الوجه الثالث: أن هذا المكان الذي زعمتموه لا يخلو إما أن يكون قديماً أو محدثاً؛ إذ لا واسطة، الأول باطل إذ لا قديم إلا الله تعالى، وأيضاً لو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً؛ لأن الاشتراك في صفة ذاتية يوجب الاشتراك في سائر الصفات الذاتية، والمعلوم أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما مر في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}الآية[البقرة:21]، والثاني باطل أيضاً؛ إذ لو كان محدثاً لكان الباري تعالى منتقلاً إليه، وإذا كان منتقلاً كان محدثا؛ لأن الانتقال دليل الحدوث، فثبت بهذه الوجوه أن الله تعالى ليس بذي مكان ولا انتقال، ويؤيده من كلام أمير المؤمنين عليه السلام مع ما مر قوله عليه السلام : لا يشغله شأن، ولا يغيره زمان، ولا يحويه مكان. رواه في (النهج)، وقال عليه السلام : لا ينظر بعين، ولا يحد بأين. رواه في (النهج).
قال ابن أبي الحديد: إن شئت قلت: إنه تكلم على الاصطلاح الحكمي، والأين عندهم حصول الجسم في مكان، وقال عليه السلام : الحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش، أو سماء أو أرض، أو جان أو إنس. رواه في (النهج).
هذا وقد تعلق هؤلاء المجسمة بشبه منها ما هو جواب على بعض الوجوه السابقة، ومنها ما هو شبهة دليل على دعواهم هذه.
الشبهة الأولى
أنه تعالى قائم بنفسه فلزم اختصاصه بجهة كالجسم.
والجواب: أنه قياس بغير جامع؛ إذ ليس علة اختصاص الجسم بالجهة كونه قائماً بنفسه، بل العلة التحيز، والباري تعالى ليس بمتحيز.
الشبهة الثانية
أنه موجود، ولا يخلو موجود في الشاهد من محل وجهة، فكذلك الغائب.
والجواب: أن الوجود لا يستلزم الجهة وإنما يستلزمها التحيز، سلمنا فيلزمكم أن يكون متحركاً أو ساكناً؛ إذ الموجود في الجهة في الشاهد لا يخلو من ذلك.
فإن قلتم: إن الدليل اقتضى في حقه تعالى خلاف ذلك.
قلنا: فكذلك نقول.
الشبهة الثالثة
أنه يحصل في الجهة ولا يشغلها فلا يلزم التحيز، وهذا رد لقولنا إن الحصول في الجهة يستلزم التجسيم ولعلها للكلابية أو الكرامية؛ إذ هشام وحزبه لا يتحاشون عن القول بالتجسيم تعالى عن ذلك.
والجواب: أنه لا يعقل حصول في الجهة إلا لمتحيز أو تابع لمتحيز، وللقوم شبه سمعية، ومنها ما نحن بصدده، وقد تقدم وجه احتجاجهم بها، والجواب أنه قد ثبت بما قدمنا أنه لا مكان له سبحانه وتعالى ولا جهة، وحينئذ فالواجب تأويل ما كان ظاهره يقتضي ذلك؛ إذ الدليل السمعي معرض للتأويل والاحتمال لوجوه المجاز، والدليل العقلي لا يحتمل ذلك، فكان هو المحكم، لا سيما وقد ورد السمع بمطابقته، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشورى:11] وقولكم وما تقتضيه شبهكم يخالف هذه الآية المحكمة.
إذا عرفت هذا فنقول: معنى الآية ثم إلى حكمه ترجعون أو إلى جزائه؛ لأنه تعالى يبعث من في القبور، ويجمعهم في المحشر، ويحكم فيهم بحكمه العدل، ويجازيهم بما هم أهله، وذلك هو معنى الرجوع إلى الله تعالى وإنما وصف بذلك؛ لأنه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم غيره كقولهم: ارجع أمره إلى الأمير، أي إلى حيث لا يتولى الحكم غيره.
نعم وبقي الكلام على ما اختص به الكلابية وهو قولهم: إنه على العرش بلا استقرار، وما اختص به الكرامية من الشبهة على أنه بجهة فوق، وما قاله عباد الأهوية.
فأما الكلابية فشبهتهم: أنه قد جاء في القرآن أنه على العرش استوى فوجب التصديق به، ودل الدليل العقلي على أنه ليس بجسم فوجب نفي الاستقرار لاستلزامه الجسمية.
والجواب: أن العقل كما منع من الاستقرار فكذلك هو يمنع من حمل الآية على ظاهرها لاستلزامه التجسيم، أو إثبات ما لا يعقل، فوجب تأويل الاستواء بالاستيلاء وهو استعمال عربي مشهور، وسنوضحه في موضعه إن شاء الله، ومنه قوله:
………قد استوى بشر على العراق ... البيت
وأما الكرامية فقالوا: لو لم يكن له جهة لكان نفياً محضاً وتلك الجهة هي جهة فوق؛ لأنها الجهة التي تنزل منها الأوامر والنواهي والكتب، وإرسال الرسل، ومنها تنزل الرحمة، وإليها يتوجه الدعاء.
والجواب: أما قولكم: لو لم تكن له جهة لكان نفياً محضاً، فمبني على أن الوجود يستلزم الجهة، وقد تقدم إبطاله.
وتقريره: أَنا لا نسلم أن نفي الجهة يستلزم ما زعمتموه، وإنما يستلزم نفي كونه من جنس العالم وهو مطلوبنا.
وأما قولكم: إن الأوامر ونحوها تنزل من جهة فوق، فذلك لا يدل على الجهة وإنما أجرى الله العادة بذلك لما فيه لنا من المصلحة واللطف؛ إذ الأمر الذي نتوقع إتيانه من فوقنا ليس كالذي يأتينا من سائر الجهات، ولأن السماء مسكن الملائكة وهم رسل الله إلى البشر والمبعوثون بالرحمة والعذاب، فكان نزول الكتب من تلك الجهة؛ لأن سكانها المأمورون بإيصالها إلى الأرض.
وأما عبّاد الأهوية فقد ذكرنا شبهتهم والجواب أنه إنما كان محيطاً بالأشياء لما جعل الله فيه من المنافع العظيمة كحمله الأصوات والروائح والسحاب إلى غير ذلك، ولو كان ضيقاً لأدى إلى الضرر وإباحة الأسرار، وفوات المنافع التي لا تحصل إلا بما هو عليه من السعة والدقة والصفاء، فحدوثه وأثر التدبير فيه ظاهر لا يخفى، ألا ترى أنه مع كبره ضعيف يتغير بالظلم والأنوار، وتعاقب الليل والنهار، وحلول السحاب فيه والغبار، وكل متغير فهو محدث، ثم هو مع ذلك مُعدٌ لما ذكرنا من المنافع وغيرها، وذلك دليل كونه مدبَّراً، وما كان مدبَّراً فلا بد له من مدبر.
فائدة
قال الإمام المهدي: حكى الجويني عن الأستاذ أبي إسحاق أن استغناه تعالى عن المكان والحيز لمعنى؛ لأن الاستغناء ليس نفياً محضاً، بل إشارة إلى أنه قائم بذاته مستقل وهذا ثبوتي، وإذا كان ثبوتياً والمعقول منه مغاير للمعقول من ذاته المخصوصة لزم كونه معنى.
قال الإمام عليه السلام : والجواب أنا لا نسلم أن الاستغناء أمر ثبوتي، سلمنا فلا نسلم أن معنى كونه قائماً بنفسه مغاير للمعقول من ذاته، بل المرجع به إلى أنه غير محتاج وهو نفي.
تنبيه
ما مر من قول علي عليه السلام : وإنه لبكل مكان، يدل على جواز إطلاق القول بأنه تعالى بكل مكان وإن لم يقيده بما يرفع الإيهام إذا أريد به المعنى الصحيح، وهذا قول أحمد بن عيسى، والقاسم بن إبرهيم، والهادي، والإمام أحمد بن سليمان" ورواه الهادي، وابن أبي الحديد عن الموحدين، وحكاه ابن أبي الحديد في موضع آخر عن المعتزلة، واختاره السيد محمد بن عز الدين المفتي، ورواه عن عامة الآل".
وقال أبو القاسم البلخي: لا يجوز إلا مقيداً بما يرفع الوهم، فيقال: الله تعالى بكل مكان، أي حافظ مدبر لئلا يوهم الخطأ.
وقال الإمام المهدي: لا يجوز ذلك مطلقاً، وراوه النجري عن جمهور المعتزلة وغيرهم؛ لأنه مجاز فلا بد من علاقة، والعقل لا يهتدي إلى القدر المبيح للتشبيه من العلاقة، فلا يجوز إلا بإذن سمعي وهو أن يرد من كلام الله أو كلام رسوله.
والجواب: أنه قد ورد الإذن بذلك، قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}[الحديد:4] وقال: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ}[الزخرف:84] {وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ}[الأعراف:7] و{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}[طه:46] وغير ذلك.
ومن كلام الوصي عليه السلام مع ما مر: (لا يقال له حد ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية، ولا أن الأشياء تحويه فتقله أو تهويه، أو أن شيئاً يحمله فيميله أو يعدله، وليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج).
وقال عليه السلام : (سبق في العلو فلا شيء أعلى منه، وقرب في الدنو فلا شيء أقرب منه، فلا استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه، ولا قربه ساواهم به في المكان).
وقال عليه السلام : (لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائن).
وقال عليه السلام : (مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة) روى ذلك كله في (النهج)، وهو والآيات المذكورة بمعنى قولنا: هو بكل مكان.
فإن قيل: لا شك أن جميع ما ذكرتم بمعنى هذا القول، لكن المعتبر في جواز الاطلاق إذن خاص وهو هنا مفقود.
قيل: لا نسلم اشتراط ذلك؛ إذ لم تمنعوا إلا لعدم اهتداء العقل إلى العلاقة ومع ورود السمع بما هو في معنى ذلك فقد حصل اهتداء العقل إلى العلاقة بتعريف السمع، فإذا جاز إطلاق نحو قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}[الحديد:4] جاز إطلاق ما سواه في المعنى؛ إذ لا فارق، واشتراط الإذن الخاص يحتاج إلى دليل، سلمنا فقد ثبت الإذن الخاص بقول علي عليه السلام : وإنه لبكل مكان، وهو حجة مع ما يعضده من كلام أئمة الهدى وغيرهم من الموحدين.
هذا وأما معنى قولنا: إنه بكل مكان، فقال أحمد بن عيسى عليه السلام : هو عز وجل موجود بكل مكان بلا كيفية ولم يزد على ذلك، وأما غيره فحاصل كلامهم يؤول إلى معنى واحد، وهو أنه تعالى عالم بما في كل مكان، مدبر حافظ لما في كل مكان، فكأنه موجود في جميع الأمكنة لإحاطة علمه تعالى بالجميع.
قال الهادي عليه السلام : معنى قولنا ذلك في ربنا أنا نريد أنه الشاهد لنا غير الغائب عنا، لا يغيب عن الأشياء، ولا يغيب عنه شيء قرب أو نأى، وهو الله الواحد الجليل الأعلى؛ لأن من غاب عن الأشياء كان في عزلة منها، والعزلة فموجدة للحد والتحديد، ومن غابت عنه المعلومات كان من أمرها في أجهل الجهالات، وكانت عنه عازبة غائبة، والله سبحانه لا تخفى عليه خافية سراً كانت ولا علانية، فعلى ذلك يخرج قولنا: إن الله بكل مكان، نريد أنه العالم الشاهد لكل شأن. ذكره في كتاب المسترشد.
فائدة [في معنى قول علي عليه السلام (ليس في الأشياء بوالج)]
في معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام : ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج. فإن ظاهره التناقض؛ لأنه يقتضي أنه في كل مكان وأنه ليس في كل مكان وهذا تناقض، وكذلك الكلام الذي حكيناه عنه عليه السلام بعد هذا فإن ظاهره يوهم التناقض.
واعلم أن كلام أمير المؤمنين عليه السلام هو مذهب الموحدين، رواه عنهم ابن أبي الحديد، قال: والخلاف فيه مع الكرامية والمجسمة.
قلت: وما ذكره من أن كلام الوصي عليه السلام هو مذهب الموحدين فهو صحيح؛ لأنهم يقولون كما يفهم من كلام الإمام أحمد بن سليمان، والشرفي أن الباري تعالى لا داخل في العالم ولا خارج عنه، وإنما خالفت الكرامية والمجسمة؛ لأن هذا القول يقتضي نفيه؛ لأنه يكون حينئذ قد خلا من النقيضين؛ إذ لا تعقل ذات لا تكون داخلاً في العالم ولا خارجة عنه وإنما ذلك النفي المحض.
إذا عرفت هذا فاعلم أن علماء العدل والتوحيد قد أوضحوا المقصود من هذا المقال، وأزاحوا ما يوهمه ظاهره من الإشكال، فقال الإمام أحمد بن سليمان: نقول إنه ليس بخارج من الأماكن كخروج الشيء من الشيء ولا بغائب منها، ولو كان كذلك لأدى ذلك إلى الانتقال والجهل تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وقال السيد (أحمد بن محمد الشرفي): لا نسلم أن القول بذلك نفي له تعالى وإنما هو نفي أن يكون من جنس العالم.
وقال (ابن أبي الحديد): ينبغي أن يفهم من قوله عليه السلام : ولا عنها بخارج، أنه لا يريد سلب الولوج فيكون قد خلا من النقيضين؛ لأن ذلك محال، بل المراد بكونه ليس خارجاً عنها أنه ليس كما يعتقده كثير من الناس أن الفلك الأعلى المحيط لا يحتوي عليه، ولكنه ذات موجودة متميزة بنفسها، قائمة بذاتها، خارجة عن الفلك في الجهة العليا بينها وبين الفلك بعدٌ مّا غير متناه على ما يحكى عن ابن الهيصم،أو متناه على ما يذهب إليه أصحابه، وذلك أن هذه القضية وهي قولنا: الباري خارج عن الموجودات كلها، على هذا التفسير ليست مناقضة للقضية الأولى وهي قولنا: الباري داخل في العالم، ليكون القول بخلوه عنهما قولاً بخلوه عن النقيضين، ألا ترى أنه يجوز أن تكون القضيتان كاذبتين معاً بأن لا يكون الفلك المحيط محتوياً عليه، ولا يكون حاصلاً في جهة خارج الفلك، ولو كانت القضيتان متناقضتين لما استقام ذلك، وهذا كما نقول: زيد في الدار، زيد في المسجد، فإن هاتين القضيتين ليستا متناقضتين لجواز أن لا يكون زيد في الدار ولا في المسجد، فإن هاتين ولو تناقضتا لاستحالة الخروج عن النقيضين، لكن المتناقض زيد في الدار زيد ليس في الدار، قال: والذي يستشنعه العوام من قولنا: الباري لا داخل في العالم ولا خارج العالم غلط مبني على اعتقادهم تصور أن القضيتين تتناقضان، وإذا فهم ما ذكرناه بأنه ليس هذا القول بشنيع، بل هو سهل وحق أيضاً فإنه تعالى لا متحيز ولا حال في المتحيز من حيث كان واجب الوجود، فإذن القول بأنه ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج صواب وحق.