قيل: هذا الكسب غير معقول، سلمنا فوقوع حركة العبد للطاعة وغيرها إن كان خلقاً لله، فمتى خلقه الله استحال من العبد الامتناع منه، وإذا لم يخلقه استحال منه الإتيان به وهذا عين الجبر، وإن لم يكن خلقاً لله فهو مذهبنا، وأيضاً لو كان كما قلتم لكان لا يخلو من أن يخلقه الله ثم يكتسبه العبد، أو العكس، أو يقع الأمران معاً، إن كان الأول لزم الجبر، وإن كان الثاني لزم أن يكون الباري تعالى مجبوراً على خلقه -تعالى الله عن ذلك- وإن كان الثالث لزم أن لا يحصل الفعل إلا بعد اتفاقهما، والمعلوم عدم الاتفاق، ولو قدر وقوعه احتاج إلى اتفاق آخر؛ لأنه من جملة الأفعال المحتاجة إلى ذلك، فيؤدي إلى ما لا نهاية له وهو محال.
أجاب الرازي بأنه قد ثبت بالدليل العقلي القاطع أن الله تعالى خالق أفعال العباد إما بواسطة، أو بغير واسطة، وما تمسكتم به فوجوه نقلية قابلة للاحتمال، فلا تقاوم القطعي.
والجواب: أنه لا دليل لكم لا من العقل ولا من النقل، والشبه العقلية التي تمسكتم بها قد أبطلناها في الاستعاذة وغيرها، والمتشابهات التي اتبعتموها قد بينا الوجوه الصحيحة فيها.
وأما قولكم: إنا لم نتمسك إلا بوجوه نقلية فتجاهل ظاهر، فإنه لا يخفى عليكم أنا قد أشرقناكم بريقكم، وأنشبنا الشجا في حلوقكم، وأتينا من البراهين العقلية بما عجزتم عن دفعه إلا بإنكاركم لحكم العقل الذي يعلمه كل عاقل، على أن أدلتنا النقلية واضحة صريحة قاطعة، وبدفع ما في بعضها من الاحتمال الباطل مخالفته لقضية العقل المبتوتة، وما وضح بطلانه من الاحتمالات فهو في حكم المعدوم، فلا يصح القدح به في دلالة الدليل. والله الموفق.

المسألة التاسعة [في الفسق والفساق]
في قوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ}[البقرة:26] دليل على ثبوت الفسق، ولا خلاف فيه في الجملة.
قال الإمام المهدي: اتفق الناس على أن مرتكب الكبيرة من المسلمين يسمى فاسقاً لقوله تعالى عقيب قذف المحصنة: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[النور:4] ونحوها، ولا خلاف أيضاً أن الكافر يسمى فاسقاً لخروجه عن طاعة الله، ولا خلاف أن البر التقي لا يسمى فاسقاً ولا كافراً.
واعلم أن المعاني الثابتة للفسق ثلاثة:
أحدها: بحسب أصل اللغة وهو الخروج كما مر، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشورها.
الثاني: بحسب عرفها؛ وهو الخروج على جهة الإضرار، ومنه قيل للفأرة: فويسقة؛ لخروجها من جحرها لطلب المضرة. ذكره في (الغياصة).
الثالث: بحسب اصطلاح المتكلمين؛ وهو ارتكاب كبير من الذنوب غير كفر عمداً، والمراد بقوله: غير كفر أي غير كفر جحود، وإنما أطلق؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق غالباً، وكفر النعمة يقيد بها، والفاسق المرتكب كذلك، وهذا الحد هو ظاهر كلام أئمة العترة" بل لا يبعد الاتفاق عليه لما مر، وفي (الأساس) وشرحه: ومرتكب الكبيرة الغير المخرجة من الملة يسمى فاسقاً اتفاقاً بين أهل علم الكلام، وقال في (الغياصة): هو عبارة عن معاني مخصوصة يستحق لأجلها أحكام مخصوصة، وعقاب عظيم دون العقاب الأعظم مع أحكام دنيوية مخصوصة، وهو كالشرح للأول، ومعناه أن صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، فلا يسمى كافراً ولا مؤمناً بل فاسقاً، ولا يثبت له حكم المؤمن ولا حكم الكافر، بل يكون له حكم ثالث، ولهذا سميت المسألة مسألة المنزلة بين المنزلتين.
قال الرازي: وهي منزلة الفساق والكفار التي بين منزلة المؤمنين والكافرين في هذه الدنيا.

وقال الموفق بالله في (الإحاطة): فإن قيل: فما معنى المنزلة بين المنزلتين؟ قيل: له: إن من ارتكب كبيرة من أهل القبلة لا يوصف بأنه كافر، ولا بأنه مؤمن وإنما يوصف بأنه فاسق عاص طالح متعد.
وفي كلامه عليه السلام بيان الأحكام الدنيوية وهي إطلاق هذه الأسماء عليه، وما ذكرناه من ثبوت المنزلة بين المنزليتن هو قول أئمتنا، وجمهور المعتزلة فلا يسمى مرتكب الكبيرة عندهم مؤمناً ولا كافراً، ولا يجوز وصفه بأحد هذين الوصفين.
قالت المرجئة: بل يسمى مؤمناً، والمراد بالمرجئة بعض العدلية وكل المجبرة، ووافقهم بعض الخوارج في تارك الواجب الشرعي وهم النجدات؛ لأنه لا يسمى كافرا إلا من فعل فعلاً محرما عقلياً، كما مر في السادسة من مسائل أول هذه السورة، وتقدم هنالك أيضاً أن منهم من لا يجعل كل معصية كفراً.
وقالت الخوارج: بل يسمى كافراً إلا أن منهم من أطلق هذا في كل معصية، ومنهم من قيده ببعض المعاصي كما أشرنا إليه قريباً، وحققنا في أوائل هذه السورة.
وحكى الموفق بالله عن الأباضية أنه مشرك.
وقال الحسن البصري: بل يسمى منافقاً.
قلت: وقريب منه قول الناصر كما مر في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ}[البقرة:8].
احتج الأولون على أنه لا يسمى مؤمناً بما مر في السادسة من قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}[البقرة:3] من الأدلة عقلاً وشرعاً القاضية بأن الإيمان اسم مدح على الإطلاق، والفسق اسم ذم على الإطلاق، فلا يجتمعان في حق شخص واحد لاستحالة أن يكون ممدوحاً مذموماً في حالة واحدة.
فإن قيل: لا مانع من ذلك مع اختلاف الجهة فيكون ممدوحاً لإيمانه مذموماً لفسقه، كمن أحسن إلى شخص وأساء إليه، فإنه يستحق شكر إحسانه، وذم إساءته.

قيل: إنما يتم هذا لو كان الإيمان هو التصديق فقط، وقد أبطلناه فيما مر، فلا إيمان حتى يستحق عليه المدح، وأما القياس الذي استندوا إليه فقد مر جوابه في الخامسة من مسائل قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}[البقرة:25].
قال الإمام المهدي: ويوضح ما ذكرناه من تنافي لفظ المؤمن والفاسق قوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ}[السجدة:18] فأوضح سبحانه أن بين الوصفين تنافيا فلا يصح اجتماعهما لشخص واحد؛ إذ لو صح لم يصدق نفي تساويهما؛ إذ لقائل أن يقول: إذا كان الفاسق هو المؤمن فهما مستويان، وهذا واضح كما ترى.
واحتجوا على أنه لا يسمى كافراً بأن للكفر حقيقتان: لغوية واصطلاحية كما مر في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ...}الآية[البقرة:6]، فإما أن يقال: إن الفاسق يسمى كافراً بالنظر إلى المعنى اللغوي، أو بالنظر إلى المعنى الاصطلاحي، وبأيهما يقال فهو باطل، أما الأول؛ فلأن الفاسق يسمى فاسقاً وإن لم يغط شيئاً، ولو أريد بالفسق الكفر اللغوي لم يسم فاسقاً إلا من غطى شيئاً، وأيضاً حقيقة كل واحد منهما لغة مباينة لحقيقة الآخر، ويلزم أن لا يقتصر في هذا الاسم على الفاسق، بل يطلق على كل من غطى شيئاً ولو نبياً أو ولياً.
وأما الثاني فبطلانه من وجوه:
أحدها: أن الحقيقة الاصطلاحية لم تتناول مرتكب الكبيرة كما مر تحقيقها في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}.
الثاني: أن الكافر في الشرع اسم لمن يستحق أعظم العقاب ويختص بأحكام مخصوصة نحو المنع من المناكحة، والموارثة، والدفن في مقابر المسلمين، ومعلوم أن صاحب الكبيرة لا يستحق أعظم العقاب، ولا تجري عليه هذه الأحكام.

قال الهادي عليه السلام : وقد قامت السنة عندنا بمناكحة أهل الكبائر من أهل الصلاة نسائهم ورجالهم، وموارثتهم، وأكل ذبائحهم، وأنه لا يتوارث أهل ملتين شيئاً، وأطال عليه السلام الكلام في ذلك وقال في من جعل حكم الفساق حكم إحدى ملل الكفر: إنه قد خالف حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لم يكن يحكم في أهل الحدود ونحوهم بأنهم مشركون أو منافقون، ولا يحرم مناكحتهم، ولا موارثتهم، ولا ذبائحهم، ولا يفرق بينهم وبين نسائهم، ولا تؤخذ منهم الجزية، بل كانوا يسمون بالأسماء القبيحة من الفسق والظلم والفجور، هذا حاصل كلامه عليه السلام .
إذ عرفت هذا فالقائل بأنه يسمى كافراً شرعاً لا يخلو إما أن يقول بذلك ولا تجري عليه تلك الأحكام كما رواه في (الغياصة) عن بعضهم، أو مع إجرائها كما هو قول أكثرهم، الأول باطل؛ لأن هذا الاسم لا يجري في الشريعة إلا على من تجري عليه تلك الأحكام، مع أن القول بهذا يسير؛ لأنه يعود إلى الخلاف في العبارة أو إلى ما ذهب إليه بعض الأئمة من تسميته كافر نعمة، والثاني أيضاً باطل لمخالفته ما كان عليه الصحابة قبل الفتنة وبعدها، أما قبلها فالمعلوم من حالهم في وقت المشائخ أنهم لم يكونوا يسمون من شرب الخمر كافراً، والزاني والسارق، بل يجرون عليهم الحدود، ثم يعاملونهم معاملة المسلمين في أنهم لا يمنعونهم من المساجد، ولا يحرمون مناكحتهم وغير ذلك، وهذه الأحكام تابعة للتسمية، وكانوا لا يسمونهم مرتدين، وأما بعد الفتنة فالمعلوم من سيرة أمير المؤمنين عليه السلام في أهل البغي أنه لم يبدأ بقتالهم، ولم يتبع مدبرهم، ولم يسمهم كفرة.

قال السيد مانكديم في (شرح الأصول): ولهذا لما سئل عليه السلام عنهم أكفار هم؟ فقال: من الكفر فروا، فقال: أمسلمون هم؟ قال: لو كانوا مسلمين ما قاتلناهم، كانوا إخواننا بالأمس فبغوا علينا. فلم يسمهم كفاراً ولا مسلمين، بل أثبت لهم منزلة بين المنزليتن، وأجرى عليهم الاسم الذي يليق بهم وهو البغي.
قال الإمام المهدي: المعلوم ضرورة أنه لم يُكَفِّر علي عليه السلام طلحة والزبير حين خرجا عليه وقد فسقا بالخروج عليه؛ لأن الخروج على الإمام بغي، والبغي فسق إجماعاً، وكانت الصحابة حينئذٍ مجمعة على ذلك؛ لأن الخوارج إنما حدث خلافهم عند التحكيم وكان متأخراً عن يوم الجمل، فلو كان كل معصية كفراً لأنكر الصحابة على علي عليه السلام كونه لم يسمهم كفاراً وكونه لم يجر عليهم أحكام الكفار في القتل والسبي، بل طلبوا منه أن يقسم الغنائم بينهم، فقال: أيكم تأتي عائشة في سهمه؟! فاعترفوا بالخطأ فيما توهموه من أن حكمهم حكم الكفار، وقالوا: أصبت وأخطأنا، فصار إجماعاً عنهم على أنه لا يجوز الحكم بكفرهم ولا تسميتهم كفاراً.
قلت: مقتضى كلام الإمام عليه السلام أن الحجة موافقة الصحابة لعلي عليه السلام لا مجرد قوله وما فعله وليس كذلك فإن الحجة عندنا وعند قدماء أئمة العترة" ومن تبعهم من خلفهم وشيعتهم هي قول الوصي وفعله، والأدلة في ذلك معلومة.
قال السيد مانكديم بعد أن روى عنه ما مر: وقوله عليه السلام حجة.

الوجه الثالث من الوجوه التي أبطل بها القول بتسمية الفاسق كافراً بحسب المعنى الاصطلاحي: إن الكبيرة لو كانت كفراً لم يشرع اللعان بين الزوجين؛ وذلك أن أحدهما قد فسق قطعاً إما المرأة بالزنا أو الزوج بالقذف، فلو كان الفسق كفراً لم يحتج في الفرقة بينهما إلى لعان؛ إذ اختلاف الملتين توجب الفرقة إجماعاً لقوله تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}[الممتحنة:10] ونحوها، فثبت بما ذكرنا أن صاحب الكبيرة لا يجوز أن يسمى كافراً، ولا أن تجرى عليه أحكام الكفر، وكما أنه لا يسمى كافراً، فكذلك لا يسمى مشركاً كما تقول الأباضية؛ لأن الكافر والمشرك واحد، وقد ثبت أنه لا يسمى كافراً فكذلك ما هو في معناه، والدليل على أن الشرك في معنى الكفر أنا نصف المجوسي، واليهودي، والنصراني بأنه مشرك، فدل على أنه منقول عن معناه الأصلي؛ لأنه في الأصل اسم لمن شارك غيره، أو ضم شيئاً إلى شيء، وأيضاً جاء القرآن بذلك قال تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}[الأنعام:1] أي يشركون، قال الموفق بالله: بإجماع المفسرين، وقال تعالى: {فاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}[التوبة:5] قال الموفق بالله: ولا خلاف أن المراد به أهل الكتاب، وقال تعالى حاكياً عن اليهود والنصارى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}[التوبة:30].
هذا وأما ما ذهب إليه الحسن من أنه يسمى منافقاً فقد مر الكلام عليه في الأولى من مسائل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ}[البقرة:8].

واعلم أن للمرجئة والخوارج شبهاً يتمسكون بها، فأما المرجئة فقد مر في سياق قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}[البقرة:3] اختلاف أهل الإسلام في حقيقة الإيمان، وأنه ذهب كثير من الفرق إلى أنه اسم لبعض الأركان التي ذكرها أئمة العترة، وجمهور المعتزلة في بيان معناه الشرعي، وإذا كان مقصوراً على بعض تلك الأركان، وكان الفاسق آتياً بذلك البعض وجب أن يسمى مؤمناً؛ لحصول حقيقة الإيمان فيه بزعمهم، وهذا إحدى الشبه التي يتمسكون بها.
والجواب: يؤخذ من هنالك، ففيه مقنع لمن أراد تحقيق مذهب أئمة العدل في ماهية الإيمان وإبطال ما عداه.
ولنذكر للمرجئة في هذا الموضع شبهتين: إحداهما عقلية، والأخرى سمعية:
أما الأولى فقالوا: قد علمنا أن الفاسق يجري عليه طرف من أحكام الإيمان وهو التوارث والتناكح ونحوهما، وطرف من أحكام غير المؤمنين وهو التبري واللعن ونحوهما، فيجب أن يكون موصوفاً بهما جميعاً، وفي ذلك تسميته مؤمناً وهو مطلوبنا.
والجواب: أنه لا يتم ما ذكرتم إلا لو كان تسمية المؤمن مؤمناً لإجراء بعض أحكام الإيمان عليه؛ لأنه لم يسم لأجل ذلك، بل لإتيانه بالواجب واجتنابه المحرم ، والفاسق ليس كذلك.
وأما الشبهة السمعية فقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ...}الآية[الأنعام:82].
قالوا: فأوضح تعالى أن الظلم قد يختلط بالإيمان، والظلم فسق فيصح كون الشخص الواحد مؤمناً، فاسقاً، وهذا عين مطلوبنا.

والجواب: أن الآية إنما تدل على صحة اجتماع الإيمان اللغوي وفعل الظلم، ونحن لا ننكر ذلك؛ لأن الله تعالى قد أثبت الإيمان اللغوي مع الشرك في قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ}[يوسف:106] وإنما ننكر اتصاف الظالم بالإيمان الشرعي، وفي التحقيق أنهم بنوا مذهبهم على أن الإيمان باق على معناه اللغوي، وقد أبطلناه فيما مر، وأيضاً لو كان باقياً على المعنى اللغوي للزم اجتماعه مع الشرك، فيوصف الشخص الواحد بأنه مؤمن ومشرك وهم لا يقولون به.
هذا وأما الخوارج فلهم شبه كذلك عقلية وسمعية
أما العقلية فأحدها أن الفاسق يستحق الذم والإهانة وعذاب النار، فيجب أن يكون كافراً.
والجواب: أن هذا لا يصح الاحتجاج به إلا لو كان الكافر لم يسم كافراً إلا لذلك، وليس كذلك، فإنه إنما سمي كافراً لاستحقاقه العقاب الأعظم ، وأحكام مخصوصة، وليس شيء من ذلك ثابتاً للفاسق.
الشبهة الثانية [شبهة أن التقسيم الديني للكفر والإيمان]
أن الإيمان والكفر دينان معلومان ولهما أحكام، فلو كان الفسق منزلة ثالثة لكان ديناً معلوماً وله أحكام.
والجواب: أن للفسق أحكاماً تخالف أحكامهما، ولا يلزم تسميته ديناً مستقلاً؛ إذ لا يسمى ديناً إلا ما كان من باب الاعتقاد.
قلت: الفسق قد يكون من باب الاعتقاد كالباغي إذا كان معتقداً أنه محق في بغيه، والكفر قد لا يكون من باب الاعتقاد كلبس الزنار، وإظهار كلمة الكفر اختياراً ممن لا يعتقد معناها ونحو ذلك، فالأولى أن يقال: لا نسلم أن كل كفر يكون ديناً أي يعتقده صاحبه ديناً، فكذلك الفسق لا يجب فيه ذلك، بل كل منهما قد يكون ديناً وقد لا يكون ديناً، وأما الأحكام فقد ثبت لكل منهما حكم يخالف حكم الآخر.
الشبهة الثالثة [الصلة بين الفسق والكفر]
أن الفسق يضاد الإيمان ويمنعه، فيجب أن يكون كفراً.

والجواب: لا نسلم أنه يضاده، بل يخالفه، فيجوز أن يكون معه بعض خصال الإيمان. فهذه شبههم العقلية.
وأما السمعية: فآيات كثيرة من كتاب الله، وسنتكلم عليها في مواضعها إن شاء الله إلا أنا نذكر منها شبهة واحدة هي أقوى ما تمسكوا به، وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ}[البلد:19] فليكن كافراً.
والجواب: أن الآية واردة مورد المبالغة في استحقاق الكفار للنار، فكأنهم لكبر معصيتهم، وعظم عقابهم، وقوة استحقاقهم إياه هم أصحاب المشأمة المستحقون لدخول النار دون غيرهم، ونظيرها ما مر في وجه اختصاص المتقين بكون القرآن هدىً لهم في قوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}[البقرة:2] مع أنه هداً للناس، ومنه قوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}[الأنفال:4] فكأنه قال لا مؤمن غيرهم، وليس المراد به إلا للمبالغة في وصفهم بالإيمان لما علم من ثبوت إيمان من لم يستكمل تلك الأوصاف، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع من يذم كفار قريش: ((إن أولئك للملأ)) فكأنه قال: لا ملأ غيرهم، وغير ذلك كثير.
فإن قيل: إنما وجب حمل هذه النظائر على المبالغة للعلم بأن الظاهر غير مراد، بخلاف هذه الآية فلا موجب لحملها على ذلك.
قيل: بل الموجب ما مر من أن الفاسق ليس بكافر.
تنبيه [الفرق بين الفاسق والكافر عند العترة]
وما مر عن أئمة العترة من أن الفاسق لا يسمى كافراً، فالمراد أنه لا يسمى كافراً بالمعنى الذي ذهبت إليه الخوارج، وأما إطلاق الكفر عليه وتسميته به على معنى أنه كافر بأنعم الله فهو قول الصادق، والقاسم، والناصر، ونص عليه الهادي في مسائل الرازي ولم يقيده بكفر النعمة، بل أطلق القول بكفره، وأطال في الاحتجاج عليه وأطلقه أيضاً غيره، والظاهر أنه إجماع قدماء العترة".

207 / 329
ع
En
A+
A-