أقول: الذي قضى به الشرع الشريف من السنة النبوية وكلام الوصي عليه السلام أنه يعاد الروح في الجسد بعد انصراف المشيع ورجوع المودع، وهذه الحالة تكون عقيب الدفن، وسنذكر بعض ما ورد في ذلك قريباً، وأما فيما بعد ذلك فظاهر الأخبار التي فيها أنه يفتح له باب من الجنة أو باب من النار، وأن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، أنه يكون منعماً أو معذباً وإن كان في رأي العين شبيهاً بالجماد، ويكون في تلك الحال حياً مدركاً لما هو فيه ولا تكون مشاهدتنا له على الحالة التي هو فيها مانعة من تنعمه أو عذابه كالنائم الذي يكون في حال نومه متألماً أو مسروراً لرؤيا رآها، ونحن نشاهده على حاله في النوم ولا نعلم بما هو فيه. والله أعلم.
فإن قيل: إن من حق المثاب والمعذب أن يكون عاقلاً ليعلم أن ما فعل به عدل لا جور، وإلا جاز أن يعتقد العذاب ظلماً، والبعث على اعتقاد الجهل قبيح.
قيل: لم نقل إنه غير عاقل حال التعذيب، وإنما قلنا إنه كالنائم في كوننا لا ندرك ما به من الألم واللذة، وأما هو فيدرك ذلك ويعقله ويعلم أنه جزاء على عمله، على أن قولكم: إنه يكون محمولاً على اعتقاد الجهل لو كان غير عاقل وذلك قبيح غير مسلم؛ إذ لو كان قبيحاً للزم قبح إزالة العقل في الدنيا؛ لأن المجانين والصبيان يعتقدون بسبب إزالته جهلاً كثيراً، والمعلوم أن إزالته لا تقبح في الدنيا فكذلك في الآخرة، والجامع كونهم غير مكلفين، ذكر معنى هذا الإمام المهدي، وحاصله أن ما صدر عن غير المكلف فلا نسلم قبحه لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن حقيقة القبح غير حاصلة فيه.
قلت: والذي يقطع النزاع، ويحل الإشكال هو ما قدمنا من أنا إنما شبهناه بالنائم في عدم إدراكنا لما به من الألم والموجب لذلك أنه قد ثبت أنه منعم أو معذب في قبره، ونحن لا نشاهده إلا ميتاً كالجماد، فوجب أن نقول بتعذيبه على الوجه المذكور. والله أعلم. وهذا ما وعدنا به في الأحاديث والآثار:

قال المرشد بالله في أماليه: أخبرنا ابن ريذة، انا الطبراني، ثنا عمر والسدوسي، ثنا عاصم بن علي، ثنا المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن سليم، عن أبيه قال عبد الله: إذا حدثتكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك: إن العبد المسلم إذا مات أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟ ما دينك؟ ما نبيك؟ فيثبته الله فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيوسع له في قبره ويفرج له فيه، ثم قرأ عبد الله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ...}الآية[إبراهيم:27].
أما الطبراني فهو: سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي الطبراني، أبو القاسم، حدث عن ألف شيخ، وثقه الشيرازي وأثنى عليه غيره، وكان من أئمة الحديث، وقال في (الجامع الوجيز): كان ثقة واسع الحفظ كثيراً ما يروي فضائل أهل البيت" توفي سنة ستين وثلاثمائة، روى له المرشد بالله ووالده الموفق بالله.
وأما السدوسي فهو: عمر بن حفص السدوسي.
وأما عاصم فهو: عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب التميمي، مولاهم أبو الحسن الواسطي، ثقة، أثنى عليه جماعة، وقال ابن معين: أصح سند الناس عاصم بن علي، وقال الذهبي: كان من أئمة السنة قولاً بالحق، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين، روى له المرادي وأبو طالب، والمرشد، والسيلقي، واحتج به البخاري والترمذي، وابن ماجة، والحديث أخرجه ابن جرير، والطبراني، والبيهقي.

وفي (صحيح البخاري): حدثنا عياش بن الوليد، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد عن قتادة، عن أنس بن مالك أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً)) قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح في قبره، ثم رجع إلى حديث أنس قال: ((وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقولان: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين)).
أما عياش بالمثناة التحتية والشين المعجمة فهو: ابن الوليد الرقام، أبو الوليد البصري، وثقه ابن حجر، مات سنة ست وعشرين ومائتين.
وأما عبد الأعلى فهو: عبد الأعلى بن عبد الأعلى الشامي بالمهملة، البصري، أبو محمد، وثقه ابن معين، وأبو زرعة وقال أحمد: كان يرى القدر، قال ابن حبان: لكن لم يكن داعياً إليه، مات سنة تسع وثمانين ومائة، روى له المرشد بالله، واحتج به الجماعة.
وأما سعيد فهو: ابن أبي عروبة اليشكري، مولاهم البصري، وثقه ابن معين وغيره، قيل: اختلط سنة خمس وأربعين ومائة، وتوفي سنة ست وخمسين ومائة، روى له أئمتنا الأربعة، وفي المناقب: واحتج به الجماعة.
والحديث أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن مردويه.
وقوله: ((ولا تليت)): أصله تلوت؛ وإنما قلبوا الواو ياءً للازدواج والمعنى لا فهمت، ولا قرأت القرآن، أو لاد ريت، أو لا أتبعت من يدري.

قال في (الدر المنثور): أخرج الطيالسي، وابن أبي شيبة في المصنف، وأحمد بن حنبل، وهناد بن السري في الزهد، وعبد بن حميد، وأبو داود، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم، وصححه البيهقي في كتاب عذاب القبر عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وآله- في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر)) مرتين أو ثلاثاً ثم قال: ((إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، ثم يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة الله ورضوانه، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء، وإن كنتم ترون غير ذلك، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى تنتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول:

قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأيته من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة تنزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وآله: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ}[الأعراف:40] فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً، ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وآله: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}[الحج:31] فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، فينادي منادي من السماء: أن كذب عبدي فأفرشوه من النار

وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة)).
وأخرج البيهقي في كتاب عذاب القبر عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((كيف أنت يا عمر إذا انتهى بك إلى الأرض فحفر لك ثلاثة أذرع وشبراً في ذراع، ثم أتاك منكر ونكير أسودان يجران شعرهما كأن أصواتهما الرعد القاصف، وكأن أعينهما البرق الخاطف، يحفران الأرض بأنيابهما فأجلساك فزعاً فتلتلاك وتوهلاك؟ قال: يا رسول الله وأنا يومئذ على ما أنا عليه؟ قال: نعم، قال: اكفيكهما بإذن الله يا رسول الله)). قوله: ((فتلتلاك وتوهلاك)) يقال: تلتله: إذا أفزعه وأقلقه.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس، عن النبي -صلى الله عليه وآله- قال: ((إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون، ثم يجلس فيقال له: من ربك؟ فيقول: الله ربي، ثم يقال له: ما دينك؟ فيقول الإسلام ديني، ثم يقال له: من نبيك؟ فيقول: محمد، فيقال: وما علمك؟ عرفته وآمنت به وصدقت بما جاء به من الكتاب، ثم يفسح له في قبره مد البصر، ويجعل روحه مع أرواح المؤمنين)).
وأخرج أحمد، وابن أبي الدنيا، والطبراني، والآجري في الشريعة، وابن عدي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وآله- ذكر فتاني القبر فقال عمر: أترد إلينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((نعم كهيئتكم اليوم)) قال عمر: بفيه الحجر.

وأخرج ابن أبي داود في البعث، والحاكم في التاريخ، والبيهقي في عذاب القبر عن عمر بن الخطاب، قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((كيف أنت إذا ركبت في أربعة أذرع في ذراعين، ورأيت منكراً ونكيراً؟ قلت يا رسول الله، وما منكر ونكير؟ قال: فتانا القبر يبحثان الأرض بأنيابهما، ويطأن في شعارهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يطيقوا رفعها، وهي أيسر عليهما من عصاي هذه، فامتحناك، فإن تعاييت أو تلويت ضرباك بها ضربة تصير بها رماداً، قلت: يا رسول الله، وأنا على حالي هذه؟ قال: نعم، قلت: إذاً أكفيكهما)). قوله: مرزبة: المرزبة التي يكسر بها المدر.
وأخرج أحمد عن أسماء عن النبي -صلى الله عليه وآله- قال: ((إذا دخل الإنسان قبره فإن كان مؤمناً أحف به عمله الصلاة والصيام، فيأتيه الملك من نحو الصلاة فترده، ومن نحو الصيام فيرده فينادي اجلس، فيجلس، فيقول له: ما تقول في هذا الرجل -يعني النبي صلى الله عليه وآله؟ قال: من؟ قال: محمد، قال: أشهد أنه رسول الله، فيقول: وما يدريك أدركته؟ قال: أشهد أنه رسول الله، فيقول: على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه تبعث، وإن كان فاجراً أو كافراً جاءه الملك وليس بينه وبينه شيء يرده فأجلسه وقال: ما تقول في هذا الرجل؟ قال: أي رجل؟ قال: محمد، فيقول: والله ما أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيقول له الملك: على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه تبعث، ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط ثمرته جمرة مثل عرف البعير تضربه ما شاء الله لا تسمع صوته فترحمه)).

وأخرج أحمد، والبيهقي عن عائشة، قالت: جاءت يهودية فاستطعمت على بابي فقالت: أطعموني أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، فلم أزل أحبسها حتى أتى رسول الله -صلى الله عليه وآله- فقلت: يا رسول الله، ما تقول هذه اليهودية؟ قال: ((وما تقول؟ قلت: تقول: أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، فقام رسول الله -صلى الله عليه وآله- فرفع يديه مداً يستعيذ بالله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، ثم قال: أما فتنة الدجال فإنه لم يكن نبي إلا وقد حذر أمته وسأحذركموه بحديث لم يحدثه نبي أمته، إنه أعور والله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن، وأما فتنة القبر فبي تفتنون، وعني تسئلون، فإذا كان الرجل الصالح أجلس في قبره غير فزع ولا مشغوف، ثم يقال له: فيم كنت؟ فيقول: في الإسلام، فيقول: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله، ثم يفرج له فرجة إلى الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له: هذا مقعدك منها، ويقال على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، وإذا كان الرجل السوء جلس في قبره فزعاً مشغوفاً فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري، فيقول: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولاً فقلت كما قالوا، فيفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال: انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً ويقال: هذا مقعدك منها، على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله)). قوله: ولا مشغوف، المراد به هنا: الذي مرض قلبه من الفزع.

فهذه الأحاديث صريحة في أنه تعاد الروح في الجسد بعد الدفن، فبعضها قد صرح فيه بذلك، وبعضها هو كالصريح وهي الأحاديث التي فيها ذكر الجلوس والقعود، إذ لو لم يكن وقت السؤال على الهيئة التي كان عليها في الدنيا لم يكن لذكر الجلوس معنى.
ومن كلام الوصي في ذلك قوله عليه السلام : (إذا انصرف المشيع ورجع المتفجع أقعد في حفرته نجيا لبهتة السؤال وعثرة الامتحان). رواه في النهج.

الموضع الثالث في تعيين وقته
وقد اختلف في ذلك، فقال السيد مانكديم، وأبو علي، وأبو هاشم، وقاضي القضاة وغيرهم: لم يرد لتعيين وقته دليل فلا يقطع به، والأخبار المفيدة لكونه عقيب الدفن أحادية لا تفيد القطع.
وقال أبو الهذيل وبشر بن المعتمر: بل نقطع أن وقته بين النفختين، وهي النفخة التي يموت عندها كل حيوان يوم القيامة ينفخها إسرافيل في الصور كما ورد في الأثر، والنفخة التي يحيا بها كل ميت ويبعث من في القبور، وهذا القول رواه ابن أبي الحديد عن كثير من المعتزلة قبل قاضي القضاة.
وقال السيد مانكديم، والقرشي: من الجائز أن يكون بين النفختين، وقال قاضي القضاة: الأقرب في الأخبار أنها الأوقات المقاربة للدفن وإن كنا لا نعينها بأعيانها.
احتج أبو الهذيل ومن وافقه بقوله تعالى: {َوَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[المؤمنون:100] {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101] فذكر أن النفخة الثانية واقعة عقيب البرزخ، والبرزخ: الأمر العظيم الهائل، ولا مستعظم بعد الموت إلا العذاب والنعيم، وأما استمرار الميت على حاله فلا، وإذا كان البرزخ هو ذلك والنفخة التي يحيا بها الموتى واقعة عقيبه لزم أن يكون التعذيب والنعيم بين النفختين؛ إذ لا قائل بأنه يستمر التعذيب والتنعيم إلى يوم القيامة، وإنما المسألة مرة واحدة بعد الموت.
وأجاب الإمام المهدي عليه السلام بأن الآية ليست واردة على النمط الذي قرروه، وإنما معناها أنه أخبر الله سبحانه أن الذي يحضره الموت يتمنى أن يزاد في عمره ليعمل صالحاً، فأخبر سبحانه أنه لا يجاب إلى ذلك، وأن بينه وبين مطلوبه برزخاً أي أمراً عظيماً هائلاً مانعاً من ذلك، وهو ذوقه سكرات الموت، ومنعه من العود إلى مثل التي كان عليها قبل الموت إلى يوم يبعثون.

215 / 329
ع
En
A+
A-