الموضع الثالث في دليل أهل الإسلام على أن الباري تعالى عالم
وتحريره أنه قد صح منه الفعل المحكم، وصحة الفعل المحكم دليل كونه تعالى عالماً، فهذان أصلان:
أحدهما: أَنه قد صح منه الفعل المحكم.
والثاني: أن تلك الصحة دليل كونه عالماً.
أما الأصل الأول فذلك ظاهر في خلق السماوات والأرض وما بينهما من جميع أصناف العالم فإن كل شيء منها قد قدر أعظم تقدير، وجعل في موضعه اللائق به، وأعد لما يصلح له، وأوتي ما يحتاج إليه من التمييز والتدبير، انظر في خلق الإنسان ورزقه من ابتدائه إلى انتهائه فإنه عندما تحمل أمه ينقطع عنها الحيض ليكون الدم رزقاً له، فإذا وجد أحدث الله له رزقاً في ثدي أمه مما تحتمله معدته ولم يكن ذلك موجوداً في الأم قبل الولادة، انظر إلى الإحكام البليغ في عدم اشتباه بني آدم وما يملكون من الحيوان، فإنه لا يشتبه آدميان في صورة ولا صوت، وكذلك لا يشتبه مما يملكون من الحيوان اثنان، ولولا هذا الإحكام والتدبير لوقع من الفساد ما لا يخفى على الأبله فضلاً عن العاقل البصير من اشتباه الأزواج والتظالم والأملاك إلى غيرذلك، انظر إلى ما في إدارة الأفلاك وتسخير الرياح، وتقدير الشتاء والصيف من الحكم والمنافع التي تحار فيها العقول، وتقصر عن وصفه ألسن العلماء الفحول.
فإن قيل: ما المانع من أن يكون إحكام هذه الأفعال من بعض القادرين بالقدرة، لأن الأصل في ذلك التأليف، والتأليف مقدور لنا.
قيل: إنا نفرض الكلام في أول حي خلقه الله فيسقط الاعتراض.
قال السيد مانكديم: على أنا نعلم الآن من جهة السمع أن هذه الأفعال المحكمة من جهة الله تعالى لا يشاركه فيها مشارك.
ووجه آخر وهو أن أحدنا وإن قدر على إيقاع الفعل المحكم والتأليف، فهو غير قادر على إيقاعه على الوجه الذي وقع في كثير من الأجسام كتأليف أجسام الأحياء وأزهار الأشجار، وثمارها ونحو ذلك.
وجواب آخر: وهو أن ذلك الغير إما قديم وهو باطل؛ إذ لا قديم مع الله تعالى، وإما محدث وهو إنما يكون قادراً بقدرة وعالماً بعلم، وذلك يحتاج إلى نية مخصوصة، فيحتاج إلى غاية الإحكام، فيجب في فاعله أن يكون عالماً، وذلك كاف في حصول الغرض؛ لأن فاعله هو الله وإلا لزم التسلسل.
وأما الأصل الثاني وهو أن من صح منه الفعل المحكم فهو عالم، فقال الإمام القاسم بن محمد: هو ضروري، وقال القرشي: هو ضروري في الجملة؛ لأن معنى العالم هو من يصح منه الفعل المحكم.
وظاهر كلام السيد مانكديم، والإمام المهدي وغيرهما أن ذلك استدلالي، واستدلوا عليه بأنا وجدنا في الشاهد قادرين أحدهما قد صح منه الفعل المحكم كالكاتب، والآخر تعذر عليه ذلك كالأمي، فمن صح منه يجب أن يفارق من تعذر عليه ذلك بأمر، وليس ذلك إلا صفة ترجع إلى الجملة وهي كونه عالماً؛ لأن الذي يشتبه الحال فيه ليس إلا كونه ظاناً أو معتقداً، وذلك مما لا تأثير له في إحكام الفعل بدليل أن أحدنا أول ما يمارس الكتابة ويتعلمها قد يظنها ويعتقدها ولا تتأتى منه محكمة، فصح أن صحة الفعل المحكم دليل كونه عالماً في الشاهد، وإذا ثبت ذلك في الشاهد ثبت مثله في الغائب؛ لأن طرق الأدلة لا تختلف شاهداً وغائباً.
واعلم أنه يسأل هنا عن دليل ثبوت هذه المفارقة وأنها لم عللت، ثم لم وجب تعليلها بأمر يرجع إلى الجملة، والكلام عليه على نحو ما مر في مسألة قادر، ويلحق بهذه الجملة سؤالات:
الأول: أَن صحة إحكام الفعل في الشاهد إنما تدل على كون فاعله عالماً لمطابقته للمواضعة والعادة السابقة، وهذا غير ثابت في حق الله تعالى؛ لأن أفعاله تعالى مبتدأة لا تجري مواضعة في مثلها ولا عادة.
والجواب من وجهين:
أحدهما: ذكره السيد مانكديم وهو: أن صحة الفعل المحكم إنما تدل على كون فاعله عالماً من حيث أنه صح من أحدهما وتعذر على الآخر، حتى لو صح ذلك من جميع القادرين لم يدل على كونهم عالمين بدليل أن الكتابة اليسيرة كالكثيرة في الإحكام، وهي لا تدل على أن فاعلها عالم لما لم يتعذر على غيره، بخلاف الكثيرة فإنها تدل على ذلك لتعذرها على غيره.
الثاني: ذكره الإمام المهدي وغيره وهو: أن في أفعال الله ما يجري مجرى ما تجري فيه المواضعة والعادة، ألا ترى أن الله تعالى أجرى العادة المستمرة بأن لا يخلق هذه الحيوانات إلا من أجناسها، كالبقر من البقر، والغنم من الغنم، وكذلك لا يخلق هذه الثمار إلا من أشجارها المخصوصة، وذلك يدل على علمه بالأصول عند خلقه الفروع التي أوجدها من جنسها، وهذا جار مجرى المواضعة ومطابقتها.
السؤال الثاني
إذا كان الدليل على أن الله عالم وقوع الفعل المحكم وكشف الفعل عن الصحة قبله، فيلزم فيما وقع منه تعالى غير محكم، كإيجاد الأعراض والجواهر التي لا تأليف بينها، والصور الناقصة المستقبحة أن تدل على أنه تعالى غير عالم.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن هذا جمع من غير جامع.
ثانيها: أن وجود الفعل المحكم يدل على أنه تعالى عالم من جهة المفارقة بخلاف غير المحكم فإنما يدل على أنه قادر، ولا يدل على العالمية بنفي ولا إثبات.
ثالثها: أن العالم قد يوجد منه فعل غير المحكم لغرض ولا يخرجه ذلك عن كونه عالماً، دليله أن الواحد منا قد يكون عالماً بالكتابة وكيفية إحكامها وتوجد منه كتابة غير محكمة لغرض من الأغراض ولا يخرجه ذلك عن كونه عالماً.
فإن قيل: فما الحكمة في خلق الصور القبيحة؟
قيل: لا بد فيها من حكمة ومصلحة لما تقرر من عدل الله وحكمته سواء عرفناها تفصيلاً أم لا،وقد قيل: وجه الحكمة أن في وجودها كذلك لطف لنا وأقل أحوالها أن تدعونا إلى الشكر على تمام الخلقة وتحسين الصورة.
السؤال الثالث
إذا كان في الأفعال ما يدل على أن فاعله عالم فهل فيها ما يدل على أن فاعله جاهل أي معتقد اعتقاد جهل؟
والجواب: أنه لا يوجد فيها ذلك؛ لأن غير المحكم كما يقع من الجاهل فقد يقع من العالم، قال الإمام المهدي: أما إذا علمنا أن داعيه متوفر إلى إيجاد الفعل المحكم فتعذر عليه علمنا أنه ليس بعالم به، وإذا جادل على تصحيح الباطل وعلمنا من شاهد حاله الجد في التمسك به والدفع عنه علمنا أنه معتقد اعتقاد جهل.
السؤال الرابع
إذا قستم الغائب على الشاهد في كونه قادراً عالماً فهلا حملتموه عليه في كونه جسماً؛ إذ قد ثبت في الشاهد أن القادر العالم لا يكون إلا جسماً؟
والجواب: أن هذا قياس بلا رابطة، وإنما استندتم في ذلك إلى مجرد الوجود وهي طريقة باطلة، وقد مر الكلام عليها في المسألة السابعة من مسائل الحمد لله، وأيضاً هو قياس مع وجود الفارق، فيجب أن يكون باطلاً؛ وذلك أنا إنما أوجبنا في القادر العالم في الشاهد أن يكون جسماً؛ لأنه قادر بقدرة وعالم بعلم، والقدرة والعلم لا بد لهما من محل، والمحل متحيز، والجسم مركب من المتحيزات، بخلاف الباري فإنه قادر عالم لذاته فظهر الفرق.
تنبيه [في الدليل على العالمية]
قد عرفت مما مر أن الدليل على العالمية هو صحة الفعل المحكم، ودليل صحة الإحكام الوقوع؛ إذ الوقوع فرع الصحة، وهذا اختيار جماعة من أصحابنا -أعني أنهم جعلوا دليل العالمية صحة الإحكام- ولعلهم إنما عدلوا عن جعل الإحكام نفسه دليل العالمية لنحو ما مر في مسألة قادر من أن مجرد الوقوع لا يدل على كونه قادراً، وكذلك يقال مجرد الإحكام لا يدل على كونه عالماً؛ لأنه قد يقع اتفاقياً، وأيضاً إذا جعلنا دليل العالمية هو صحة الإحكام وفرضنا عدم وقوع الإحكام لم يلزم منه ثبوت الجهل وعدم العالمية؛ إذ لا يلزم من عدم الإحكام عدم صحة الإحكام، بخلاف ما إذا جعلنا الدليل نفس الإحكام فإنه يلزم من عدمه العدم، ومرادهم بالصحة هنا التي بمعنى الاختيار كما مر في مسألة قادر.
وظاهر احتجاج الإمام القاسم بن محمد في (الأساس) اختيار الاستدلال بنفس الإحكام، وهو الذي رجحه الدواري في (الغياصة) فإنه قال: الأولى في الاستدلال أن يقال: قد وقع الفعل المحكم من الله تعالى فإما أن يقع على جهة الإيجاب، أو على جهة الاختيار، باطل وقوعه على جهة الإيجاب؛ لأنه يلزم منه حصول العالم دفعة، ولأنه يلزم من ذلك قدم العالم، فإذا بطل أن يكون وقوعه على جهة الإيجاب وجب أن يكون على جهة الاختيار.
قلت: وهكذا يقال في الاستدلال على كونه قادراً، وما ذكره الأولون من أن مجرد الوقوع لا يدل على كونه قادراً ولا عالماً فمدفوع بما ذكره الدواري من إبطال كونه على جهة الإيجاب.
وقولهم: لو جعلنا الدليل الوقوع نفسه للزم من عدمه عدم المدلول عليه تكلف واحتراز عن أمر مقطوع بانتفائه، فلا حاجة إلى الاحتراز عنه والهرب من لزومه.
تنبيه آخر [في صفة العالمية هل هي زائدة]
وما تقدم من الدليل المركب من القياس فإنما هو مبني على أن هذه الصفة أمر زائد على الذات.
وأما من ينفي الأحوال فاستدلوا بالعموم، وقالوا: قد ثبت أن كل من صح منه إحكام الفعل فهو عالم، وهذه القضية معلومة ضرورة عند بعضهم، ومن قال منهم إنها استدلالية قالوا: العالم من صح منه الفعل المحكم، وفسروا الصحة بعدم الاستحالة، والباري تعالى لا يستحيل منه ذلك بدليل وقوعه فيجب أن يكون عالماً.
ومن استدل على العالمية بنفس إحكام الفعل قال: كل من وقع منه الفعل المحكم فهو عالم، أو العالم من وقع منه الفعل المحكم.
نعم والقول بأن هذه الصفة أمر زائد على الذات هو الذي عليه الأكثر من المعتزلة وجماعة من الزيدية، فإنهم يذهبون إلى أن للعالم بكونه عالماً صفة زائدة على ذاته راجعة إلى الجملة في الشاهد، وإلى الحي في الغائب.
وقال أبو الحسين وابن الملاحمي: المرجع بها إلى تبين العالم للمعلوم، وهو تعلق العالم بالمعلوم، ولم يثبتا صفة زائدة على التعلق لا للباري تعالى ولا للواحد منا، إلا أن أبا الحسين سمى هذا التعلق صفة لقلب الواحد منا، وابن الملاحمي لم يجعل ذلك صفة.
قال ابن حابس: وكلامهما هو المطابق لما عليه جمهور أئمتنا وقدماؤهم من كون الصفات هي الذات.
قلت: وفي كون كلامهما مطابق لكلام الأئمة نظر يؤخذ تقريره من مسألة قادر.
وقد حقق مذهب أبي الحسين، وابن الملاحمي القرشي في (المنهاج) ومنه تعلم عدم مطابقة كلامهما لمذهب الأئمة" وتلخيص كلامه أنهما لا يثبتان للعالم حالة على الحد الذي يثبته سائر المشائخ، بل أثبتا له تعلقاً وهو التبيين، وجعله ابن الملاحمي حكماً للقلب في الشاهد، وللذات في حق الباري تعالى، والفرق بين كلامه وكلام الجمهور أنهم يثبتون حالة وتعلقاً زائداً عليها، وهو أثبت التعلق فقط وجعله حالة، واستدل على أنه حالة للقلب بأنه لا يعقل من دون القلب، ولو كان حالاً للجملة لتساوت أجزاؤها فيه كما تتساوى الأجزاء السود في السواد، والمعلوم أنا نجد هذا التبين من ناحية الصدر فقط.
وأجيب بأن كونه لا يعقل من دون القلب لا يقتضي كونه حالة له، وإلا لزم أن تكون الكتابة حالة لليد؛ إذ لا تعقل إلا بها، وأما أنَّا نجد التبين من ناحية الصدر، فمسلم لكن العالم هو الجملة كما أن قدرة الكتابة في اليد والكاتب هو الجملة، واستدل على أنه حالة لذات الباري تعالى بأنه أمر زائد على ذاته، ولا يعقل من دونها فكان حالة لها، أما أنه أمر زائد، فلأنه قد صح منه الفعل المحكم، فإما أن يصح لأنه ذات مطلقة، أو لأنه ذات مخصوصة، أو لأن ذاته تبين للأشياء.
الأول باطل وإلا لزم صحة الإحكام من كل ذات.
وأما الثاني فيقال لهم: أصَحَّ منه؛ لأنه ذات مخصوصة بكونها متبينة للأشياء أم لا؟ إن قالوا: لا، لزمهما صحة الإحكام ممن لم يتبين وهو محال.
وأما الثالث فباطل؛ لأن ذاته لو كانت تبيناً للأشياء وهذا التبين حاصل لنا لكان يلزم أن يكون مثلا لتبيننا، وأما أن التبيين لا يعقل من دون ذاته فهو ظاهر، فثبت كونه حالة لذاته تعالى، هذا ما حكاه ابن الملاحمي.
وأجيب بأن هذا الدليل هو الذي يستدل به البهشمية على إثبات الحالة، فهو موضع اتفاق، لكنهم يثبتون تعلقاً للعالم بالمعلوم غيرها وهو صحة إيجاد المعلوم من جهته محكماً، وهذا لا يمكن إنكاره.
فأما ابن الملاحمي فاستدل على أن هذا التبين حكم لا حالة بأن التعلق بين العالم، والمعلوم لا يعقل من دونهما والحالة لا يعتبر فيها الغير.
وأجيب بأنا لا نسلم أنه حكم، لكنا نستدل على الحالة بما ذكرته عن أبي الحسين.
قال القرشي: وقد استدل شيوخنا لإثبات هذه الحالة مع ما تقدم بأنه يستحيل حصول العلم بالشيء في جزء من القلب والجهل به في آخر، ولا وجه لهذه الاستحالة إلا حصوله على صفتين ضدين؛ لأن المعاني لا تتضاد إلا على المحل، واعترضه ابن الملاحمي بأنه مبني على إثبات المعاني، ويمكن أن يجاب بأنا لا نحتاج إلى ذكر المعاني، بل يكفي أن نقول: يستحيل أن يكون أحدنا عالماً بالشيء جاهلاً له، والوجه ما مر؛ إذ لو لم يكن إلا مجرد التعلق لما استحال تعلق القلب بالشيء على ما هو به وعلى ما ليس هو به، ألا ترى أن المجوز للشيء قد تعلق به على ما هو به وعلى ما ليس هو به، وليس له أن يفرق بسكون النفس؛ لأنه لا يثبته ولأنه من أحكام العلم.
قال القرشي: قال أصحابنا: ولو لم يكن إلا ما في القلب من التعلق، وفي اليد من البنية لما صح وقوع الفعل ولا إحكامه باليد لداع في القلب، كما لا يصح بيد زيد لداع في قلب عمرو.
قالوا: ولا يصح الفرق بأن اليد متصلة بالجملة؛ إذ لا حكم لذلك إلا إذا كان المؤثر راجعاً إلى الجملة، واعترضه أبو الحسين بأنه يلزم أن لا يصح الفعل المحكم باليد لحال العالم؛ لأن العالم هو الجملة دون اليد، ورد بأن الفعل المحكم وقع من الجملة باليد؛ لأنها آلة، فالفعل واقع من الجملة لحال الجملة.
خاتمة فيما يجب معرفته في هذه المسألة
وجملة القول في ذلك: أنه يجب على المكلف أن يعلم أنه تعالى عالم فيما لم يزل وفيما لا يزال، ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة في حال من الأحوال، ودليل كونه عالماً فيما لم يزل أنه لو لم يكن عالماً فيما لم يزل ثم صار عالماً للزم أن يكون عالماً بعلم متجدد محدث وهو باطل، ودليل كونه عالماً فيما لم يزل أنه يستحق هذه الصفة لذاته، والموصوف بصفة ذاتية لا يجوز خروجه عنها بحال من الأحوال.
نعم وقد دلت الآية على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وهذا مما يجب على المكلف معرفته في المسألة، وقد خالف طوائف من الناس في تعلق علمه تعالى بكل معلوم، وسيأتي ذكرهم، وإبطال مقالتهم إن شاء الله في الكلام على قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ...}الآية[آل عمران:5].
فائدة فيما يطلق عليه سبحانه وتعالى من الأسماء بمعنى كونه عالماً وما لا يجوز
فمما يجوز إجراؤه عليه: العالم، والعليم، والعلام.
قال القرشي: وفي الأخيرين مبالغة تفيد استحالة الجهل عليه، وقد يقال: إن صفات الله الذاتية لا يتصور فيها مبالغة كما مر في قدير.
ومنها: العارف. ذكره الموفق بالله والقرشي؛ إذ لا فرق بين المعرفة والعلم، ولذلك إذا أثبت بأحد اللفظين ونفي بالآخر تناقض الكلام.
قال القرشي: لكن العارف أقل استعمالاً من العالم ولا تدخله المبالغة، فلا يقال: عراف؛ لإيهامه الخطأ.
ومنها: الداري. نص عليه الموفق بالله والقرشي لما مر في عارف، قال الشاعر:
لا هم لا أدري وأنت الداري
وقال بعضهم: اللهم أنت الداري ولا أدري.
وحكي عن أبي علي القسوي أن أصله من دريت الصيد إذا توصلت إليه بحيلة، يعني فلا يصح إطلاقه على الله تعالى وهو قول الرازي؛ لامتناع الفكر والحيل عليه تعالى.
وأجيب بأنه وإن كان في الأصل كذلك فقد صار في العرف مستعملاً في العالم.
قال القرشي: وأصل الاشتقاق لا يراعى في الألفاظ إذا وقع التعارف على وجه صحيح، كالحال فإن أصله التغير والانقلاب ثم استعمل في الصفات.
وقال الراغب: الدراية المعرفة المدركة بضرب من الختل، قال: والدراية لا تستعمل في الله تعالى، وقول الشاعر:
لاهم لا أدري وأنت الداري .... فمن تعجرف أجلاف العرب.
ومنها: البصير. يقال: فلان بصير بكذا أي عالم به، ولا بد من زيادة علم يقتضي وصفه بذلك، ولذلك لا يقال: فلان بصير بالكلام إلا بعد معرفته حق معرفته، ولما كان الباري تعالى عالماً بكل شيء جاز وصفه بذلك.
قال القرشي: وإن كان قد يستعمل بمعنى كونه حياً لا آفة به، ويستعمل مبالغة في المبصر.