المسألة الثانية [الرد على الطبائعية]
في هذه الآية رد لقول الطبائعية والمنجمين ونحوهم؛ لأنها تدل على أنه لا يقدر على الإحياء والإماتة إلا الله؛ إذ لو كان لغيره تأثير فيهما لم يصح إنكار كفرهم بمن فعل ذلك؛ لأن لهم أن يقولوا: لا وجه لإنكارك علينا لأجل تلك النعمة؛ لأن غيرك الذي فعلها بنا، أو أنك غير مختص بالقدرة عليها. والله أعلم.
المسألة الثالثة [دلالة الآية على أن الكفر من العباد]
في الآية دليل على أن الكفر من قبل العباد، وإلا لما صح التوبيخ عليه وإنكار وقوعه منهم، كما لا يصح التوبيخ على صورهم وألوانهم، وأيضاً لو لم يكن فعلهم لكانت الحجة على الله لهم بأن يقولوا: أنت الذي خلقته فينا وأنت الذي خلقت القدرة الموجبة له أو الداعي الموجب أو نحو ذلك والحكيم لا ينكر على أحد ولا يحتج عليه بما يعلم فساده، وهذا واضح لا يحتاج إلى التطويل، وقد أجاب الرازي هنا بمسألة العلم ومسألة الداعي والمرجح، وقد أجبنا عليهما فيما مر، وبالله التوفيق.
المسألة الرابعة [شبهة الاحتجاج بالآية على نفي عذاب القبر]
احتج قوم بهذه الآية على نفي عذاب القبر وآخرون على إثباته، وسيأتي بيان وجه الاستدلال بها، والكلام في المسألة يكون في أربعة مواضع:
الأول: في الخلاف في عذاب القبر ونعيمه، وذكر ما احتج به كل فريق.
الثاني: في اختلاف القائلين بثبوته في كون التعذيب يكون بعد إحياء الميت، أو حال موته.
الثالث: في تعيين وقته.
الرابع: في جواز دخول الملكين القبر.
الموضع الأول في الخلاف في عذاب القبر ونعيمه
ذهب أكثر الأمة إلى أن عذاب القبر ثابت لأهل النار، وقال السيد مانكديم، والقرشي: لا خلاف في ذلك إلا عن ضرار بن عمرو، قال السيد: وكان من أصحاب المعتزلة ثم لحق بالمجبرة ولهذا شنع ابن الراوندي على المعتزلة، وقال: إنهم ينكرون عذاب القبر.
وقال قاضي القضاة: لا نعرف معتزلياً نفى عذاب القبر، بل منهم من يجوزه ولا يقطع به، ومنهم من يقطع به وهم الأكثر.
وروى القسطلاني إجماع أهل السنة على ثبوته، وعلى ثبوت سؤال منكر ونكير ونسب القول به في (الأساس) إلى أئمتنا " ما خلا قديم قولي الإمام أحمد بن سليمان ذكره في (الحقائق) وقد رجع إلى موافقة الأكثر في (الحكمة الدرية).
قلت: وممن روي عنه نفيه الناصر، والهادي، وولداه الناصر والمرتضى، وبشر المريسي، ويحيى بن كامل من المجبرة، والمرتضى الموسوي، ورواه في (الغياصة) عن بعض البغدادية، ورواه الشرفي عن أبي القاسم البستي، فهؤلاء قد روي عنهم إنكار عذاب القبر.
قلت: أما الإمام الهادي فقد روى عنه ولده المرتضى ما يدل على ثبوت النعيم والعذاب لكن للأرواح، وظاهره أنه لا يكون ذلك لها في القبر بل في غيره، وأن ذلك من قبيل الروح والراحة، والتنغيص بالذم والتبكيت فقط، وقد استوفى كلامه في (البدر الساري) وفيه عن الناصر إثبات سؤال الملكين لكن لا يسميان نكيراً ومنكراً.
واعلم أن أكثر ما يذكر في هذا الموضع الخلاف في عذاب القبر وقليل من يذكر النعيم، وقد ذكره صاحب (الغياصة) فإنه قال: الذي عليه أكثر أهل العدل القول بحياة القبر وعذابه، وأنه روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، وقال في (البدر الساري): إنما ترك ذكره الجمهور بناء على أن النصوص في العذاب أكثر، وأن الأكثر من الثقلين عصاة فكان أجدر بالذكر، وكذلك لا يختص العذاب والنعيم بالقبر، بل المقصود حصوله قبل يوم القيامة، ذكره القرشي وقال: سواء كان في القبر أو لم يكن، فإن كثيراً من الناس لا يقبر بأن يصلب، أو يحرق، أو تأكله السباع ونحو ذلك، ولكن عبر عنه بعذاب القبر؛ لأنه الغالب.
وإذا عرفت الخلاف في هذه المواضع فاستمع لما يتلى من الحجج فنقول:
احتج من أثبته بوجوه:
أحدها: أن العقلاء لا تمنع أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد أو في جميعه على الخلاف فيثيبه أو يعذبه، وإذا لم يمنع منه العقل وورد به الشرع وجب قبوله واعتقاده.
الثاني:أن الكتاب العزيز قد دل على ثبوته في آيات، وسيأتي الكلام عليها في مواضعها، ومنها هذه الآية التي نحن بصددها، ووجه الاستدلال بها أن قوله: {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} ليس هو الحياة الدائمة الواقعة عقيب البعث؛ لأنه عطف رجوعهم إليه تعالى بثم التي تقتضي التراخي والرجوع إليه سبحانه تكون عقيب الحياة التي للبعث فدل على أن الحياة المذكورة تكون عقيب الإماتة قبل البعث، ولا بد لها من فائدة وإلا لكانت عبثاً، والفائدة هي الإثابة أو التعذيب مع سؤال الملكين؛ إذ لا دليل على فائدة غير هذا.
الوجه الثالث:أنه قد صح عن النبي -صلى الله عليه وآله- بذلك أخبار كثيرة بل قيل: إنها متواترة، فمن ذلك ما رواه المرشد بالله قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، انا ابن حبان، ثنا علي بن إسحاق، ثنا محمد بن زنبور، ثنا عبد العزيز ابن أبي حازم، عن سهل، عن حبيب بن حسان، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: دخلت مع النبي -صلى الله عليه وآله- في بعض حوائط الغابة فإذا بقبرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((سبحان الله سبحان الله، إن صاحبي هذين القبرين يعذبان في غير كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول)) ثم أخذ جريدة رطبة فكسرها نصفين فجعل عند رأس كل واحد منهما نصف وقال: ((لعله يرفه عنهما ما دامتا رطبة)).
أما محمد بن زنبور واسمه جعفر بن أبي الأزهر مولى بني هاشم، أبو صالح المكي فوثقه النسائي، وابن حبان، وأبو أحمد الحاكم، توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين، روى له أبو طالب، والمرشد بالله، والنسائي، ويروى أنه حج ثمانين حجة، وزنبور بضم الزاي وسكون النون.
وأما عبد العزيز فهو المدني، روى عنه جماعة من الحفاظ النقاد، وثقه ابن معين، وقال في (التقريب): صدوق، مات سنة أربع وثمانين ومائة، احتج به الجماعة، وروى له أبو طالب، والمرشد بالله.
وأما حبيب بن حسان فهو الكوفي، قال الذهبي: ضعفوه.
وفي (شرح التجريد): أخبرنا أبو الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الحسين اليماني، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثني القاسم بن يحيى بن آدم، عن وكيع، عن الأعمش قال: سمعت مجاهداً يقول عن طاوس عن ابن عباس: إن النبي -صلى الله عليه وآله- مرّ بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أحدهما كان لا يستنزه أو لا يستبرئ عن بوله، والآخر كان يمشي بالنميمة)) شك أبو عبد الله، وهو في (أصول الأحكام) و(الشفاء).
ابن اليمان هو الحنفي، أبو جعفر، ذكره في (طبقات الحنفية) وقال في (الطبقات): خرج له المؤيد بالله ووثقه.
وأما ابن شجاع فهو البلخي، أبو عبد الله البغدادي، قال المنصور بالله: هو المبرز على نظرائه من أهل زمانه فقهاً، وورعاً، وثباتاً، على رأي أهل العدل، وله تصانيف كثيرة، قال علامة العصر: تكلم عليه الحشوية ونالوا منه، وقالوا: كان ينال من أحمد، قال في (الطبقات): ولا يبعد أنه من رجال الشيعة، مات ساجداً في صلاة العصر سنة ست وستين ومائتين، خرّج له المؤيد بالله ووثقه.
وأما القاسم بن يحيى فالظاهر أن ذكر القاسم غلط فإنه ذكر في (الجداول) رواية محمد بن شجاع عن يحيى بن آدم، ورواية يحيى بن آدم عن وكيع فيحقق البحث، ويحيى بن آدم ثقة مشهور، وكذلك وكيع.
والحديث أخرجه البخاري فقال: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش بسند المؤيد بالله وفي آخره: ((ثم أخذ عوداً رطباً فكسره باثنتين ثم غرز كل واحد منهما على قبر ثم قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)).
وقتيبة هو ابن سعيد، وجرير هو ابن حازم.
وفي سنن ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: مر رسول الله -صلى الله عليه وآله- بقبرين جديدين فقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) والحديث قال في المنتقى: رواه الجماعة.
قلت: والروايات كلها بإثبات طاووس بين مجاهد وابن عباس كما ترى، إلا رواة المرشد بالله، ورواه النسائي بإثبات طاووس من طريق هناد بن السري عن وكيع عن الأعمش بالسند المذكور، ثم قال: ورواه منصور عن مجاهد عن ابن عباس ولم يذكر طاووساً، وذكر حديث منصور أبو داود فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وآله- بمعناه.
وأبو معاوية المذكور هو: محمد بن حازم التيمي مولاهم الضرير الشيعي الثبت، وثقه الذهبي والعجلي، وقال: يرى الإرجاء، ويعقوب وقال: قلما دلس، وقال الحاكم: احتج به الشيخان، وقد اشتهر عنه غلو التشيع، توفي سنة خمس وتسعين ومائة، احتج به الجماعة، وروى له المرادي.
وفي (المناقب): وعن علي عليه السلام ، قال: ((مر رسول الله -صلى الله عليه وآله- بقبرين يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يتنزه من بوله وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) أخرجه ابن عساكر من طريق عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام .
وفي سنن ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الأسود بن شيبان، حدثني بحر بن مرَّار، عن جده أبي بكر، قال: مر النبي -صلى الله عليه وآله- بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فيعذب في البول، وأما الآخر فيعذب بالغيبة)).
أما الأسود فهو: ابن شيبان السدوسي البصري، أبو شيبان، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وفي (التقريب): ثقة، عابد، توفي سنة ستين ومائتين، روى له المرشد بالله، واحتج به مسلم، والأربعة إلا الترمذي.
وأما بحر فهو: ابن مرار -بفتح الميم وتشديد الراء- ابن عبد الرحمن بن أبي بكر الثقفي، أبو معاذ البصري، قال في (التقريب): صدوق اختلط بآخره.
فائدة [في تقرير رواية عذاب رجلين]
لم يعرف اسم الرجلين المقبورين ولا أحدهما، ولعل ذلك لقصد الستر عليهما وهو عمل مستحسن، ولا ينبغي الفحص عن تسمية من وقع في حقه ما يذم به، والظاهر أنهما مسلمين لقوله في رواية ابن ماجة: جديدين.
وفي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه صلى الله عليه وآله وسلم مر بالبقيع فقال: ((من دفنتم اليوم هاهنا)) والبقيع: مقبرة المسلمين.
وفي رواية أبي بكرة عند أحمد، والطبراني بإسناد صحيح: ((يعذبان وما يعذبان في كبير وبلى: وما يعذبان إلا في الغيبة والبول)) وهذا الحصر ينفي كونهما كافرين؛ لأن الكافر يعذب على كفره بلا خلاف.
وقال أبو موسى: بل كانا كافرين لما في حديث جابر أنه صلى الله عليه وآله مر على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية.
وأجيب بأنه ضعيف كما اعترف به، وسيأتي حديثه أن المسموع من بني النجار جماعة ولم يذكر سبب تعذيبهم أعني البول والنميمة ولو سلم ما احتج به، فلعلها تعددت الواقعة، رجعنا إلى ما نحن بصدده:
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا عبد الله بن رستة، ثنا الحسين بن أحمد، ثنا أبو الحسن بن بسطام، ثنا أبو الحجاج القيس، ثنا درست الرقاشي، عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((من لم يؤمن بعذاب القبر فعذبه الله، ومن لم يؤمن بشفاعتي فلا جعله الله فيها)).
قوله: درست الرقاشي، الصواب درست عن يزيد الرقاشي كما في (الجداول).
ودرست بضم الدال والراء وسكون المهملة بعدها مثناة من أعلى وهو ابن زياد العنبري البصري، روى عن يزيد الرقاشي وابن جدعان وغيرهما، قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال ابن معين: لا شيء، وقال البخاري: ليس بالقائم، وفي (التقريب): ضعيف.
وفي أمالي المرشد بالله أيضاً: أخبرنا ابن السواق، انا القطيعي، ثنا بشر بن موسى، ثنا أبو عبد الرحمن، ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير أنه سأل جابراً عن عذاب القبر فقال: دخل النبي -صلى الله عليه وآله- نخلاً لبني النجار فسمع أصوات رجال من بني النجار قد ماتوا في الجاهلية يعذبون في قبورهم فخرج النبي -صلى الله عليه وآله- فزعاً فأمر أصحابه أن يتعوذوا من عذاب القبر، وأخرجه أحمد بإسناد صحيح.
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا الذكواني، انا ابن حبان، ثنا محمد بن هارون، ثنا أبو حذافة، ثنا عبد العزيز بن محمد عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وآله- دخل حائطاً من حوائط بني النجار فسمع صوتاً من قبر فقال: ((متى دفن هذا القبر؟)) قالوا: في الجاهلية، فسر بذلك وقال: ((لولا أن تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم عذاب القبر)).
وفيه: أخبرنا ابن غسان، انا الأسفاطي، ثنا أبو حليقة، ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة سمعت قتادة يحدث عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وآله- قال: ((لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر))، وهو في الجامع الصغير منسوباً إلى أحمد والنسائي إلا أنه قال: ((لولا أن لا تدافنوا)) بزيادة: لا، قال بعض الشراح: يحتمل أن لا زائدة، والمعنى: لولا الخوف عليكم من الموت والدفن بسبب سماع ذلك لدعوت ...إلخ، ويحتمل أن تكون أصلية أي لولا الخوف عليكم من ترك دفن موتاكم لما يحصل لكم من الفزع والدهشة المقتضية لترك مصالحكم حتى تتركوا دفن موتاكم.
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا ابن ريذة، انا الطبراني، ثنا محمد بن عثمان، ثنا يعلى بن المنهال، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله: ((إن الموتى ليعذبون في قبورهم حتى أن البهائم تسمع أصواتهم)).
وفيه: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، انا ابن حبان،ثنا إبراهيم بن محمد، ثنا محمد بن المغيرة، ثنا النعمان،عن الوصاني،عن عطية عن أبي سعيد: ارتحلنا ليلة مع نبي الله صلى الله عليه وآله فنفرت راحلته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((فزعت من صوت هذا القبر فإنه يعذب)).