وأما النقل فلأن الله تعالى قد ذم إبليس، ومن سلك مسلكه في إضلال الناس، وشنع على من لا يؤمن ولم يتذكر فقال: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}[الإنشقاق:20] {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ}[المدثر:49] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه لا مانع لهم من الإيمان البتة، وأنهم إنما ضلوا بسوء اختيارهم، وبسبب انقيادهم لمن حذرهم الله منهم من شياطين الإنس والجن، فكيف يتوهم عاقل مع ذلك أن يكون الله تعالى هو الخالق للضلال فيهم والمانع لهم من الإيمان، وما أحسن ما قاله إمامنا الهادي يحيى بن الحسين عليه السلام في بعض كتبه حيث قال: كيف يغوي خلقه ويضلهم ولا يرشدهم ثم يعذبهم على فعله، إذاً لكان لهم ظالماً، وعليهم متعدياً، وهو مع ذلك يعيب على من فعل مثل هذا الفعل إذ يقول عز وجل: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً}[النساء:112] وبعث إليهم الرسول، وأنزل عليهم الكتاب، ثم قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}[البقرة:208] فأمرهم أن يدخلوا في السلم والإيمان، ولو كان كما يقول الجاهلون أنه هدى قوماً، وأضل قوماً ولم يهدهم لم يكن لقوله: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}[البقرة:208] معنى، إذا كان عز وجل بزعمهم أدخل قوماً في الإسلام وحال بين قوم وبين الدخول في الإسلام، فما معنى قوله لقوم داخلين في الإسلام: {ادخلوا} وهم داخلون، كما لا يقول لقائم: قم، وكما لا يقول لجالس: اجلس، ويقول لقوم حال بينهم وبين الدخول في الإسلام: ادخلوا، فكيف يقدرون على ذلك وهو قد حال بينهم وبين الدخول في الإسلام، كما لا يقول لمقعد: قم، ولا لأعمى: ابصر.
وقال الإمام القاسم بن محمد في (الأساس): إن القول بذلك -أعني نسبة الإضلال إلى الله تعالى- بمعنى الإغواء عن طريق الحق ذم لله تعالى، وتزكية لإبليس وجنوده، وذلك كفر.

واعلم أن الرازي قد بسط الكلام فيما نقله عن العدلية في رد ما ذهب إليه هو وحزبه، وحاصله راجع إلى ما ذكرنا، ومنه ما هو داخل في وجوه التأويل الآتية، فلا نطيل بما لا طائل تحته.
وإذا ثبت أنه لا يجوز حمل الآية على ما تقوله وجب المصير إلى تأويلها، وردها إلى المحكم من الكتاب ودلالة العقل، وقد ذكر أئمة العدل في ذلك وجوهاً:
أحدها: أن معنى الآية الحكم عليهم بالضلال، وتسميتهم به، والشهادة به عليهم وهو معنى شائع في اللغة، وقد مر الاستشهاد عليه في قوله: {وَلاَ الضَّالِينَ}[الفاتحة:7]، ومن شواهده قول طرفة:
وما زال شربي الراح حتى أضلني .... صديقي وحتى ساءني بعض ذلكا
أراد سماني ضالاً، وهذا الوجه ذكره القاسم بن إبراهيم، والهادي، والناصر، وذهب إليه قطرب، وكثير من المعتزلة، وقال الإمام المهدي: هو أصح المعاني في الآية، أي يحكم بضلالهم بحسب مخالفتهم إياه؛ لأن الضمير راجع للقرآن وهو لا يضل به أحداً، بل يهتدي به، فكأنه سبحانه أراد أنه يحكم بضلال كثير من الناس بسبب القرآن حيث لم يهتدوا به.
قلت: وفي رجوع الضمير للقرآن نظر، والظاهر رجوعه إلى المثل، وعليه أئمة التفسير، فكأنه تعالى أراد بالمثل ظهور ما علمه من ضلالهم ليصح الحكم عليهم به وتسميتهم ضالين؛ لأن ذلك لا يصح قبل ظهور الضلال.
واعترضه الرازي بأمرين:
أحدهما: حكاه عن غيره وهو أن من أهل اللغة من أنكر هذا الوجه، وقال: إنما يقال: ضللته تضليلاً إذا سميته ضالاً، كما يقال: فسقته؛ إذا سميته فاسقاً، ولا يقال أضله بمعنى سماه ضالاً وحكم عليه بالضلال.
ثانيهما: أن الله تعالى إذا سماه بذلك وحكم به عليه امتنع تخلفه ووجب الإتيان به، وإلا انقلب خبر الله تعالى كذباً، وعلمه جهلاً، وكل ذلك محال، فالمفضي إليه يجب أن يكون محالاً، فيجب أن يكون ضلال العبد ثابتاً واجباً، وهذا عين الجبر الذي تفرون منه.

والجواب عن الأول: بأنه قد ثبت ما ذكرناه عن العدول من أئمة العترة وحفاظ اللغة، ومن علم حجة على من لم يعلم، وقد اعترف الرازي بأنه مستعمل؛ لأن الرجل إذا قال لآخر: فلان ضال، جاز أن يقول: لم جعلته ضالاً؟ أي لم سميته وحكمت به عليه.
والجواب عن الثاني: يؤخذ من الرابعة من مسائل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ}[البقرة:6].
الوجه الثاني: أن إسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد إلى السبب البعيد، وهو يتخرج على وجهين:
أحدهما: أنه لما ضرب المثل فازداد به المؤمنون إيماناً إلى إيمانهم، وازداد به قوم ضلالاً إلى ضلالهم كان سبباً في الإضلال والهداية، فصح نسبته إلى الله تعالى من هذه الجهة، وهذا اختيار الزمخشري، والنيسابوري وهو من الخصوم، وهو معنى مشهور في اللغة، وقد تقدم ذكره في الفاتحة، وشواهده كثيرة في القرآن وغيره، قال تعالى في الأصنام: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ}[إبراهيم:36] أي ضل بها كثير، وقال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ...} إلى قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ}[التوبة:124،125] فأضاف زيادة الإيمان والكفر إلى السورة؛ لأن الصلاح والفساد يحصلان عند نزولها، ويقال: أمرضني الحب، أي مرضت بسببه، وأفسدت فلانة فلاناً وهي لم تعلم به، وقال الشاعر:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
أي يغري الملوم باللوم، والمراد أنه يكون سبباً فيه.

وعن مالك بن دينار -رحمه الله- أنه دخل على محبوس قد أخذ بمال عليه وقيد فقال: يا أبا يحيى، أما ترى ما نحن فيه من القيود، فرفع مالك رأسه فرأى سلة فقال: لمن هذه السلة؟ فقال: لي، فأمر بها تنزل، فإذا دجاج وأخبصة، فقال مالك: هذه وضعت القيود على رجلك، فأسند وضع القيود إلى السلة لما كانت سبباً فيه، فكذلك يجوز أن يضاف الإضلال إلى الله تعالى على معنى أن الضُلاَّلَ ضلوا بسبب إنزاله الآيات المشتملة على الامتحانات.
ثانيهما: أن الله تعالى لما خلق الإنسان على هيئة وجبلة يألف معها ما اعتاده من خير أو شر، صح أن ينسب إليه سبحانه الإضلال من هذا الوجه، وهذا ذكره الراغب، وقد مر في الفاتحة.
واعترض الرازي هذا الوجه -أعني نسبة الإضلال إلى الله تعالى من حيث أنه فعل السبب- فقال: هذه المتشابهات إما أن يكون لها أثر في تحريك الدواعي أو لا، إن كان لها أثر وجب على أصلكم أن تقبح؛ لأنها إذا أثرت في ترجيح المعصية وجب وقوع المعصية لما مر في قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] من أنه إذا حصل الرجحان فلا بد وأن يحصل الوجوب، وحينئذٍ يحصل الجبر وهو قبيح عندكم، فما أدى إليه يجب أن يقبح.
فإن قلتم: لا نسلم أنه يحصل الوجوب عند الرجحان.
قلنا: فأنتم توافقون في أنه ينبغي أن يكون المكلف مزاح العلة والعذر، وإنزال هذه المتشابهات مع أن لها أثراً في ترجيح المعصية كالعذر للمكلف في عدم فعل الطاعة فوجب أن تقبح، وأما إن لم يكن لها أثر، فهي أجنبية عن الضلال فلا تصح نسبته إليها، كما لا ينسب إلى صرير الباب ونغيق الغراب.
قلت: وكان عليه أن يزيد، وإذا لم تصح نسبته إليها فلا تصح نسبته إلى فاعلها؛ لأن النسبة إليه فرع على صحة النسبة إليها، ولأنه أجنبي عن الضلال مع عدم الأثر مثلها.

والجواب: أنا لا نسلم أن القول بالمرجح يوجب وقوع الفعل، سواء كان الفعل طاعة أم معصية، وقد استوفينا الرد على الرازي في السادسة من مسائل المقدمة، وفي السابعة من مسائل الآية التي ذكرها، وإذا بطل ذلك بطل ما رتبه عليه من لزوم الجبر الذي ألزمنا لأجله قبح إنزال المتشابه.
وأما قوله: إنه ينبغي أن يكون المكلف مزاح العلة، فمسلم، لكن لا نسلم أن إنزال المتشابه يكون عذراً للمكلف في ترك الطاعة، وإنما ألجأهم إلى القول بذلك جهلهم بالحكمة في إنزاله، أو تجاهلهم لأجل عنادهم، وهي زيادة المشقة في التكليف والابتلاء كما سيأتي بيانه في سورة آل عمران، ولا شك أن أصل التكليف حسن كما مر في الفاتحة وغيرها، فكذلك الزيادة فيه، وإذا حسن من الله تعالى إبقاء إبليس -لعنه الله- وتمكينه من إغواء العباد وإضلالهم، فإن أراد بإزاحة العلة أن لا يكون له داعي إلى المعصية، فذلك باطل لما مر في الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] وغيرها من أن شرط التكليف زوال الإلجاء، وأن يكون المكلف متردد الدواعي بين الطاعة والمعصية لتحصل المشقة التي لا يتم التكليف من دونها، وأما العلة فقد أزاحها الله تعالى بما ركب في العبد من العقل الوافر، وما أنزله من الكتب، وأرسله من الرسل مع خلق القدرة على ما كلفه به وتمكينه منه، وهذا واضح والحمد لله.
الوجه الثالث: أن يكون المراد بإضلال الله إياهم هو خذلانهم، وترك اللطف والتوفيق لهم لما علمه من تماديهم في الطغيان، وانهماكهم في العصيان، وهذا حكاه الناصر عن بعض أهل النظر كما مر في الفاتحة، وهو بيِّن واضح في اللغة، ومن شواهده قوله:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا .... ليوم كريهة وسداد ثغرِ
ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية حتى فسد وصدى: أنت أفسدته وأصديته.

واعترضه الرازي بأن هذا إنما يسمى إضلالاً إذا كان الأولى والأحسن المنع، فلا يقال للوالد: إنه أضل ولده، إذا ترك معاهدته بالتأديب إلا إذا كان الأحسن بالوالد أن يمنعه من ذلك، وذلك حيث لم يحصل من المنع مفسدة من الولد أعظم من المفسدة الأولى، فأما إن كان يحصل ذلك فلا يقول أحد إنه أضله، وأفسده بالتخلية وعدم المنع، وهاهنا لو منع الله تعالى المكلف جبراً عن هذه المفسدة لزمت مفسدة أعظم من الأولى وهي التكليف مع عدم شرطه المتقدم قريباً، فكيف يقال: إنه أضله وأفسده بمعنى أنه ما منعه.
والجواب: أنا لم نقل إنه أضله بمعنى أنه ما منعه قسراً وجبراً، وإنما قلنا: إنه أضله، بمعنى أنه خلاه وشأنه، فلم يمده بلطف ولا توفيق لعلمه بعدم التطافه مع كونه متمكناً من فعل الطاعة واختيارها، وترك المعصية واجتنابها، فلا تلزم المفسدة المذكورة، وإنما هذا الاعتراض مبني على القول بالجبر، وحينئذ فيصح أن يقال: إن الله تعالى أضل أهل الضلال، بمعنى أنه تركهم وضلالهم ولم يمنعهم منه، ولا محذور فيه.
وأما قوله: إنه لا يقال ذلك إلا إذا كان الأحسن المنع، فغير مسلم، بل لا يقال ذلك إلا لمن كان قادراً على المنع، والله تعالى قادر على المنع من المعاصي، لكن منعت حكمته جل وعلا من الجبر والإلجاء.

الوجه الرابع: أن تكون نسبة الإضلال إلى الله تعالى على جهة الحقيقة، ويكون ذلك منه تعالى جزاءً لهم على أفعالهم الخبيثة، وقبائحهم العظيمة، وهذا قول القاسم بن إبراهيم فيما رواه عنه في (البدر الساري)، ونص عليه الإمام أحمد بن سليمان في الحقائق، واختاره السيد محمد بن إبرهيم الوزير وقال: من عجائب أهل التأويل تكلف وجهٍ لحسن ذلك، وترك الوجه المنصوص عليه وهو العقوبة، ورجحه ابن جرير، ورواه عن بعض الصحابة قال: حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} يعني المنافقين {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}[البقرة:26] يعني المؤمنين، قال ابن جرير: فيزيد هؤلاء ضلالا إلى ضلالهم لتكذيبهم بما قد علموه حقاً يقينا من المثل الذي ضرب الله {وَيَهْدِي بِهِ} يعني بالمثل كثيراً من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدىً إلى هداهم، وإيماناً إلى إيمانهم؛ لتصديقهم بما قد علموه حقاً يقيناً أنه موافق ما ضربه الله له مثلاً وإقرارهم به، وذلك هداية من الله لهم به، واستدل هؤلاء بظواهر آيات كثيرة جعل ما نسب إلى الله تعالى من الإضلال ونحوه فيها مرتباً على تقدم المعاصي من العبد ترتب المسبب على سببه، كقوله تعالى: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}[النساء:155] {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}[الصف:5] {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ}[البقرة:26] {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:110] {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً}[البقرة:10] {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام:110] {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}

[المائدة:13] {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:8-10] {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً...} إلى قوله: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف:163] {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} [يونس:74] وفي آية أخرى: {عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ}[الأعراف:101] {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}[النساء:155] وفيها رد قولهم: إن قلوبنا غلف من أصل الخلقة، والحكم بأنها إنما صارت كذلك بسبب كفرهم، وأنهم استحقوا الطبع عليها عقوبة إلى غير ذلك من الآيات الدالة بظواهرها على أن الختم والطبع والإضلال إنما كانت جزاء على المعاصي وعقوبة لمرتكبيها، وذلك لا يكون إلا بعد أن يبين الله طرق الهداية ويدلهم عليها، ويدعوهم إليها كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}[التوبة:115]، وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}[الإسراء:15] وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الأنفال:53] فنص على أنه لا يسلبهم النعمة، ويبدلهم منها النقمة، والعقوبة إلا بعد تغييرهم ما بأنفسهم وهو عدم الشكر، وامتثال أوامره، والترك لمناهيه، ولا شك أن الهداية للإيمان من أعظم النعم بدليل قوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ}[الحجرات:17]، فإذا كان عادة الله التغيير على العصاة بسلب النعم وإبدالها بالعقاب والنقم جاز أن يعاقب من لا يقبل الهداية بسلبها عنه وإضلاله عن الحق، والطبع والختم على قلبه، والقول بأن

الإضلال يكون عقوبة رواه في (البدر الساري) عن الهادي إلا أنه جعله عبارة عن الخذلان والبراءة منهم، وأما الضلال فهو فعلهم ونحوه في (الجامع الكافي) عن أحمد بن عيسى، ومحمد بن منصور -أعني أنهما فسرا إضلال الله تعالى لعباده بالخذلان لمن علم منه المعصية وإيثار الهوى- وقد تقدم بعض كلمات أحمد في الاستعاذة، ولعل كلام القاسم والإمام أحمد بن سليمان يعود إلى هذا.
والمراد بالخذلان ترك الهداية التي بمعنى اللطف، والزيادة في تنوير القلوب، وشرح الصدور كما ذلك مفهوم من متفرقات كلماتهم، وقد مر بعضها في الفاتحة.
وأما الهداية التي بمعنى الدلالة فلا يجوز خلو المكلف عنها؛ إذ لا يصح التكليف من دونها.
وقد حمل بعض العدلية الإضلال في الآية على العذاب والعقوبة كما هنا، إلا أنه لم يحمله على الإضلال في الدنيا ولا على الخذلان، بل على عذاب الآخرة وعقابها، واحتج عليه بقوله تعالى: {إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ...} إلى قوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ}[غافر:71-74].
واعترضه القفال وقال: لا نسلم أن الضلال والإضلال قد يكونان بمعنى العذاب، وأجاب عما يستدل به أصحابنا على استعمالهما في ذلك من قوله: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ}[القمر:47] وقوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ}[غافر:74] بأنه لا يجوز في الآية الأولى أن يكون معناها في ضلال عن الحق في الدنيا وسعر في الآخرة أي في جهنم، ويكون قوله: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ}[القمر:48] من صلة سعر، وأما الآية الأخرى فيحتمل أن يراد بإضلال الله إياهم إبطال أعمالهم وإحباطها في الآخرة، ويحتمل أن يراد به خذلانهم في الدنيا لإعراضهم عن الحق، فإذا خذلهم جاءوا يوم القيامة وقد بطلت أعمالهم.

والجواب: أن هذين التأويلين خلاف الظاهر، بل في تأويل الآية الأولى تفكيك النظم، وفي الأخرى تقدير مضاف وهو الأعمال، وكل ذلك لا ملجئ إليه، فلا يبعد المنع منه، وكذلك تأويل الآية الأخرى بالخذلان يأباه السياق ولا موجب له.
الوجه الخامس: أن يحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال، وهو وجه مستعمل في اللغة، وقد مر في الفاتحة، ومنه يقال: أضل القوم ميتهم، إذا واروه في قبره؛ لأنه يصير بذلك في حكم المستهلك الذي قد بطل وذهب.
قال النابغة:
وآب مضلوه بعين خلية .... وغودر بالجولان حزم ونائل
والمراد هنا أن الله أبطل أعمالهم، وأهلكها حتى لا ينتفعون بها.
واعترضه الرازي بأنه لا يليق حمل الآية عليه؛ لأن قوله: {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}[البقرة:26] يمنع منه.
والجواب: أنه لا يمنع منه إلا لو حملت الهداية على الدلالة والتوفيق، وأما إذا حملت على الإثابة والنجاة فلا. والله أعلم.
فهذه خمسة أوجه من التأويل إذا حملنا الإضلال في الآية على الإضلال عن الدين، وأما إن لم نحمله على ذلك ففيه تأويلات أخر:
أحدها: ما اعتمده أبو علي ومن وافقه وهو أن يحمل الإضلال على الإضلال عن طريق الجنة.
قالوا: وهذا في الحقيقة ليس بتأويل، بل حمل اللفظ على ظاهره؛ لأن الله تعالى لم يبين ما يضلهم عنه، فحملناه على هذا لعدم المانع منه، ولا ملجئ إلى غيره من المجازات والتأويلات البعيدة.
قال الرازي: ثم حملوا ما في القرآن على هذا، واحتجوا بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}[الحج:4] أي يضله عن الجنة وثوابها بدليل آخر الآية.
واعترضه الرازي بأنه قال: (يضل به)، أي باستماع الآيات، والإضلال عن طريق الجنة ليس بسبب استماع الآيات، بل بسبب الإقدام على القبائح.

205 / 329
ع
En
A+
A-