الوجه الرابع: مما احتج به المثبتون لعذاب القبر أنه قد ثبت القول به عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه في الجنة- قال في مجموع زيد بن علي عليه السلام : حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده عن علي عليه السلام قال: عذاب القبر من ثلاث: من البول، والدين، والنميمة. وهو في العلوم.
وروى الموفق بالله عليه السلام في (سلوة العارفين) بسنده إلى علي عليه السلام قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}[التكاثر:1] وأخرجه الترمذي، وقال أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه إلى محمد بن أبي بكر: واعلموا عباد الله أن ما بعد الموت لمن لم يغفر الله له ويرحمه أشد من الموت عذاب القبر، فاحذروا ضيقه وظلمته وغربته، إن القبر يتكلم في كل يوم فيقول: أنا بيت الوحدة، أنا بيت الغربة، أنا بيت الدود، أنا بيت التراب، وإنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وإنما العبد المسلم إذا دفن قالت له الأرض: مرحباً وأهلاً، لقد كنت من أحب خلق الله تمشي على ظهري، فإذا وليتك وصرت إليَّ لتعلم كيف أصنع بك، فيفسح له مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن الكافر قالت له الأرض: لا مرحباً ولا أهلاً، لقد كنت من أبغض خلق الله تمشي على ظهري، فإذا وليتك وصرت إليّ ستعلم كيف أصنع بك، فيضيق عليه موضعه حتى تلتقي أضلاعه في حفرته، وهي المعيشة التي قال الله تعالى: {مَعِيشَةً ضَنكاً}[طه:124] ليسلط عليه في قبره حيات تنهش عظمه، لو أن واحدة منهن نفخت نفخة في الأرض لم ينبت زرع أبداً. رواه الموفق بالله في السلوة، وكذلك سائر كتابه عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر وهو كتاب نفيس مشتمل على علوم غزيرة.
قال الموفق بالله عليه السلام في سند هذا الكتاب ما لفظه: عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد الأسدي، عن عبد الرحمن بن عبد أن محمد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام يسأله جوامع من الحلال والحرام، والسنن والمواعظ وهو إذ ذاك بمصر عامل له، ثم ذكر كتاب محمد وجواب باب مدينة العلم عليه السلام .
وأبو مخنف هو: لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف الأزدي الكوفي صاحب التصانيف، توفي سنة ثمان وخمسين ومائة، عداده في ثقات الشيعة، واعتمده أئمتنا وقد نالت منه النواصب. قال علامة العصر: وأكثر النقل عنه ابن أبي الحديد مع تحريه في النقل.
وأما سليمان وعبد الرحمن فيبحث عنهما إن شاء الله.
وقال علي عليه السلام بعد أن ذكر ما يقاسيه العبد عند نزول الموت عليه من الشدائد ما لفظه: ثم حملوه إلى محط في الأرض فأسلموه فيه إلى عمله، وانقطعوا عن زورته. رواه في (النهج) ولا معنى له إلا أنهم أسلموه إلى جزاء عمله؛ إذ التسليم للعمل لا يتصور، ولا يترتب عليه فائدة إلا بهذا التأويل.
الوجه الخامس: إجماع أهل البيت" على ثبوته كما مر في الجامع الكافي.
الوجه السادس: أنه قد نقل سماع الكلام من القبر وسماع عذابه نقلاً مستفيضاً قديماً وحديثاً حتى ادعى بعضهم تواتر ذلك الإمام المهدي بلغنا عن حي الفقيه العلامة لسان المتكلمين، حواري أهل البيت المطهرين أحمد بن حميد الحارثي قد كثر نقل سماع عذاب القبر حتى بلغ التواتر لكثرة الناقلين لسماعه من جهات شتى.
[الحكايات الدالة على عذاب القبر]
قلت: وهكذا في كل زمان، فإن في كتب التواريخ والسير وغيرها من ذلك شيء كثير، ويحكى لنا في زماننا هذا حكايات متعددة، ونحن نأتي هنا بما صح لنا من الحكايات عن أهل زماننا وغيرهم مما يدل على ثبوت الحياة في القبر وعذاب العصاة فيه، ولا ننقل إلا ما هو عندنا صحيح.
الحكاية الأولى
ما رواه الإمام المهدي في (شرح القلائد) وصححه قال: حدثنا السيد الأفضل ربيب حجر العبادة، ورضيع لبان الزهادة، سلالة الآباء الكرام المؤيد بن أبي الفضائل بن محمد بن علي في مسجد زيدان من مدينة صعدة هجرة الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام وذلك أنا كنا قد سمعنا الحكاية عنه من غيره، فلما وصل إلينا إلى صعدة أيام قراءتنا فيها أنا وحي صنوي -رحمة الله عليه- وهذا السيد ابن خالنا فوقف معنا أياماً، فسألته أنا وحي الصنو -قدس الله روحه- عما حكي لنا عنه من هذه القصة وذكرناها له فقال: نعم هي كما حكي لكما، قال: وذلك أني كنت في صغري أيام تعلمي القرآن أتعلمه أنا وصبي يتيم كان معنا فكانت قراءتي أنا وذلك الصبي مدة، ثم إنه توجع أياماً ثم توفي وهو دون البلوغ، فكفنه والدي في ثوب كان أعطانيه، فلما حملوه للدفن سرت أنا معهم وأنا يومئذٍ طفل صغير وكنت أسمع من أهلي أن الأطفال يسمعون عذاب القبر دون المكلفين، قال: فلما دفنوه وفرغوا وانصرفوا تأخرت عنهم عند القبر لأسمع ما يكون فيه، قال: فانفردت على القبر بعد انصرافهم مصغياً سمعي، فسمعت في القبر صوت شخص يتلو هذه الآية الكريمة: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[يونس:62] قال: ثم سمعت كلاماً لم أفهم منه إلا كلمة واحدة سمعتها من الصبي وأنا أعرف صوته وكلامه، سمعته يقول: هذا ثوب السيد المؤيد، أظنه يعني الكفن، قال: ثم انصرفت عن القبر فأخبرت بما سمعت.
قال الإمام المهدي: هكذا سمعت أنا وحي الصنو من لسانه في الموضع المذكور، وهو في الفضل والورع، وصدق اللهجة أشهر من أن يوصف.
الحكاية الثانية
رواها الإمام المهدي أيضاً وصححها، قال: أخبرتنا الأخت الشريفة المطهرة العالمة العاملة عادت بركتها قالت: حدثتها امرأة جيدة أنها وجدت جمجمة ميت في خلاء لا تشك أنها رأس ابن آدم فرأت في جبهته إبرة مطرزة رتقا في العظم كما تطرز في حاشية الثوب، فعجبت من كونها في العظم على الهيئة التي تغرز في الخرقة، قالت: فاستخرجت الإبرة من تلك الجمجمة، وحملتها بيتي فوضعتها في حق أو نحوه، فلبثت أياماً فاحتجت إليها فطلبتها في الموضع الذي وضعتها فيه فلم أجدها، فعدت إلى موضع الجمجمة التي استخرجت الإبرة منها فوجدت الإبرة قد أعيدت إلى موضعها ذلك، فتركتها فيه وانصرفت فزعة من ذلك.
قال عليه السلام : هكذا سمعته من لسان الأخت المطهرة.
قالت: والمرأة المذكورة غير متهمة بالكذب.
الحكاية الثالثة
ما كتبه إلي سيدي المولى مفخر الزيدية، الجامع بين فضيلتي العلم والعبادة، علامة العصر عبد الله بن الإمام الحسن بن يحيى القاسمي ـ أيده الله ـ في شهر رجب الأصب سنة ست وستين وثلاثمائة وألف هجرية من مسكنه بباقم ببلاد آل أبي الخطاب، وذلك حال تأليف هذه المسألة قال -أطال الله بقاءه: أخبرني شيخي القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العنسي وكان من أهل التحري والتقشف، أحد تلامذة شيخنا العلامة علي بن يحيى العجري -رحمهما الله- قال: أخبره الإمام المهدي محمد بن القاسم عليه السلام أنه هو وجماعة من العلماء سمعوا أنه يقع في ليلة الجمعة عذاب للمهدي عبد الله فساروا في تلك الليالي إلى قبته فأراد السادن إخراجهم فقالوا: نريد البقاء للمذاكرة والتلاوة، فبقوا إلى وقت السحور، وإذا القبة قد انشق ظهرها وهبط من السماء سلسلة حديد تلتهب، فانشق القبر وانتصب منه شخص، ثم إن الإمام صعق هو ومن معه.
قلت: وقد سمعت هذه الحكاية من لسان علامة العصر قبل أن يكتب إليّ بها وأمرني بروايتها عنه، وإنما طلبت منه الكتابة للتثبت.
الحكاية الرابعة
رواها الفقيه العلامة صالح بن مهدي المقبلي في كتابه (المنار) الذي وضعه على (البحر الزخار) وقال: إنه قد صح سندها عن بعض أشراف مكة، وكان يسكن القنفذة على نحو عشر مراحل من مكة من جهة اليمن، والحكاية أن الشريف دخل مكة وإذا بهندي فقير بفناء بيته قد حضره الموت، فطلب من خدم الشريف عصيدة لينة ففعلوا له، فانفرد بنفسه وأنفق أشراف الشريف عليه من بيته، وإذا هو يستعين بالعصيدة على إدخال الدنانير إلى باطنه، ثم عقب ذلك الموت فعرف قبره وقال لخدمه: احفروا عنه وابقروا بطنه وخذوا الدنانير، قال: وكان عندهم في جهة القنفذة رجل أسود تكروري يتعلم القرآن، ويكتب بلوح يعرفونه، فلما فتحوا قبر الهندي إذا بالتكروري مدفون وحده ومعه لوحه، وقد خلفوا التكروري حياً، فعلموا أن التكروري قد مات، فلما رجعوا من مكة سألوا عن التكروري فقالوا: مات، فذهبوا إلى قبره للاختبار فحفروا قليلاً ومنعتهم النار من باطن القبر، فعلموا أنه الهندي.
قلت: وفي هذه الحكاية مع إثبات عذاب القبر فوائد:
منها: أن العصاة المستوجبين للعذاب ينقلون من مكة المكرمة إلى غيرها، وأن المؤمنين قد ينقلون إليها.
ومنها الدلالة على أن من حب الدنيا المذموم الحرص على الدنيا والبخل بها، وأنه ليس المذموم منها محبة الجاه والشرف فقط كما قاله بعضهم؛ إذ مثل هذا الهندي لا يطلب بفعله هذا شرفاً، وهذه الحكاية ذكرها المقبلي في ما كتبه على تكملة (الأحكام) من آخر البحر في فصل في حب الدنيا.
الحكاية الخامسة
ما ذكره العلامة ابن حجر الهيثمي المكي الشافعي -رحمه الله- في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر) حاكياً له عن نفسه قال: كنت وأنا صغير أتعاهد قبر والدي -رحمه الله- للقراءة عليه، فخرجت يوماً بعد صلاة الصبح بغلس في رمضان بل أظن أن ذلك كان في العشر الأخيرة بل في ليلة القدر، فلما جلست على قبره وقرأت شيئاً من القرآن ولم يكن بالمقبرة أحد غيري، فإذا أنا أسمع التأوه العظيم، والأنين الفظيع بآه آه آه وهكذا بصوت أزعجني من قبر مبني بالنورة والجص له بياض عظيم، فقطعت القراءة واستمعت، فسمعت صوت ذلك العذاب من داخله، وذلك الرجل المعذب يتأوه تأوهاً عظيماً بحيث يقلق سماعه القلب ويفزعه، فاستمعت إليه زمناً، فلما وقع الأسفار خفي حسه عني فمر بي إنسان فقلت: قبر من هذا؟ قال: قبر فلان الرجل أدركته وأنا صغير، وكان على غاية من ملازمة المسجد والصلوات في أوقاتها، والصمت عن الكلام، وهذا كله شاهدته وعرفته منه، فكبر عليّ الأمر جداً لما أعلمه من أحوال الخير الذي كان ذلك الرجل متلبساً بها في الظاهر، فسألت واستقصيت الذين كانوا يطلعون على حقيقة أحواله، فأخبروني أنه كان يأكل الربا فإنه كان تاجراً ثم كبر وبقى معه شيء من الحطام فلم ترض نفسه الظالمة الخبيثة أن يأكل من جنبه حتى يأتيه الموت، بل سول له الشيطان محبة المعاملة بالربا حتى لا ينقص ماله، فأوقعه في ذلك العذاب الأليم حتى في رمضان حتى في ليلة القدر، هكذا ساق هذه الحكاية ابن حجر المذكور -رحمه الله- ثم قال: ولما قلت ذلك لبعض أهل بلده قال لي: أعجب منه عبد الباسط رسول القاضي فلان، قال ابن حجر: وهذا الرسول أعرفه أيضاً كان رسولاً للقضاة أول أمره، ثم صار ذا ثروة.
فقلت: وما شأنه؟
قال: لما حفرنا قبره لننزل عليه ميتاً آخر رأينا في رقبته سلسلة عظيمة، ورأينا في تلك السلسلة كلباً أسوداً عظيماً مربوطاً معه في تلك السلسلة وهو واقف على رأسه يريد نهشه بأنيابه وأظفاره، فخفناه خوفاً عظيماً، وبادرنا برد التراب في القبر.
قالوا: ورأينا فلاناً عن رجل آخر لما حفرنا قبره لم يبق منه إلا جمجمة رأسه فإذا فيها مسامير عظيمة القدر عريضة الرؤوس مدقوقة فيها كأنها باب عظيم، فتعجبنا منها وردينا عليها التراب.
قالوا: وحفرنا عن فلان فخرجت لنا حية عظيمة من قبره ورأيناها مطوقة به، فأردنا دفعها عنه فتنفثت علينا حتى كدنا نهلك عن آخرنا، فنعوذ بالله من عذاب القبر الناشئ عن غضب الله ومعصيته.
قلت: وابن حجر هذا كان من مشاهير علماء الشافعية في القرن العاشر، وله مؤلفات كثيرة في الفقه وغيره معتمدة عند علماء الإسلام، وكان له همة عظيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للزجر عن معاصي الله، وكتابه (الزواجر) شاهد بذلك، وكان من محبي أهل البيت" ومن المعترفين بفضلهم وعلو مرتبتهم، وقد نقل عنه في كتاب (رشفة الصادي) ابن بحر في فضائل بني الهادي شيئاً كثيراً مما يدل على ذلك.
واحتج المنكرون لعذاب القبر بالعقل والسمع
أما العقل فقالوا: لو كان له أصل لكان له فائدة وإلا كان عبثاً ولا فائدة فيه.
والجواب: أن فائدته معلومة وهي أن المكلف متى علم أنه إذا أقدم على المعصية عذب في القبر ثم في النار كان صارفاً له عن فعل القبيح، وداعياً له إلى فعل الواجب.
قالوا: لو كان ثابتاً لرأى النباش أثره، ولكان يجب في المصلوب والميت أن يسمع أنينه، وأن يشاهد اضطرابه كل أحد، والمعلوم خلافه.
قلنا: يجوز أن يخفى عذابه عن النباش والمستمع لمصلحة وأن لا يعذبه في تلك الحال، على أنا لا نسلم أن عذابه لم يره أحد ولم يسمعه فإنه قد يُرى ويسمع كما مر في الحكايات.
قوله: يجب أن يشاهده ويسمعه كل أحد.
قلنا: لا نسلم وجوب ذلك لجواز أن تكون المصلحة لقوم في سماعه ومشاهدته، ولا يكون للآخرين في ذلك مصلحة فيشاهدونه عظاماً نخرة وهو في حال العذاب ولا يعلمونه.
قالوا: لو جاز فيما نشاهده من الموتى أن يكونوا معذبين لجاز فيما نشاهد من الجمادات أن يكونوا أحياء فضلاء علماء، وذلك سفسطة، فإن قلتم: إنه معذب على غير الحال التي نشاهده عليها لزم في كل مشاهد أن يجوز كونه على غير ما نراه فيؤدي إلى أن لا نثق بمشاهد.
قلنا: لا يلزم ذلك؛ لأن الميت قد نزعت منه الحياة فيجوز أن يرد إليه المنزوع على الصفة التي هو عليها؛ لأن المحل محل حياة بخلاف الجماد فلم ينزع منه شيء وبنيته ليست بمحل للحياة، وللإمام المهدي عن هذا جواب وهو: أنا لا نقول بأي الطرفين، بل يجوز أن الله أحيا الأجزاء التي لا يكون الحي حياً إلا بها وهي لطيفة جداً فنعمها أو عذبها، وتجويز ذلك لا يقدح فيما علم ضرورة فلا يلزم ما ذكرتم.
فإن قيل: فيلزم تجويز كون الحجر الصم، بل في حبة الخردل حيوان منعم أو معذب لا يشاهد للطافته، وهذا معلوم البطلان.
أجيب بأنا لا نجوز ذلك فيما نشاهده على تلك الحال، وإنما نجوز أن تلك الأجزاء المنزوعة صارت في جهة أخرى منفصلة عن الجسم المشاهد، وتجويزه على هذا الوجه لا يقدح في ضروري، ويؤيده ما روي أن أرواح الشهداء منفصلة عن أجسامهم إلى حواصل طير خضر.
قلت: الحق أنه لا مانع من أن يكون معذباً على الحالة التي هو عليها وإن لم نشاهد عذابه كما في النائم الذي يتخيل ما يحزنه أو ما يفرحه فيكون في غم ولا يشعر به من حوله.
وأما ما احتجوا به من السمع فآيات منها هذه الآية التي نحن بصددها، ووجه دلالتها أنه تعالى ذكر أنه يحييهم مرة في الدنيا ومرة في الآخرة، ولم يذكر حياة القبر، ويؤكده قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}[المؤمنون:15،16].
والجواب: ما مر من أنه ليس المراد بقوله: {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} الحياة الدائمة لقوله بعدها: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} سلمنا، فعدم ذكر حياة القبر هنا لا يدل على عدمها كيف وقد قام الدليل القاطع عليها، وهكذا يجاب عما ورد من ذكر الحياة الدائمة بعد الموت، فإنه يقال: عدم الذكر لحياة القبر لا يدل على عدمها. والله أعلم.
الموضع الثاني في اختلاف من أثبته
هل التعذيب لا يكون إلا بعد إحياء الميت أو يكون حال موته؟
فقالت العدلية: إذا أراد الله تعذيبهم فلا بد أن يحييهم؛ إذ لا يتألم إلا حي يعلم ذلك ضرورة، وكذا يقال: إذا أراد أن يثيبهم وخلافاً للصالحي من المعتزلة، وبعض الكرامية فيما رواه عنه وعنهم الرازي؛ لأن الحياة ليست شرطاً في الإيلام عندهم، ثم قال: وهذا باطل بالضرورة، والحق أنه لا بد من الإحياء، ثم اختلف القائلون بالإحيا، فروى الإمام المهدي عن أصحابنا أنه يجوز أن يعيده الله حياً بجميع أجزائه ويجوز أن يعيد الأجزاء التي لا يكون حياً إلا بها وهي الإنسان، فإن كانت أجزاؤه قد تفرقت لم تصح إعادة حياته إلا بعد تأليفه؛ لأن من شرط الحياة البنية المخصوصة.
وقال الرازي وغيره من المجبرة: البنية ليست شرطاً، بل تصح الحياة من دونها فيجوز أن يحيي كل جزء في الجهة التي هو فيها فيعذبه أو ينعمه.
قلنا: تجويز ذلك يستلزم أن يصير الحي أحياءً إلى آلاف، والضرورة تدفع ذلك.
قالوا: إنما يلزم ذلك لو كان تعلق الحياة بتلك الأجزاء على جهة الحلول، ونحن لا نقول بذلك.
قلنا: لا معنى يعقل لتعلق الحياة بالجسم إلا حلولها فيه.
قال الرازاي: ويجوز أن تعذب أرواح الذين افترستهم السباع إن كانوا معذبين كما أنه يثيب أرواح الشهداء بجعلها في حواصل طير خضر.
قال الإمام المهدي: إذا جعل الأجزاء هي ما لا يكون الحي حياً إلا بها كما حكيناه عنه في مسألة الإنسان فهو قولنا.
وفي (البدر الساري) عن الهادي عليه السلام أن المعذب والمنعّم الروح، وقال الشرفي: يمكن أن يقال: إن المعذب الأرواح، وقد ثبت عن بعض أئمة أهل البيت" أن الروح جسم، أو يقال: إن الله يحيي بعض العاصين ويرد إليه روحه ويعذبه، ولا يلزم أن يكون ذلك في كل عاص.