قال القاسم: والكافر من لم يحكم بما أنزل الله، وأقام على ما نهى الله عنه لقوله سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة:44] وهذا مما لا اختلاف فيه عن آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يجهله منهم إلا كل جهول، ذكره في (الجامع الكافي) .
وفي الجامع أيضاً عن القاسم في قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}[آل عمران:97] قال: الكفر هو الترك بعد الاستطاعة، ومن ذلك أيضاً إنكاره وجحوده، وفيه عن الباقر في هذه الآية قال: من لم يكن به من مرض أو سلطان فلم يحج فهو كما قال الله، وفيه عن الحسن بن يحيى، ومحمد بن منصور أن من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى مات وهو ذاكرٌ لها، مستطيع أن يؤديها فلم يؤدها فهو كافر.
وفي (شرح القلائد) للإمام المهدي أن الحاكم حكى هذا القول -يعني تسمية الفاسق كافر نعمة- عن الزيدية.
قلت: وهو مذهب الإمام أحمد بن سليمان ورواه عن المعتزلة، وفي الرواية عنهم نظر، ورواه في (الأساس) عن ابن عباس، وفي(البدر الساري) عن المرتضى، وفي (شرح الأصول) عن جماعة من الخوارج، وقال الأكثر من العدلية والجبرية: لا يجوز تسميته كافر نعمة، وقال الإمام المهدي: الأقرب أن تسميته بذلك لا تجوز وإن قيد إلا عند جحده لبعض نعم الله تعالى؛ لأنه يكون كذباً.
احتج الأولون بحجج:
أحدها: أنه قد ثبت أن الطاعات شكر لله تعالى على نعمه كما مر في الرابعة من مسائل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21] فمن تركها أو بعضها فقد أخل بالشكر الذي هو وجه وجوبها، والمخل بالشكر يوصف بأنه قد كفر النعمة التي أنعم عليه بها؛ لأن الإخلال بالشكر هو الكفر في عرف اللغة، ولا شك أن مرتكب الكبيرة بترك واجب، أو فعل محظور مخل بالشكر.
الحجة الثانية: ما ذكره الهادي عليه السلام وهو أن أصل كل كفر وشرك من عبادة الأصنام وغيرها هو المعصية؛ لأن الله تعالى لما نهاهم أن يعبدوا معه غيره فتعدوا وعبدوا معه غيره كانوا له عاصين، وصاروا بمخالفة أمره ونهيه كافرين، وكذلك اليهود والنصارى لم نجد أصل كفرهم إلا معصية الله تعالى في محمد صلى الله عليه وآله وسلم حيث لم يمتثلوا ما أمر الله به من تصديقه واتباعه، فكذلك من ينتحل الإسلام وهو مقيم على كبائر المعاصي، فإنه يجب أن يكون حاله حال من ذكرنا من العاصين؛ لأنه وإن أقر بمحمد -صلى الله عليه وآله- بلسانه فهو جاحد بفعله، معرض عن الله بقلبه.
الحجة الثالثة: أنه قد ثبت النص في كتاب الله بتسمية مرتكب بعض الكبائر كافراً فليطلق على مرتكب غيرها من الكبائر لعدم الفارق، فمن ذلك آية الحج، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً}[الإسراء:27] ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة:44]، وقد روي أن هذه الآية وقوله: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[المائدة:45] و{هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47] نزلت في هذه الأمة كما سيأتي في موضعه.
وقال الناصر: الكافرون في المسلمين، والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى، رواه عن الشعبي وهي نص في أن من عصى الله بالحكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وقد استدل بها الهادي على كفر كل من عصى الله؛ لأن العاصي لم يحكم بما أنزل الله ولفظه: ومن ترك فرائض الله وسعى في ضدها من حرام الله فليس من المهتدين، ومن كان كذلك فهو لله من العاصين، ومن عصى الله، وفسق في دينه، وخالف أمره في نفسه أو غيره فلا يحكم في فعله بحكم الله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو من الكافرين، وذكر الآية، ثم قال: فأخبر الله سبحانه بالدلالة على الكافرين، ووصفهم بالعدول عن شرائع الدين، ومن عدل عن شرائع الدين ولم يحكم في فعله بحكم رب العالمين فهو في حكم الله عنده من الكافرين، لا يسميه ذو عقل وبيان فيما أبانه من المعاندة بحكم الله من العصيان إلا بما سماه الله سبحانه من الكفران. ذكره في جواب الرازي.
وقد استدل الناصر في (البساط) بآيات كثيرة على ما ذهب إليه، وسيأتي بيان دلالتها في مواضعها إن شاء الله.
الحجة الرابعة: أن السنة الصحيحة والآثار عن أمير المؤمنين عليه السلام وغيره من السلف قد دلت على كفر مرتكب الكبيرة، ولنذكر منها في هذا الموضع ما ذكره الناصر عليه السلام في (البساط) ولم نذكر من خرج هذه الأحاديث من أئمتنا والمحدثين في هذا الموضع؛ لأنه سيجيء لبعضها مواضع تستدعي ذكرها هي أخص بها، فأرجينا استيفاء الطرق إلى هنالك هرباً من التطويل، قال عليه السلام : وهذا شيء مما رويناه من الحديث في تصحيح ما ذكرناه مما هو متبع للقرآن وموافق له: حدثنا بشر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: قال رجل: يا رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((الحج كل عام؟ قال: لو قلت: نعم لوجب، ولو وجب ما قمتم بها، ولو تركتموها كفرتم)).
قال: وحدثنا بشر، قال: حدثنا، وكيع، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا علي بن بذيمة، قال: سمعت أبا عبيدة يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((لما وقع النقص في بني إسرائيل جعل أحدهم يرى أخاه على الذنب فينهاه عنه ولا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وجليسه، فصرف الله قلوبهم بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ...} إلى آخر أربع آيات {وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُون}[المائدة:78-81])) قال: وكان رسول الله -صلى الله عليه وآله- متكئاً فاستوى جالساً ثم قال: ((كلا والذي نفسي بيده حتى تأخذوا على يدي الظالم فتأطروه على الحق أطرا)) قال الحسن بن علي عليه السلام : يأطروه على الحق أي يعطفوه على الحق عطفاً.
قال: وحدثنا بشر قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال: ((ألا لا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم بعضا، ألا ولا يؤخذ الرجل بجريرة أخيه)).
قال: وحدثنا بشر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا فضيل بن غزوان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((أيما رجل كفر رجلاً فأحدهما كافر)).
قال: وحدثنا بشر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)) قال عبد الله: وسمعت ابن عمر يقول: أحق ما طهر المسلم لسانه.
قال: وحدثنا بشر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا ابن هلال، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((سباب المؤمن فسق وقتاله كفر)).
قال: وحدثنا بشر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا المسعودي، عن القاسم بن محمد، والحسن بن سعيد،قال: قيل لعبد الله: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}[المؤمنون:2] {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ}[المعارج:34]، فقال عبد الله ذلك على مواقيتها، قالوا: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا على تركها، فقال عبد الله: تركها الكفر.
قال: وحدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد، عن ابن علوان، عن أبي خالد ، عن زيد، عن آبائه، عن علي"، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((سيأتي على الناس أئمة بعدي يميتون الصلاة كميتة الأبدان، فإذا أدركتم ذلك فصلوا الصلاة لوقتها، ولتكن صلاتكم مع القوم نافلة فإن ترك الصلاة عن وقتها كفر)).
قال: وحدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا حرب بن الحسن، قال: حدثنا حيان بن سدير، قال: حدثنا سديف المكي، قال: حدثني محمد بن علي وما رأيت محمديا يعدله قال: حدثنا جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: ((يا أيها الناس من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يوم القيامة يهودياً، قال: قلت: يا رسول الله، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم؟ قال: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)).
قال: وحدثنا بشر عن عطية الكاهلي، عن علي عليه السلام ، قال: (المكر غدر والغدر كفر).
قال: وحدثنا بشر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن زبيد، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال عبد الله: سباب المسلم فسق، وقتاله كفر، قال سفيان:قال زبيد: قلت لأبي وائل أنت سمعته؟ قال: نعم،قال الحسن بن علي بن الحسن عليه السلام : إنما اتبع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قال: وحدثنا وكيع، قال: حدثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا هاشم بن البريل، ومحمد بن إسماعيل الزبيدي، عن سعيد بن حنظلة، عن مازن العبدي، قال: قال علي عليه السلام : ما وجدت إلا القتال أو الكفر.
قال: وحدثني محمد بن منصور، قال: حدثني أحمد بن عيسى، عن الحسين، عن أبي خالد، عن زيد، عن آبائه، عن علي عليه السلام ، قال: قال له رجل: يا أمير المؤمنين، أرأيت قومنا أمشركون هم -يعني أهل القبلة؟ قال: (لا والله ما هم بمشركين ولو كانوا مشركين ما حلت لنا مناكحتهم، ولا ذبائحهم، ولا مواريثهم، ولا المقام بين أظهرهم، ولا جرت الحدود عليهم، ولكنهم كفروا بالأحكام، وكفروا بالنعمة والأعمال غير كفر الشرك) قال الحسن بن علي عليه السلام : يعني شرك العدل بالله لا شرك الطاعة للشيطان مع الله.
قال: وحدثنا محمد بن منصور، عن ابن هاشم، عن محمد بن إسماعيل، عن معقل الخثعمي قال: جاء رجل إلى علي عليه السلام فسأله عن امرأة لا تصلي فقال: من لم يصل فهو كافر.
قال: وحدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا أبو كريب عن حفص، قال: حدثنا أشعث، عن كردوس، قال: سمعت على المنبر رجلاً من أهل بدر -يعني عليا- قال: رب غاد قد غدا فما يؤوب إلى أهله حتى يعمل عملاً يدخل به النار، ثم قرأ {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}[آل عمران:106] يقول: كفروا بعد إيمانهم ورب الكعبة، كفروا بعد إيمانهم ورب الكعبة.
قال: وأخبرني محمد بن خلف العطار، قال: حدثني عمرو بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عياش، قال: حدثني الضبي، قال: بلغ علياً عن لبيد بن عطارد التميمي شيء فأرسل إليه فأخذه فمر به على مسجد سماك وفيه نعيم بن دجاجة التميمي فقام إليه فانتزعه من رسل علي عليه السلام وخلى سبيله، فبلغ ذلك علياً، فأرسل إليه فأخذه فضربه أسواطاً، فقال له نعيم: إن البقاء معك لذل، وإن فرقتك لكفر، قال: أو كذلك هو، قال: نعم، قال: خلوا سبيله.
قال: وحدثنا بشر بن عبد الوهاب، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان،عن معمر عن ابن طاووس،عن أبيه،عن ابن عباس {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة:44] قال: هو كفر، وليس كمن كفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله.
قال: وحدثنا أبو جنان، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: من كان له مال تجب فيه الزكاة فلم يزكه، أو مالٍ يبلغه حج بيت الله فلم يحج سأل عند الموت الرجعة، قال: فقال رجل: اتق الله يا ابن عباس إنما سألت الكفار الرجعة، فقال ابن عباس: أنا أقرأ بها عليك القرآن {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ...} إلى قوله: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ}[المنافقون:9،10] قال: فقال رجل: يا بن عباس، وما يوجب الزكاة؟ قال: مائتان فصاعداً، قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير.
وروي لنا عن عبيد الله بن رافع، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((ما بعث الله نبياً إلا وله حواري فيمكث النبي بين ظهرانيهم ما شاء الله يعمل بينهم بكتاب الله حتى إذا قبض الله نبيه مكث الحواريون يعملون بكتاب الله وبأمره وسنة نبيهم، فإذا انقرضوا كان من بعدهم أمراء يركبون رؤوس المنابر، يقولون ما لا يعرفون، ويعملون ما ينكرون، فإذا رأيتم ذلك فحق على كل مسلم أن يجاهدهم، فإن لم يستطع فبقلبه ليس وراء ذلك إسلام)).
قال: وأخبرني محمد بن علي بن خلف العطار، قال: حدثني بكر بن عيسى الأحول أبو زيد، قال: حدثني عبد الله بن الحسن، قال: حدثني ثابت أبو المقداد، قال: أدركت أصحاب علي عليه السلام متوافرين، قال: فسمى منهم رجالاً كثيراً، قال: قلت لهم: أي شيء كنتم تسمون من خالفكم؟ قال: كنا نسميهم بالفسق، والضلال والنفاق، وبالكفر غير كفر الشرك.
قال الناصر عليه السلام : وفي هذا ما يكثر.
الحجة الخامسة: إجماع قدماء آل محمد" كما تفيده رواية الجامع الكافي عن القاسم، ورواية الحاكم عن الزيدية؛ إذ لا يمكن حمل روايته على إطلاقها لظهور خلاف بعض المتأخرين كالموفق بالله، والسيد مانكديم وغيرهما.
احتج الأكثر بأن كفر النعمة هو جحدها وعدم اعتقادها، والفاسق غير جاحد، بل هو معترف بنعمة الله عليه قولاً واعتقاداً، وحاصل هذه الحجة أنا لا نسلم أن الطاعات شكر، وإنما الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع التعظيم بقلبه أو بجارحته، والفسق لا ينافيه فيصح تسميته فاسقاً شاكراً، ولا يسمى كافراً إلا إذا جحد النعمة ولم يعظم فاعلها.
قال السيد مانكديم ما معناه: إنه لا يصح تسميته كافراً لنعمة الله إلا إذا جحدها، والفاسق غير جاحد فكيف يطلق هذا الاسم، فإن جحدها فلا شك في كفره، ومبنى الاحتجاج على أن الطاعات غير شكر، وإنما الشكر الاعتراف كما مر في الرابعة من مسائل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21].
فإن قيل: قد مر في تلك المسألة عن بعض من لم يجعل الطاعات شكراً، القول بأنها جارية مجرى الشكر، وقرروا ذلك بما يفيد الاعتراف بكونها شكراً، وحينئذ لا يصح قولهم هنا: لا نسلم كون الطاعات شكراً.
قيل: بل يصح ذلك؛ لأنهم وإن أجروها مجرى الشكر في بعض الوجوه فقد فرقوا بينها وبينه من ستة أوجه، وقد ذكرناها في ذلك الموضع، على أن عبارتهم وإن أفادت ما ذكرتم من الاعتراف بكون الطاعات شكراً فقد ذكر النجري أن الشكر ضربان عام وهو الاعتراف، وخاص وهو العبادة، والواجب عقلاً إنما هو الأول، وأما الثاني فلم يجب إلا شرعاً لكونه لطفاً لا لكونه شكراً، والفاسق شاكر بالمعنى الأعم؛ إذ كفر النعمة هو ترك الشكر بالمعنى العام؛ لأنه الذي يوجبه العقل لا غيره.
وقال الإمام المهدي: المعلوم ضرورة أن الشكر المستحق في مقابلة النعم إنما هو الاعتراف بنعمة المنعم مع وقوع تعظيمٍ حيث يستحقه، وأنه لا يجب على من أنعم عليه منعم أن يكد نفسه في خدمته واتباع مراضيه؛ إذ لو أوجبنا عليه ذلك لجرت النعمة مجرى الأجرة، فيكون ذلك معاوضة لا إنعاماً حقيقياً وإن لم يقصد المنعم حصول ذلك الغرض مع علمه بوجوبه، فحينئذ ليس الشكر هو الأعمال ومطابقة رضوان المنعم، وإنما هو الاعتراف على وجه مخصوص، والفاسق لا شك معترف بنعمة الله، معظم لله تعالى، فحينئذ لا يجوز وصفه بأنه كافر نعمة.
قلت: وما ذهب إليه الأكثر من أن الشكر هو الاعتراف هو الذي نص عليه أئمة اللغة كما مر في الثالثة من مسائل الحمد لله رب العالمين، وقد تضمن هذا الاحتجاج الرد للحجة الأولى من حجج الأئمة"، ومن أراد معرفة الحق في كون الطاعات شكراً أم لا فليرجع إلى ما حققناه في سياق قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21] فإن الخلاف هنا فرع على الخلاف ثمة.
هذا وأما سائر ما احتج به الأولون فيمكن الجواب عنه بأن يقال: لا نسلم ما ذكره الهادي من أن علة تسمية المشرك ونحوه كافراً نفي المعصية من حيث أنها معصية، بل من حيث كونها معصية مخصوصة يستحق فاعلها أعظم العقاب في الآخرة، وتجري عليه في الدنيا أحكام مخصوصة من عدم التوارث وغيره مما مر، ولم نجد هذا في الفاسق فلا يصح الإلحاق.