بالعلم فتعريفه بهما دور.
وأجاب بأن علم الإنسان بكونه عالماً بنفسه وألمه ولذته ضروري، والعلم بكونه عالماً بهذه الأشياء علم بأصل العلم؛ لأن الماهية المطلقة داخلة في الماهية المقيدة كعلمه بكون العلم علماً ضرورياً فلا دور، لا يقال: فقد صار العلم حينئذٍ ضرورياً فلا يحتاج إلى التعريف؛ لأن له أن يقول: الضروري إنما هو حصول العلم للعالم، ولا يفيد العلم بحقيقته كما مر.
وقال القاضي أبو بكر: هو معرفة المعلوم على ما هو عليه، وربما قال: هو المعرفة.
والاعتراض على الأول أنه عرف العلم بالمعلوم وهو دور، وبأن المعرفة لا تكون إلا على وفق المعلوم، فقوله: على ما هو عليه، حشو، وعلى الثاني بأنه من تعريف الشيء بنفسه؛ لأن المعرفة هي العلم عنده، وبأنه غير جامع لخروج علم الله تعالى وما لم يسبقه جهل والتباس من علم المخلوق؛ لأن المعرفة عبارة عن حصول العلم بعد الجهل أو الالتباس، ولهذا قيل: لا يوصف الباري تعالى بأنه عارف.
وقال أبو إسحاق الإسفرايني: هو تبين المعلوم على ما هو به، وهذا الحد مروي عن (الأشعرية)، وربما قالوا: هو استبانة الحقائق، وربما قال: العلم هو التبيين، واعترض على الأول بما اعترض به على حد القاضي، وعلى الآخرين بأنه ليس فيهما إلا تبديل لفظ بلفظ أخفى منه، وبأن التبيين والاستبانة يشعران بالظهور بعد الخفاء، وذلك لا يطرد في علم الله.
وقال ابن فورك: هو ما يصح من المتصف به إحكام الفعل وإتقانه، واعترض بأن العلم بوجوب الواجبات، وامتناع الممتنعات لا يفيد الإحكام.
وقال القفال: العلم إثبات المعلوم على ما هو به، وربما قيل: هو تصور المعلوم على ما هو به، ويرد عليه ما مر وعدم اطراده؛ إذ علم الله ليس بتصور، وأيضاً إذ الإثبات ليس بجنس للعلم.
وقالت (الفلاسفة): هو إدراك النفس الحق، روى هذا عنهم (الإمام المهدي)، ويرد عليه عدم الانعكاس لشموله المدرك بالحواس والظن؛ لأنه داخل في الإدراك، وقد يكون المظنون حقاً.
وحكى عنهم السيد حميدان أنهم يقولون: العلم ثبوت صورة المعلوم في نفس العالم، واعترض من وجوه:
أحدها: أن ثبوت الشيء غير العلم به.
الثاني: أنه مبني على ثبوت ذوات العالم في الأزل وهو باطل.
الثالث: أنهم قرروا كلامهم بأن قالوا: إنه كما تحصل في المرآة صورة الوجه مثلاً، فكذلك تحصل صورة المعلوم في الذهن، وهذا ضعيف؛ لأنا إذا عقلنا الجبل والبحر فإن حصلا في الذهن ففي الذهن جبل وبحر، وهو محال، وإن لم يحصل فيه إلا صورتاهما فقط كان المعلوم هو الصورة والجبل والبحر يجب أن لا يكونا معلومين، والمعلوم خلافه.
وإن قيل: الحاصل فيه الصورة ومحلها لزم ما مر من حصول الجبل والبحر في الذهن.
الرابع: أن من المعلومات ما لا صورة له كالباري تعالى، والأعراض، والمستحيل، والأمور الاعتبارية والنفي.
الخامس:أن المعلوم الواحد قد يكون معلوماً لعالم من الناس، ولا ريب في استحالة أن يكون للمعلوم الواحد ألف صورة في نفس ألف عالم.
السادس: أنه غير شامل لعلم الله سبحانه؛ لأن النفس عندهم جوهر متعلق بالبدن، وحكى الرازي عنهم أن العلم صورة حاصلة في النفس مطابقة للمعلوم، واعترض بما مر، إلا أنه عبر هنا بالحصول وهناك بالثبوت ومعناهما واحد، واعترض أيضاً بأن المطابقة لا تعقل في الأمور الاعتبارية ونحوها مما لا وجود له في الخارج، ولهذا فإنا نعقل المعدوم، ولا يمكن أن يقال: الصورة العقلية مطابقة له؛ لأن المطابقة لا تكون إلا بين أمرين ثبوتيين، والمعدوم نفي محض يستحيل تحقق المطابقة فيه.
ويمكن أن يجاب عن الوجه الأول بأن مرادهم بالثبوت الوجود الذهني، والحكماء يثبتونه، وقال: هو العلم وهو نفس الصورة الحاصلة في نفس العالم، واستدلوا على ثبوته بأنا نحكم على ما هو عدم صرف، ونفي محض بأحكام ثبوتية صادقة، كالحكم عليه بالإمكان العام، والحكم عليه يقتضي ثبوته؛ إذ ثبوته لغيره فرع ثبوته في نفسه، وليس ثابتاً في الخارج فهو ثابت في الذهن وهو المطلوب.
واحتجوا على أنه هو العلم بأن الحكم على ما هو عدم صرف إذا كان لا يمكن إلا بتعلقه، فلا شبهة أن بين العاقل والمعقول تعلقاً مخصوصاً، والتعلق إنما يتصور بين شيئين متمايزين، ولا تمايز إلا بأن يكون لكل منهما ثبوت في الجملة، ولا ثبوت للمعلوم هنا في الخارج كما مر فهو في الذهن، فإذاً لا حقيقة للعلم إلا أثر الوجود في الذهن، وأما التعلق فأمر خارج عن حقيقة العلم لازم لها.
قالوا: وهذا الموجود في الذهن هو المعلوم، فالعلم والمعلوم متحدان بالذات، مختلفان بالاعتبار، فإن الموجود في الذهن باعتبار قيامه بالقوة العاقلة علم، وباعتباره في نفسه من حيث هو هو معلوم.
قالوا: وإذا كان العلم بها هو عدم صرف على هذه الحال وجب أن يكون العلم في سائر المعلومات كذلك؛ إذ لا اختلاف بين أفراد حقيقة واحدة نوعية، وإذا كان الوجود الذهني ثابتاً بطل الوجه الأول من هذه الاعتراضات، لكنه يقال: لا نسلم ثبوت الوجود الذهني، وقد نفاه جمهور المتكلمين، واحتجوا على نفيه بما مر في الوجه الثالث من لزوم كون الجبل والبحر في الذهن.
وأجابوا عما احتج به الحكماء على إثباته بأنهم إن أرادوا بالأحكام الثبوتية أموراً ثابتة في الخارج فلا نسلم؛ إذ لا يحكم بها على ما لا ثبوت له في الخارج، وإن أريد بها أمور ثابتة في الذهن فمصادرة على المطلوب، وإذا لم يثبت الوجود الذهني بطل قولهم إنه هو العلم.
ويجاب عن الوجه الثاني بأنا لا نسلم بناءه على القول بثبوت ذوات العالم في الأزل، وإنما هو مبني على إثبات الوجود الذهني كما مر.
وعن الثالث بأنا لم نقل: إن الموجود في الذهن هوية الجبل والبحر، فإنه لا شك في امتناع ذلك؛ لاتصافها بالعظم المانع من حصولها في الذهن، ولا الصورة وحدها ولا هي ومحلها، بل الموجود فيه هو ماهية الجبل والبحر أي الحقيقة، ويمكن أن يقال: إن أردتم بحصول الماهية من حيث هي أي من غير نظر إلى حصولها في ضمن الأجزاء عاد الإلزام السابق، وهو أن لا يكون الجبل معلوماً، وإن أردتم مع حصولها في ضمن الأفراد لزم حصول تلك الأفراد في الذهن وهو محال.
ويجاب عن الوجه الرابع والخامس: بأن المراد بالصورة الوجود الذهني لا ما توهمتموه.
وعن السادس بأن المبحوث عنه هو العلم المكتسب، وعلم الله تعالى ليس بمكتسب فلا يضر خروجه من الحد.
وأما ما حكاه الرازي عنهم من اشتراط المطابقة فلعله قول لبعضهم أو وهم، فإن المحكي عنهم في (الغاية) وشرحها أنهم لا يشترطون المطابقة، ولذا حده في (الغاية) بأنه الصورة الحاصلة من الشيء في العقل أو عنده، قال: وهو شامل للصورة المطابقة وغيرها، والكليات والجزئيات لقولنا في العقل أو عنده، قال: وهذا كله بناء على أنه مدرك الكليات والجزئيات المجردة هو العقل، ومدرك الجزئيات المادية هو القوى الجسمانية وهو رأي محققي الحكماء، ووجه بناء الحد على رأيهم كون إطلاق لفظ العلم على هذا المعنى الأعم واقعاً على اصطلاحهم، ثم اعترضه بخروج علم الله وعلم الإنسان إن أريد بالعقل ما هو المعنى المشهور بينهم من أنه جوهر مجرد غير متعلق بالبدن، وبخروج علم الله فقط إن أريد به النفس، وقد مر معناها عندهم، واعترضه أيضاً بخروج المستحيل والمعدوم، ثم قال: ولو عرف بما يحصل من المعنى المدرك بفتح الراء للمدرك بكسرها لسلم عما ورد على تعريف الحكماء.
تنبيه [في اطلاق العلم]
ذكر في (الغاية) وشرحها أن العلم يطلق على معنيين أعم وأخص، فهو بالمعنى الأعم يشمل غير الثابت من تصور أو تصديق، والمراد بغير الثابت ممكن الزوال، ومحتمل النقيض، فيدخل فيه من التصورات العلم بالمفرد الذي يمكن تغيره والشك والوهم، ومن التصديقات الظن والجهل المركب، واعتقاد المقلد المصيب، وأما بالمعنى الأخص فلا يتناول إلا الثابت.
قيل: وهذا المعنى هو الذي يقتضيه استعمال اللغة، والعرف، والشرع؛ إذ لا يطلق في شيء منها على الظان، والشاك، والجاهل جهلاً مركباً أنه عالم، وإلا لزم أن يكون أجهل الناس بما في الواقع أعلمهم به، وإطلاق العلم على التقليد مجاز، وإنما يطلق العلم على هذه الإدراكات في اصطلاح الحكماء.
واعلم أن تفسيرهم غير الثابت بممكن الزوال، ومحتمل النقيض مبني على إثبات النقيض للتصور على ما عليه المناطقة، والمشهور بين جمهور العلماء أن الصورة التصديقية تتصف بالمطابقة لما في نفس الأمر وعدمها، والصورة التصورية لا تتصف إلا بالمطابقة، وما لا يكون إلا مطابقاً فلا يحتمل النقيض.
فإن قيل: إنكار الخطأ في التصور مكابرة كما إذا رأينا شجرة من بعيد فحصل في أذهاننا منه صورة إنسان، فلا شك أن هذه الصورة غير مطابقة للواقع فيكون خطأ.
قيل: الخطأ إنما هو في الحكم المقارن لهذا التصور، وهو أن هذه الصورة صورة لهذا المرئي الذي هو الشجرة.
وأما الصورة المرتسمة في أذهاننا فهي علم تصوري للإنسان وآلة لملاحظته ومطابقته له بحيث لا يحتمل غيره.
إذا عرفت هذا فاعلم أن الخلاف في حد العلم وعدمه على كلا المعنيين، وما تقدم من الحدود فإنما هو باعتبار المعنى الأخص إلا الحد المحكي عن الحكماء فإنه بالمعنى الأعم كما لا يخفى على الفطن.
تنبيه [في ذكر حد العلم]
وما ذكرناه من الخلاف في حد العلم فإنما هو باعتبار الحد الذاتي والرسمي مما يحصل به في الذهن صورة غير حاصلة، وأما اللفظي فالقائل بأنه ضروري يجيزه؛ لأن الضروري قد يحد لإفادة العبارة عنه؛ إذ الإنسان قد يعلم حقيقة الضروري ويعجز عن التعبير عما في نفسه، فالحدود المذكورة للعلم إنما هي بحسب لفظه عنده ليمكن التعبير عنه. والله أعلم.
تتمة في ذكر الألفاظ
منها ما هو مرادف للعلم، ومنها ما هو نوع خاص منه، ومنها ما هو جنس له، ومنها ما هو مخالف له، لكنه قد يتوهم مرادفته إياه، ومنها ما يحسن ذكره لبيان ماهيته، وذكر الفرق بينه وبين العلم.
أحدها: الإدراك وهو لغة الوصول، يقال: أدركت الثمرة، إذا وصلت وبلغت حد الكمال، وفي الاصطلاح: وصول النفس إلى المعنى بتمامه من نسبة أو غيرها، وفي هذا الحد مراعاة للمعنى اللغوي؛ لأن القوة العاقلة إذا وصلت ماهية المعقول وحصلتها كان ذلك إدراكاً لها من هذه الجهة.
قيل: والشائع في معناه أنه حصول صورة الشيء في العقل أي صورة الشيء الحاصلة عند العقل، وفيه أنه إن أريد بالعقل ما هو المشهور عند الحكماء من أنه جوهر مجرد غير متعلق بالبدن خرج إدراك الله تعالى للمدركات وإدراك الإنسان، وإن أريد به النفس على اصطلاحهم خرج إدراك الإنسان.
ويرد عليه كثير مما ورد على حدهم للعلم، فالحد الأول أولى لسلامته من ذلك وقربه من المعنى اللغوي وإن كان قد ورد عليه عدم شموله إدراك البسايط؛ لأن التمام لا يعقل إلا في المركبات، وقد أجيب بأن المراد بالتمام الكنه والحقيقة.
وقيل: بل المراد به أعم مما بالكنه وغيره فيشمل البسيط؛ لأنه يحد بالجنس والفصل إلا أنهما فرضيان، فإن العقل يخترع منه شيئاً يقوم مقام الجنس، وشيئاً يقوم مقام الفصل كتعريف السواد بأنه لون قابض للبصر.
وقوله: في الحد من نسبة، أراد به النسبة الحكمية في التصديق والتقييد به في التصور، وقوله: أو غيرها وهو المحكوم عليه أو به.