وقيل: هو مشترك بين القول والكلام النفسي، قال في حواشي (الجوهرة): وهذا محكي عن المحققين من الأشعرية كالجويني، والغزالي، والرازي، رواه عنهم الإمام يحيى.
احتج الأولون بأن القول هو المتبادر إلى الذهن عند إطلاق لفظ أمر، والتبادر علامة الحقيقة، بخلاف غيره فإنه لا يسبق إلى الفهم إلا بقرينة نحو جاء فلان لأمر فأنه يفهم أنه جاء لغرض بقرينة التعليل، واحتجوا ثانياً بأنه قد ثبت أنه حقيقة في القول بلا خلاف.
وأما في غيره فاللفظ دائر بين أن يكون مشتركاً بينه وبين ذلك الغير، أو مجاز في الغير، والمجاز أولى من الاشتراك فوجب المصير إليه.
احتج أهل القول الثاني بأن لفظة الأمر متى أطلقت لم يسبق إلى الفهم أحد المعاني الأربعة دون بعض إلا بقرينة، وهذا علامة الاشتراك، فإذا قلت: سمعت أمر فلان، فهم القول، وإن قلت: جاء فلان لأمر الغرض، أو تحرك الجسم لأمر فهم أنه لا بد من شيء تعلق التحرك به، وإن قيل: أمر فلان مستقيم فالمراد به شأنه وطريقته، واعترضه الرازي، وكان من حق المستدل أن ينقل عن أهل اللغة أنهم قالوا: إن لفظ الأمر مشترك بين هذه المعاني، أو أن الفهم يبقى متردداً بينها عند الإطلاق، وأما غير أهل اللغة فلا عبرة بما يتبادر إلى أفهامهم.
احتج المنصور بالله وموافقوه بتردد الفهم بين هذه الثلاثة، ولا يترجح أحدها إلا بقرينة، وذلك دليل الاشتراك.
وأما جهة التأثير فليس استعمال لفظ أمر حقيقة لغوية فيها؛ لأن أهل اللغة لم يعقلوا معناها الذي ذكره المتكلمون حتى يضعوا لها عبارة تدل عليها.
وأجيب بأن ليس المراد المعنى الذي يذكره المتكلمون، بل المقصود أنه لا بد من أمر لأجله تحرك الجسم كائناً ما كان من فاعل، أو معنى، أو صفة أو غير ذلك، فلا بد من أمر جملة لولاه لما احترك الجسم، وهذا شيء يعقله أهل اللغة.
قال في حواشي (الجوهرة): بل يقرب أنه يعلم بالضرورة، وأما عدم استعماله في الفعل حقيقة؛ فلأنه لو كان حقيقة فيه لاطرد في قليله وكثيره، والمعلوم أنه غير مطرد في القليل فإنه لا يقال لمن حمل خردلة أو بصق ريقه هو في أمر.
احتج القائل بأنه للقدر المشترك بين القول والفعل بأنه أولى من القول بالاشتراك اللفظي والمجاز.
وأجيب بأن الحمل على القدر المشترك إنما يكون أولى إذا لم يقم دليل على أحدهما، وهنا قد قام الدليل على أحدهما كما مر؛ إذ لو لم يقيد بذلك لأدى إلى ارتفاع المجاز والاشتراك لإمكان حمل كل لفظ يطلق لمعنيين على أنه موضوع للقدر المشترك بينهما، على أن القول بالاشتراك المعنوي مما يخالف الإجماع على أنه حقيقة في القول المخصوص بخصوصه، لا باعتبار أنه ما صدق عليه الموضوع له.
احتج القائلون بأنه مشترك بين القول والفعل بقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}[هود:97] أي فعله؛ إذ القول لا يوصف بالرشد بل بالسداد، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وكذلك قوله: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}[القمر:50].
وأجيب بأن الأمر في الأولى إما بمعنى القول، والمعنى أنهم امتثلوا أمر فرعون وما أمره الذي أمر به برشيد، فأراد الصيغة، ولا نسلم أن القول لا يوصف بالرشد، وإما بمعنى الشأن، وإما بمعنى الفعل فمجاز لقيام المانع من حمله على الحقيقة، لكن حمله على الشأن أولى؛ لأنه أشمل من الفعل، وأما الآية الثانية فهو فيها بمعنى الشأن؛ إذ لو أريد الفعل لزم اتحاد أفعاله تعالى وحدوثها دفعة كلمح البصر، وهو باطل؛ لأنه يصير المعنى وما فعلنا إلا فعلة واحدة أو دفعة واحدة كلمح، ويكون المراد من الفعل الأفعال كلها؛ لأن اسم الجنس المضاف للعموم، وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه يلزم مثله في الشأن وقد قال تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}[الرحمن:29] والأولى أن يقال هذا اللفظ محتمل للفعل والشأن، وعلى أيهما حمل فمجاز لما مر من تبادر القول دون غيره، أو نحمله على الحقيقة على تقدير الشأن عند القائل به، وعلى المجاز إن أريد الفعل لقيام المانع من الحقيقة.
احتجوا بأنه قد خولف بين جمع الأمر بمعنى القول، فقال في جمعه: أوامر، وبين جمعه بمعنى الفعل فقالوا: أمور، فدل على أنه حقيقة فيهما، والجمع أحد أدلة الحقيقة.
وأجيب بأنا لا نسلم أن أوامر جمع أمر بمعنى القول، بل القياس في جمعه: أمور، لكنهم خالفوا القياس للفرق بينه وبين الشأن ونحوه فإنه يجمع على أمور، والأصل أن أوامر جمع آمرة بصيغة اسم الفاعل فاستعير هذا الجمع للأمر بمعنى الصيغة؛ لأنها أشبه باسم الفاعل؛ لأنها باعثة على الفعل فكأنها آمرة، ولهذا خصوا ما كان بمعناها بمخالفة القياس، وقد قيل: إن أمور ليس بجمع؛ لأنه يقع موقع المفرد فيقال: أمر فلان مستقيم، فيفهم منه ما يفهم من قوله: أموره مستقيمة.
قال في حواشي (الجوهرة): على أن اختلاف الجمع ليس بأن يدل على أنه حقيقة فيها بأولى من أن يدل على أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، ولا نسلم أن الجمع أحد أدلة الحقيقة، وكيف يقال: إن لفظ الأمر يستعمل حقيقة في الفعل مع أن أبا الحسين منع من استعماله فيه حقيقة ومجازاً.
نعم وأما القائلون بأنه مشترك بين القول والكلام النفسي، والقائلون بأنه حقيقة في النفسي، مجاز فيما عداه، فمذهبهم مبني على إثبات الكلام النفسي، ونحن لا نسلمه، وليس هذا موضع استيفاء الكلام عليه.
المسألة الثالثة عشرة [حد الأمر المخصص]
اختلف في حد الأمر بمعنى الصيغة المخصوصة، فقال الإمام المهدي: هو قول القائل لغيره: افعل، أو نحوه على جهة الاستعلاء مريداً لما تناوله، فقوله أو نحوه ليدخل فيه لتفعل، أو ألزمتك أن تفعل وما في معناه.
وقوله: على جهة الاستعلاء ليخرج الدعاء والالتماس.
وقوله: مريداً لما تناوله؛ ليخرج التهديد.
وقال في (الغاية): هو القول الإنشائي الدال على طلب الفعل استعلاءً، فقوله: القول كالجنس يخرج المهمل والطلب بالإشارة والقرائن.
وقوله: الإنشائي ليخرج الإجبار نحو: أنا طالب منك كذا، أو موجب عليك كذا والمفردات؛ لأنها تسمى قولاً عند غير المنطقيين، وظاهر كلام الإمام المهدي دخول أنا موجب عليك كذا في مسمى الأمر، وقوله الدال على طلب الفعل احتراز عن النهي؛ لأنه يدل على طلب الترك، وقيل: هو قول القائل لمن دونه: افعل، وهو ينتقض عليه بالتهديد والسؤال، فإن كل واحد منهما بصيغة افعل، وينتقض أيضاً بالرتبة فإن الأمر قد يكون ممن لا رتبة له؛ إذ الرتبة عبارة عن المزية لا عن القهر، وما صدر عن من لا رتبة له قد يكون أمراً، ولهذا ينسبون من أمر من هو أعلى منه رتبة إلى الحمق والجهل، ويدل على أن ما صدر عن الأدنى قد يكون أمراً: قول عمرو بن العاص:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني .... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
وقول حباب بن المنذر ليزيد بن المهلب:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني .... فأصبحت مسلوب الإمارة نادماً
وكلاهما دون المأمور، وكان صاحب هذا الحد يعتبر العلو، وهذا يبطله، ثم إنه غير جامع لخروج أمر الغائب.
وقيل: وهو قول القائل: افعل، على جهة الاستعلاء ولم يذكر الإرادة؛ لأنها شرط في كون الأمر أمراً، ولا يلزم ذكر الشروط في الحد وإنما يذكر الخواص.
وقال قاضي القضاة: لا بد من ذكرها؛ لأنها من الخواص ومؤثرة، واعترض الحد بأنه غير جامع لخروج أمر الغائب، والمثنى، والمجموع، وغير مانع لشموله للتهديد.
وقيل: هو قول يستدعي بنفسه الفعل من الغير بشرط أن يكون المقول له دون القائل في الرتبة، وهذا منسوب إلى أبي الحسين.
قيل: وهو ينتقض بالخبر نحو: أنا موجب عليك كذا، أو طالب منك بصحة أمر الأدنى لمن فوقه.
وقيل: أما النقض بالخبر فلا يصح؛ لأنه احترز عنه بقوله يستدعي، والخبر لا يستدعي الفعل إلا بواسطة الإرادة، ولأنه قد يكون في معنى الأمر إذا قارنه، أو تعقبه، أو تقدمه وعيد على الإخلال به، ويرد عليه أنه ترك الاستعلاء.
وقيل: هو قول القائل لغيره: افعل أو ليفعل على جهة الاستعلاء دون الخضوع مع كون المورد للصيغة مريداً لحدوث المأمور به.
قال في (الجوهرة): والأولى تجنب لفظ المأمور به لئلا يكون إحالة بأحد المجهولين على الآخر، ويقال مع كونه مريداً لما تناولته الصيغة حتماً.
واعترض بأنه غير جامع لخروج المثنى والمجموع والأمر بلغة العجم.
وأجيب: بأن المراد ما كان بهذا الوزن وهو يختلف بحسب وروده على الواحد والأكثر، وبأن الكلام في الأمر في لغة العرب إذ أوامر الكتاب والسنة لم ترد إلا بها، وأورد عليه أيضاً أن ذكر الخضوع حشو؛ لأن ذكر الاستعلاء يغني عنه.
نعم لو قال هو افعل أو ليفعل أو ما يقوم مقامهما إلى آخر الحد كما فعله بعضهم لسلم من الاعتراض، لكن مع الجواب المذكور لا يرد الاعتراض.
وقال أبو الحسين: لا بد في الأمر من خواص ثلاث: الصيغة، والاستعلاء، والإرادة، قالوا: وإذا ثبت ذلك حددناه بأنه قول تفصيلي يستدعي الفعل بنفسه لا على جهة التذلل، فقوله تفصيلي أي مخصوص ليخرج النهي ونحوه.
وقوله: ونحوه، ليخرج الخبر بوجوب الفعل؛ لأن استدعاءه الفعل بواسطة التصريح بالإيجاب، وكذلك قوله: أريد منك فعل كذا، فإن استدعاءه بواسطة الإخبار عن الإرادة.
قال الدواري: الأجود في حد الأمر أن يقال: صيغة إنشائية يطلب بها الفعل من الغير على جهة الاستعلاء، وإنما قال: إنه الأجود، لشموله جميع صيغ الأمر، وجميع المأمورين، ولما فيه من الاحتراز عن الإخبار بالوجوب والإرادة، ثم قال:
واعلم: أن هذه الحقائق إنما تصح على قول من يرجع بالأمر إلى نفس الصيغة مع الإرادة فيجعل نفس القول هو الأمر، وهو في التحقيق بخلاف ذلك، فإن الأمر شيء معنوي لا لفظي، وكذلك سائر ضروب الكلام والإنشاء من الاستفهام وغيره، وأدل دليل على ذلك حسن إضافة الصيغة إلى هذا الجنس من الكلام.
وإذا عرفت هذا كانت هذه الحقائق لصيغة الأمر لا غير، أما الأمر فهو: طلب الفعل من الغير على جهة الاستعلاء، والعبارة عن ذلك، الطلب: قولك افعل، وكذلك سائر الأمور الطلبية من النهي، والاستفهام وغيرهما تحد بالطلب لا بالصيغة، بخلاف الخبر فإنه نفس اللفظ لعدم معنى الطلب فيه، فلا يعترض به على ذلك وإن كان يصحبه طلب الإخبار من المخبر فهو في نفسه راجع إلى اللفظ، ثم قال: ويمكن أن يقال: إن العرب لا تعقل معنى الأمر إلا من الصيغة، ولهذا لا يسمون الطلب أمراً ما لم يلفظ، قال: والذي غرهم في ذلك لزوم الطلب للصيغة، وأما إضافة الصيغة إلى الأمر مثلاً في قولنا صيغة الأمر فجار على منهاج قولهم جرد قطيفه والأصل صيغة هي أمر.
قلت: وما جنح إليه الدواري من أن الأمر معنوي إنما يتأتى على مذهب الأشعرية في إثبات الكلام النفسي، وأما على ما ذهب إليه أصحابنا فلا؛ إذ الطلب الذي أشار إليه لا يعقل، ولا دليل عليه، وإنما المعقول من لفظ الطلب هو النطق بالصيغة المخصوصة، وهكذا سائر أنحاء الكلام فإن المعقول منها ليس إلا هذه الحروف والأصوات بدليل أن من علمها وصفها بأنها كلام وإن جهل المعنى النفسي، ومن جهلها لم يصفها بأنها كلام وإن علم المعنى النفسي، وقد تقدم الكلام على إبطال الطلب النفسي في الموضع الرابع من السادسة من مسائل المقدمة.
واعلم أن الأشاعرة لما كان الكلام النفسي هو العمدة عندهم لم يلحظ بعضهم إلى حد الأمر إلا باعتبار الأمر النفسي، ولم يحده بالنظر إلى الصيغة؛ لأن ذلك هو الأصل عندهم، وممن اقتصر على حد النفسي ابن السبكي في (جمع الجوامع) فقال: هو اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير كف، فالاقتضاء هو الطلب الذي يزعمونه وهو يعم الطلب الحازم وغيره، وخرج بقوله: غير كف النهي، وقوله: بغير كف أي مدلول عليه بصيغة لا يكون لفظ كف، وكذا مرادفه كاترك؛ لأنها في معنى النهي فلم تجعل الصيغة إلا دالة على الأمر ولم يجعلها نفس الأمر كما ترى، وأورد على هذا الحد بأن فيه تعريف بالأخفا؛ لأن التعريف اشتمل على الطلب المعبر عنه بالاقتضاء وهو نظري.
وأجيب: بأنا لا نسلم أنه نظري، بل هو بديهي؛ فإن كل عاقل يفرق بينه وبين غيره كالأخبار وما ذاك إلا لبداهته، سلمنا فكونه نظرياً لا يفيد كونه أخفى من الأمر.
تنبيه
قد تقدم في أثناء الحدود ما يفيد أن بعضهم يشترط في كون الأمر أمراً العلو، وهو كون الآمر أعلى رتبة من المأمور، وبعضهم يشترط الاستعلاء وهو الطلب بعظمة، وبعضهم يشترط التحتم، وبعضهم لم يشترط شيئاً من ذلك.
ونحن نفصل الخلاف في ذلك للتوضيح وتتميم الفائدة فنقول: ذهب إلى اشتراط العلو جمهور المعتزلة وغيرهم،ومنعه من يشترط الاستعلاء، وهذا من أصحابنا، ومن لا يشترطهما معاً، وقد مر ما يدل على عدم اشتراطه، وذهب بعض إلى اشتراط العلو والاستعلاء معاً، وذهب الأشعري وأكثر أتباعه إلى عدم اشتراطهما معاً، واحتجوا بقوله تعالى حاكياً عن فرعون: {مَاذَا تَأْمُرُونَ}[الأعراف:110] مخاطباً قومه، فأطلق الأمر على القول المخصوص بلا علو من القائلين ولا استعلاء.
وأجيب: بأنه مجاز للقطع بأن الطلب على سبيل التصريح والتساوي، ولا يسمى أمراً، وردّ بأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وأجيب بأن القرينة تدفع الأصل وهو ما علم من حاله أنه لم يكن إلا مستشيراً لهم لا مستأمراً، لكن لما كان المشير يأتي بصيغة افعل سماه أمراً تجوزا، واحتجوا أيضاً بما مر من شعر عمرو بن العاص؛ إذ عمرو من أتباع معاوية، وليس عنده علو ولا استعلاء.
قلنا: أما العلو فمسلم، وأما الاستعلاء فغير مسلم فإنه كان يستعلي على معاوية بقوله في مواضع عديدة.
وذهب أئمتنا"، وأبو الحسين، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن المسيب، والرازي، والآمدي: إلى اشتراط الاستعلاء وحده، ورواه في (شرح الغاية) عن أكثر المتأخرين.
قال: ونقله صاحب (الملخص) عن أهل اللغة، وجمهور أهل العلم، واختاره، وحجتهم ما مر من أن الطلب على سبيل التضرع ونحوه، لا يسمى أمراً قطعاً، ولا يسمى الطالب آمراً.
وأما اشتراط التحتم فهو قول الحسن الرصاص، ورواه سيلان عن صاحب (الفصول).
قيل: والأولى إسقاطه؛ لأنه مبني على أن الأمر حقيقة في الوجوب، والذي هو حقيقة في الوجوب إنما هو مسمى الأمر الذي هو صيغة افعل، والكلام في لفظ الأمر لا في مسماه، فهما مسألتان مختلفتان.
المسألة الرابعة عشرة [صفة الأمر]
اختلف العلماء في الأمر، هل له بكونه أمراً صفة يتميز بها أم لا؟ فقال المنصور بالله والإمام يحيى، وأبو الحسين، وابن الملاحمي وغيرهم: ليس للأمر بكونه أمراً صفة يتميز بها عن التهديد وغيره، وإنما يتميز بإرادة المأمور به؛ لأن المتهدد لا يريد ما تناولته الصيغة والآمر يريده، وحجتهم بأن المعقول من كون الآمر آمراً أن الأمر ورد على صيغة افعل، وغرضه أن يفعل المأمور الفعل فلا حكم للأمر بكونه أمراً فيعلل به؛ لأن كلما يرجع إلى الصيغة من كونها خطاباً أو إلى محلها من كونه جسماً، أو إلى الآمر من كونه مخاطباً، أو إلى المأمور من كونه مخاطباً اسم مفعول ينتقض بالتهديد ما خلا إرادة المأمور به فأغنت في التمييز، ولا دليل عليها يدعيه الخصم، وقال الأكثر: بل له صفة يتميز بها زائدة على مجرد حروفه؛ إذ لا يكفي في تميزه مجرد الحروف لاستوائها فيه وفي التهديد، وتلك الصفة هي كونه طلباً، والدليل على أن الصفة هي كونه طلباً أنه قد ثبت أن مجرد الحروف لا يكفي فلا بد من أمر زائد، وذلك الأمر لا يجوز أن يكون راجعاً إلى المتكلم، ولا إلى ما تناولته الصيغة؛ لأن ذلك مع التهديد والأمر على سواء، فلم يبق إلا ما ذكرناه وهو كونه أمراً.
وأجابوا عما احتج به الأولون من وجهين:
أحدهما: أنا نعلم أن للصيغة إذا كانت أمراً حكماً يخالف حكمها إذا كانت تهديداً، فيجب أن يكون الأمر الذي تميزت به راجعاً إليها في نفسها، وما ذكروه متعلق بالمريد وما تناولته الصيغة، ولا يرجع إلى الصيغة بل هي عنه بمعزل.