والجواب: أن استماع الآيات مع ردها من القبائح على أن رد الضمير إلى استماع الآيات غير مسلم، بل هو راجع إلى المثل، وجهلهم بحسن مورده لتقصيرهم في النظر وعنادهم من أعظم القبائح.
الوجه الثاني: أن لا تكون الهمزة للتعدية، بل للوجدان فيكون المعنى: إن الله تعالى وجدهم ضالين.
واعترضه الرازي بأن مجيئ الهمزة للوجدان غير ثابت في اللغة، وأن الهمزة لا تفيد إلا التعدية، وتأول قول عمرو بن معدي كرب لبني سليم: قاتلناكم فَمَا أَجْبَنَّاكُمْ، وهاجيناكم فما أفحمناكم، وسألناكم فما أبخلناكم، على أن المراد فما أثر قتالنا في صيرورتكم جبناء، وهكذا البواقي، وليس المراد فما وجدناكم جبناء، وقال: إن هذا أولى دفعاً للاشتراك، ولو سلم فالمعدى بالباء لا يكون بمعنى الوجدان.
والجواب: أنه قد نص على مجيئ الهمزة للوجدان مشاهير من أئمة العربية، ولم ينقلوا في ذلك خلافاً وهم القدوة في نقل اللغة.
وأما تأويله لقول عمرو بن معدي كرب فتعسف بلا موجب.
وأما قوله: إن المعدى بالباء لا يكون بمعنى الوجدان، فالباء فيه ليست للتعدية وإنما هي باء السببية ومفعول الفعل كثيراً، وكان الأولى في الاعتراض أن يقال: الجملة كالجواب لقولهم: ماذا، ولا يستقيم أن تكون الهمزة للوجدان مع جعل الجملة جواباً؛ إذ لا يصح أن يقال: لمن قال: ما ذا أردت بسفرك؟ أردت وجدت زيداً محموداً.
الوجه الثالث: أن يكون قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} [البقرة:26] من كلام الكفار قالوه على سبيل التهكم فأجاب الله عليهم بقوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ}[البقرة:26].

واعترضه الرازي وغيره بأن فيه تفكيك النظم، حيث يكون أول الكلام من كلام الكفار وآخره من كلام الله تعالى، لا سيما مع اتصال الكلامين بحرف العطف، ولو احتمله المقام فهو غير مخلص من نسبة الإضلال إلى الله؛ لأنه قد نسب إليه في قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} وفي قوله: {يضل به من يشاء} فلا حاجة لتكلف مثل هذا التأويل في هذا الموضع مع أن الخصم لو سلمه لم تنقطع حجته لتمسكه بما هو أصرح منه في الدلالة على مذهبه، فعليك بالتأمل لما مر من هذه التأويلات ففيها غنية عن بعض التكلفات مع أنها شاملة لكل شبهة يوردها الخصم، وبعضها أقوى من بعض كما لا يخفى على الفطن.
واعلم أن الرازي قد أجاب عما ذكرناه من التأويل للآية إجمالاً وتفصيلاً، فأما التفصيل فقد ذكرناه وأجبنا عليه، وأما الإجمال فمن وجوه:
أحدها: مسألة الداعي والمرجح وهي أن القادر على العلم والجهل والهدى والضلال لِمَ فعل هذا دون الآخر؟ ومقصوده أنه لا بد أن ينتهي الأمر إلى داع موجب يخلقه الله في العبد كما مر تحقيق مذهبه في ذلك.
الثاني: مسألة العلم كما مر في قوله: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] وقد قرر هنالك أنه لو وقع من العبد خلاف ما علمه الله منه لانقلب علم الله جهلاً.
الثالث:أَن فعل العبد لو كان بإيجاده لما حصل إلا ما يريد، والمعلوم خلافه، فإن كل أحد لا يريد إلا العلم والاهتداء ، ولا يحصل له إلا الجهل والضلال.
فإن قلتم: سبب ذلك أنه اشتبه عليه العلم والهدى بالجهل والضلال، فظن الجهل علماً، والضلال هدىً فقصدهما.
قلنا: ذلك الظن خطأ، فإن اختاره أَوَّلاً فقد اختار الجهل وذلك غير ممكن، وإن اشتبه عليه ذلك بسبب ظن متقدم لزم أن يكون قبل كل ظن ظن، إلى ما لا نهاية له وهو محال.

الوجه الرابع: أن التصورات غير كسبية، والتصديقات البديهية غير كسبية، وذكر نحو ما تقدم في المقام الثاني من الفصل الثاني في الموضع الرابع في المسألة السابعة من مسائل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21].
والجواب عن الوجه الأول: قد مر في السادسة من مسائل المقدمة، وفي السابعة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] وكذلك الجواب عن الثاني قد مر في الرابعة من مسائل هذه الآية، والجواب عن الثالث يؤخذ من السابعة من مسائل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21] ومن جواب الشبهة الرابعة من الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7]، والجواب عن الرابع قد مر في ذلك المقام.

المسألة السادسة [استطراد في استدلال المجبرة]
قد مر في المسألة الرابعة من هذه الآية أن المجبرة استدلوا بهذه الآية على أن الله تعالى يريد القبائح من العباد.
والجواب: أن ذلك اغترار منهم بالظاهر، وقد أوضحنا بما ذكرنا من وجوه التأويل السابقة أن الآية ليست على ظاهرها، وبه يبطل تمسكهم بها.

المسألة السابعة [شبه المجبرة والرد عليها]
ظاهر الآية أنه يجوز أن يطلق على الله تعالى أنه يضل عباده؛ لأنه أطلق في الآية أنه يضل كثيراً، وهذا قول المجبرة كافة.
وقالت العدلية: لا يجوز ذلك؛ لأنه يوهم الخطأ وهو أن الله تعالى أغواهم عن طرق الدين، وظاهر إطلاق رواية الإمام المهدي عن العدلية أنه لا خلاف بينهم في ذلك، وصرح بنسبته إليهم جميعاً النجري، وهكذا القول في كل لفظة توهم الخطأ فإنه لا يجوز إطلاقها؛ لإيهامها الخطأ، هكذا احتج أصحابنا على المنع، والظاهر من إطلاق عبارات كثير منهم المنع وإن كان المتكلم خالياً، وليس ثم سامع يتوهم الخطأ، وقد صرح بذلك في (الغياصة) فقال: إنه يمتنع وإن لم يكن هناك من يعلمه المتكلم لجواز أن يكون هناك إنسان لا يعلمه، ولو فرضنا القطع بأنه ليس ثمة إنسان فإن الملائكة والجن ربما سمعوا ذلك منه فيتوهمون الخطأ في اعتقاده.
واعلم أن في كلام أصحابنا نظراً من وجوه:
أحدها: أن الله تعالى قد أطلق الألفاظ الموهمة للجبر والتشبيه في كتابه كما في هذه الآية، وكإطلاق الوجه واليد والعين، ووكل عباده إلى القرائن العقلية والنقلية، فما لنا لا نكتفي بتلك القرائن عند إطلاقنا للألفاظ الموهمة، على أنا لو اعتبرنا مطلق الإيهام للزم منع إطلاق الصفات الذاتية، كعالم، وقادر؛ لإيهام كون إطلاقها عليه على حد إطلاقها على الواحد منا سيما عند العوام، وقد تقدمت إشارة إلى هذا في العاشرة من مسائل الحمد لله.
فإن قيل: قد ذكر السيد أحمد الشرفي في (شرح الأساس) أنه لا يجوز منا الإطلاق إلا بقرينة ظاهرة تصرف عن الخطأ ولا تكفي النية والقصد، قال: وليس كذلك ما في الكتاب والسنة الصحيحة من ذلك، فإنه يكفي في تخصيصه بالمعنى الجائز في حقه تعالى بالعقل بما قد عرف من الأدلة القطعية.

قيل: هذه دعوى من السيد ـ رحمه الله ـ كيف وقد وصف الله تعالى القرآن بأنه هدىً وتبياناً لكل شيء، وأنه يهدي للتي هي أقوم، ووصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنحو ذلك، وأمر باتباعه، وأخذ الهدى منه، والتدبر لآياته ونحوه من كلام الوصي، وقد مر في المقدمة وغيرها كثير من ذلك، وجاء في القرآن من الحث على اتباع الرسول والتأسي به ما لا يخفى، وكل ذلك يدل على أنه يجوز منا أن نطلق على الله تعالى ما قد أطلق جنسه في الكتاب والسنة، ويزيده وضوحاً ما مر من قول أمير المؤمنين عليه السلام فما دلك القرآن عليه من صفته فأتم به.
الوجه الثاني: أن أمير المؤمنين عليه السلام قد أطلق لفظ القضاء والقدر في أفعالنا في جوابه للشامي، واكتفى بالقرينة العقلية، ولما عرف أن السائل لا يهتدي إليها عرفه المعنى الصحيح الذي أراده، وقد مر في الرابعة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] وغيرها، وفي هذا رد على الشرفي حيث قال: لا يجوز منا إطلاق ما أطلق في الكتاب والسنة.
الوجه الثالث: أن إيهام الخطأ غير مسلم؛ لأنه لا معنى له إلا كون السامع يسبق فهمه إلى الخطأ ونحن لا نسلمه؛ لأن السامع إما أن يكون عارفاً للمعاني التي يحتملها اللفظ أو لا، إن كان عارفاً صار اللفظ مجملاً في حقه فيتردد فهمه فلا نقطع بمعنى مخصوص نحمله عليه، ولا نرتكب خطأ، وحينئذ لا وجه لقبح النطق، وإن لم يكن عارفاً فالمسألة قطعية لا يجوز للسامع أن يقلد المتكلم في إطلاق اللفظ، بل يجب عليه أن ينظر، فإن وجده صحيحاً وإلا رد كلامه وحكم بكذبه، فمن أين يدخل الخطأ على السامع حتى يحكم بقبح هذا الإطلاق؟
فإن قيل: لم يحكم بقبحه لأجل خلل يرجع إلى السامع، بل لأجل خلل يرجع إلى الناطق به؛ لأنه يوهم أنه يعتقد المعنى الفاسد، ودفع التهمة عن النفس واجب.

قيل: إنما تلحق التهمة إذا لم يكن للفظ معنى صحيح يمكن حمل الناطق به على إرادته، فأما إذا كان له ذلك فالواجب حمله على إرادة المعنى الصحيح لوجوب الحمل على السلامة مهما أمكن.
فإن قيل: اللفظة المشتركة إذا أطلقت وجب حملها على جميع معانيها؛ إذ لا مخصص لمعنى دون آخر، ولا مانع من إرادة جميع المعاني، وحينئذ فلا وجه يوجب الحمل على إرادة المعنى الصحيح، فتعين قبح الإطلاق للإيهام المذكور.
قيل: أما أبو هاشم فلا يرد عليه هذا؛ لأنه يمنع صحة إرادة المعنيين جميعاً، وإذا امتنعت إرادتهما صار اللفظ مجملاً لا يحصل بسببه إيهام، وأما غيره فهم وإن صححوا ذلك فهم يشترطون عدم المانع من إرادة أحد المعنيين، والمطلق للعبارة إما جبري، أو عدلي، أو ملتبس الحال، إذا كان جبرياً فلا تهمة في حقه لظهور إرادة المعنى الفاسد، فلا يصح منه الإطلاق لما يلحقه من التهمة؛ لأنه مجاهر بالخطأ، وإن كان عدلياً فالواجب حمله على السلامة، وذلك يمنع من حمل اللفظة على معنييها، سلمنا أنه غير مانع، فالمعلوم أنه لا يحمل عليها إلا مع عدم القرينة الصارفة لأحدهما، وهاهنا القرينة كونه عدلياً، وإن كان ملتبس الحال في العدل والجبر، فلا يحسن حمل اللفظة على المعنيين معاً، فنحمله على الجبر مع احتمال كونه عدلياً، وأنه قصد المعنى الصحيح، والتهمة لا تكون إلا عن أمارة مرجحة، ومجرد احتمال اللفظ للخطأ لا يكون مرجحاً لكونه أراده إلا لو لم يحتمل سواه، وأما هنا فقد احتمل المعنى الصحيح فلا موجب للتهمة، وغاية الأمر وجوب التوقف في أمره، وبهذه الوجوه يثبت أنه لا يقبح إطلاق الألفاظ الموهمة في الباري تعالى، إلا ممن يقصد المعاني الفاسدة منها.
فإن قيل: هذا مخالف لإجماع العدلية كما مر في حكاية النجري عنهم.

قيل: في الحكاية عنهم جميعاً نظر، فإن الإمام الموفق بالله لم يمنع إلا إذا كان يوهم أحد الحاضرين، وقد ذكرنا كلامه بلفظه في العاشرة من مسائل الحمد لله، وفي الرابعة من مسائل بسم الله، وهذا الإمام المهدي استضعف دليل الأصحاب وهو إيهام الخطأ، وعدل إلى دليل آخر ذكره في منع إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله وقدره وهو أن في الإطلاق تشبه بأهل الجبر؛ لأنه قد كثر ولعهم بإطلاق هذه العبارة -أعني القضا والقدر- حتى صارت كالمختصة بهم، فلأجل ذلك يقطع سامعها بأن المتكلم بها منهم؛ لأنها قد صارت كالعلامة لهم فيقبح من العدلي التلبس بشعارهم، كما يقبح من المسلم التلبس بلباس اليهود والنصارى لئلا يتوهم أنه منهم، ودفع التهمة واجب، ولهذا قال قاضي القضاة وغيره: إنه يقبح من العدلي تسمية نفسه سُنياً لتسمي المجبرة بهذا الاسم وولعهم به، وإن كان أهل الإسلام كلهم سنيين أي متبعين لسنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال عليه السلام : ولعل أصحابنا إنما قصدوا هذا المعنى خلا أنهم أتوا بعبارة لا توضح مقصودهم، ومقتضى كلامه عليه السلام أن ما لا يكون شعاراً للمجبرة فيجوز إطلاقه وإن كان فيه إيهام للسامع اكتفاء بالقرينة الخارجية، بل قد صرح عليه السلام بذلك وقال: قد أشار إليه أصحابنا، وذلك أنه قال بعد أن نص على أنه لا يجوز من العدلي إطلاق ما اختص به المجبرة وإن لم يحصل منه إيهام لما مر من أنه شعار خاص بهم ما لفظه: ويحسن عند أصحابنا تجنبه لئلا يؤدي إلى التسامح في ذلك من الجهال، وقد أشاروا إلى هذا حيث قالوا: لا يجوز إطلاق هذه العبارة، فمفهومه أنه مع التقييد الرافع للإيهام يجوز.

قال عليه السلام : والأمارات قائمة مقام التقييد حيث تفيد فائدته، ومع ما ذكره الإمامان عليهما السَّلام لا تستقيم دعوى الإجماع من العدلية، لا سيما ودلالة الكتاب، وإطلاقات السنة، والآثار العلوية قاضية بخلافه، ويمكن حمل الإجماع على ما لم تشتهر فيه القرينة الصارفة، أو على ما كان شعاراً،ومما يدل على ضعف الإجماع أن ظاهر كلام الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في (الأساس) يدل على أنه لا يمتنع الإطلاق إلا مع قصد المعنى الفاسد، وذلك أنه نص على أنه يجوز أن يقال: إن الله يضل الظالمين بمعنى يحكم عليهم، أو يهلكهم، أو يعذبهم لا بمعنى يغويهم، وهكذا كلامه في كل ما ذكره في فصل المتشابه، وهذا الإمام من مشاهير أئمة العترة المقتفين لآثار سلفهم، الحريصين على نقل مذاهبهم، ومن أراد الاحتياط لدينه والتوثق بالعروة الوثقى فليستضيءْ بنور القرآن، ويتبعه في صفات الرحمن، فيطلق ما أطلق، ويمسك عما ليس فيه إلا ما كان في صحيح السنة، وكلام الوصي، وأئمة الهدى أثره، فهو في حكم ما في القرآن، كما نص عليه باب مدينة العلم عليه السلام ، وقد مر عنه عليه السلام الإطلاق في مواضع، وكذلك أطلق الهادي وغيره الوجوب على الله وهم القدوة، وبهم الأسوة.

المسألة الثامنة [الهداية]
قد تقدم ذكر معاني الهداية في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[الفاتحة:6] واللبيب الحازم لا يخفى عليه المعنى اللائق بقوله تعالى: {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}[البقرة:26] والأشبه أن تكون الهداية فيها بمعنى التوفيق واللطف، وهو اختيار الإمام القاسم بن محمد عليه السلام ويكون ذلك جزاءً على أعمالهم الصالحة، وكون الهدى بمعنى التوفيق جزاء إنما هو على مذهب الهادي والناصر، وأما على ما ذهب إليه الإمام أحمد بن سليمان من أنه لا يكون جزاءً، بل تفضلاً فلا، ولكن إن كان وجهاً مستقلاً فهو قوي في حمل الآية عليه، وإنما اخترنا هذين الاحتمالين؛ لأن الله تعالى جعله مرتباً على تصديقهم بضرب المثل، فكأنه تعالى جعل لهم هذه الهداية بسبب إيمانهم تفضلاً واستحقاقاً له مع احتمال غيرها من المعاني السابقة، ما عدا ما كان بمعنى الدلالة والدعاء؛ لأن الله تعالى لم يخص بهما أحداً كما مر، ولا يجوز منه ذلك مع التكليف.
وقالت المجبرة فيما حكاه الرازي عنهم: هاهنا وجه آخر وهو: أن يكون الهدى بمعنى خلق الهداية والعلم قال الله: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[يونس:25].
والجواب: أن هذا المعنى غير ثابت في اللغة؛ إذ لا يقال لمن أجبر غيره وأكرهه على سلوك طريق أنه هداه إليه، وإنما يقال رده إليه وأكرهه عليه على أنه لو صح من جهة اللغة لامتنع من جهة العقل لما مر من بطلان القول بالجبر.
فإن قيل: إنما يكون ممتنعاً عقلا على القول بالجبر المحض، وأما على رأي من يثبت للعبد كسباً فلا؛ لأنه يقول: الهدى خلق لله وكسب للعبد.

206 / 329
ع
En
A+
A-