[شبهات المجبرة حول نسبة المعاصي]
والعجب من هؤلاء المجبرة كيف يتجاسرون على أن ينسبوا إلى الله عز وجل ما لو نسب إلى أحدهم أو إلى أحد من قراباتهم ورؤسائهم لتبرموا وتجرموا، وبرأوا أنفسهم منه بغاية ما يمكنهم من البراءة، وقد تعلقوا على مذهبهم الفاسد بشبه عقلية وسمعية، ونحن نذكرها ثم نجيب عنها بعون الله تعالى وحسن لطفه وتوفيقه فنقول:
الشبهة الأولى [في القبح]
أن القبيح لا يتصور في حق الله تعالى؛ لأنه إنما يقبح لكون فاعله منهياً عنه أو مملوكاً، والباري تعالى لا يصح عليه شيء من ذلك.
والجواب أنا لا نسلم أن وجه القبح ما ذكرتم، وقد استوفينا الكلام على ذلك في السابعة من مسائل الحمد لله.
الشبهة الثانية [الإرادة]
أنه لو وقع في ملكه ما لا يريد أو لم يقع ما أراده لدل على عجزه كما في الشاهد، فإن الملك إذا وقع من رعيته ما يكرهه أو لم يقع ما يريده فإنه يدل على عجزه.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن هذا القياس لا يصح على أصلكم؛ لأنكم تمنعون قياس الغائب على الشاهد كما مر في السابعة من مسائل الحمد لله.

ثانيها: أن الذي يدل على العجز إنما هو ما أراده من فعل نفسه، أو من فعل غيره على طريق الحتم والإكراه ثم لم يقع، وأما ما أراده من فعل غيره على جهة الاختيار من العبد فلا نسلم أن عدم وقوعه يدل على عجزه من إيجاد وقوعه، وتحقيق ذلك أن ما يريده الله لا يخلو إما أن يكون من فعل نفسه، أو من فعل غيره، إن كان الأول فلا شك أن عدم وقوعه دليل على العجز والضعف؛ لأن من حق القادر على الشيء إذا خلص داعيه إليه أن يقع لا محالة، وإلا خرج عن كونه قادراً عليه، وإن كان الثاني فإما أن يريده على طريق الإكراه والحمل على وقوعه، أو على طريق اختيار فاعله، إن كان الأول فعدم وقوعه دليل على عجزه عن السبب الذي يتوصل به إلى الإكراه والحمل على الفعل، وإن كان الثاني فلا؛ لأن المرجع بالعجز إلى زوال القدرة، وليس عدم وقوع الفعل من الفاعل المختار يدل على عجز من يريد منه ذلك، بل ولا يدل على عجز الفاعل نفسه مع عدم خلوص الداعي، وهكذا يقال فيما قالوه في الملك إذا لم يكن له في فعل رعيته نفع ولا عليه من تركه ضرر كأن يريد منهم طاعة الله ليفوزوا بثوابه ويسلموا من عقابه، وهذا حال الباري تعالى في إرادته لوقوع الطاعة من عباده فإنه لا نفع ولا ضرر عائد عليه، وإنما ذلك عائد إليهم فقط، ولذلك نظائر فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد إيمان الكفار وطاعتهم، ولا يدل عدم إيمانهم على عجزه، وكذلك المسلمون إذا أرادوا من اليهود دخولهم في الإسلام وترك المضي إلى الكنائس باختيارهم ثم لم يقع شيء من ذلك فإنه لا يدل على عجزهم.
ثالثها: أنه قياس مع وجود الفارق فإن عدم وقوع ما يريده الملك إنما يدل على عجزه؛ لأن له فيه نفعاً من حيث أنه يتقوى به بخلاف الباري تعالى لاستحالة المنافع والمضار عليه.

رابعها: أنه لا قياس إلا بعلة جامعة وهي مفقودة هنا، وما ذكره ليس بعلة، وبيان ذلك أن الأمر عندنا لا يكون إلا بما يريد الآمر، ونحن متفقون نحن وأنتم على أن الله تعالى قد أمرنا بالطاعة ثم لم يقع مراده، والمعلوم عندنا وعندكم أن ذلك لا يدل على عجزه وضعفه، وهذا بخلاف الملك فإنه لو أمر جنده بأمر لم يقع ما أمر به لكان أدخل في الدلالة على عجزه من أن يريد منهم ذلك الأمر ثم لم يقع، فصح أن عدم وقوع المراد ليس دليلاً على العجز، ولا علة له وإلا لكانت مطردة.
فإن قيل: إنما لم يدل عدم وقوع المأمور به على العجز في حق الباري تعالى؛ لأنه قد يأمر بما لا يريد بخلاف الواحد منا فإنه لا يأمر إلا بما يريد، فلهذا دل ذلك على العجز إن لم يقع ما أمر به وأنتم إنما أبطلتم هذا القياس؛ لأنكم بنيتم على غير أساس وهو اعتقادكم الفاسد أن الله تعالى لا يأمر إلا بما يريد، وقد أوضحنا لكم الفرق بين الموضعين.

قيل: هذا فرق من غير فارق، وقول عن منهج الحق مارق، بل الصحيح الواضح بالدليل الصريح أن الله تعالى لا يأمر إلا بما يريد، وقد مر في الموضع الأول أنه لا دليل على كونه تعالى مريداً إلا وقوع أفعاله على الوجوه المختلفة، ومن ذلك صيغة افعل فإنها تكون أمراً وتهديداً، ولا فرق بينهما إلا من حيث الإرادة والكراهة، ومثاله أن يقول الرجل لغلامه: ناولني الثوب، وكان بين يديه إناء يخاف أن يكسره فيقول: واكسر الإناء، فإنا نعلم أن الصيغة أمر، والثانية تهديد، ولا فرق بينهما إلا أنه مريد لما تعلقت به الأولى من مناولة الثوب، وكاره لما تعلقت به الثانية،ولولا الإرادة لم يكن بين قوله تعالى : {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ}[الأنعام:72] وقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}[المائدة:2] وقوله: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ..} الآية[الإسراء:64]،فرق لاتحاد الصيغة، والمعلوم أنها في الأول أمر، وفي الثاني إباحة، وفي الثالث تهديد، وليس الوجه في ذلك إلا كونه مريداً لبعض، وكارهاً لبعض، ومبيحاً لبعض.
قالوا: قد أمر الله تعالى بما لا يريد كما في أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نهاه عنه، ولو أراده لم ينهه.

قلنا: لا تعلق لكم بالظاهر؛ لأن ظاهره إنما يقتضي أنه رأى في المنام أنه يذبحه، فمن أين أن ذلك أمر من الله تعالى، فإذا بطل التعلق بالظاهر ورجع إلى التأويل فلستم بأولى منا فنقول: أراد بالذبح مقدماته من الإضجاع ونحوه، وصح ذلك لقرب المقدمات من الذبح كما يقال في مقدمات الموت من المرض الخوف إنه موت قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ}[البقرة:180] والمعلوم أن الوصية لا تقع منه مع وقوع الموت وحضوره، ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}[الصافات:105] إذ لو كان المراد الذبح الحقيقي لم يصح أن يقال: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}[الصافات:105] فإذا ثبت ذلك صح أن إبراهيم قد فعل ما أمر به وأريد منه.
قالوا: لو كان الأمر كما ذكرتم لم يكن امتحاناً.
قلنا: يجوز أن يكون عليه السلام لما أمر بذلك ظن أنه يؤمر بالذبح، فكان امتحاناً من هذه الجهة.
قالوا: لو كان كذلك لم يكن للفداء من إضجاع قد وقع معنى.
قلنا: ليس بفداء حقيقة، وإنما سمي بذلك لظن إبراهيم عليه السلام أنه سيؤمر بالذبح هكذا قيل.
وفي الآية أبحاث طويلة سنستوفيها في محلها إن شاء الله تعالى.
قالوا: أمر الله تعالى رسوله -صلى الله عليه وآله- ليلة المعراج بخمسين صلاة ثم ردها إلى خمس، فلو كان مريداً لها لما ردها إلى ذلك.
قلنا: هذا الحديث بالنظر إلى ظاهره لا يجوز الاعتماد عليه لما فيه من النسخ قبل إمكان العمل وهو لا يجوز؛ إذ هو دليل الجهل والبداء فلم يبق إلا رده، أو تأويله على وجه يصح وهو أن نقول: هو أمر مشروط بأن لا يراجع في ذلك، ولا مانع من تعلق المصلحة به إن لم يراجع فإن راجع تعلقت المصلحة برد الأمر إلى الخمس، ومثل ذلك صحيح ولولا هو لما حسن الدعاء.

قالوا: قد يوجد في الشاهد أن الحكيم يأمر بما لا يريد، كلو شكا رجل إلى السلطان معصية غلامه فأحضره عند الملك وأمره بأمر ليصدق شكواه، فإن المعلوم أنه لا يريد ما تناولته الصيغة؛ لأنه يعود على غرضه بالنقض.
قلنا: مثل هذا ليس أمراً حقيقة لعدم الإرادة.
وبعد فإن قولكم هذا لا يتأتى إلا على مذهبكم الفاسد وهو أنه لا يقبح من الله قبيح؛ لأن عندكم أنه وإن كان أمره بما لا يريد يصير عبثاً فهو لا يقبح من الله جل جلاله.
وأما على مذهب أهل العدل الذي قام دليله، واستنار سبيله، فلا يصح ذلك لما مر من أن الفاعل لما لا يريد يكون سفيهاً عابثاً إذا كان فعله مقصوداً لذاته، ولا ريب أن أمر الباري المتوجه إلى عبيده لا يكون إلا مراداً مقصوداً لذاته، وإلا لما وجب امتثاله وكان كأمر الساهي والنائم لعبيده -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ثم إنا نقول: ألستم تقولون: إن الأمر يدل على الطلب، والطلب عندكم غير الإرادة، وتقولون إن ذلك الطلب قائم بذات الباري، فنحن نلزمكم في هذا الطلب الذي لا يجوز أن يتعرى الآمر منه بمثل ما قلتم في الإرادة من جواز تعري الأمر منها؛ لأن الحال فيهما واحد.
الشبهة الثالثة [فعل القبائح]
إن الله تعالى فاعل للقبائح وخالق لها، فيجب أن يكون مريداً لها؛ لأن العالم بما يفعله لا بد من أن يريده، دليله الشاهد.
والجواب من وجوه:
أحدها:أَن شبهتكم هذه متناقضة، فإنكم بنيتم أولها على أنه فاعل القبائح، ثم نقضتم ذلك بإثبات فعلها للشاهد وأقستم الغائب عليه، وهذه مناقضة ظاهرة لا يصح الاستناد إلى هذه الشبهة معها.
الثاني: أنا لا نسلم أنه فاعل القبائح وحاشاه من ذلك، بل ولا فاعل لغيرها من أفعال خلقه، وقد أبطلنا دعواكم هذه في مواضع من كتابنا هذا.
الثالث: أنا نطالبكم ببيان العلة الجامعة بين الشاهد والغائب في هذا القياس.

فإن قلتم: هي كون العالم بفعله لا بد من أن يريده؛ إذ لا علة لوجوب إرادة الواحد منا لفعله إلا كونه عالماً به وهذه العلة موجودة في الغائب.
قلنا: لا نسلم أن العلة ما ذكرتم وإلا لوجب اطرادها، وقد مر أن الواحد منا يفعل الإرادة والكراهة، ولا يجب أن يريدهما وإن علمهما، سلمنا فلا نسلم أن القبائح فعله.
فإن قيل: لو ثبت أنه غير فاعل لها فقد ثبت أنه عالم بها وقادر على المنع منها، وذلك يدل على أنه مريد لها وإلا لمنع منها.
قيل: قد منع أشد المنع بالنهي والزجر، والوعيد الشديد، ولا يصح منه المنع بغير ذلك من القسر والإلجاء لئلا يبطل التكليف.
الشبهة الرابعة [الإكراه]
أنه لو كان كارهاً للمعاصي لكان فاعلها مكرهاً له كما أن من فعل الطاعات يكون مرضياً له.
والجواب أن المكره في اللغة هو الملجأ إلى الشيء ولم يلجؤوه إلى شيء فيقال: أكرهوه بخلاف المرضي.
الشبهة الخامسة [العلم السابق]
أن الله تعالى أمر بمجاهدة الكفار، وأراد المجاهدة لهم ولم يتم جهادهم إلا بكفرهم فوجب أن يراد؛ لأن ما لم يتم المراد إلا به فهو مراد.
والجواب: لا نسلم أنه يجب فيمن أراد فعلاً أن يريد ما عنده يحصل بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمر الزاني بالغسل من الجنابة، والتوبة من الزنا، وأمر بإقامة الحد عليه ونحو ذلك مما يترتب حصوله على وقوع الزنا لا يوصف بأنه مريد للزنا.
جواب آخر: وهو أن إرادته تعالى لجهاد الكفار إرادة مشروطة بوقوع الكفر.
الشبهة السادسة [الأمر هل يقتضي القضاء]
أنه أمر بجهاد الكفار وهو لا يتم إلا بأن يقاتلونا فاقتضى ذلك أنه يريد قتالهم إيانا وهو معصية، وندبنا إلى الشهادة وهي لا تتم إلا بفعل الظالم فاقتضى إرادته.
والجواب أنه أراد منا الجهاد، وطلب الشهادة ولم يرد منهم ذلك، بل هو كاره لقتالهم إيانا؛ لأنه إنما أمر بجهادهم لكفرهم لا ليقاتلونا.
الشبهة السابعة [خلق إبليس]

أنه خلق إبليس وأنظره مع علمه بأنه يدعو إلى المعاصي فدل على أنه يريدها.
والجواب أن نهيه عن الإغواء دليل على كراهتها، وحسن خلقه وإنظاره لأمر آخر قد ذكرناه في الاستعاذة.
الشبهة الثامنة [كراهة الله للمعاصي]
أنه تعالى لو كره المعاصي ولم يردها لصح أن يقال: إنها وقعت سواء شاءها الله أم أباها، وسواء سخطها أم رضيها، ومن يرتكب هذا فهو كافر.
والجواب: أن الإباء للشيء يكون بمعنى الكراهة له مع المنع منه، يقال: أبى الظلم أي كرهه ومنع منه، وبمعنى الكراهة فقط، فإن أراد هذا القائل المعنى الأول وهو أنها تقع ولو كرهها الله تعالى ومنع منها على جهة القسر والحمل على تركها، فلا شك في كفره؛ لأنه كما لو قال إن الله تعالى لا يقدر على المنع منها بالقسر لو أراده، وذلك باطل في حقه تعالى؛ لأنه قادر على هذا المنع لولا حكمة التكليف، وإن أراد الثاني وهو أنها وقعت وهو كاره لفعلها فلا محذور في ذلك، ولا يكفر من أراده، بل هو حقيقة الإيمان والقول بالعدل.
الشبهة التاسعة [هل يقبح من الله ما يقبح من غيره؟]
إن الذي يعولون عليه في هذا الباب أنه يقبح من الله ما يقبح من غيره، وهذا باطل بدليل أن إبليس يريد موت الأنبياء ويقبح منه، والباري تعالى يريد موتهم ولا يقبح منه، فهلا جاز أن يقال إن الله تعالى يريد المعاصي ولا يقبح منه؟
والجواب: أنه قد ثبت أنه يقبح من الباري تعالى ما يقبح من غيره، وقد مر الكلام على ذلك في الفاتحة.
وأما الصورة المذكورة فإنما قبح ذلك من إبليس -لعنه الله- ولم يقبح من الباري لاختلاف الوجه في الإرادتين؛ وذلك أن الله تعالى إنما أراد موتهم لما علمه من المصلحة، ولإرادة الخير لهم بوصول دار الكرامة، والخروج من دار الذل والإهانة، وأراد إبليس ذلك لما في موتهم من ضعف الدين والخلل على المسلمين، وهذا من أقوى الأدلة على إثبات الحسن والقبح العقلي، ألا ترى كيف اختلف الفعل الواحد حسناً وقبحاً لما اختلف وجهه.

الشبهة العاشرة [الاخبار هل يدل على الرضاء؟]
أنه تعالى إذا أخبر أن فلاناً يقتل ظلماً فلا بد من أن يريد قتله ظلماً، وإلا كان مريداً لأن يكون كاذباً تعالى الله عن ذلك.
والجواب: لا نسلم أن ذلك يوجب إرادة قتله بدليل أن النبي -صلى الله عليه وآله- أخبر بقتل الحسين وهو كاره له ضرورة حتى روي أنه كان يبكي لذلك.
وقوله: وإلا كان مريداً لكونه كاذباً.
قلنا: إنما يلزم ذلك لو أراد الإخبار عن وقوع ما يعلم أنه لا يقع، وأما على ما وصفتم فلا، ولهذا يصح منه كراهة قتله ظلماً، ولو كان مريداً لقتله لكان قد حصل على صفتين متضاددتين.
الشبهة الحادية عشرة [المشيئة]
قالوا: لو لم يكن مريداً إلا للطاعات لوجب فيمن حلف ليأتين ببعض الطاعات وعلق قسمه بمشيئة الله أن يحنث إن لم يأت بتلك الطاعة؛ لأن الله تعالى يشاء الطاعات ولا يشاء منه غيرها، والإجماع على خلافه، فدل على أنه يشاء الواقعات أجمع معصية وطاعة؛ لأن المعنى إن شاء الله مني ذلك لا أن شاء الله مني غيره من أفعالي.
والجواب من وجهين:
أحدهما: ذكره أبو علي، وأبو هاشم وهو أن هذا الكلام لا يراد به حقيقة الشرط، وإنما يورد لقطع الكلام عن النفوذ، وللدلالة على أنه شاك غير قاطع بوقوع ما حلف عليه كما يقتضيه العرف فلا يحنث.
والثاني:أنه وإن أريد به حقيقة الشرط فإن غرض قائله أفعل إن وفقني الله تعالى لذلك وسهل السبيل إليه، فإذا لم يحصل دل على أنه لم يوفق لذلك؛ لأنه لم يكن له في المعلوم لطف يختار عنده الملطوف فيه لا محالة، ولهذا لم يحنث، وهذا اختيار أبي عبد الله البصري.

قيل: الأول أصح لظهوره عرفاً، ولأن قول أبي عبد الله لا يثبت إلا في الواجبات والمندوبات دون المباحات لعدم اللطف فيها؛ إذ لا تتعلق بها مشيئة لله تعالى والقسم المعلق بالمشيئة قد يدخل المباحات، لكنه يرد على أبي علي سؤال وهو أنه لو قصد به حقيقة الشرط فإما أن يقول إنه يحنث،وفيه خرق للإجماع أو لا فلا وجه له مع انتفاء العرف الذي لأجله منع الحنث،وجوابه أن دعوى الإجماع غير صحيحة فإن عامة الزيدية على خلافه،ولذا قالوا فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله: إنه ينظر فإن كان ممسكاً لها بالمعروف لم يقع الطلاق؛ لأن الطلاق يكون حينئذٍ مباحاً والله لا يريد المباح وإلا وقع؛ لأن الطلاق حينئذ يكون مراداً لله تعالى لما في الإمساك من الضرار، وهكذا قالوا في العتق المعلق بالمشيئة، فإن كان العبد صالحاً عتق؛ لأن عتقه يكون مراداً لله تعالى لما فيه من القربة وإلا فلا؛ لأنه يكون مباحاً.
الشبهة الثانية عشرة [إباحة القبح عند الإكراه]
قالوا: كما أراد القبيح وأباحه عند الإكراه كالنطق بكلمة الكفر فلتحسن منه إرادته لا منا.
والجواب: أما عند أبي علي، وأبي هاشم فلا يحسن ذلك إلا تعريضاً، والقائل بحسنه وإباحته أبو الهذيل، واستبعده المشائخ إلا أن يكون المكره كالملجأ فيكون الفعل للذي أكرهه لا له، ولذا لا يذم عليه، وسئل أبو علي، وأبو هاشم عمن لم يخطر بباله التعريض فقالا بمنعه، ولا بد أن يخطر الله بباله الحث على التعريض ويمكن منه.
وقال القاضي فيما رواه عنه أبو رشيد: إذا قال أبو الهذيل بحسن إباحة القبيح من الله تعالى عند الإكراه، فهلا قال يجوز أن يحسن فعل القبيح من الله تعالى فأجاب بأنه يجوز أن يحسن عند الإكراه ما لا يحسن عند الاختيار.
قلت: وقد مر في السابعة من مسائل الحمد لله ما يؤخذ منه معرفة كون القبيح يخرج عن القبح بالإكراه ونحوه أم لا.
الشبهة الثالثة عشرة [فيما شاء الله]

203 / 329
ع
En
A+
A-