[البقرة:31-33]
قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}.
وفي هذه الجملة مسائل:
المسألة الأولى [في ثبوت العلم]
دلت هذه الجملة على ثبوت العلم، ووجه دلالتها: أن الله تعالى أخبر بأنه علّم آدم وأن العلم حصل لا بدليل قوله: {أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}، ودلت أيضاً على أنه يصح العلم بالأشياء وأن للأشياء حقائق يصح العلم بها ودلالتها على ذلك ظاهرة، وهذا قول الأكثر، والخلاف في ذلك لأهل السفسطة والعنود فقالوا: لا يصح العلم بشيء؛ إذ لا علم عندهم ولا حقيقة لشيء من الأشياء، وهو قول مخالف للضرورة، ومن ثم اختلف أصحابنا في صحة مناظرتهم، فقال أبو القاسم والقرشي: لا يناظرون لإنكارهم الضرورة؛ إذ ما جحدوه هو الذي ينتهي إليه المتناظران، وإذا وقع معهم ما يجري مجرى المناظرة فليس المراد به إلا بيان كذبهم.
ومما يجري مجرى المناظرة معهم أن يقال:أبعلم قلتم: أن لا علم ولا حقيقة لشيء، فإن قالوا: نعم، تركوا مذهبهم، وإن قالوا: لا، لم يستحقوا جواباً؛ إذ لا مستند لهم حتى يناقض ويعارض، وإنما يسألون عن مستند قولهم فيقال: لم قلتم ذلك؟ ولم لا تجوزون خلافه؟
فإن قالوا: نحن نجوز ذلك.
قلنا: فهل تعلمون ذلك الجواز أم لا؟ ثم يعود الكلام ويقال لهم أيضاً: بم تجتنبون الضرر وتتبعون النفع؟ وكيف ميزتم بين ذلك؟
فإن قالوا: بالظن.
قلنا: أتعلمون أنكم تظنون؟ وهل تعلمون الفصل بين العلم والظن؟
فإن قالوا: نعم، تركوا مذهبهم، وإن قالوا: لا، عاد الكلام.
وقال أبو علي، وأبو هاشم: بل تصح مناظرتهم؛ لأنهم إنما أنكروا كون اعتقادهم علماً، والعلم بكون الاعتقاد علماً مكتسب لا ضروري.
وقال قاضي القضاة: إن أنكروا كون الضروري علماً لم يناظروا؛ إذ العلم به ضروري، بل يعارضون ويناقضون كما مر، وإن أنكروا الاستدلال نوظروا؛ إذ العلم به استدلالي.
هذا ولم أقف للسوفسطائية على شبهة إلا ما يقع من الغلط في المناظرة وكون العقلاء يتخيلون الأشياء على خلاف حقيقتها كالسراب ماءً، وحبة العنب في الماء ترى كالأجاصة ونحو ذلك.
والجواب: أن هذه الشبهة إنما تتأتى على القول بأن للأشياء حقائق يقع اللبس في بعضها، وأما على قولهم فلا تصح.
قال القرشي: وعندنا أن ذلك اللبس لأمر يرفع إلى الأشعة ومجاورة أجزاء بعض المرئيات لبعض، ثم نقول لهم: هل تعلمون أن العنبة أصغر من الأجاصة، وأن السراب ليس بماء؟
فإن قالوا: نعم. بطل مذهبهم، وإن قالوا: لا. تركوا شبهتهم.
نعم وحكى القرشي أن منهم فرقة تسمى الاّدرية؛ لأنهم يقولون في كل شيء: لا ندري، وهؤلاء يقال لهم: هل تعلمون أنكم لا تدرون؟ وأن قولكم لا ندري يطابق مذهبكم؟ وهل تعلمون الفصل بين لا ونعم؟
المسألة الثانية في أقوال الناس في حد العلم
وقد اختلف في ذلك، فقال السيد حميدان، والإمام يحيى، والرازي، والطوسي، والغزالي، والجويني: لا يحد، وهو قول البغدادية، ورواه السيد حميدان عن أئمتنا، ثم اختلف هؤلاء في الوجه: فقال الرازي وهو ظاهر ما في (شرح الغاية) عن الإمام يحيى والطوسي: إنما لم يحد؛ لأنه ضروري جلي، والحد إنما يؤتى به لتبيين المحدود وتوضيحه، وتوضيح الواضح محال، وهذا قول البغدادية.
ويفهم من كلام السيد حميدان فإنه قال: إنه أبين من أن يفسر، واحتجوا بوجهين:
أحدهما: أن كل أحد يعلم بالضرورة وجود نفسه، وهذا علم خاص لتعليقه بمعلوم خاص، فالعلم جزء منه؛ لأنه مطلق والمطلق ذاتي للمقيد، والعلم بالجزء سابق على العلم بالكل لتوقف حصول الكل على حصول جزئه ضرورة، والسابق على الضروري أولى بأن يكون ضرورياً.
وأجيب بأن الضروري إنما هو حصول العلم للعالم وهو غير المتنازع فيه، فإن المتنازع فيه هو حد العلم وتصوره، ونحن لا ننكر حصوله العلم ووجوده للعالم ضرورة، لكن لا يلزم من حصول العلم بحقيقته؛ إذ حصوله ليس نفس تصوره ولا مستلزماً لتصوره بدليل أنها تحصل لنا علوم جزئية بمعلومات مخصوصة، ولا نتصور أشياء من تلك العلوم مع كونها حاصلة لنا، بل نحتاج في تصورها إلى توجه مستأنف إليها، فلا يكون حصولها نفس تصورها ولا مستلزماً له، وإذا لم يكن العلم الجزئي متصوراً فلا يلزم تصور العلم المطلق أصلاً فضلاً عن أن يكون تصوره ضرورياً، ولو سلم أن الحصول هو التصور أو مستلزماً له فإنما يتم إذا كان العلم ذاتياً لما تحته وكان شيء من إفراده متصوراً بالكنه بديهية وهما ممنوعان، أما الأول فلأنه ليس بمجزوم به لتعسر الاطلاع على الذاتيات في أكثر الأشياء، وأما الثاني فلأن التصديق بأنه موجود لا يستدعي تصور بعض أفراد العلم بالكنه، كما لا يستدعي تصور بعض أفراد شيء من أطرافه بالكنه، هكذا حرر أصحابنا وغيرهم هذا الوجه وجوابه.
وهو جواب مفيد على هذا التحرير، لكن الرازي أورده في التفسير على وجه آخر وهو: أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه يعلم وجود نفسه، وأنه يعلم أنه ليس على السماء ولا في لجة البحر، والعلم الضروري بكونه عالماً بهذه الأشياء علم باتصاف ذاته بهذه العلوم، والعالم بانتساب شيء إلى شيء عالم لا محالة بكلا الطرفين، قال: فلما كان العلم الضروري بهذه المنسوبية حاصلاً كان العلم الضروري بماهية العلم حاصلاً، وإذا كان كذلك كان تعريفه ممتنعاً.
وحاصل كلامه أن العلم بالنسبة الذي هو التصديق بديهي، فيكون السابق على هذا التصديق وهو العلم بالطرفين أولى بأن يكون بديهياً لما مر.
وأجيب بأنه يكفي في التصديق تصور الطرفين بوجه ما، ولا يحتاج فيه إلى تصورهما بالحقيقة كما يحكم على جنس معين مشاهد من بعد بأنه شاغل لحيز معين مع الجهل بحقيقة الحيز والشغل، فاللازم مما ذكره تصور مطلق العلم بوجه ما بديهياً، ولا نزاع فيه، بل في تصوره بنفس الحقيقة.
الوجه الثاني مما احتجوا به: أَن تصور العلم لو كان كسبياً، فالمعلوم ضرورة أنه لا يعرف بنفسه؛ لأنه يكون من تعريف الشيء بنفسه وهو محال، وإذا كان كذلك فلا بد من أن يكون مُعَرَّفاً بغيره وهو باطل أيضاً؛ لتوقف تصور حقيقته على تصور ذلك الغير وهو الجنس والفصل، لكن ذلك الغير لا يعلم إلا بالعلم فيلزم الدور لتوقف معلومية كل منهما على معلومية الآخر، لا يقال لا يلزم من امتناع كونه كسبياً أن يكون ضرورياً لجواز أن يكون تصوره بالكنه ممتنعاً؛ لأنا نقول: هو معلوم، فيكون لا بالغير وهو الضروري.
وأجيب بأن الدور إنما يلزم لو توقف تصور الغير على تصور حقيقة العلم، وليس كذلك، بل حصول فرد من أفراد العلم يتعلق بذلك الغير، ولهذا فإن جمهور العقلاء يعلمون أشياء كثيرة ولا يتصورون حقيقة العلم المطلق.
وقال الجويني والغزالي: ليس امتناع حد العلم لكونه ضرورياً، وإنما هو لعسر تحديده لخفاء جنسه وفصله، ومن شرط الحد أن يكون أجلى من المحدود ليحصل به التمييز، قالا: وإنما يعرف بالقسمة أو المثال، أما القسمة فكأن يقال: الاعتقاد إما جازم أو لا، والجازم إما مطابقٌ أو لا، والمطابق إما ثابت أو لا، فقد حصل من القسمة اعتقاد جازم مطابق ثابت متميز عن سائر الاعتقادات، وهذا هو العلم بمعنى اليقين، والمثال فكتشبيه إدراك البصيرة بإدراك الباصرة.
وأجيب أن القسمة والمثال إن أفادا تمييز ماهية العلم عما عداها صلحاً معرفاً لها، وإلا لم تحصل بهما معرفة؛ لامتناع حصول معرفة الشيء بدون تمييزه.
واعلم بأن الغزالي صرح في المستصفى بما يفيد أن المتعسر حد العلم بالحد الحقيقي لا بما يفيد امتيازه.
وحاصل كلامه على ما ذكره سعد الدين أنه يعسر تحديد العلم على الوجه الحقيقي بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل؛ لأن ذلك متعسر في أكثر الأشياء بل أكثر المدركات الحسية كرائحة المسك، فكيف في الإدراكات الخفية، لكنا نقدر على شرح معنى العلم بتقسيم أو مثال.
أما التقسيم فهو أن نميزه عما يلتبس به من الإدراكات فيتميز عن الظن والشك بالجزم، وعن الجهل بالمطابقة، وعن اعتقاد المقلد بأن الاعتقاد يبقى مع تغير المعتقد ويصير جهلاً بخلاف العلم، وبعد هذا التقسيم والتمييز يكاد يرتسم العلم في النفس بحقيقته ومعناه.
وأما المثال فهو أن إدراك البصيرة شبه بإدراك الباصرة، فكما أنه لا معنى للإبصار إلا انطباع صورة المبصر أي مثاله المطابق في القوة الباصرة كانطباع الصورة في المرآة، كذلك العلم عبارة عن انطباع صور المعقولات في العقل، فالنفس بمنزلة حديدة المرآة، وغريزتها التي بها يتهيأ لقبول الصورة -أعني العقل- بمنزلة صقالة المرآة واستنارتها، وحصول الصورة في مرآة العقل هو العلم، فالتقسيم المذكور يقطع العلم عن مظان الاشتباه، وهذا المثال يفهمك حقيقة العلم.
قال السعد: هذا ملخص كلامه في (المستصفى) وبه يتبين أن مراده عسر تحديده بالحد الحقيقي لا ما يفيد امتيازه.
وقال في (شرح الغاية): فظهر أنه إنما أراد تعسر التحديد الحقيقي لا مطلق التعريف، وهذا موضع اتفاق لا اختلاف فيه جار في غير العلم أيضاً كما اعترف به.
وقال السيد حميدان: إنما امتنع حده لاختلاف المعلومات في ذواتها، فإن بعضها جسم وبعضها عرض، وكل منهما أنواع وأفراد مختلفة، وكما اختلفت ذاتاً فهي أيضاً مختلفة ماهية، فإن حقيقة الجماد غير حقيقة الحيوان، وكل جنس منهما مختلف في نفسه، ومع هذا الاختلاف لا يمكن جمعها في حد واحد؛ لأن لكل واحد منهما فصلاً يميزه غير فصل الآخر، وذلك معلوم.
قال في (الأساس): وهذا نظر منه إلى أن العلم يطلق على المعلومات، كما يقال: هذا علم أهل البيت أي معلومهم.
قلت: والظاهر أنه إنما منع من تحديده لجلائه، كما مر، ولأنه عنده من قبيل المشترك اللفظي فهو معاني متعددة، وإذا كان كذلك لم يكن هناك علم مطلق مشترك بين جزئياته حتى يتصور بداهة أو كسباً، وإنما قلنا إنه إنما منع لهذا؛ لأنه الذي تقتضيه عبارته، فإنه قال: أما معنى العلم ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: قول الأئمة" إنه أبين من أن يفسر بغيره، ومع ذلك فإنه اسم عام لأنواع مختلفة المعاني، وكل اسم كذلك، فإنه لا يصح السؤال عن معناه حتى يبين السائل أيها يريد، فإن لم يبين كان سؤاله مغلطة وتعنتاً، فهذا يدل على أنه عنده من المشترك اللفظي، والمعلوم أن المشترك اللفظي لا يمكن جمع أفراده في حد واحد لما مر من أن لكل فرد منها فصلاً يميزه عن غيره، ولا يصح أن يكون لها فصل واحد يميزها جميعاً عن غيرها.
وقد ذكر في (المقاصد) وشرحه: أنه لا نزاع في اشتراك لفظ العلم، وعن بعضهم أنه مشترك بين اليقين والظن.
وقال بعض المحققين: إنه يطلق بالاشتراك في المشهور على ثلاثة معاني:
أحدها: مطلق الإدراك الذي يعم التصور وهو ما يحصل بالمعرف، والتصديق وهو ما يحصل بالبرهان إما مطلقاً أو مقيداً بكون يقينياً.
وثانيها: مطلق التصديق الذي يساوي اليقيني من الأحكام.
وثالثها: التصديق اليقيني الذي هو عبارة عن المعنى المقتضي لسكون النفس إلى آخر الحد، والعلماء لم يحدوه إلا باعتبار المعنى الثالث، ولا شك أن حده باعتبار جميع معانيه متعذر لاختلافها في نفسها، واختلاف فصولها المميزة لكل واحد منها. والله أعلم.
فهذا كلام القائلين بأنه لا يحد.
وأما القائلون بأنه يحد فهم البصرية، ورواه في (الفصول) عن أئمتنا والجمهور؛ لأنه نظري، وهؤلاء اختلفوا في حده اختلافاً شديداً.
فقالت المعتزلة: هو المعنى الذي يقتضي سكون النفس، قال الإمام المهدي: إلى أن متعلقه على ما تناوله، وقال أبو علي وأبو هاشم: إلى أن متعلقه على ما هو به، وقيل: كما اعتقده، وربما قالوا: هو الاعتقاد المقتضي سكون النفس...إلخ.
وقال القرشي: هو الاعتقاد الذي يكون معتقده، أو ما يجري مجراه على ما تناوله مع سكون النفس إليه، والمراد بسكون النفس هو التفرقة التي يجدها الإنسان بين أن يعتقد كون زيد في الدار بالمشاهدة أو خبر نبي، وبين أن يعتقد ذلك بخبر واحد من افناء الناس.
وقيل: هو اعتقاد جازم مطابق ثابت، ومعنى هذه الحدود متقارب، فالاعتقاد جنس شامل للظن والجهل والتقليد والتبخيت.
وقوله: المقتضي سكون النفس فصل يخرج به الظن والتقليد، والتبخيت وهو اعتقاد الشيء خبطاً وهجوماً لا لأمر، وإنما خرج التقليد والتبخيت بهذا الفصل حيث يطابقان معتقدهما؛ لأنهما وإن طابقا فإنه يجوز زوالهما لا لموجب لعدم استنادهما إلى أمر من حس أو بديهة، أو عادة أو برهان، وما هذا حاله فهو لا يقتضي سكون النفس.
قال القرشي: فأما حيث لا يطابقانه فهما جهل.
وقوله: على ما تناوله فصل آخر يخرج به الجهل؛ لأن الجاهل ساكن النفس على ما اعتقده وجازم به.
قال القرشي: وأردنا بالمعتقد ما يكون شيئاً كالذوات وبما يجري مجراه ما لا يكون شيئاً، كالصفات، والأحكام، والأمور السلبية، ولعله أراد أن هذه الأمور من الأمور الاعتبارية التي لا وجود لها في الخارج، وما هذا حاله فلا يتعلق به الاعتقاد، فلهذا جعله جارياً مجرى المعتقد فقط، وهو مبني على ما ذهب إليه أبو هاشم من أنه يجوز علم لا معلوم له ومثلوه بالنفي، وخالفه أبو القاسم، وابن الإخشيذ فقالا: بل لكل علم معلوم، ورد قولهما الإمام المهدي بأن علمنا بأن لا ثاني للقديم إن تعلق بذاته تعالى أو بصفاته لزم فيمن علمها أن يعلم نفي الثاني، وإن تعلق بموجود غيره أو معدوم لزم إثبات ثاني فصح أن لا معلوم له، وقد اعترض على هذا الحد من وجوه:
أحدها: أن الاعتقاد جنس مخالف للعلم فلا يجوز جعله جنساً للعلم.
وأجيب بأنا لا نسلم لما مر في السابعة من مسائل الحمد لله.
الثاني: أنه غير جامع لخروج علم الله؛ إذ لا يصح وصفه بالاعتقاد وسكون النفس، ولخروج التصور لعدم اندراجه في الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد هو التصديق، والتصديق قسيم التصور.
وأجيب عن الأول بأنا إنما حددنا العلم في الشاهد؛ لأن الباري تعالى عندنا عالم لا بعلم، وعن الثاني بأنا لا نسلم خروج التصور عن الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد هو الجزم بالشيء، فإن كان مع سكون النفس سمي علماً وإلا فلا، والتصور هو العلم بصور الأشياء ومفرداتها، ومعنى ذلك أنه يحصل في ذهن الإنسان صورة مطابقة لما في الخارج، ولا شك أن العالم بصور الأشياء ومفرداتها جازم بها، وهذا هو معنى الاعتقاد، ويؤيده أن الاعتقاد اسم لما عقد عليه القلب من الجزم كما ذكره بعضهم، أو مأخوذ من عقد الخيط على شيء على جهة التشبيه فكأن المعتقد عقد قلبه على عقيدته، وعلى هذا فلا وجه لقصر الاعتقاد على التصديق، لكنه يقال: هو مأخوذ من العقد وهو لغة الجمع بين أطراف الشيء فسمي الاعتقاد اعتقاداً؛ لتعلقه بشيئين وهما المنسوب والمنسوب عليه، وهذا هو معنى التصديق؛ لأنه هو العلم بالنسب الحاصلة بين المفردات والتصور لا نسبة فيه، فالأولى أن يقال هذا الاعتراض لا يرد إلا على من جعل جنس الحد الاعتقاد، وأما من عدل عنه فلا.
الوجه الثالث: استعمال المجاز في لفظ الاعتقاد والسكون، فإنهما مأخوذان على جهة التشبيه من عقد الخيط والسكون المقابل للحركة، واستعمال المجاز في الحدود معيب.
وأجيب بأنه لا عيب إذا ظهر المراد باشتهار التجوز أو ظهور القرينة، وهنا المعنى المجازي مشهور، والإضافة إلى النفس قرينة مشعرة بالمراد.
الوجه الرابع: ذكره السيد حميدان، وهو أن هذا الحد غير صحيح لما مر من أن اسم العلم عام لأنواع من العلم مختلفة المعاني؛ ولأن علم كل عالم من علماء السوء قد اقتضى سكون نفسه بحيث لا يخطر بباله أن أحداً أعلم منه، قال: وكل حقيقة لا يحصل بها التمييز بين الحق والباطل فهي باطلة.