المسألة الثامنة [تحريم أكل الطين]
قيل: في الآية دليل على تحريم أكل الطين؛ لأنه امتن بأنه خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض، فإنما امتن علينا بأنه خلقها لنا فراشاً.
وقيل: لا حجة فيها؛ لأن من جملة الأرض ما يطلق عليه أنه فيها وهو مخلوق لنا كالمعادن.
وأما امتنانه بأنه خلقها لنا فراشاً فتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، لكن الآية وإن لم تدل على تحريم الطين فقد دل على تحريمه غيرها عقلاً ونقلاً، أما العقل فلأنه ضار والعقل يحكم بوجوب دفع الضرر عن النفس وتجنب ما يجلب الضرر ولهذا حرمت السموم، وأما النقل فما رواه الهادي في (الأحكام) عن النبي -صلى الله عليه وآله- أنه نهى عن أكل الطين وقال: ((إنه يعظم البطن، ويعين على القتل)).
وفي (الشفاء) عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((يا حميراء، إياك والطين، فإنه يعظم البطن، ويعين على قتل النفس)).
وفي (أصول الأحكام) عن النبي -صلى الله عليه وآله- أنه نهى عن أن يأكل الإنسان من الطين ما يضره.
وقال الهادي في (الأحكام): بلغنا عن علي -صلى الله عليه- أنه قال: ومن أكل من الطين حتى يبلغ فيه ثم مات لم أصل عليه.
وفي خبر الأصول: والأثر العلوي دليل على أن المحرم منه ما يضر، والعقل لا يقضي إلا بتحريم ذلك، وهذا هو المصحح للمذهب.
وأما ما لا يضر منه فقالوا: يكره فقط، وفي (البحر) عن الإمام يحيى: إن الطين مباح؛ لأنه طاهر مطهر فيحل كالماء، وقال أبو طالب: يباح قليله ويكره كثيره لخبر عائشة.
قلت: ولا وجه لكلام الإمام يحيى بمخالفته للعقل والنقل، ولا قياس مع نص.
وأما قول أبي طالب في القليل، فمسلم؛ إذ لم يرد على الكراهة فيه دليل، بل ظاهر ما مر في الإباحة، ويؤيده ما في (الجامع الكافي) عن محمد أنه سئل عن الحامل تشتهي الطين فرخص في القليل منه، وذكر عن علي -صلى الله عليه- واستدل على كراهته في (المنار) بحرمة كثيره فأقل أحواله الكراهة.
وأما قوله بكراهة الكثير، فإن أراد كراهة التحريم فمسلم، وإن أراد كراهة التنزيه فلا لما مر.
المسألة التاسعة [الاستواء]
اختلف في معنى الاستواء في الآية، فقال الفراء والزمخشري ومن وافقهما: معناه أقبل وقصد فهو راجع إلى معنى الإرادة.
وقال الراغب في الاستواء: إذا عدي بإلى فمعناه الانتهاء إليه إما بالذات، أو بالتدبير.
قلت: والذي يجوز هنا إنما هو الانتهاء إليه بالتدبير.
وقال الربيع بن أنس، والطبري: معناه علا وارتفع، قال الربيع: من دون تكييف ولا تحديد، وقال الطبري: علا أمره وسلطانه.
وقيل: إن إلى بمعنى على أي استوى على السماء، والمعنى أنه تفرد بملكها ولم يجعلها كالأرض ملكاً لخلقه، ومعناه على هذا الاستيلاء كما قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق .... من غير سيف ودم مهراق
قال: وقال الحسن البصري: معناه تحول أمره إلى السماء واستقر فيها، والاستواء الاستقرار فيكون على حذف مضاف، أي ثم استوى أمره إلى السماء أي استقر؛ لأن أوامره تنزل إلى الأرض من السماء.
وقيل: المعنى كمل صنعه فيها كما تقول: استوى الأمر، وفيه ضعف؛ إذ لا يقال: كمل إلى هذا الشيء.
وقيل: الضمير عائد إلى الدخان، قال أبو حيان: وهذا بعيد جداً يبعده قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ}[فصلت:11] واختلاف الضمائر وعوده على غير مذكور، ولا يفسره سياق الكلام.
وهذه التأويلات كلها فرار عما تقرر في العقول من أن الله يستحيل أن يتصف بالانتقال المعهود في غيره سبحانه وتعالى، وأن يحل فيه حادث، أو يحل هو في حادث، وسيأتي الكلام على الاستواء بالنسبة إلى العرش إن شاء الله.
المسألة العاشرة [الرد على المشككين في القرآن الكريم]
تمسك بعض الطاعنين في القرآن من الملحدة، ومنهم ابن الراوندي بالآية على إثبات التناقض في القرآن؛ لأنها تدل على أن خلق الأرض قبل السماء، وقد نقضه بقوله تعالى: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}[النازعات:30] فإنها تدل على العكس، والجواب من وجهين جملي، وتفصيلي:
أما الجملي: فهو أن التناقض هو اختلاف الجملتين بحيث إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى، وشرطه أن يتحد المنسوب والمنسوب إليه، ووجه النسبة والزمان والمكان، والجزء والكل، ومتى اختل شيء من هذه الشروط لم يكن الكلام متناقضاً وإن كان ظاهر اللفظ التناقض، ولهذا لا يحكم بالتناقض في نحو قولك: زيد في الدار زيد ليس في الدار إذا أريد بأحد الزيدين زيد بن عمرو وبالآخر ابن بكر، أو أريد بأحد الدارين غير الآخر، أو أثبت كونه فيها في وقت ونفاه في آخر، والمعلوم أن ما في القرآن مما يدعى فيه التناقض لم يحصل فيه حقيقة التناقض ولا شرائطه، وأيضاً لو كان فيه تناقض لعرفه العرب وطعنوا به، فهم كانوا أعرف منكم، وأحرص على الطعن.
وأما التفصيلي فمن وجوه:
أحدها: أن المراد بالاستواء تحول أمره إلى السماء كما مر عن الحسن، والمعنى أن الأوامر والتكاليف ونحوها تنزل من السماء إلى الأرض بعد خلق الأرض وما فيها.
ثانيها: أن خلق جرم الأرض قبل خلق السماء، إلا أنه ما دحاها حتى خلق السماء، وهذا قول جماعة من المفسرين وغيرهم، قال في تفسير القرطبي: قال مجاهد وغيره من المفسرين: إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه فجعله أرضاً وثار منه دخان فارتفع فجعله سماء، فصار خلق الأرض قبل خلق السما، ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن سبع سماوات، ثم دحا الأرض أي بسطها بعد ذلك وكانت غير مدحوة.
وفي (الكشاف): عن الحسن: خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السماوات، وأمسك الفهر في موضعها فذلك قوله: {كَانَتَا رَتْقًا}[الأنبياء:30] وهو الالتزاق، ويؤيده ما رواه ابن جرير قال: حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله حيث ذكر خلق الأرض قبل السماء ثم ذكر السماء قبل الأرض وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}[النازعات:30].
قلت: وظاهر الآية يؤيد هذا الوجه؛ لأنه أخبر فيها بالاستواء إلى السماء لتسويتها سبع سماوات، والاستواء إليها يقتضي تقدم خلقها؛ إذ المفهوم من إطلاق قولنا: استوى فلان إلى ضيعته لإصلاحها أن الضيعة موجودة في ملكه، ولا يقال استوى إليها وهي غير موجودة في ملكه إلا على ضرب المجاز.
وأما الرازي فذكر على هذا الوجه إشكالين:
أحدهما: أن الأرض جسم عظيم يمتنع انفكاك خلقها عن التدحية، وإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلق الأرض متأخراً عن خلق السماء لا محالة.
قلنا: هذه دعوى ولا وجه لها، فإن المعلوم ضرورة إمكان خلقها غير مدحوة، وما كان ممكناً فلا يمتنع وقوعه وإلا لخرج عن كونه ممكناً.
ثانيهما: أن الآية تدل على أن خلق الأرض وما فيها قبل خلق السماء، وخلق الأشياء فيها لا يمكن إلا إذا كانت مدحوة، فهذه الآية تدل على أنها مدحوة قبل خلق السماء، وحينئذ يتحقق التناقض، وأجاب بأن قوله: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}[النازعات:30] يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض ولا يقتضي تقديم تسويتها على خلق الأرض، وعلى هذا يزول التناقض، ثم اعترض هذا الجواب بأن قوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا...} الآية[النازعات:27]، يقتضي تقدم خلق السماء وتسويتها على تدحية الأرض، وتدحية الأرض ملازمة لخلقها فيكون خلق ذات السماء وتسويتها مقدم على خلق ذات الأرض وتدحيتها فيعود السؤال.
والجواب ما مر من أنا لا نسلم أن تدحية الأرض ملازمة لخلقها، وحينئذ يرتفع الإشكال.
الوجه الثالث: أَن ثُمَّ هنا إنما جيء به للإيذان والدلالة على ما بين الخلقين من التفاوت في المزية والفضل الذي امتازت به العلويات على السفليات، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا}[البلد:17] وليست للتراخي الزماني، قال أبو السعود: فإن تقدمه على خلق ما في الأرض المتأخر عن وجودها مما لا مرية فيه لقوله تعالى: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}[النازعات:30] ولما روي عن الحسن.
الوجه الرابع: أَن ثُمَّ هنا ليس للترتيب فإنما هو على جهة تعديد النعم، مثاله قوله: أليس قد أعطيتك النعم العظيمة، ثم رفعت قدرتك، ثم دفعت الخصوم عنك، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم فكذلك هاهنا.
قال الرازي: وهذا الجواب الصحيح.
المسألة الحادية عشرة [دلالة الآية على مسألة أن الله عالم]
دلت الآية الكريمة على أن الله تعالى عالم، وليس الاستدلال بها من الاستدلال بالسمع من حيث أنه سمع، بل من حيث أنه مثير لدفائن العقول، ألا ترى أنه نبه قبل قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[البقرة:29] على دليل العالمية الذي هو خلق الأرض وما فيها، وتسوية السماوات المشتمل على الإحكام العجيب، والإتقان الغريب، ولنتكلم على المسألة في ثلاثة مواضع: الأول في حقيقة العالم، الثاني: في كون الباري تعالى عالماً وذكر الخلاف في ذلك، الثالث في الدليل على أنه عالم.
الموضع الأول في حقيقة العالم
قال القرشي: هو المختص بصفة لكونه عليها لمكانها يصح منه الإحكام تحقيقاً أو تقديراً وزاد غيره: إذا لم يكن ثم مانع ولا ما يجري مجراه، فقوله المختص بصفة جنس الحد، وقوله: لمكانها، يعني لاختصاصه بها، وقوله: يصح منه الإحكام أي يصح منه الفعل المحكم فصلٌ يخرج غير المحدود، ومعنى الإحكام إيجاد فعل عقيب فعل أو مع فعل على وجه لا يتأتى من كل قادر ابتداءً، والمحكِم -بكسر الكاف- هو المرتب لذلك، والمحكَم بالفتح هو الفعل المرتب.
وقوله: أو تقديراً، أراد به ما لا يكون مقدوراً كفعل الغير، أو يكون مقدوراً لكن لا يصح إحكامه كالفعل الواحد فإنما هذا حاله يصح إحكامه تقديراً بمعنى أنه لو كان مقدوراً ومما يصح ترتيبه لأحكمناه، وقوله: ما لم يكن ثم مانع...إلخ يعني بالمانع الضد كأن يريد أحدنا الكتابة فيمسك الغير يده فيفعل من الأكوان ضد ما يريد الكاتب فعله، والذي يجري مجراه عدم الآلات كعدم القلم ونحوه، ويرد عليه أسئلة:
أحدها: أَن من حق الحد أن يعلم منه المحدود، والمعلوم أن نفاة الأحوال يعلمون العالم عالماً وإن لم يعلموا أنه مختص بصفة.
الثاني:أَنكم ذكرتم صحة الفعل والفعل وصف لما وجد من المقدورات، والصحة حكم لما لم يوجد، فكيف يصح منه الفعل المحكم وبعد الحصول لا صحة؟
الثالث: أَن المانع وما يجري مجراه لا يتصور إلا في حقنا، فأما الباري تعالى فلا مانع في حقه كما مر تقريره في السؤال السادس على حد القادر.
الرابع: أَن المانع لا يكون مانعاً إلا إذا وجد في وقت وجود المقدور كما مر في السؤال الخامس على مسألة قادر.
والجواب عن هذه الأسئلة قد مر في الثانية من مسائل قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:106]، وقال أبو الحسين، وابن الملاحمي: العالم هو المتبين لأمر من الأمور تبيناً يمتنع معه في نفسه تجويز خلافه، واعترضه القرشي بأن هذا اللفظ لا يطلق إلا على من يتعرف الشيء بمشقة وتجويز، وبأنه لا يفيد حصول المعرفة، ولهذا يقال: تبينت الشيء فما عرفته، وبأن المتبين أخفى من العالم.
وقال ابن حابس: هو من يمكنه إحكام الأشياء المتباينة وتمييز كل منها بما يميزه، أو من أدرك الأشياء إدراك تمييز وإن لم يقدر على فعل محكم.
نعم وقد ذكر العلماء للعالم حدوداً غير ما ذكر وهي في المعنى راجعة إلى ما ذكرنا، ولعله يأتي على أصل من قال: إن العلم لا يحد أن يقال في العالم كذلك. والله أعلم.
فائدة
الأفعال بحسب الحكمة والإحكام تنقسم إلى أربعة أقسام: محكم، وحكمة نحو الخط الحسن في نفاعة مسلم، ولا محكم ولا حكمة نحو الخطوط التي لا حروف فيها مفصلة إذا كان لمضرة مسلم ونحو ذلك، ومحكم دون حكمة نحو الخط الحسن الذي لا غرض فيه، وحكمة دون محكم نحو الخط الذي لا تميز حروفه لنفع مسلم، ولا يوجد في أفعال الباري تعالى إلا ما فيه حكمة، والإحكام أو الحكمة دون الأحكام.
الموضع الثاني في كون الباري تعالى عالماً وذكر الخلاف في ذلك
ذهب أهل الإسلام وأهل الكتاب وغيرهم ممن أقر بالصانع المختار إلى أن الله تعالى عالم، وبه قالت الفلاسفة في الجملة، والخلاف في ذلك مع الباطنية وبرغوث فإنهم لا يصفونه بشيء من الصفات كما مر في مسألة قادر، وألزمت المطرفية أن لا يكون عالماً كما ألزموا أن لا يكون قادراً.