الفرع الثاني [في استعمال الدواب]
في استعمال الدواب في غير ما جرت العادة باستعمالها فيه كالحرث على الخيل والبغال والحمير وحمل آلة الحرب ونحوها على البقر ونحو ذلك.
ظاهر كلام النجري الجواز لظواهر الأدلة وعمومها، فإنها تقتضي جواز الانتفاع بها في أي منفعة كانت إلا ما خصه دليل.
وقال السيد محمد بن الهادي في قوله تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ}الآية[النحل:5]: تدل على جواز أكلها والانتفاع بجميع المنافع منها، وقد ورد بذلك الشرع الشريف، قال: وهو معلوم من الشرع ضرورة.
وحكى النجري عن بعض السلف أنه كان ينهى عن تحميل آلة الحرث على البقر، قال: وكذلك سائر وجوه الانتفاع إلا ما أباحه الشرع بدليل خاص.
قلت: ومقتضى مذهب الهدوية ومن وافقهم، وحجة الأولين ما مر من عموم الأدلة عقلاً ونقلاً، وحجة الآخرين ما مر من أن الأصل في الحيوانات الحظر فلا يحل من وجوه الانتفاع بها إلا ما خصه دليل، ويحتج لهم أيضاً بما في صحيح مسلم قال: حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح وحرملة بن يحيى، قالا: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمعا أبا هريرة يقول: قال رسول صلى الله عليه وآله: ((بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكني إنما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله تعجباً وفزعاً أبقرة تكلم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله: فإني أومن به وأبو بكر وعمر)). وله طريق أخرى قال: وحدثنا محمد بن عباد، حدثنا سفيان بن عيينة، ح وحدثني محمد بن رافع، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان كلاهما عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وآله- بمعنى حديث يونس عن الزهري.
وأخرجه البخاري قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن سعيد، قال: سمعت أبا سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وآله- فذكر نحوه إلا أنه قال: ((بينما رجل راكب على بقرة))، وسعد هو: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وأخرجه الترمذي، وهو دليل على أنه لا يجوز استعمال الدواب في غير ما خلقت له نصاً في البقرة وقياساً في غيرها؛ لأن علة المنع إنما هو كونها لم تخلق لما فعله هذا الرجل من الحمل أو الركوب، فكذلك يجب المنع من استعمال سائر الدواب فيما لم تخلق له للعلة المذكورة، وقد أعلمنا الله في كتابه بما خلق له الأنعام والخيل والبغال والحمير فقال في الأنعام: {فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ}[النحل:5-7] وقال في الخيل وما بعدها: {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}[النحل:8] وهذا إذا ضممته إلى الدليل العقلي كان حجة قاطعة على المنع.
والجواب: أما قولهم: إن الأصل الحظر فقد مر إبطاله.
وأما الحديث فلا يقاوم القواطع العقلية والنقلية الدالة على جواز مطلق الانتفاع ما لم يخرج إلى حد الجور والظلم، على أنه يجاب عنه وعن الآية بأن ذكر الحرث والركوب والزينة لا يدل على أن المنفعة مختصة بذلك، وإنما خصت هذه المنافع بالذكر؛ لأنها معظم المقصود، ولا يلزم من تعليل الفعل بمعظم المقصود منه أن لا يقصد منه غيره أصلاً ولهذا سكت عن حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير مع أنه لا ريب في جواز ذلك، سيما على البغال والحمير، واستدل السيد محمد بن الهادي بقوله في الأنعام: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ}[النحل:7] على جواز إتعابها بالتحميل للأثقال والمسير عليها والعمل، وذلك من أعظم المشقة على البهائم، قال: وهذا جائز، ولو أتعبها ما لم يبلغ حد الجور من تكليفها ما هو فوق طاقتها، وضربها لذلك فوق الحاجة، قال: وما ذكرناه من الوجهين معلوم من الشرع على الجملة، وعليه الإجماع.
هذا وللإمام المهدي كلام حسن، ودليل عقلي مستحسن في جواز تحميل البهائم المشقة في مصالح أنفسنا حاصله: أنا نعلم من كل حيوان اختياره تحمل المشقة في طلب المعيشة ولم نر حيواناً أجوف حتى النمل ساكناً عن طلب المعيشة إلا لمانع، فعلمنا بالعقل حسن تحميل البهائم التي لا تحمل رزقها كالأنعام والخيل ونحوها قدر ما تحمله هي لو طلبت المعيشة، ويكون ذلك في مقابلة القيام بها وحفظها من المهالك؛ لأن المعلوم أن الله تعالى لم يجعل متاعها وحفظ نفسها موكولاً إليها؛ إذ لا يمكنها ما يمكن المتوحشات من حفظ نفسها عما تخاف، فلو تركت تتبع رزقها في الفيافي والقفار لكان فيه هلاكها، فلما علمنا ذلك من حالها، وعلمنا من حال سائر الحيوانات أنها تكد أنفسها أكثر نهارها في طلب المعاش راكبة للأخطار في ذلك، علمنا حسن تحميل البهائم مثل مشقتها لو اشتغلت بالطلب كغيرها، ويكون ذلك في مقابلة القيام بمؤنتها وحفظها من السبع، والحر، والبرد وغير ذلك.
قال عليه السلام : ونعلم ضرورة أنها لو عقلت وعلمت ما يلقاه غيرها في طلب المعيشة لاختارت ما هي عليه من الخدمة في مقابلة القيام بها وحفظها، سيما مع عجزها عن القيام بنفسها، فإنها في كثير من المواضع لا تجد بلغة ولا مأوى إلا ما حصله لها المالك، وإذا علمنا ذلك فالقدر الذي يجوز عقلاً تحميلها إياه إنما هو القدر الذي تحمل نفسها لو طلبت المعيشة والحفظ فقط، لكن الأقرب أن ما من قدر في المشقة غير المبرحة إلا وهي تختار تحمله في طلب ذلك عند حاجتها وهي لا تزال محتاجة إلا في وقت امتلائها وهو يسير، فيجب التهوين عليها ذلك القدر.
قلت: وقد تضمن قوله عليه السلام : لكن الأقرب...إلخ الرد على من قال: إنه لا يهتدي العقل إلى القدر الذي يحسن منا أن نحمله البهائم في منافع أنفسنا في مقابلة ما نوصله إليها من النفع، وقد استفيد من كلامه عليه السلام أنه يقول: إن إيلام الحيوان لمنفعة أنفسنا جائز عقلاً، وهو الذي اخترناه أولاً، لكن العلة عنده عليه السلام في الجواز هو كونه في مقابلة قيامنا بها.
تنبيه [مشقة الحيوان]
وكما يجوز تحميل البهائم المشقة لنفعنا على ما مر تقريره، فكذلك يجوز أن نحملها المشقة لنفعها، كركوبها في تعهدها بالسقي، وحمل علفها عليها وغير ذلك، وكذلك غيرها مما لا تكليف عليه فإنه يجوز تحميله المشقة لنفعه.
قال الإمام المهدي: وجواز ذلك معلوم، وإنما الخلاف في أنه ثابت عقلاً أم سمعاً، فقال أبو هاشم: ثبوته عقلي فإنا نعلم بعقولنا حسن ذلك، واختاره الإمام المهدي.
وقال أبو علي: لا وإنما ثبت سمعاً فقط؛ لأن العقل لا يهتدي إلى قدر المنفعة التي يختار الحيوان لو عقل تحمل المشقة لأجلها.
والجواب: أنه قد ثبت عقلاً حسن تحميلها المشاق لنفعنا، فبالأولى حسنه إذا كان في نفعها، ولا نسلم أن العقل لا يهتدي إلى قدر المنفعة لما مر عن الإمام المهدي، وأيضاً قد علم حسن تحميل الإنسان نفسه المشقة في طلب نفع نفسه، وعلم حسن ما يتحمله سائر الحيوانات التي تقوم بنفسها من المشقة في طلب ذلك، وكذلك حسن ما يفعله الإنسان من تحميل البهيمة المشقة لنفع نفسها، فإن تدبيره لها مع عجزها وعدم تمييزها كتدبيرها لأنفسها.
دليل آخر وهو: أن الشيخين متفقان على أنه يحسن عقلاً تحميلها المشقة لدفع ضرر عنها أعظم مما حملت، كإيلامها بالكي ونحوه لدفع ضرر أعظم منه، فكذلك يحسن لدفع ضرر الجوع والعطش ونحوهما، بل هذه المضار أبلغ من بعض الآلام، وما فرق به بين الأمرين من أن دفع المضرة قد تبلغ الرغبة فيه حد الإلجاء حتى يجب على من يخافها محاولة دفعها، بخلاف المنفعة فإنها تختلف أحوال الحيوانات فيها، فمنها ما لا يهون عليه تحمل المشقة في طلبها وإن جلت، ومنها ما يهون عليه ذلك فلا يهتدي العقل إلى القدر الذي يعلم أن هذا الحيوان يختار هذا الألم لو عقل لحصول هذه المنفعة فمدفوع بما مر.
تنبيه [إنزال الألم بالعقلاء للمنفعة]
واختلف في إنزال الألم بالعقلاء لنفعهم من دون مراضاتهم، فقال أبو هاشم وأكثر الشيوخ: قد يعلم عقلاً حسن ذلك، فإن رجلاً لو قال لآخر: قم من مكانك لتأخذ هذه الصرة وفيها مثاقيل كثيرة لتنتفع بها وليس بينه وبينها إلا قدر خطوة مثلاً فإنه إذا امتنع كان له إجباره وقهره على القيام وهو متفضل، ويعلم حسن ذلك بالعقل.
قال الإمام المهدي: ولعل أبا هاشم يعني حيث لا يعلم من حال الممتنع قصد الزهد أو نحوه من الأمور التي يحسن معها الامتناع، بل عرف ضرورة أنه لا وجه لامتناعه إلا الكسل.
وقال أبو علي: لا يحسن ذلك عقلاً، واختاره الإمام المهدي؛ لجواز كون هذا الكسلان يرى لذة الدعة في تلك الحال أبلغ من لذة الانتفاع بالصرة.
نعم وأما إجباره على دفع المضرة كأن يرى رجلاً قاعداً تحت جدار يخشى انهدامه عليه في تلك الحال.
قيل: فلا يبعد اتفاق الشيخين هنا أنه يحسن إجباره على القيام، ويكون ذلك تفضلاً حسناً.
قال الإمام المهدي: وهو قريب.
المسألة السابعة [حق الله وحق العباد وأيهما يقدم]
استدل بعض العلماء بقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ}[البقرة:29] على أنه إذا تعارض حق الله تعالى وحق العباد الماليان كان الواجب تقديم حق العباد؛ لأن الآية تدل على أنهم المقصودون بخلق ما في الأرض، ولأن في تقديمها وفاءً بالحقين؛ لأن وصول ذي الحق إلى حقه من أفراد المصالح العامة، ولأن دين العباد واجب عقلاً وشرعاً وهم فقراء محتاجون ودين الله واجب شرعاً فقط وهو غني لا تجوز عليه الحاجة بحال؛ ولأن دين الآدمي مبني على المشاححة والمضايقة، ومستحقه متعين، وهذا قول زيد بن علي، والداعي، والمؤيد بالله، والإمام يحيى، وأبي حنيفة وأصحابه، وقول للشافعي، ورواه في (البحر) عن أبي طالب وقال في غيره: هو تحصيل الأخوين للهادي، وقيل: بل يقدم حق الله لقوله صلى الله عليه وآله: ((فدين الله أحق أن يقضى)) وهو حديث ثابت عند أئمتنا والمحدثين من رواية ابن عباس وغيره، وسيأتي ذكره في حكم الصوم، والحج عن الميت، وله ألفاظ، ففي بعضها: ((فدين الله أولى))، وفي بعضها: ((فدين الله أحق بالوفاء)) وهو في (الجامع الكافي) بلفظ: ((دين الله أحق أن يقضى من دين الناس)) وهذا أحد أقوال الشافعي، قال النووي: وهو أصحها، ويشهد له قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ}[التوبة:62] ولا شك أن توفير حقوقه جل وعلا إرضاء له، كما أن توفير حقوق الآدمي إرضاء له، وقد نصت الآية على أن الله تعالى أحق بالإرضاء، ويدل عليه من جهة النظر أن معنى كونه لله أنه للمصالح العامة وليس معناه أنه ملك؛ إذ له ما في السماوات وما في الأرض فيكون بها حفظ قواعد الدين ونفاذ شوكته، وبحفظ الدين تتصل الحقوق كلها بأربابها، وبضياعها تضيع جميع الحقوق، فهو كصرف غلة الوقف في عمارته أولاً، ثم تصرف الفضلة في المصرف، ولأن في تقديم حقوق الله وفاء بالحقين؛ إذ بتقديمها يصل كل أحد إلى حصته من المصالح
العامة.
وأما ما احتج به الأولون فضعيف، أما الآية فليس فيها إلا إباحة ما في الأرض وتمليكهم إياه، وإطلاق الانتفاع به من جملة الانتفاع تخليص ذممهم من الحقوق اللازمة سواء كانت لله أم للعباد، وبيان كيفية تخليص الحقوق وترتيب أدائها مأخوذ من دليل آخر، وقد دل الدليل على أن حق الله أقدم.
وأما قولهم: إن في تقديمها وفاء بالحقين؛ لأن وصول العبد إلى حقه من أفراد المصالح، فلا نسلم أن وصول فرد إلى حقه يكون وفاء بحق غيره لعدم المشاركة، وإنما يكون وفاء بالحقين إذا قدم حق الله كما مر.
وأما قولهم: إن دليل وفاء الآدمي عقلي وشرعي، وأما دين الله فشرعي فقط، فضعيف؛ لأن العقل يحكم في الجملة بوجوب قضاء كل دين، سلمنا فذلك لا يقتضي التقديم؛ إذ المعتبر في الدليل ثبوت دلالته، وإفادته الحكم.
وأما التعليل بفقر العباد وحاجتهم، فلا يصلح؛ لأن حق الله في التحقيق عائد إليهم.
وأما كون حق الآدمي مبنياً على المشاححة ...إلخ فلا يقع؛ لأن المشاححة لا تصلح فارقاً وإلا لوجب تقديم دين المشاحح من الآدميين على غير المشاحح وإن استووا في الطلب والتعيين كذلك؛ إذ المطلوب تفريغ الذمة من حق الغير، ولولا ورود الدليل بوجوب تقديم حق الله تعالى لوجب تقسيط المال بين ذوي الحقوق سواء كانوا معينين أم لا لما ذكرنا.
وقال ابنا الهادي، وأبو علي، وقول للمؤيد بالله، وقول للشافعي: بل يقسط بين دين الله ودين الآدمي ولا يقدم أحدها، ورواه في (شرح الأزهار) عن أبي طالب، واختاره الإمام الحسن بن يحيى القاسمي وولده علامة العصر، ورواه عن الهادي لحديث: ((فدين الله أحق أن يقضى))؛ ولأنهما في شغل الذمة على سواء، ولما مر من أن حق الله عائد للعباد وما مر ترجيحات غير مقصودة من جهة شرعية القضاء وهو تفريغ الذمة، فلا اعتبار بها مع كونها متكافئة، وهذا هو المصحح للمذهب.
ولقائل أن يقول: أما الحديث فهو عليكم لا لكم، وأما استواؤهما في شغل الذمة، فغير مسلم وإلا لما جاء الشرع بتقديم حق الله؛ إذ لا يقدم إلا ما هو أهم، وأما عود حقه تعالى للعباد فهو حجة عليكم؛ لأنه عائد إلى مصالحهم العامة، والمصلحة العامة مقدمة على الخاصة عند التعارض.
وأما قولهم: إن ما مر ترجيحات غير مقصودة...إلخ فعجيب كيف لا يكون صريح الكتاب والسنة، وتقديم المصالح العامة مقصوداً، وقد مر أن ورود الشرع بتقديم حق الله دليل كونه أهم.
فإن قيل: قد تقدم عن الراغب أن الحق قد يستعمل بمعنى الجدير، فعلى هذا لا يكون في الحديث دلالة على وجوب التقديم؛ لأنه يكون المعنى فحق الله أجدر بالوفاء أي أولى، والأولوية لا تدل على الوجوب، لا يقال فهو يدل على أن تقديم حقه تعالى أولى؛ لأنا نقول: المراد من الأولوية هنا الحث على قضاء حق الله ودفع ما عساه يتوهم من تقديم حق العباد.
قيل: هذا الاستعمال لا يصح هنا؛ لأن الزيادة تكون من جنس المزيد عليه في هذا الباب، والتفضيل يكون في كل شيء بحسبه، فإن كان الأمر المشترك بين المفضل والمفضل عليه هو الوجوب فالتفضيل فيه أو الندب أو التحريم فكذلك، ولا شك أن قضاء الدين مطلقاً واجب، فوصفه بأنه حق لا يكون إلا بمعنى أنه واجب، فإذا وصف شيء منه بأنه أحق أفاد أنه أدخل في اللزوم، وأمكن في الوجوب، ولا فائدة لوصفه بذلك والدلالة على أمكنيته في الوجوب إلا وجوب تقديمه والاهتمام به، وقد مر عن الراغب أن الحق قد يستعمل استعمال الواجب واللازم. والله الموفق.
واعلم أن حقوق الله وحقوق العباد التي يقدر فيها التعارض على أربعة أضرب:
الأول: أن يكونا ماليين فحق الله كالزكاة، والفطرة، والأخماس، والمظالم الملتبس أهلها ونحو ذلك مما لا يتعلق إلا بالمال، وحق الآدمي كالدين، وهذا الضرب قد تقدم الكلام عليه.
الضرب الثاني: أن يكونا بدنيين وهو ثلاثة أقسام:
أولها: أن يكون حق الله عبادة، فيقدم حق الآدمي اتفاقاً؛ لأن العبادة نفع للمكلف وليس له أن يؤثره على إيفاء غيره حقه كصوم المرضعة التي تخشى على الرضيع ضرراً، أو صوم المرأة ما أوجبته على نفسها بغير إذن الزوج ونحو ذلك.
ثانيها: أن يكون حق الله عقوبة كالحد فيقدم على حق الآدمي المحض؛ لأنه لما شرع لدفع المفسدة بما فيه من الزجر أهم لما عرف من أن دفع المفسدة العامة أهم من جلب المصلحة الخاصة، فيقام الحد على الزوجة والمملوك وإن فات حق الزوج والسيد ونحو ذلك ما لم يخش فوت مهجة الآدمي، كأن يخشى على الصبي التلف بإقامة الحد على أمه فلا، فأما إذا كان حق الآدمي مستوياً بحق الله كالقصاص فيقدم على الرجم.
ثالثها: أن يكون حق الله ديانة كالجهاد، والأمر بالمعروف، والفتوى، والحكم والهجرة ونحوها، وفي هذا اختلاف وهو المعبر عنه بتعارض المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.
الضرب الثالث: أن يكون حق الله بدنياً كالحج والصلاة، وحق العباد مالياً فيقدم حق الآدمي مع المطالبة، فإن كان حق الله عقوبة فهو أولى، أو ديانة فعلى الخلاف.
الضرب الرابع: أن يكون حق الله مالياً وحق العباد بدنياً، وذلك كالزوجة تخرج من بيت زوجها لتسلم الزكاة ولا يمكن التسليم إلا بخروجها، وهذا الضرب على الخلاف في الضرب الأول، ويتعلق بهذه الأضرب فروع وتفاصيل في مواضع مما يتعلق بها ويرد إليها، سنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى مع إقامة الأدلة على ذلك كله، وإنما جعلنا ذكرها في هذا الموضع كالمقدمة والتمهيد لما يترتب عليها من المسائل والخلاف.