قلت:وحاصله أن القضيتين لا تتناقضان إلا إذا توارد نفي وإثبات على معنى واحد كقولنا: زيد في الدار زيد ليس في الدار، وهاهنا ليس كذلك، بل توارد نفيان على منفيين اثنين أحدهما نفي كون الباري تعالى حالاً في العالم، والثاني نفي ما ذهب إليه ابن الهيصم وأصحابه من كونه حالاً خارج العالم؛ لأنه تعالى لا يحتاج إلى المحل أصلاً؛ إذ لا يحتاج إليه إلا المتحيز أو الحال في المتحيز، والباري تعالى ليس بمتحيز ولا حالاً في المتحيز، فيكون معنى كلامه عليه السلام نفي كون الباري تعالى من جنس العالم.
ولقائل أن يقول: ما المانع من أن يقال المراد بذلك أنه لا داخل في العالم بذاته؛ لأن ذاته تعالى منزهة عن الحلول في الأشياء كما مر، ولا خارج عنه بعلمه وتدبيره؛ لأنه العالم بكل شيء، والقائم على كل شيء، والمدبر لكل شيء، ويدل على هذا سائر كلمات الوصي عليه السلام المتضمنة لهذا المعنى، وكلام الإمام أحمد بن سليمان صريح فيه.
وأما قوله عليه السلام : مع كل شيء لا بمقارنة ...إلخ فقال ابن أبي الحديد: مراده عليه السلام بذلك أنه يعلم الجزئيات والكليات كما قال سبحانه: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}[المجادلة:7].
قال: وأما قوله: وغير كل شيء لا بمزايلة، فحق لأن الغيرين في الشاهد هما مازايل أحدهما الآخر وباينه بمكان أو زمان، والباري سبحانه يباين الموجودات مبيانة منزهة عن الزمان والمكان، فصدق عليه أنه غير كل شيء لا بمزايلة.
قلت: وهذا معنى كلام الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام .
وأما قوله عليه السلام : لم يحلل في الأشياء...إلخ فقال ابن أبي الحديد: ينبغي أن يراد أنه لم ينأ عن الأشياء نأياً مكانياً فيقال: هو بائن بالمكان؛ لأنه لا يجوز إطلاق القول بأنه ليس ببائن عن الأشياء، ولكنها بينونة بالذات لا بالجهة.

ولقائل أن يقول: ما المانع من أن يقال: مراده عليه السلام أنه لم ينأ عن الأشياء بعلمه وتدبيره فيكون معناه كمعنى قوله: وإنه لبكل مكان.
وقوله: مع كل شيء لا بمقارنة، وهذا هو الظاهر من كلامه عليه السلام ، ولهذا جعلناه أحد الأدلة على جواز إطلاق القول بأن الله تعالى بكل مكان إذا قصد به المعنى الصحيح.

[البقرة:29]
قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[البقرة:29].
فيه مسائل:

المسألة الأول‍ى [في (ما) الموصولة]
دلت الآية الكريمة على أن (ما) الموصولة موضوعة للعموم لتقييدها بقوله: {جَمِيعاً}، ووجه الدلالة أن قوله: {جَمِيعاً} حال منها يفيد التوكيد وهو موضوع للعموم، فلو لم تكن ما موضوعة للعموم لم يجز تأكيدها به على ما مر تقريره في قوله تعالى: {العالمين} وفي قوله: {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:106] وهذا قول الجمهور، وفي حكمها سائر الأسماء الموصولة إذا لم يرد بها العهد، وكذلك (ما) الاستفهامية نحو: ما صنعت، والشرطية نحو: ما فعلت فعلت، والخلاف في ذلك كله لمن قال: ليس في اللغة لفظ يفيد العموم أصلاً وللمتوقفين وغيرهم، وقد مر تحقيق الخلاف في قوله: {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:106].
ومن أدلة عموم هذه اللفظة ونحوه ما مر من صحة الاستثناء من مدخولها ونحوه وفي الآية رد على القائلين بأنه لا عموم في الأخبار.
نعم و(ما) بأقسامها موضوعة لما لا يعقل.

المسألة الثانية [تخصيص الآية]
الآية ليست على عمومها؛ إذ قد خصت وأخرج منها بعض ما تناولته، قيل: إجماعاً، وإذا كانت مخصوصة فصحة الاستدلال بها فيما بقى بعد التخصيص مبني على أنه يصح الاستدلال بالعموم المخصوص فيما بقي، وفي ذلك خلاف بين الأصوليين، فقال الجمهور: يصح الاستدلال به فيما بقي ويكون حجة فيه إن خص بمبين، هكذا نسبه إلى الجمهور وقيده بكونه مخصوصاً بمبين في الغاية وشرحها، وأما غيره كالإمام المهدي، والإمام يحيى بن المحسن، والرصاص في (الجوهرة) فظاهر إطلاقهم في الزوائد يدل على أنه يستدل بالعام فيما بقي مطلقاً، ولم يحكوه عن الجمهور، بل حكاه الإمام المهدي للمذهب وأكثر الفقهاء، وحكاه الإمام يحيى بن المحسن عن أبي علي، وأبي هاشم، والحاكم، والشافعي، وأصحابه، وبعض الحنفية، وقال: إنهم يقولون: إنه يصح الاستدلال به على كل حال، وجعله مقابلاً لقول عيسى بن أبان ونحوه، وفي (الجوهرة): ولكن ظاهر احتجاج يدل على اعتبار القيد الذي ذكره في (الغاية) ولعلهم أرادوا بالإطلاق مقابلة التفاصيل الآتية. والله أعلم.
وقال عيسى بن أبان، وأبو ثور: لا يصح الاستدلال به على كل حال.
وقال أبو الحسن الكرخي: إن خص بمتصل صح الاستدلال به وإلا فلا، وبه قال محمد بن شجاع وبعض الحنفية.
وقال قاضي القضاة: إن كان للعام ظاهر يمكن العمل به قبل التخصيص فليس بمجمل، ويصح الاستدلال به فيما بقي نحو: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}[التوبة:5] المخرج منه أهل الذمة، وإن لا يَكُنْ له ظاهر كذلك فإنه مجمل كقوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ}[الأنعام:72] فإنه مخصص بالحائض، لكنه مفتقر إلى بيان قبل إخراجها؛ إذ لا نعلم الصلاة الشرعية فلا يمكنا امتثال ما أريد منّا من دون بيان، قيل: وكلام أبي طالب يومئ إليه.

وقال أبو الحسين البصري: إن أخرج المخصص قدراً معلوماً حتى يكون الباقي تحت العموم معلوماً صح الاستدلال به وإلا فلا. قال في (الجوهرة): وهو الذي اختاره شيخنا أبو محمد.
قلت: هذا هو الذي نسبه في (شرح الغاية) إلى الجمهور، وعليه فتكون إطلاق حكاية الإمام المهدي ومن تقدم معه عمن ذكروا على ظاهره فيحقق.
وقال أبو عبد الله البصري: إن منع ورود التخصيص من استفادة الحكم المراد من ظاهره بعد التخصيص لم يصح التعلق به وإن لم يمنع صح، وروي هذا في (المقنع) عن أبي طالب.
وقال الإمام يحيى بن المحسن: إن علم المراد من ظاهر العموم بعد التخصيص على سبيل التفصيل فهو حجة، نحو: اقتلوا المشركين إلا زيداً، وإلا فلا نحو: اقتلوا المشركين إلا ثلاثة على صفة مخصوصة ولم يبين تلك الصفة، قال: وهو مذهب إمام عصرنا عليه السلام .
وقال بعضهم: إنه يبقى حجة في أقل الجمع.
قيل: ولعل قول من لا يجيز التخصيص إلى الواحد قال في (شرح الفصول) للشيخ لطف الله: ولعل هذا إذا كان لفظ العموم جمعاً؛ إذ لو كان مفرداً فلعلهم يقولون إلى الواحد.
وحكى الغزالي عن أبي هاشم أنه يتمسك به في واحد ولا يتمسك به في جمع.
احتج الجمهور بوجوه:

أحدها: أن العام إذا خص بمبين لم يكن مجملاً وهو واضح، وإذا لم يكن مجملاً صح التعلق بظاهره لما نعلمه قطعاً من صحة التعلق بجميع الخطاب المبين كقوله -صلى الله عليه وآله: ((في الرقة ربع العشر)) ولهذا لو قال السيد لعبده: اعط زيداً درهماً فلم يمتثل العبد معتذراً بأنه لا يصح التعلق بظاهره لاستحق اللوم من العقلاء ولكان لومهم على هذا الاعتذار أعظم من لومهم على ترك إعطاء الدرهم، وليس ذلك إلا لقطعهم بأن ما أورده السيد مبين يصح التعلق بظاهره وهذا بخلاف ما لو كان في الخطاب إجمالاً نحو: اعطه درهماً مخصوصاً، فإنه لا يستحق اللوم على هذا الاعتذار، وإذا صح التعلق بظاهره صح الاستدلال به بدليل أنه لا يصح أن يثبت بأحد اللفظين وينفى بالآخر فلا يقال: هذا يصح التعلق بظاهره ولا يصح الاستدلال به والعكس.
الوجه الثاني: أنا نقطع بأنه إذا قيل: أكرم بني تميم ولا تكرم منهم زيداً، فترك إكرام سائر بني تميم عُدّ عاصياً، ولولا أنه ظاهر فيما عدا صورة التخصيص وحجة فيه لما عد عاصياً.
الوجه الثالث: أنه قبل التخصيص كان حجة في كل واحد إجماعاً فبقي كذلك حتى يظهر معارض؛ إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان، ولم يظهر معارض إلا في القدر المخصوص فبقي حجة في الباقي.

الوجه الرابع: استدلال الصحابة بالعمومات على ما بقي بعد التخصيص وشاع وذاع فيما بينهم ولم ينكر فكان إجماعاً، من ذلك احتجاج علي عليه السلام على منع الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء بعموم قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}[النساء:23] مع تخصيصها بقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}[النساء:3] وقال: أحلت الجمع آية وحرمته أخرى. ورجح التحريم، وكذلك قال عثمان ورجح التحليل، والمعلوم أنّ قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}[النساء:3] مخصوص بالبنت والأخت من الرضاع، والأمة المشتركة والمزوجة وغير ذلك، وكذلك احتجاج عمر على أبي بكر في قصة مانعي الزكاة بحديث: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) مع أنه مخصوص بقوله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}[الحجرات:9] إلى غير ذلك مما كثر واشتهر.
قال الحسين بن القاسم: على أنه لا يكاد يوجد في أدلة الأحكام عموم غير مخصوص، فإبطال حجية العام المخصوص إبطال لحجية كل عام.
احتج عيسى بأن العموم إذا خص صار مجازاً، وإذا كان كذلك صار استعماله فيما بقي أجمع، أو في بعض المراتب على سواء، فيبقى متردداً فيما بقي وفي كل مرتبة منه فيكون مجملاً فلا يصح التعلق بظاهره والاستدلال به.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يبقى متردداً وإنما يكون كذلك لو كانت المراتب متساوية ولا دليل على تعيين أحدها، وليس كذلك فإن ما ذكرناه قد دل على حمله على الباقي أجمع.
قالوا: لو قال: اقتلوا المشركين إلا بعضهم لم يصح التعلق بظاهر العموم اتفاقاً فكذلك غيره.

قلنا: هذا قياس مع وجود الفارق، فإنه إنما لم يصح التعلق فيما ذكرتم؛ لأن التخصيص صير العام مجملاً؛ لأن البعض الذي يراد قتله يصح دخوله تحت الاستثناء كما يصح دخوله تحت العموم، بخلاف ما لو قال بعد ذلك: لا تقتلوا من أعطى الجزية، فإنه لا وجه للإجمال فيه؛ إذ المخصص متعين والباقي داخل فيه.
قال الإمام (المهدي): والمعلوم أن الأشياء المعلومة إذا أخرج منها أشياء معلومة كنا عالمين بما عداها، وإذا أخرج منها أشياء مجهولة بقي الباقي مجهولاً لا ينفصل عما عداه فلا يُدرى ما خرج مما لم يخرج.
احتج الكرخي بأنه إذا خص بمنفصل صار مجازاً فيكون متردداً كما قال عيسى بن أبان، بخلاف ما إذا خص بمتصل فإنه يبقى حقيقة في الباقي متناولاً له.
والجواب بما مر من منع التردد، ولا نسلم أنه حقيقة مع المتصل بل هو مجاز، لكن المعتبر عدم الإجمال وحصول البيان في الكل، وسواء قلنا هو حقيقة في الباقي أم مجاز؛ إذ المجاز لا يمنع التعلق بالظاهر مع البيان.
احتج القاضي بأن اللفظ إذا لم يكتف بظاهره يكون مجملاً.
والجواب: لا وجه لمنع العمل به مع بيان المراد منه ولا يضر افتقاره إلى بيان تفاصيل المراد.
وقال الإمام المهدي: نحن نوافق القاضي في أن العام إذا كان مجملاً قبل التخصيص بقي بعده كذلك فلا يزالان مجملين حتى يبينا.
احتج أبو الحسين بأن المخرج إذا كان بعضاً معلوماً نحو: اقتلوا المشركين إلا زيداً كان الباقي تحت العموم معلوماً، وإن كان المخرج مجهولاً نحو: اقتلوا المشركين إلا بعضهم كان الباقي مجهولاً، وهذه الحجة قد ذكرناها وجوابها فيما مر عن الإمام المهدي وهي من أدلة الجمهور.

وأجاب عنها الإمام يحيى بن المحسن بأنه لا يجب في العموم إذا أخرج منه مجهول أن يكون الباقي مجهولاً على سبيل الأطراد؛ لأن الحكيم إذا قال: اقتلوا المشركين إلا بعضهم، ولم يرد منه خطاب سوى ذلك، فإنه يمكننا الامتثال ويتعين البعض الذي أريد قتله بإخراج المكلف، ويصير الباقي معلوماً بعد هذا وكأنه قال: اقتلوا بعضاً وخلوا سبيل بعض، ويكون المراد أنا لا نستأصلهم بالقتل.
قال عليه السلام : فترك بيان البعض من الحكيم بيان ودلالة على أن ما أخرجه المكلف هو المراد؛ لأنه لو لم يكن مراداً لبينه.
قال عليه السلام : ويمكن إيراد هذا الجواب بلفظ آخر فيقال: العموم قد يخرج منه بعض مجهول ويعلم المراد بظاهره على سبيل التعيين فيصح الاستدلال به، وقد يخرج منه بعض مجهول ولا يعلم المراد من ظاهره على هذا الحد فلا يصح الاستدلال به.
قلت: وذلك نحو قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}[المائدة:1].
احتج أبو عبد الله البصري بأن التخصيص إذا لم يخرج العموم من بقاء حكم الاسم كان الظاهر سليماً فيصح التعلق به نحو: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة، فإنا لا نقتل ما عدا أهل الذمة إلا لكونهم مشركين، فالتخصيص من تعلق الحكم وهو القتل باسم الشرك وإن أخرجه من بقاء حكم الاسم لم يسلم الظاهر، فلا يصح التعلق به نحو قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة فاقطعوا أيديهما}[المائدة:38] فإنا لا نقطع أحداً لمجرد كونه سرق بعد ورود الشرع باعتبار كونه سرق قدراً مخصوصاً من موضع مخصوص؛ إذ قد تغير حكم الظاهر، ومنع التخصيص من تعليق الحكم على اسم السرقة.

219 / 329
ع
En
A+
A-