قلت: والظاهر ما استقر به قاضي القضاة من أنه في الأوقات المقارنة للدفن؛ للأخبار السابقة وغيرها وهي كثيرة من رواية أئمتنا والمحدثين ولا يبعد تواترها لمن بحث.
تنبيه [في الظاهر من كلام أصحابنا بعدم دوام عذاب ونعيم الغير]
ظاهر كلام أصحابنا أن عذاب القبر ونعيمه لا يدوم، بل يكون حالاً فحالاً.
قال قاضي القضاة: أنكر مشائخنا أن يكون عذاب القبر دائماً في كل حال؛ لأن الأخبار إنما وردت بذلك في الجملة، فالذي يقال به هو ما تقتضيه الأخبار دون ما زاد عليه مما لا دليل عليه.
واحتج الإمام المهدي لأصحابنا بأن في الأدلة ما يقتضي دوامه، وفيها ما يقتضي انقطاعه، فمن الأول قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً}[غافر:46] وهذه وإن كان ظاهره أنهم لا يحرقون بها وإنما يعرضون عليها، فقد دل على إحراقهم وتعذيبهم قوله تعالى: {أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً} [نوح:25] وحديث: ((القبر روضة من رياض الجنة...)) الخبر ونحوه.
ومن الثاني قوله تعالى: {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا...}الآية، فظاهره أنهم لا يعذبون بين الغدو والعشي، وفي بعض الآثار: أنه يقال للمؤمن: نم كنومة العروس، وآثار كثيرة تدل على أنه غير دائم، ولا يبعد الإجماع على أن عذاب القبر ليس كعذاب النار في التأبيد والتعظيم، هذا كلام أصحابنا واحتجاجهم.
وحاصله أنه لا قطع بدوامه ولا انقطاعه.
وأما غيرهم فقد اختلفوا في ذلك أيضاً، فقال ابن القيم: يدوم عذاب الكفار وبعض العصاة، وينقطع عذاب من خفت جرائمهم من العصاة، وإنما يكون على قدر المعصية، ثم يرتفع، وقد يرتفع بدعاء، أو صدقة، أو نحو ذلك.
وقال اليافعي: بلغنا أنه يرتفع ليلة الجمعة تشريفاً لها، قال: ويحتمل اختصاص ذلك بعصاة هذه الأمة.

وقال النسفي: بل والكافر ينقطع عنه يوم الجمعة وليلتها، وشهر رمضان، ثم لا يعود إلى يوم القيامة، وإن مات ليلة الجمعة أو يومها عذب ساعة واحدة، وضغطه القبر كذلك، ثم لا يعود إلى يوم القيامة، وهذا يحتاج إلى دليل.
وقال القاضي أبو يعلى: لابد من انقطاع عذاب القبر؛ لأنه من عذاب الدنيا، والدنيا وما فيها منقطع، فلا بد من أن يلحقهم الفناء والبلاء، ولا يعرف مقدار مدة ذلك.
وعن طاووس: الموتى يفتنون في قبورهم سبعاً، فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام.
وعن عبيد بن عمير: المؤمن سبعاً، والمنافق أربعين صباحاً.
قلت: الظاهر أنه لا قطع بدوامه ولا انقطاعه، لكن قد جاء فى بعض الأخبار أن من العصاة من لا ينزل به عذاب رأساً كالمبطون، ومن مات يوم الجمعة أو ليلتها ونحو ذلك، وأن منهم من يدوم عذابه كما سيأتي من حديث أبي هريرة، وجاء: ((إن المؤمن إذا أقعد وسئل يعاد جسده إلى ما بدئ منه من التراب، ويجعل روحه في النسيم الطيب وهي طير خضر تعلق في شجر الجنة)) أخرجه البيهقي، والحاكم وغيرهما من حديث أبي هريرة، وروي أنه يقال للمؤمن: ((نم كنومة العروس))، وجاء: ((يعرض على الميت مقعده بالغداة والعشي)) أخرجه الشيخان، والنسائي من حديث ابن عمر قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وآله- قال: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)) ورواه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك بالسند المذكور.

ورواه مسلم من طريق أخرى، قال: حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: قال النبي -صلى الله عليه وآله: ((إذا مات الرجل عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فالجنة، وإن كان من أهل النار فالنار، ثم يقال: هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة)) وهذا يدل على أنه لا يدوم عذابه ولا نعيمه، وظاهره أنه لا يكون فيما بين الوقتين نعيم ولا عذاب، وإنما يحصلان له في هذين الوقتين بالعرض؛ لأنه يحصل به تنعيم للمؤمن، وتعذيب للعاصي، نص عليه النووي وغيره.
إذا عرفت هذا فنقول: هذه لا تعارض بينها عند الإنصاف؛ لأن الواجب فيها ما يجب في غيرها من الأدلة الشرعية من الجمع بالتعميم والتخصيص، والإطلاق والتقييد، ونحو ذلك، فيقال:
أما ما روي من نجاة المبطون ونحوه من عذاب القبر فهو مخصص بعموم ما ورد في عذاب القبر.

وأما ما يدل على داوم العذاب لبعض العصاة كالمنافق فمخصوص به، ولا مانع من أن يكون معذباً في قبره وإن كنا إذا شاهدناه لم نجد أثر العذاب وإن لم نشاهد شيئاً من ذلك كما في النائم، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا، ونص عليه النووي في شرح صحيح مسلم فقال: المعذب عند أهل السنة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إليه، أو إلى جزء منه، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه أو أكلته السباع، فكما أن الله تعالى قادر على أن يعيده للحشر فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه أو أجزاء، ولا يمنع من ذلك مشاهدتنا للميت على حالة في القبر لا يصح معها السؤال والقعود ونحوهما، فإن له نظير في العادة وهو النائم فإنه يجد لذة وآلاماً لا يحس بحس شيئاً منها، وكذلك يجد اليقضان لذة وآلاماً لما يسمعه، أو يفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذلك كان جبريل عليه السلام يأتي النبي -صلى الله عليه وآله- فيخبر بالوحي ولا يدركه من حوله، وكل هذا ظاهر جلي، ثم حكى عن أصحابه أنهم قالوا: وأما إقعاده المذكور في الحديث فيحتمل أن يختص بالمقبور دون المنبوذ ومن أكلته السباع.
وأما ضربه بالمطارق فلا يمتنع أن يوسع له في القبر فيقعد ويضرب.
هذا وأما حديث عرض المقعد بالغداة والعشي، فليس نصاً في أنه لا يتنعم ولا يتعذب في غير هذين الوقتين، بل يحتمل ذلك، ويحتمل أن العرض المذكور زيادة في نعيمه وعذابه المستمر.

وأما حديث أنه يعاد الجسد تراباً والروح في النسيم الطيب، فخاص بالمؤمن ويكون معنى كونه روضة من رياض الجنة أنه كذلك عند المسألة والجلوس وعود الروح في الجسد، وكذلك عرض مقعده من الجنة عليه يحمل على أنه يعرض على الروح، والحاصل أن من ورد في حقه السلامة من العذاب خصصناه، ومن ورد أنه بعد الإقعاد والسؤال ينتقل ما يستحقه إلى روحه عملنا به، ومن ثبت دوام عذابه مع بقاء روحه في جسده قضينا به عليه، وقد بينا أنه لا مانع منه، ومن أطلق في حقه حكم لم يحكم بدوامه ولا انقطاعه، وهذه طريقة حسنة، لكن على الناظر قبل ذلك النظر في صحة الدليل وطريقه، ومعرفة وجه دلالته. والله الموفق والهادي.

[مسائل أخرى تتعلق بعذاب القبر]
ويلحق بهذه الجملة مباحث من الخلاف:

البحث الأول [تخصيص سؤال القبر]
اختلفوا هل المسألة في القبر واقعة على كل أحد أم لا؟ فروي عن عبيد بن عمير: أنه لا يفتن إلا المؤمن والمنافق، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد -صلى الله عليه وآله- ولا يعرفه، والصحيح أن الكافر يُسأل؛ للأحاديث الصحيحة الكثيرة في ذلك، وممن نص عليه ابن القيم، والترمذي الحكيم، ولا أعلم فيه خلافاً بين من أثبت عذاب القبر إلا هذه الرواية عن عبيد بن عمير.

البحث الثاني هل يسأل الطفل الذي لا يميز
روي عن الحنفية وجزم به القرطبي في (التذكرة) أنه يسأل، وقال غير واحد من الشافعية: لا، وهو الظاهر؛ لأن السؤال إنما هو عن القيام بما كلفوا، وهذا غير مكلف.
وأما المميز، فقد روي ما يدل على أنه يسأل، قال في (الدر المنثور): أخرج ابن شاهين في السنة عن راشد بن سعد، قال: كان النبي -صلى الله عليه وآله- يقول: ((تعلموا حجتكم فإنكم مسؤولون)) حتى أنه كان أهل البيت من الأنصار يحضر الرجل منهم الموت فيوصونه، والغلام إذا عقل، فيقولون له: إذا سألوك من ربك فقل: الله ربي، وما دينك؟ فقل: الإسلام ديني، ومن نبيك؟ فقل: محمد -صلى الله عليه وآله.
قلت: وهو محمول على أنه قد عقل التكاليف.

البحث الثالث [هل السؤال يختص بهذه الأمة أم يعم الأمم قبلها]
اختلفوا هل السؤال يختص بهذه الأمة أم يعم الأمم قبلها؟
قال الحكيم الترمذي بالأول لظاهر الأحاديث، وقال ابن القيم: الثاني؛ لأن الأحاديث لا تنفي ذلك، وإنما الذي فيها بيان كيفية امتحان هذه الأمة فيكون حال كُلِّ أُمَّةٍ مع نبيها كذلك فيعذب كفارهم بعد سؤالهم وإقامة الحجة عليهم، كما يعذبون في الآخرة بعد ذلك.
قلت: ويدل عليه تقريره لقول اليهودية لعائشة: أعاذك الله من فتنة القبر؛ إذ لا تعرف ذلك من كتب اليهود وعلمائهم، والفتنة هي السؤال في القبر، وكذلك ما روي أنه صلى الله عليه وآله سمع عذاب قوم ماتوا في الجاهلية.

البحث الرابع هل السؤال بالعربية
قال القسطلاني: ظاهر قوله: ما كنت تقول في هذا الرجل أنه بالعربي، وقال ابن حجر: يحتمل أن يكون خطاب كل أحد بلسانه.
قيل: ويستأنس له بإرسال الرسل بلسان قومهم.
وعن البلقيني: أنه بالسريانية. والله أعلم.

216 / 329
ع
En
A+
A-