إجماع الأمة على قولهم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وذلك يدل على أن كل واقع في العالم فهو بمشيئة الله تعالى.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن الإجماع غير صحيح، قال السيد مانكديم: لأنا نخالف فيه وإنما هو من إطلاقات المجبرة.
الثاني: أن دلالة الإجماع سمعية لاستناده إلى الكتاب والسنة، ولا يصح لكم الاستدلال بالسمع حتى تثبتوا عدل الله وأنه لا يريد القبيح.
الثالث: أنه أحادي والمسألة قطعية.
الرابع: أن المراد من الإجماع غير معلوم ضرورة، فلا بد من تأويله بمتشابهات الكتاب والسنة، ولستم بأولى منا بالتأويل فنتأوله على ما يوافق دلالة العقل والسمع،وهما قد دلا على أن الله تعالى لا يريد القبائح، وأنه لا يجب وقوعه مما يشاءه إلا فعل نفسه كما مر فيجب تأويل هذا الكلام على الوجه الذي يمكن حمله عليه وهو أن ما يشاؤه من فعل نفسه كان وما لم يشأه لم يكن.
فإن قيل: لِمَ أخرجتم الطاعات من هذه المشيئة وأنتم تقولون إنه يشاؤها؟
قيل: إنما أخرجناها؛ لأن الكلام يقتضي أنه لا بد من كون ما شاءه ولم نجد ما يجب كونه عند المشيئة لا محالة إلا أفعال نفسه، وأما الطاعات فحصولها متوقف على اختيار المطيع كما مر.
فإن قيل: الظاهر من هذا التركيب العموم، وأنه لا يقع إلا ما يشاء، ولا مخصص لبعض ما يدخل تحت المشيئة دون بعض، فإن قلتم: المخصص العقل، قلنا: التخصيص به ممنوع أو غيره فدلوا عليه بدليل لا يحتمل التأويل.
قيل: المخصص العقل والسمع، وقد مر الدليل على جواز التخصيص بالعقل في الثالثة من مسائل قوله تعالى: {انَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}[البقرة:20].
وأما السمع فنحو قوله: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ}[غافر:31] نص في أنه لا يشاءُ بعض الكائنات، وهذا معنى التخصيص، وما أحسن ما قاله السيد محمد بن إبراهيم الوزير في هذا، وحاصله أنه لا دليل للخصم في ذلك إلا لو تبين بدليل آخر أن الله تعالى يشاء أن يكون العباد مجبورين على أفعالهم، لكنه قد ثبت أنه شاء أن يكونوا مختارين فيها بمشيئتهم لها لقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}[الإنسان:30] ولم يقل: وما تشاءون من غير استثناء كما قال الجبرية فقد كان الاختيار الذي شاء الله أن يكون العباد عليه، ولكن بعد مشيئة الله لذلك ولم يكن الجبر الذي لم يشأه الله.
الوجه الخامس: أنا نعارضهم بأمرين أحدهما إجماع المسلمين على قولهم لا مرد لأمر الله ثم لم يمنع ذلك من كون العصاة رادين لأمر الله بتركهم الطاعة وارتكابهم المعصية.
فإن قالوا: المراد بهذا الأمر لما يريده الله من فعل نفسه.
قلنا: فارضوا منا بمثله فيما شاء الله كان.
الثاني: قول الأمة: استغفر الله من جميع ما كره الله، فإنه يدل على أنه يكره المعاصي؛ لأنها التي وقع منها الاستغفار، وعلى مذهب الخصم يلزم أن يقال: استغفر الله عما يريده الله لا عن قولهم عن جميع ما يكرهه الله.
الشبهة الرابعة عشرة [الإضلال المذكور في القرآن]
ما اشتمل عليه القرآن من الآيات الظاهرة في إرادته تعالى للقبائح كآيات المشيئة ونحو ما في الآية التي نحن بصددها من قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً}[البقرة:26] فإنه جواب عن الاستفهام في قوله: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً}[البقرة:26] فكأنه قال: أراد أن يضل به كثيراً.
والجواب: أما آيات المشيئة فسيأتي الكلام عليها في مواضعها، وأما قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} فسيأتي الكلام عليه في المسألة التي بعد هذه.
الشبهة الخامسة عشرة [الأحاديث]
قالوا: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لو شاء الله أن لا يعصى لما خلق إبليس)).
والجواب: أنا نطالبكم بتصحيح الحديث، ثم إن صح فأحادي، والمسألة قطعية، ثم إن ذلك لا يتم على أصلكم؛ إذ لا تأثير لإبليس عندكم؛ لأن الفعل لله تعالى بزعمكم لحصوله بالقدرة.
وبعد فهو معارض بأحاديث كثيرة نحو ((إن الله كره لكم قيل وقال....))الخبر وحديث: ((إن الله كره لكم العبث في الصلاة)) وغير ذلك مما يتواتر معنى، وما كرهه الله لا يكون مريداً له على أن التأويل ممكن، وهو أن الله تعالى لو شاء المنع من المعصية بسلب القدرة عليها والاختيار لما خلق لما خلق إبليس؛ لأنه يعود على غرضه بالنقض، لكنه أراد التمكين من الطاعة والمعصية ليحصل ما أراده من التكليف. والله أعلم.
تنبيه
ما تقدم من أنه تعالى يريد الطاعات ويكره المقبحات يدل على أنه لا يريد المكروه كراهة تنزيه ولا يكرهه وهو كذلك، وفي حكمه الفعل اليسير والصادر عن غير المكلف، سواء كان الصادر عنه قبيحاً كالواقع من الساهي والنائم والبهائم فإنها وإن لم تقبح منهم فإنها قبيحة في نفسها عند من لا يعتبر القصد والعلم كما مر في الاستعاذة، والقول بأن الله تعالى لا يريد هذه الأنواع متفق عليه بين الشيوخ؛ لأنه لا غرض له سبحانه في إرادتها؛ إذ الغرض له جل وعز في إرادة فعل غيره ترجيح وجوده على عدمه والبعث عليه، وهذا مبني على التكليف بفعله، وهذه الأنواع قبيحة وما لم يكن حسناً فالكراهة لا يوجدها تعالى إلا للزجر عن الفعل ولا مدخل لذلك هنا، وهذه الدلالة بعينها تدل على أنه لا يكره المباح ولا يريده، وقد تقدم نحو ما هنا في عدم إرادة المباح وكراهته.
فإن قيل: إذا لم يكره المكروه فلم سمي مكروهاً؟
قيل: إنما سمي بذلك تجوزاً؛ إذ النهي عنه ليس حقيقياً؛ إذ لم يقترن بوعيد ولا غيره مما يقتضي قبحه، فكان سبب تسميته مشابهته للقبيح من وجه وهو استحقاق الثواب بتركه.
الفصل الثاني في الخلاف في إرادته تعالى لنعيم أهل الجنة
ذهب أبو علي إلى أنه لا يجوز من الله تعالى أن يريد أكلهم وسائر ما يتلذذون به من النعيم؛ لأنه مباح وقد تقدم أنه لا يريد المباح.
وقال أبو هاشم: بل يجوز ذلك، واختاره الإمام القاسم بن محمد، والدواري في (الغياصة).
قال الإمام المهدي: وهو الأقرب؛ إذ فيه كمال النعمة لهم إذا علموا أنه يريده، كما أن الضيف إذا علم أن المضيف يريد منه الأكل فإنه يكون ألذ وأهنأ، ولاتفاق العقلاء على أن السخي إذا وفر العطاء فإنه يريد أن المعطى يقبل منه ما أعطاه، والله عز وجل أولى بذلك لكرمه وغناه، ويدل عليه سمعاً قوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً}[الطور:19] وظاهر الأمر يقتضي إرادته إلا لدليل وإن لم يقتض كونه واجباً ولا مندوباً لسقوط التكليف، لكن لفعله على تركه مزية وهو كونه ثواباً يستحق على أبلغ الوجوه.
فإن قيل: هلا جاز إرادة أكل أهل الدنيا ونحوه ليكون أكمل في الإحسان ويكون تفضلاً؟
قيل: قد مر الجواب عن هذا في الفصل الأول، وأما قولهم: إنه يكون تفضلاً، فالتفضل غير واجب على الله تعالى فلا يكون إلى العلم بتلك الإرادة طريق، فيكون عبثاً بخلاف نعيم أهل الجنة لوجوبه.
قلت: لقائل أن يقول: الطريق إلى العلم بذلك في المباح موجودة، وهي ما تقدم من الدليل العقلي، ولورود الأمر بالأكل ونحوه كما مر، واستدل له السيد أحمد الشرفي بحديث: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه...))الخبر، وقد مر تخريجه في الرابعة من مسائل قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ}[البقرة:9] ثم أورد سؤالاً وهو: إنكم قد قلتم: إن الإرادة في حق الله تعالى المراد وعلمه باشتمال الفعل على المصلحة فما هي في المباح ونعيم أهل الجنة؟ وأجاب بأنها الأمر بالمباح والإخبار به، وبيان حكمه، ونعيم أهل الجنة مع نصب قرينة ترجح الفعل على الترك، أو علمه باشتمال ذلك الفعل على المصلحة.
نعم ولقائل أن يقول: إذا كان الثواب مستحقاً على أبلغ الوجوه وقد قلتم: إنه يجوز إرادة التذاذ أهل الجنة فإنه يجب القطع بوقوع تلك الإرادة؛ لأن أبلغ الاستحقاق لا يحصل من دونها ولا مانع منها.
قلت: أما قاضي القضاة فقد حكى عنه الحاكم وجوبها لذلك، ويوضحه أن تعظيمهم يظهر بهذه الإرادة، ولأنه لما وفر دواعيهم ومنع صوارفهم صار ملجئاً لهم إلى الانتفاع، والملجئ إلى فعل لا بد أن يريده.
وقال الإمام المهدي: الأقرب عدم الوجوب، وإنما الواجب خلق الشهوة والمشتهى، والتمكين منه على وجه التعظيم، ولا دليل على وجوب أكثر من ذلك، ولا نسلم أن الإلجاء يوجب الإرادة، بل يجوز أن تتعلق إرادته بمجرد الإلجاء، سيما إذا كان إلجاء بطريق الدواعي والصوارف كما خلق فينا شهوة المباح في الدنيا ولم يصرفنا عنه صارف يقاوم الداعي ولم تجب إرادته.
الموضع السادس في الرضا والسخط والولاية والمحبة
ذهب أكثر الأصحاب إلى أن الولاية والمحبة والرضا بمعنى إرادة نفع الغير وكراهة مضرته، والسخط كراهة نفعه وإرادة مضرته، وقد ذكرنا حجتهم على ذلك في قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}[الفاتحة:7] وإذا كانت بمعنى الإرادة والكراهة فهي حادثة فلا يصح القول بأن الله تعالى ساخط فيما لم يزل خلافاً لسليمان بن جرير، وقد مر الكلام عليه في الرابعة من مسائل قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}[الفاتحة:7].
وقالت النجارية: ليست معاني هذه الألفاظ متفقة في المعنى، واختاره السيد محمد بن إبراهيم.
وقال الرازي: الرضا ترك الاعتراض والمحبة ليست مجرد الإرادة، فيجوز أن يريد الشيء ولا يحبه، وفرق بينهما بأن المحبة التي لا تبعة فيها فهي أخص، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.
قال الإمام المهدي: ولعله أراد بها الشهوة، ولهذا قال: لا يشتهيه، ويجوز التمدح بنفي الشهوة عنه تعالى وإن كانت مستحيلة عليه سبحانه كما في قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا}[الجن:3] واحتج هؤلاء على الفرق بين هذه الألفاظ بوجهين:
أحدهما: ما نقل عن أهل اللغة من الفرق، ومنه قول ابن دريد:
رضيت قسراً وعلى القسر رضا .... من كان ذا سخط على صرف القضا
فقال: رضيت قسراً، والمقسور ليس بمريد لما قسر عليه، بل تارك للاعتراض، ويقول الواحد منا: أحب جاريتي، ولا يقول: أريدها.
الثاني:أن الصائم العاطش يحب شرب الماء للطبيعة ولا يريده.
والجواب: أن ابن دريد ليس من العرب العرباء، بل من الأدنى فلا حجة في شعره، فلا نسلم أن القسر يمنع الإرادة، فإن الإنسان قد يريد فعل ما أكره عليه لينجو، سلمنا فالمعلوم أن الرضا بمعنى الإرادة ظاهر في اللغة كما يقال: رضيت هذا الشيء، ورضيت البيع والنكاح، أي أردته؛ إذ لا يحتمل هنا ترك الاعتراض، ولا يكفي في تنفيذ ذلك، بل لا بد من الإرادة، فإن استعمل في ترك الاعتراض فمجاز؛ لأن الغالب فيمن ترك الاعتراض في شيء أنه مريد له، لا سيما إذا كان له به تعلق.
وأما المثال فالمحبة فيه بمعنى الشهوة وهو استعمال مجازي؛ لأن الغالب فيمن اشتهى شيئاً أن يكون مريداً له، سيما حيث لم يكن فيه قبح، وقيل أبو علي: هو مِن مجاز الحذف أي أحب الاستمتاع بجاريتي، فتكون المحبة بمعنى الإرادة حقيقة، وهكذا يقال في محبة الصائم للماء يعني أن المحبة بمعنى الشهوة، وإنما حملناها على ذلك؛ لأن استعمال المحبة بمعنى الإرادة ظاهر شائع في اللغة ولا يحتمل، قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه}[المائدة:54] غير الإرادة لاستحالة الشهوة عليه تعالى أي يريد إثابتهم، ويريدون طاعته، وكذلك قول علي عليه السلام في قتل عثمان: والله ما كرهت ولا رضيت أو كما قال، فقابل الكراهة بالرضا وهي ضد الإرادة، وكذلك الولاية، والموالاة معناها إرادة النفع، وكراهة الضرر.
قال الإمام المهدي: ولا بد من تعظيمه مع الموالاة؛ لأنا لا نسمى أولياء لليهود وإن كرهنا مضرتهم في الدنيا وأردنا نفعهم ، ومنه قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}[البقرة:257] ونحوها وقد نريد نفع الأعداء ودفع المضار عنهم أيام الهدنة ولا نكون بذلك موالين.
تنبيه
قال النجري: وقولنا إن الرضى وما ذكر معه بمعنى إرادة النفع وكراهة الضرر والسخط بالعكس إنما هو في الشاهد، فأما في القديم تعالى فليس معناهما إلا الإرادة فقط؛ إذ لا يكره الله عقاب الأنبياء ولا ثواب الكفار؛ لأنه لا يكره القبيح من فعله لعدم الفائدة كما تقدم.
تنبيه
وما تقدم من أن الألفاظ المذكورة بمعنى إرادة النفع إلى آخره في حق الله تعالى إنما هو عند أكثر أصحابنا خلافاً للإمام القاسم بن محمد وأتباعه فقالوا: معنى رضا الله ومحبته، والولاية بمعنى المحبة الحكم باستحقاق الثواب قبل وقته، وإيصاله إليه في وقته، والكراهة الحكم باستحقاق العقاب قبل وقته، وإيصاله في وقته في الدار الآخرة، والسخط بمعناها، والوجه في ذلك أن حملها على المعنى الحقيقي لا يجوز في حقه سبحانه وتعالى؛ لأنها أعراض وهو عز وجل ليس بمحل للعرض. وإلى هنا انتهى الكلام على مسألة الإرادة، والحمد لله على هدايته وإرشاده.
وبقيت أبحاث تتعلق بالمسألة كبيان أحكام الإرادة، وما يجري على الله من الأسماء باعتبار كونه مريداً ونحو ذلك، وسنذكرها في غير هذا الموضع إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة [في الإضلال]
قالت المجبرة: قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً}[البقرة:26] يدل على أن الله تعالى يضل بعض خلقه عن الدين أي يخلق فيهم الضلال، وذلك أن المعنى الأصلي في الإضلال عن الدين عندهم إنما يكون بالدعاء إلى تركه وتقبيحه في أعينهم، وهذا هو الإضلال المنسوب إلى الشيطان وفرعون ونحوهما، وهذا لا يجوز نسبته إلى الله إجماعاً.
قال الرازي: الأمة مجمعة على أن الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى؛ لأنه ما دعا إلى الكفر ولا رغب فيه، بل نهى عنه وزجر، وتوعد بالعقاب عليه، وإذا انتفى هذا المعنى الحقيقي ثبت بالإجماع أن الآية ليست على ظاهرها، فحينئذٍ لا بد من التأويل، فأهل الجبر حملوها على أن المراد بذلك خلق الضلال فيهم وصدهم عن الإيمان، وربما قالوا هذا حقيقة اللفظ؛ لأن الإضلال عبارة عن جعل الشيء ضالاً كما أن الإخراج عبارة عن جعله خارجاً، هكذا حقق مذهبهم الرازي وما ذكره من أنهم ربما قالوا: إن حقيقة الإضلال هو خلق الضلال فيهم، وصدهم عنه هو الظاهر من مذهبهم.
قال أبو حيان: وإسناد الضلال إلى الله تعالى إسناد حقيقي كما أن إسناد الهداية كذلك فهو خالق الضلال والهداية.
وفي كتب أصحابنا عنهم أنهم ينسبون ذلك إلى الله تعالى على معنى أنه يغويهم ويصدهم عن الدين وهو الجاري على مذهبهم في أنه تعالى الخالق لأفعال العباد، وأنه لا يقبح من الله تعالى قبيح.
وإذا عرفت تحقيق مذهبهم فاستمع لما أملي عليك في رده وإبطاله من كلام أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، فأقول:
أجابت العدلية بأنكم قد اعترفتم بأنه لا يجوز القول بأن الله تعالى دعاهم إلى ترك الدين وقبحه في أعينهم، وإنما المعنى أنه خلق الضلال فيهم، أو صدهم عنه، وحال بينهم وبينه بأي الموانع، وهذا باطل لغة، وعقلاً، ونقلاً، أما اللغة فلأنا قد استوفينا المعاني اللغوية للإضلال في قوله تعالى: {وَلاَ الضَّالِّينَ} ولم ينقل أحد من أئمة اللغة أن خلق الضلال أو الصد عن الدين من معانيه، وإنما المعروف في اللغة أنه يقال لمن منع غيره من أمر على جهة القسر والجبر: إنه منعه وصرفه، ولا يقال أضله إلا إذا لبس عليه، وأورد عليه شبهة لا يهتدي معها.
وأما العقل فمن وجوه:
أحدها: أنكم جعلتم أساس مذهبكم هذا كون الباري تعالى هو الخالق لأفعال العباد، وأنه لا يقبح منه قبيح لو فعله، وقد أبطلنا هذين الأساسين في الاستعاذة والفاتحة، وفي مواضع أخر من كتابنا هذا.
الثاني: أنه لو كلفهم مع خلقه للضلال فيهم، ومنعهم منه للزم قبائح كثيرة، كتكليف ما لا يطاق وفعله للجهل فيهم وعدم الفائدة في إنزال الكتب، وبعثة الرسل إلى غير ذلك من اللوازم الفاسدة، وقد تقدم كثير منها في الثالثة من مسائل الاستعاذة وغيرها.