فرع: ولا خلاف بين المسلمين في حدوث الملائكة" وهو قول غيرهم من أهل الملل، والخلاف في ذلك للفلاسفة القائلين بأنهم العقول المفارقة، فإنهم يذهبون إلى قدمهم، حكاه عنهم ابن أبي الحديد، وهو مبني على أنها ليست بمتحيزة ولا حالة في المتحيز وهو باطل؛ إذ العالم بأمره لا يكون إلا متحيزاً أو حالاً في متحيز، وقد أشرنا إلى هذا في الفاتحة.

المسألة الثانية [الدليل على وجود ا لملائكة]
ذهب بعضهم إلى أنه لا دليل على وجود الملائكة إلا من جهة السمع، وهذا هو الظاهر من كلام علماء الإسلام، فإني لم أجد عن أحد منهم خلافاً في ذلك.
وذهبت الفلاسفة إلى أن العقل يدرك ثبوتهم، ومن جملة أدلتهم على ذلك أنه قد ثبت أن الملك هو الحي الناطق الذي لا يكون ميتاً، والقسمة العقلية تقتضي وجود أقسام ثلاثة وهي: أن الحي إما أن يكون ناطقاً ميتاً وهو الإنسان، أو ميتاً فقط وهو البهائم، أو ناطقاً ولا يكون ميتاً وهو الملك وهو أشرف المراتب، والإنسان أوسطها، والبهائم لكونها ميتة فقط أخسها، فإذا اقتضت الحكمة الإلهية إيجاد الأخس السافل كان اقتضاؤها لإيجاد الأشرف العالي بالأولى.
والجواب: أنا لا نسلم أن الحكمة إذا اقتضت إيجاد السافل كان اقتضاؤها لإيجاد العالي بالأولى لجواز أن لا يكون في إيجاد العالي مصلحة.
احتجوا ثانياً بأن المعلوم أن عالم السماوات أشرف من العالم السفلي، وأن الحياة والعقل والنطق أشرف من أضدادها، ومن البعيد حصول هذه الخصال في العالم السفلي ولا يحصل في العالم العلوي.
والجواب: أنه لا بعد في ذلك لما مر، ثم إن هذه الحجة لا تدل إلا على استبعاد عدم الوجود، ومجرد الاستبعاد لا يدل على الثبوت.

المسألة الثالثة [التشاور مع ذوي العلم والمعرفة]
قيل: في الآية دليل على أنه ينبغي مشاورة ذوي الأقدار، والأحلام، وأرباب المعرفة وإن كان من يشاورهم أوفر منهم عقلاً وأكمل معرفة، وأنه لا ينبغي كتم الأمور العامة ونحوها عنهم؛ لأن الله تعالى اعتبر بالملائكة" مع علمه بالمصالح وحقائق الأمور، وقد صرح الله بهذا الحكم في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}[آل عمران:159].

المسألة الرابعة [في أن الكبائر لا تجوز على الملائكة]
ذهبت الحشوية إلى أن الكبائر تجوز على الملائكة، وخالفهم في ذلك العدلية جميعاً، وحكاه الرازي عن الجمهور، ولفظهُ: الجمهور الأعظم علماء الدين، اتفقوا على عصمة كل الملائكة" عن جميع الذنوب، ومن الحشوية من خالف في ذلك.
احتج الجمهور بآيات منها قوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثا}[الزخرف:19] قال سبحانه في الرد عليهم: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}[الأنبياء:26،27] وقوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}[النحل:50] وهاتان الآيتان عامتان لأصناف الملائكة ولجميع الأزمان، وفيهما دلالة على العصمة من الكبائر والصغائر، وقد نص على عصمتهم من الصغائر الإمام المهدي لعموم الدليل.
ومن أدلة الجمهور قول علي عليه السلام في وصف الملائكة عليه السلام : (لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئاً معه مما انفرد به...إلى أن قال: وعصمهم من ريب الشبهات، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته...إلى أن قال: ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم، ولم يفرقهم سوء التقاطع، ولا تولاهم على التحاسد، ولا تشعبتهم مصارف الريب، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم، فهم أسراء إيمان لم يكفهم من ربقته زيغ ولا عدول ولا ونى ولا فتور). رواه في (النهج) من كلام طويل كله يؤدي هذا المعنى، وفي (النهج) أيضاً عنه عليه السلام مما يدل على عصمتهم كلام كثير.
احتج الخصم بشبه منها هذه الآية التي نحن بصددها، وقال: هي تدل على صدور الذنب عنهم؛ لأنهم اعترضوا على الله تعالى وطعنوا في بني آدم وذلك غيبة، ومدحوا أنفسهم بقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}[البقرة:30] ومدح النفس قبيح.

قلنا: لا نسلم أنهم اعترضوا على الله، ودليل عصمتهم يمنع من حمل سؤالهم على ذلك ويوجب تأويله، وفيه وجوه:
أحدها: أن الإنسان إذا رأى حكيماً يفعل فعلاً لا يقف على وجه الحكمة فيه فإنه يستفهم عن ذلك متعجباً مع قطعه بأن ذلك الحكيم لا يفعل إلا لحكمة، فكذلك يقال في الملائكة، وإلى هذا ذهب المرتضى فإنه نص على أن سؤالهم كان استفهاماً لا شكاً في أمر الله، وذلك بعد أن كان قد أخبرهم الله تعالى بما يكون من بني آدم من الفساد وسفك الدماء.
الثاني: أن إيراد الإشكال طلباً للجواب لا محذور فيه، فكأنهم قالوا: أنت الحكيم الذي لا يفعل القبيح وتمكين السفيه من القبيح قبيح من الحكيم فكيف يمكن الجمع بين الأمرين، فكأن الملائكة أوردوا السؤال طلباً للجواب.
الثالث: أن الخير في خلق بني آدم غالب على الشر، والحكيم لا يترك الخير الكثير لأجل الشر القليل، والملائكة نظروا إلى ما يحصل منهم من الشرور فأجابهم الله تعالى بأنه يعلم من الخير الكثير الحاصل منهم ما لا يعلمه الملائكة، وهذا جواب الحكماء والأولان للعدلية.
الرابع: أن جوابهم كان على جهة المبالغة في إعظام الله تعالى، فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه.
الخامس: أن ذلك مسألة منهم أن يجعل الأرض لهم أو بعضها إن كان ذلك صلاحاً؛ فكأنهم قالوا: اجعل الأرض لنا لا لهم، كما قال موسى عليه السلام : {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا}[الأعراف:155] أي لا تهلكنا، فأجابهم الله بأنه يعلم من صلاح الفريقين ما لا يعلمه الملائكة، وأن المصلحة للملائكة في إسكانهم السماء، ولبني آدم في إسكانهم الأرض.
السادس: أن هذا الاستفهام خارج مخرج الإيجاب كقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا

أي أنتم وإلا لم يكن مدحاً، فكأنهم قالوا: أنت تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبحك ونقدسك؛ لأنا نعلم أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة فقال تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[البقرة:30] فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل، وأنا علمت ظاهرهم وما في باطنهم من الأسرار الخفية التي تقتضي إيجادهم.
وأما قولكم: إنهم طعنوا على بني آدم.
فالجواب: أن من أراد إيراد سؤال وجب أن يذكر موضع الإشكال، وموضع الإشكال إنما هو إقدام بني آدم على الفساد والقتل دون غيرهما فلذلك تعرضوا لذكرهما ولم يقصدوا الغيبة.
وأما مدح النفس فليس ممنوعاً مطلقاً كما مر في الفاتحة.

المسألة الخامسة [دلالة الآية على مذهب العدلية]
هذه الآية تدل على العدل ونسبة أفعال العباد إليهم من وجوه:
أحدها: أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق.
الثاني: أنهم نسبوا التسبيح والتقديس إلى أنفسهم وتمدحوا به، ولو كان الله هو الفاعل لذلك لم يحسن التمدح به، ومعنى: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}[البقرة:30]: أنا ننزهك عن مشابهة خلقك، وعن نسبة القبائح إليك، ونثني عليك بذلك ونصفك به، ومعنى {وَنُقَدِّسُ لَكَ} أنا نطهرك من نسبة ذلك إليك وهو كالتأكيد للأول، وقيل: التسبيح والتقديس الصلاة، وهو مروي عن قتادة.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} قال: نصلي لك.
وعن مجاهد في قوله: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}[البقرة:30] قال: نعظمك ونكبرك، وعنه: نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك، وقيل: نصفك بما يليق بك.
وقال أبو مسلم: نطهر أنفسنا من ذنوبنا حتى تكون خالصة لك.
الوجه الثالث: لو كان الفساد والقتل فعلاً لله تعالى لوجب أن يكون الجواب: أَني مالك أفعل ما أشاء، أو نعم خلقهم للفساد والقتل.
الرابع: أن قوله: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[البقرة:30] يقتضي التبري من فعل الفساد والقتل؛ لأن الملائكة لما قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}[البقرة:30]، أجاب بأنه يعلم من المصلحة ما لا يعلمونه، فكأنه قال: لم أخلقهم لذلك بل خلقتهم لمصلحة لا تعلمونها وهي ما يخرج من ذرية آدم من المطيعين. ذكره الهادي والمرتضى.
قال الهادي: منهم من لولاه ما خلقته ولا خلقت الدنيا محمد -صلى الله عليه وآله- السراج المنير، البشير النذير.

وقيل: إن إبليس كان أميراً على ملائكة السماء الدنيا فاستكبر، وفي رواية: إن الجن لما سفكوا الدماء وأفسدوا، فأرسل الله عليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلوهم وطردوهم اغتر إبليس وداخله العجب، فلما علم الله منه ما علمه من المعصية قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}[البقرة:30] وأخبر الملائكة بما يقع منهم، فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}[البقرة:30] فقال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[البقرة:30]، من كبر إبليس واغتراره هذا حاصل الروايات وهي مبسوطة في (الدر المنثور): وأي القولين كان هو المراد، فقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[البقرة:30] يقتضي التبري من فعل الفساد، وأنه إنما خلقهم لما يخرج منهم من أهل الصلاح، أو لأجل ما علمه من معصية إبليس، وكان خلقه إياهم كالعقوبة للشيطان. والله أعلم.
الوجه الخامس: لو كان الفساد والقتل فعلاً لله لكان جارياً مجرى صورهم وألوانهم في عدم صحة التعجب منه.

المسألة السادسة [في المصلحة المفسدة]
دلت الآية على أن المصلحة لا تبطل إذا لزم من وجودها مفسدة مرجوحة؛ لأن الله تعالى قد علم بما يقع من بني آدم من الفساد وسفك الدماء، ولم يكن ذلك مانعاً من إيجادهم لما علمه من المصلحة الحاصلة من الإيجاد.
فإن قيل: إنما يصح الاستدلال بالآية لو ثبت أن المفسدة اللازمة من إيجادهم مرجوحة بالنظر إلى المصلحة الحاصلة منه، وهذا دليل عليه لاحتمال رجحان المفسدة أو مساواتها للمصلحة.
قيل: إيهام تلك المصلحة، واختصاص الله تعالى بالعلم بها دليل على عظم أمرها وفخامة شأنها، وذلك يقتضي رجحانها، وهذا الحكم متفق عليه -أعني كون المصلحة لا تبطل بلزوم مفسدة مرجوحة- وأما إذا لزم من وجود المصلحة مفسدة راجحة عليها أو مساوية لها فقد اختلف في اعتبار المصلحة وعدمه حينئذ، فقال الجمهور ببطلان المصلحة وعدم اعتبارها؛ لقضاء العقل بأن لا مصلحة مع مفسدة مثلها أو زائدة عليها ضرورة، ولذلك لو قيل لعاقل: بع هذا بربح مثلما تخسر أو أقل منه لم يقبل ويعلل بأنه لا ربح حينئذٍ، ولو فعل لم يعد عاقلاً، ولهذا يقال: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وقال الرازي: لا تبطل، وهو مروي عن البيضاوي لصحة الصلاة في الدار المغصوبة مع كون المصلحة المقتضية لها معارضة بمفسدة التحريم، والمصلحة لا تزيد على المفسدة وإلا لما حرمت للقطع والإجماع على أن ما يشتمل على مصلحة راجحة لا يحرم، بل ربما يجب فيجب كون المفسدة تساويها وتزيد عليها، فلو انخرمت المصلحة بذلك لما صحت الصلاة.
والجواب: أنا لا نسلم صحة الصلاة، سلمنا فالكلام في مصلحة ومفسدة لشيء واحد، ومفسدة الغصب لم تنشأ من الصلاة، فإنه لو شغل المكان من غير أن يصلي لأثم، وكذلك مصلحة الصلاة لم تنشأ من الغصب، فإنه لو أداها في غير المغصوب لصحت.
قيل: والخلاف لفظي؛ لأنه يرجع إلى أن هذه المصلحة هل تبقى مع المفسدة أم لا مع الاتفاق على انتفاء الحكم؟

فالجمهور قالوا: عدم لزوم المفسدة شرط في كونها مصلحة، فإذا وجدت المفسدة الراجحة أو المساوية عدم المقتضي للحكم فيجب انتفاء الحكم لانتفاء مقتضيه، والرازي يقول: انتفاء الحكم ليس لعدم المقتضى؛ بل لوجود مانع، فلزوم المفسدة عنده مانع.
فإن قيل: كيف وقع الاتفاق على الاعتبار عند رجحان المصلحة ولم يقع على الإلغاء عند رجحان المفسدة؟
قيل: لشدة اهتمام الشارع برعاية المصالح وبناء الأحكام عليها.
فائدة [في ترجيح المصلحة]
وترجح المصلحة على المفسدة يكون إما بطريق إجمالي شامل لجميع المسائل وهو أن المصلحة لو لم تكن راجحة لما ثبت الحكم؛ إذ لو ثبت من دونها لزم أن يكون الحكم قد ثبت لا لمصلحة وهو باطل؛ إذ فيه التعبد بالتحكم ، وإما بطريق تفصيلي وهو يختلف باختلاف المسائل، ومنه ترجح المصلحة الدينية على المفسدة الحاجية والضرورية [......] على المفسدة الحاجية إلى غير ذلك.

226 / 329
ع
En
A+
A-