الموضع الرابع في جواز دخول الملكين القبر
قال الأكثر: ويجوز دخول الملكين القبر للسؤال، وقال ضرار، وأبو القاسم البستي: لا، والحديث المروي في ذلك أحادي ضعيف لتضمنه لتسمية الملائكة المقربين باسمين متضمنين للذم والنقص وهما منكر ونكير، والمنكر القبيح، وكذلك النكير.
احتج الأكثر بأن العقل لم يمنع منه؛ لأنه مقدور ممكن، ولا وجه يقتضي قبحه، والنبي -صلى الله عليه وآله- قد أخبر به، ففي (الجامع الكافي): عن محمد بن منصور قال: سألت القاسم بن إبراهيم عن منكر ونكير فقال: إن الحديث فيهما كثير، وإن الله سبحانه يقدر عليه كما يقدر على غيره.
وقال الحسن بن يحيى وسئل عن منكر ونكير، وما يُسأل عنه العبد فقال: سمعنا عن النبي -صلى الله عليه وآله- وعن علي عليه السلام أنهما قالا: ((القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار)) و(يسأل عن خمس، من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ وما إمامك؟ ومن وليك؟ فيقول المؤمن: الله ربي، ومحمد نبيي، والقرآن إمامي، والإسلام ديني، وعلي وليي).
وفيه: عن الحسن أيضاً وهو قول محمد في المسائل: منكر ونكير حق ومن لم يقر بمنكر ونكير جهلاً فينبغي له أن يتعلم من العلماء، وإن كان لا يقر به إنكاراً لذلك ورداً له فقد ثبت لنا عن رسول الله -صلى الله عليه وآله- أنه أثبت منكراً ونكيراً وعذاب القبر، وأجمع على ذلك علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم، وقد ثبت لنا عن علي عليه السلام أنه قال: ((القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار)) فهو كما روي عنه.
وروي عن علي عليه السلام أنه قال: (حرام على نفس تخرج من الدنيا حتى تعلم أين مصيرها).
وفيه: قال محمد: بلغنا عن النبي -صلى الله عليه وآله- وعن علي عليه السلام وعن علي بن الحسين، وأبي جعفر، وزيد بن علي" وغيرهم من علماء أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله- في منكر ونكير أحاديث كثيرة صحيحة، وهو عندنا كما قالوا.

قلت: والأحاديث الكثيرة منها ما قد تقدم في هذه المسألة، ومنها ما سيأتي في أثناء الكتاب إن شاء الله، ومنها ما نذكره في هذا الموضع وكل ذلك على قسمين؛ قسم يدل على دخول الملكين القبر للسؤال من دون ذكر تسميتهما، وقسم صرح فيه بتسميتهما منكراً ونكيراً.
قال المرشد بالله عليه السلام في (الأمالي): أخبرنا ابن السواق، حدثنا القطيعي، ثنا بشر بن موسى، ثنا أبو عبد الرحمن، ثنا ابن لهيعة، عن ابن الزبير، عن جابر لما سأله عن فتان القبر، قال صلى الله عليه وآله: ((إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا دخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه جاءه ملك شديد الانتهار فقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول المؤمن: رسول الله وعبده، فيقول له الملك: انظر إلى مقعدك الذي كان من النار قد نجاك الله منه وأبدلك بمقعدك التي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة فيراهما كلاهما، فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي، فيقول: اسكن، وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أهله فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، أقول ما يقول الناس، فيقول: لا دريت، هذا مقعدك الذي كان لك من الجنة قد أبدلت مكانه مقعدك من النار)) قال جابر: فسمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله- يقول: ((يبعث كل عبد من القبر على ما مات عليه، المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه)). وهو في (الدر المنثور)، وقال: أخرجه أحمد، وابن أبي الدنيا، والطبراني في الأوسط، والبيهقي.
وأخرج ابن أبي عاصم في السنة، وابن مردويه، والبيهقي من طريق أبي سفيان عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((إذا وضع المؤمن في قبره أتاه ملكان فانتهراه، فقام يهب كما يهب النائم، فيقال له: من ربك؟ فيقول: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد -صلى الله عليه وآله- نبيي، فينادي منادي: أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، فيقول: دعوني أخبر أهلي، فيقال له: اسكن)).

وفي (أمالي المرشد بالله): أخبرنا أحمد بن المظفر، انا ابن السقا، ثنا أبو حليفة، ثنا مسدد، ثنا بشر، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((إذا قبر الميت أو أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول هو عبد الله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين ذراعاً، ثم ينور له، ثم يقال له: نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم، فينوم كنومة العروس لا يوقضه إلا أحب أهله إليه، حين يبعثه الله عز وجل من مضجعه ذلك، وإن كان منافقاً قال: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يقال للأرض: التئمي، فتلتئم فتختلف فيها أضلاعه فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله عز وجل من مضجعه ذلك)). وهو في الدر المنثور منسوباً إلى الترمذي وحسنه، وابن أبي الدنيا، وابن أبي عاصم، والآجري، والبيهقي.

وأخرج أحمد، والبيهقي في عذاب القبر، وابن مردويه عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، وإن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فسأله ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، فما سأله عن شيء بعدها، فينطلق إلى بيت كان له في النار فيقال له: هذا بيتك كان لك في النار ولكن الله عصمك ورحمك فأبدلك بيتاً في الجنة، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن، وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره فيقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري، فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول كنت أقول ما يقول الناس، فيضربونه بمطراق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها الخلق إلا الثقلين)).
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله- لعمر: ((كيف أنت إذا رأيت منكراً ونكيراً؟ قال: وما منكر ونكير؟ قال: فتانا القبر، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، يطآن في أشعارهما ويحفران بأنيابهما، معهما عصا من حديد لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها)).
وأخرج البخاري عن أسماء بنت أبي بكر أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله- يقول: ((إنه قد أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور، فيقال: ما علمكم بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا، فيقال له: علمنا أن كنت لمؤمناً، نم صالحاً، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت)).
قلت: فهذه الأحاديث مع ما في المسألة من غيرها دليل واضح، وبرهان صريح على صحة قول القاسم بن إبراهيم، والحسن بن يحيى، ومحمد بن منصور أن الأحاديث في عذاب القبر ومنكر ونكير كثيرة ثابتة صحيحة، وتدل على بطلان قول البستي وضرار.

وأما ما استندا إليه من تضمن هذه الأخبار تسمية الملكين باسمين قبيحين، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن الأعلام لا تفيد معنى سوى تمييز المسمى وتعيينه، ولهذا تقع على الشيء ومخالفه وقوعاً واحداً نحو زيد فإنه يقع على الأسود كما يقع على الأبيض والقصير والطويل، وإذا كانت كذلك فلفظ منكر ونكير ليسا إلا علمين للملكين لا يستفاد منهما ذم ولا نقص، ولا غيرهما سوى تمييز الملكين كسائر الأعلام، وقد كانت العرب تسمي كلباً، وذئباً، وأسداً لم يريدوا بها مدحاً ولا ذماً.
الوجه الثاني: أَنا لو سلمنا أنهما يتضمنان الوصف فلا نسلم تضمنهما وصفاً قبيحاً؛ إذ ليس المنكر هو القبيح في أصل الوضع، بل هو ما لا يعرفه الغير، ولما كانا على خلق هائل عظيم سميا بهذين الاسمين من حيث أن العبد لا يعرفهما .
نعم وأما تسمية القبيح منكراً كما يقال يجب النهي عن المنكر فإنما ذلك تسمية شرعية فقط، وإنما سمي بذلك تشبيهاً بالمعنى اللغوي؛ لأن القبيح لما كان منهياً عنه عقلاً وشرعاً فكأنه غير معروف، ويؤيد ذلك أنهم وصفوا نقيض القبيح وهو الواجب والمندوب بالمعروف.
قال الإمام المهدي: وهذا يدل على أنهم لحظوا الوضع اللغوي فشبهوا القبيح بالذي لم يعرفه المشاهدون له فسموه منكراً، وشبهوا الواجب والمندوب بالأهيل المتداول فسموه معروفاً.
فائدة [في استحباب تلقين الميت الشهادتين]

يستحب تلقين الميت عند الدفن وبعده كلمة الشهادة، وما يجاب به على الملكين، وسؤال الثبات له؛ لما أخرجه الطبراني، وابن مندة عن أبي أمامة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله- قال: ((إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب عليه فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد -صلى الله عليه وآله- نبياً، وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته، فيكون حجيجه دونهما، قال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه، قال: ينسبه إلى حوا، يا فلان بن حوا)).
وفي (الدر المنثور): عن أبي أمامة: إذا مت فدفنتموني فليقم إنسان عند رأسي فليقل: يا صدي بن عجلان، اذكر ما كنت عليه في الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
وعن بعضهم: كان يستحب أن يقال للميت عند قبره إذا سوي وانصرف الناس: يا فلان، قل لا إله إلا الله ثلاث مرات، يا فلان، قل: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم ينصرف.
وعن عمرو بن مرة: كانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقول: اللهم أعذه من الشيطان الرجيم.
وعن الثوري: إذا سئل الميت من ربك ترايا له الشيطان في صورة فيشير إلى نفسه إني أنا ربك.

وفي مجموع زيد بن علي عليه السلام عن علي عليه السلام من حديث جنازة رجل من بني عبد المطلب، وفيه قال صلى الله عليه وآله: ((ضعوه في حفرته لجنبه الأيمن مستقبل القبلة وقولوا: بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله -صلى الله عليه وآله- لا تكبوه لوجهه، ولا تلقوه لقفاه، ثم قولوا: اللهم لقنه حجته، وصعد بروحه، ولقه منك رضواناً، فلما ألقي عليه التراب قام رسول الله -صلى الله عليه وآله- فحثا في قبره ثلاث حثيات، ثم أمر بقبره فربع ورش عليه قربة من ماءٍ، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو له، ثم قال: اللهم جاف الأرض عن جنبه، وصعد بروحه، ولقه منك رضوانا)).
وفي أمالي أبي طالب عن علي عليه السلام من حديث وفاة أمه فاطمة بنت أسد وفيه: (ثم نزل -يعني النبي -صلى الله عليه وآله- في قبرها ووضعها في اللحد، ثم قرأ آية الكرسي، ثم قال: ((اللهم اجعل من بين يديها نوراً، ومن خلفها نوراً، وعن يمينها نوراً، وعن شمالها نوراً، اللهم املء قلبها نوراً، ثم خرج من قبرها)).
وفي أمالي المرشد بالله عن ابن المسيب، قال: حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال: بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله، فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال: اللهم أجرها من الشيطان ومن عذاب القبر، فلما سوى الكثيب عليه قام إلى جانب القبر ثم قال: اللهم جاف الأرض عن جثته، ولقها منك رضوانك، فقلت شيء سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وآله- أم شيء قلته من رأيك؟ فقال: بل سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وآله.
وأخرج أبو نعيم عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وآله- وقف على قبر رجل من أصحابه حين فرغ منه فقال: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم نزل بك وأنت خير منزول به، جاف الأرض عن جنبيه، وافتح أبواب السماء لروحه، واقبله منك بقبول حسن، وثبت عند المسائل منطقه)).

وأخرج أبو داود، والحاكم، والبيهقي عن عثمان بن عفان، قال: مر رسول الله -صلى الله عليه وآله- بجنازة عند قبر وصاحبه يدفن فقال: ((استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبت فإنه الآن يسأل)).
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود، قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يقوم على القبر بعد ما يسوى عليه فيقول: ((اللهم نزل بك صاحبنا وخلف الدنيا خلف ظهره، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به)).

المسألة الخامسة [شبهة استدلال المجسمة بهذه الآية على أن الله عز وجل شأنه في كل مكان]
تمسكت المجسمة بقوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[البقرة:28] على أن الله تعالى في مكان إذ الرجوع إليه ولا مكان له لا يعقل، وينبغي قبل الجواب عما تمسكوا به من الآية أن نذكر الخلاف في المسألة والدلائل العقلية في ذلك فنقول:
قالت العدلية جميعاً وأكثر المجبرة: إن الله تعالى ليس بذي مكان ولا انتقال في الجهات من جهة إلى جهة.
قيل: والفرق بين المكان والجهة أن المكان هو الجسم الذي يقل الثقيل ويمنعه من الهُوي، والجهة هي الفراغ الذي يتحيز فيه الجسم فهي أمر عدمي وهما متلازمان، فكل ذي مكان فهو ذو انتقال والعكس، والله تعالى لا يجوز عليه شيء من ذلك.
وقالت المجسمة: بل له مكان، ثم اختلفوا، فالمحققون في التجسيم كالهشاميين ومن تبعهما يجعلونه كغيره من الأجسام في الحاجة إلى المكان، والتمكن فيه والاستقرار عليه، والتنقل في الجهات بناء على مذهبهم الفاسد.
وقالت الكلابية: بل هو على العرش بلا استقرار.
وقال بعض الكرامية: بل هو تعالى بجهة فوق أي في الجهة التي توصف بالفوقية غير معينة، وقيل: كلامهم يحتمل أنه بجهة فوق لا على معنى أنه شاغل للجهة، ويحتمل أنه فوق العرش مماس له، أشار إلى هذين الاحتمالين الإمام يحيى، وحكى عليه السلام عن بعضهم قولاً آخر، وهو ان ذاته بكل مكان، وأنه فضا لا نهاية له.
قال الشرفي: وهؤلاء هم عباد الأهوية لاعتقادهم أن الهوى هو ربهم قالوا: لأنه محيطٌ بالأشياء فيه كل شيء، ومع كل شيء، وفيه الحياة وعند انقطاعه الموت.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أن المكان والجهة إذا اختصت بهما ذات فاختصاصها بهما يستلزم الجسمية؛ إذ لا يختص بهما إلا ما يتحيز فيهما وذلك معلوم ضرورة، والجسمية تستلزم الحدوث لما مر في الفاتحة من البرهان القاطع على أن كل جسم محدث، والحدوث والجسمية باطلان في حق الباري تعالى.

الثاني: أنه لو كان له مكان لكان بعض الأماكن منه خالياً، وإذا كان كذلك كان لما يحدث في الخالي منه جاهلاً، والمعلوم أنه بكل شيء عليم، فوجب القطع بنفي المكان والانتقال عنه؛ لأنه يؤدي إلى ما علم بطلانه، وما أدى إلى الباطل فهو باطل.
فإن قيل: ألستم تقولون إن علمه هو ذاته أو إنه عالم لذاته وذاته مع جميع المعلومات على سواء، فكيف يخفى عليه شيء أو يجهله؟
قيل: بل نحن نقول بذلك، لكن المعلوم أن كل محتجب عن غيره أو غائب عنه فإنه لا يعلمه على التفصيل، بل قد لا يعلمه أصلاً، ولا فرق بين العالم لذاته وغيره، ولذا قال أمير المؤمنين عليه السلام : (فاستفتحوه واستنجحوه، واطلبوا إليه واستمنحوه، فما قطعكم عنه حجاب، ولا أغلق عنكم دونه باب، وإنه لبكل مكان وفي كل حين وأوان، ومع كل إنسان وجان). رواه في (النهج)، وهو نص في أن اختصاصه بمكان، أو احتجابه بحجاب، أو غيبته خلف الأبواب مظنة حرمان الطلاب، وما ذلك إلا لما علم من أن الغائب قد لا يعلم بحال من غاب عنه، ولهذا عقبه بقوله: وإنه لبكل مكان، وقد احتج بهذا الوجه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: (ومن قال عَلاَمَ فقد أخلى منه). رواه في (النهج)، أي من قال هو على العرش والكرسي فقد أخلى منه غير ذلك الموضع، لكن ابن أبي الحديد وجه الاحتجاج به على غير ما ذكرنا من لزوم الجهل، بل قال: إن أهل هذه المقالة يمتنعون من القول بخلو سائر المواضع عنه، ومراده عليه السلام إظهار تناقض أقوالهم.
قلت: ويمكن أنهم إنما امتنعوا من القول بخلو سائر المواضع عن علمه تعالى كما قررناه، فألزمهم أمير المؤمنين بأن خلو الذات عن الموضع يستلزم الخلو عن العلم بها، وبما يحدث فيها. والله أعلم.

217 / 329
ع
En
A+
A-