من إرادته فإنه يأكله لا محالة مع عدم إرادته، وحصول المانع من الإرادة جائز؛ لأنها من جملة المقدورات، ويجوز أن لا يخلق الله فينا القدرة عليها، وقد مر نحو هذا في الموضع الأول.
وأما ما يحسن أن يراد فهو الحسن إذا لم يتعلق بالإضرار بالنفس ولم يكن عبثاً، فإن كان في الحسن إضرار بالنفس فتجب إرادته عند أبي علي، وابن متويه كالعاصي إذا أراد نزول العقاب بنفسه؛ لأن العقاب ضرر محض، فكما لا يحسن فيه إنزاله بنفسه، فكذلك لا يحسن منه أن يريد نزوله به.
وقال أبو هاشم: هو ملجأ إلى عدم إرادة ذلك، فلو فعل الإرادة احتمل حسنها لا متعلقها حسن وهي تابعة للمراد، واحتمل قبحها؛ لأنها إرادة للإضرار بالنفس.
وأما اشتراط أن لا يكون عبثاً فإنما ذكر للاحتراز به عن إرادتنا للمكروهات، وعن إرادة الباري تعالى لها، وللمباحات عند من لا يجوز عليه تعالى إرادة المباح.
قال الإمام عز الدين: أما إرادتنا للمكروهات فلا نسلم قبحها إذا كان لنا فيها غرض بل تكون حسنة؛ لأن حسن الإرادة يثبت إذا تعلقت بحسن مع غرض فيه، فإن لم يكن في المكروه غرض قبحت إرادته؛ لأنه عبث والعبث قبيح، وإرادة القبيح قبيحة وذلك هو وجه قبحها، ولقائل أن يقول: إذا تعلق بالمكروه غرض صحيح خرج عن الكراهة، وكلام الأصحاب إنما هو فيما بقي فيه وجه الكراهة فلا وجه لاعتراض الإمام عليه السلام .
وأما ما يقبح أن يراد فهو كل قبيح أو حسن صفته ما تقدم.
وإذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن الأفعال ضربان: أفعال الله تعالى، وأفعال غيره:
فأما أفعاله سبحانه وتعالى فاتفقت العدلية من أهل البيت" وغيرهم على أنه يريدها، بل رواه الإمام يحيى عن أهل القبلة كافة ما خلا إرادته تعالى وكراهته فإنه قد خالف في إرادتهما من أثبتهما معنى محدثاً فقالوا: لا يجب فيه أن يكون مراداً، والدليل على أنه تعالى مريد لأفعاله من وجوه:
أحدها: أنه قد اجتمع شرائط وجوب الإرادة المتقدمة فإنه فعل أفعاله وهو عالم بها؛ لأنه عالم لذاته ولم تفعل تبعاً لغيرها، بل هي مقصودة في نفسها، وله في فعلها غرض صحيح نحو كونها إحساناً ولطفاً، وتمكينا وبياناً، أو مستحقة، أو غير ذلك، ولا مانع من إرادتها؛ لأن الإرادة من جنس المقدورات وهو قادر لذاته فلا يجوز عليه المنع، فمع توفر هذه الشرائط فإنه لا بد وأن يريد فعله.
ثانيها: أنه قد ثبت أنه تعالى حكيم والحكيم لا يفعل ما لا يريد، وإلا كان فعله عبثاً.
ثالثها: أن أفعاله تعالى حكمة وهي لا تكون كذلك إلا بالإرداة التي تخصصها بوجه دون وجه، والمراد بقولنا بوجه دون وجه كون الفعل لطفاً، أو إحساناً، أو عقاباً أو نحو ذلك.
وأما كون إرادته تعالى وكراهته لا يحتاجان إلى إرادة عند من أثبتهما معنى محدثاً فلعدم استكمال الشرائط المتقدمة فيهما من حيث أنهما لا تكونان مقصودتين لذاتهما، وإنما هما تابعتان لغيرهما وهو الفعل المراد والمكروه، فما دعا إليه دعا إليهما على ما مر.
قال السيد مانكديم: ولأنه لا فائدة في إرادتهما، قال: ولسنا نمنع من صحة إرادتهما فإن ما يصح حدوثه يصح أن يراد ويكره وهما مما يصح حدوثه.
قال القرشي: وهذا الكلام في إرادته تعالى المتعلقة بأفعاله، فأما المتعلقة بفعل غيره فيجب أن يريدها؛ لأنها لا تفعل تبعاً لغيرها، بل لغرض يخصها.
قال في (المعراج): وهذا قول المتأخرين، والغرض الذي يخصها هو كونها مرغبة في فعل الواجب والمندوب، وباعثة عليهما، وأوجد الكراهة أيضاً لغرض يخصها وهو كونها زاجرة عن فعل القبيح وصارفة عنه، وكل ما فعل لغرض يخصه وكان الفاعل له عالماً به فإنه يجب أن يكون مراداً كما تقدم.
وقد حكي عن قاضي القضاة أنه تعالى يريد كراهته لفعل غيره، وأما قدماء المتكلمين فأطلقوا القول بأن الله تعالى لا يريد إرادته، ولا كراهته من غير فصل بين ما يتعلق بفعله، وما يتعلق بفعل غيره.
تنبيه [في أن أفعال الله حسنة]
ولا يكره الله سبحانه شيئاً من أفعاله؛ لأن القبيح لا يقع منه بل أفعاله كلها حسنة وكراهة الحسن قبيحة، وليس ممن يصح عليه الجهل بالقبيح حتى يقال يفعل الكراهة زجراً لنفسه، وتعريفاً لها بالقبيح كما يفعل الكراهة المتعلقة بفعل الغير وإن كان المعلوم أن ذلك لا يقع.
وهاهنا سؤال وهو أنه هل يريد كل جزء من أفعاله تعالى بإرادة مستقلة، أو يريد جملة أفعال بإرادة واحدة؟
والجواب: أن كل جزء مستقل بالغرض الذي فعل لأجله، كالجوهر واللون والطعم ونحوهما مما فيه غرض يخصه فإنه يراد بإرادة تخصه، وكل جزء لا يتم الغرض به إلا بانضمام غيره إليه فإنه يراد هو وجميع ما لا يتم الغرض إلا به بإرادة واحدة، وذلك كالخبر والأمر فإنه لا يكون كذلك إلا بمجموع حروف، فإرادة جميع تلك الحروف واحدة.
واعلم أن ما ذهب إليه القائلون بأن إرادته تعالى معنى محدث، وكذلك كراهته من أنهما لا يرادان فهو مبني على صحة ما ذهبوا إليه من المعنى المحدث، ونحن قد تكلمنا على إبطال ثبوت ذلك المعنى بما فيه كفاية، وإذا بطل ذلك الأصل بطل ما فرعوا عليه في هذا الموضع فلا يحتاج إلى النظر في كون إرادته تعالى وكراهته يحتاجان إلى إرادة أم لا، وثبت أنه لا فعل لله تعالى إلا وهو مراد.
وأما أفعال غيره فقد اختلف الناس فيما يريده الله وما يكرهه منها.
فقالت العدلية كافة: هو تعالى يريد من أفعال عباده الطاعات ما وقع منها وما لم يقع، سواء كانت واجبة أو مندوبة، عقلية أو شرعية، ويكره القبائح كذلك، واختلفوا في المباح، فقال أبو علي، وأبو هاشم: لا يريده الله ولا يكرهه، وهذا في المباحات الدنياوية، وبه قال السيد مانكديم، ورد القرشي اتفاق الشيوخ على أنه تعالى لا يريد المباح في الدنيا واختاره الإمام القاسم بن محمد.
وقال القاسم البلخي: بل يريده، واختاره صاحب (الغياصة).
وقالت المجبرة: بل الباري تعالى مريد لكل واقع من أفعاله تعالى، وأفعال غيره الحسن منها والقبيح.
والحجة على أنه تعالى مريد للطاعات وكاره للمقبحات أنه تعالى أمر بالطاعة وحث عليها، ونهى عن القبائح وزجر عنها، والحكيم لا يأمر بما لا يريد، ولا ينهى عما يريد، وأيضاً العبد يوصف بأنه مطيع لله بفعل الواجب والمندوب، فيجب أن يكون الله مريداً لطاعته؛ لأن المطيع هو من فعل ما أراده المطاع بدليل قوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}[غافر:18] أي لا يفعل ما أراده.
وروي أن النبي -صلى الله عليه وآله- ضرب بعقبه الأرض بين يدي عمه العباس فنبع الماء فقال له عمه: يابن أخي إن ربك ليطيعك، فقال النبي -صلى الله عليه وآله: ((وأنت يا عم، لو أطعت الله لأطاعك)).
فإن قيل: هل كان المطيع هو من فعل ما أمر به الغير؟
قيل: الأمر قد يرد والمراد به التهديد كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}[فصلت:40] فلو كان المطيع من ذكرتم للزم في العصاة أن يكونوا مطيعين بفعلهم المعصية والمعلوم خلافه مع أن العبد قد يكون مطيعاً بفعل ما أراده السيد وإن لم يكن مأموراً.
والحجة على أنه تعالى لا يريد المباح ولا يكرهه أنه لا مزية لفعله على تركه ولو أراده لرجح فعله على تركه فيكون واجباً أو مندوباً، ولو كرهه لرجح تركه فيكون قبيحاً.
فإن قيل: لم قلتم إنه لو أراده لرجح فعله؟
قيل: لأن الله تعالى إنما يريد من أفعال عباده ما لفعله على تركه مزية لتكون تلك الإرادة لطفاً داعياً لنا إلى فعله، ولا وجه لإرادة ما لا مزية لفعله على تركه؛ لأنه إذا استوى فعله وتركه في عدم المزية لم يكن بأن يريده أولى من أن يكرهه.
احتج أبو القاسم ومن وافقه بوجوه:
أحدها: أن فعل المباح شاغل عن المعصية فيكون مأموراً به ومكلفاً به، ويوصف فاعله بأنه مطيع، ألا ترى أن من دعاه الشيطان إلى الزنا فجامع امرأته فإنه يكون مطيعاً بذلك، ويستحق المدح وهو مباح.
والجواب: أنا لا نسلم أن فعل المباح شاغل عن المعصية؛ لأنه ليس بنقيض لها والشاغل عن الشيء إنما هو نقيضه؛ لأنهما لا يجتمعان، ودليل عدم المناقضة بينهما أن بعض المباحات قد تجتمع مع المعاصي ولا تشغل منها، كالسكوت مثلاً فإنه يجتمع مع الزنا وشرب الخمر، وقتل النفس وغير ذلك، ثم إن فعله قد يكون تركاً لواجب فيلزم أن يكون منهياً عنه ومكلفاً به، ولا قائل بذلك، فما أدى إليه يجب أن يكون باطلاً.
وأما المثال الذي ذكره فإنما كان مطيعاً بترك الزنا وصرف نفسه عنه لابنفس مجامعة أهله.
الوجه الثاني: أن الله تعالى قد أمر به في قوله تعالى: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}[المؤمنون:51] ونحوها، والمعلوم أن الأمر في ذلك للإباحة، والحكيم لا يأمر بما لا يريد.
قلت: ولأن إرادته تعالى لفعل غيره هو أمره به عند أبي القاسم كما مر في الموضع الثاني، وقد أمر بالمباح كما ترى.
والجواب: أن متعلق الأمر والإرادة ليس طلب المباح، وإنما هو تعريفنا بأن هذا الشيء مباح، والإباحة حكم شرعي فيجب معرفتها كسائر الأحكام الشرعية؛ إذ لا يتميز بعضها من بعض حتى يمكن العمل بمقتضاها إلا بعد معرفتها فصح أن الأمر بالمباح لا يدل على أن فعله مراد، وإنما هو كالخبر عنه بأنه مباح، والخبر عنه لا يدل على إرادته.
الوجه الثالث: ما ورد في الحديث عنه ـ صلى الله عليه وآله ـ أنه قال: ((إن الله تعالى إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه)) وإنما يرى الأثر في الملبس ونحوه وهو مباح.
والجواب: أنه صار مراداً لنية إظهار نعمة الله فيصير مندوباً لا لمجرد التلذذ.
الوجه الرابع ذكره في (الغياصة) وهو: أن إرادة المباح أكمل في التفضل فما جاز لأجله إرادة إحداث الفعل جاز لأجله إرادة تناولهم، ثم أورد سؤالاً وهو أن الله تعالى قد رغبنا في ترك المباح وزهدنا في تناوله، فكيف يريده؟ وأجاب بأن الوجه الذي لأجله رغبنا في تركه غير الوجه الذي أراد منا تناوله لأجله، فوجه الترغيب في الترك التقرب إليه بترك زينة الدنيا، ووجه إرادة التناول كمال النعمة والتفضل.
والجواب أن المعتبر في الأكملية أن يكون المباح إحساناً إلى الغير، وإنعاماً عليه كما مر في {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}[الفاتحة:7] وفي جواب الشبهة الثانية من الثالثة عشر من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7]، وإنما اعتبر ذلك فيه لئلا يكون إيجاده قبيحاً، وقد ذكرنا في جواب الشبهة المذكورة أن إرادة الانتفاع لو كانت معتبرة للزم أن يثاب عليه، وأنه لا وجه لاشتراط ذلك إلا لو كان وقوع الانتفاع شرطاً في الإحسانية، والمعلوم أنه ليس بشرط فيها، فإن من مكن غيره من منفعة حسنة وقصد ذلك التمكين فقد أكمل في الإحسان، وأتم التفضل والامتنان، وكانت إرادة التناول لا حاجة إليها في ذلك ولا معنى لها فتكون عبثاً، ثم إن وقوع التناول فعل غير المحسن فهو أجنبي عن الإحسان بالمباح، فلا فرق حينئذ بين إرادته وإرادة طلوع الشمس، وأيضاً لو أراد ذلك لوجب أن يعلمنا به ليتم الغرض به.
فإن قيل: إذا كان الله تعالى خلق الأشياء لينتفع بها الأحياء فقد أراد الانتفاع بها وهو مباح، وذلك كاف في الإعلام.
قيل: إنه تعالى إنما أراد خلقها على وجه يصح أن ينتفع بها، وإرادة الانتفاع غير تلك الإرادة.
احتجت المجبرة بأنه لا فاعل سواه عندهم جل وعلا، وإذا كان هو الفاعل لكل واقع وجب أن يريد فعله، فلزم أن يكون مريداً لكل واقع من مباح، وطاعة، ومعصية.
والجواب: أن هذه الحجة مبنية على الجبر وقد مر إبطاله في مواضع، ثم إنا نقول: قد مر قريباً بيان الحجة على عدم إرادة المباح.
وأما الطاعات فلا إشكال في أنها مرادة لله تعالى لما مر من الدليل القاطع على ذلك.
وأما المعاصي فلا نسلم كونها مرادة لله تعالى، ولا يصح منه سبحانه أن يريدها ولا يشاء[ها]،، بل المعلوم أنه يكرهها ويسخطها، ولنا على ذلك حجج.
الحجة الأولى: إن إرادة القبيح قبيحة والله تعالى لا يفعل القبيح، أما أن إرادة القبيح قبيحة فلما نعلمه ضرورة من حسن ذم من علم من حاله من إرادة القبيح من الفساد في الأرض، وانتهاك حرم المسلمين، وظلمهم وغير ذلك، ولا وجه لقبحها إلا كونها إرادة للقبيح بدليل أنا متى علمناها كذلك علمنا قبحها، ومتى لا فلا كالظلم، فيجب فيما يشاركها في كونه إرادة للقبيح أن يكون قبيحاً؛ لأن إيجاب العلل لا تختلف باختلاف الفاعلين.
وأما أنه تعالى لا يفعل القبيح فقد مر الاستدلال عليه في السابعة من مسائل قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الفاتحة:2].
فإن قيل: هذا مبني على أن إرادة الله تعالى معنى محدث، ونحن لا نسلم ذلك.
قيل: لا نسلم أنه مبني على ذلك بل مبني على أنه لا يفعل القبيح وذلك أعم من أن تكون الإرادة معنى محدثاً أو نفس المراد سلمنا، فقد ذكرنا من الدليل على ذلك بما مثله يثبت المطلوب.
فإن قيل: يلزم على هذا أن تكون القدرة على القبيح قبيحة لأنها تؤثر فيه.
قيل: بل بينهما فرق وهو أن تأثير القدرة على سبيل الصحة، بخلاف تأثير الإرادة.
فإن قيل: أنتم تقولون: إن إرادة الحسن تنقسم إلى حسنة وقبيحة ولهذا قلتم: إن المستحق للعقاب يقبح منه أن يريد عقاب نفسه، فهلاّ قلتم في إرادة القبيح كذلك فتقبح منا، وتحسن من الباري تعالى؟
قيل: إنما انقسمت إرادة الحسن إلى ذلك؛ لأنها لا تحسن بكونها إرادة للحسن بل لذلك على شرط كما مر في أول الفصل بخلاف إرادة القبيح فإنها إنما قبحت لكونها تلك الإرادة كما مر فلم تتأت فيها القسمة.
فإن قيل: إذا كانت إرادة القبيح قبيحة كلها، فيجب في إرادة الحسن أن تكون حسنة كلها؛ لأنها في طرفي نقيض.
قيل: لا نسلم أنهما في طرفي نقيض وإنما هما خلافان لما علم من قبح الكذب على كل حال، وقبح تكليف ما لا يطاق كذلك، وخلافهما اللذين هما الصدق وتكليف ما يطاق لم يحسنا على كل حال، أما تكليف ما يطاق فظاهر، فإن تكليف الإنسان بنقل حجر يطيقها من موضع إلى آخر إذا لم يكن فيه نفع لأحد لايحسن بل يقبح، وأما الصدق فإنه إذا تضمن الدلالة على نبي ليقتل فإنه يقبح لا محالة.
الحجة الثانية: أنه لو كان مريداً للقبائح لكان حاصلاً على صفة نقص، فإن من علمنا من حاله في الشاهد أنه يريد من زوجاته وأولاده وعبيده الزنا، والسرق، وقطع السبيل فإنا نقطع بأنه حاصل على صفة النقص يذمه عليها كل عاقل، ولا وجه لذلك إلا كونه مريداً للقبائح فيجب في الباري تعالى مثله لثبوت العلة الجامعة.
فإن قيل: إنما كان الواحد منا كذلك؛ لأنه مريد بإرادة محدثة، بخلاف الباري تعالى فإنه مريد لذاته.
قيل: لا نسلم سلمنا فصفات النقص لا يفترق الحال فيها بين أن تكون ذاتية أو معنوية، دليله كونه جاهلاً فإنها من صفات النقص سواء كانت مستحقة للذات أم علة.
فإن قيل: إن الله تعالى إنما يريد القبائح أن تكون فاسدة لا على الحد الذي نريدها نحن.
قيل: هذا خلاف ظاهر عباراتكم، ثم إنه إذا كان مريداً لذاته أو لمعنى قديم، فلا مانع من أنه يريدها عليه نحن؛ لأن ذاته أو المعنى القديم مع المرادات على سواء، والمرادات غير مقصورة على بعض المريدين دون بعض.
قال السيد مانكديم: على أن الإرادة لا تتعلق بقبح القبيح وفساد الفاسد، ولهذا لا يختلف الحال في قبحه وفساده بالإرادة وعدمها، ومراده -رحمه الله- أن القبح أمر ذاتي للفعل ولا أثر للإرادة في كونه قبيحاً، وإنما أثرها في إحداث الفعل المتصف به بأن يريد حدوثه.
الحجة الثالثة: أنه لو أرادها لكان مختاراً لها؛ لأن الاختيار هو الإرادة، لا يقال الاختيار لا يكون إلا في أفعاله؛ لأنا نقول: الكل عندكم فعله.
الحجة الرابعة: أنه لو أرادها لكان محباً لها وراضياً بوقوعها؛ لأن معنى هذه الألفاظ واحد كما في {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}[الفاتحة:7].
الحجة الخامسة: غاية ما تعلم به كراهة الشيء النهي عنه، والباري تعالى قد نهى عن القبائح، وأكد ذلك بالزجر البالغ، والوعيد بالعذاب الشديد، وأمر بخلافها ووعد عليه بالثواب العظيم، فلو أرادها لم يكن منه شيء من ذلك كله لقبح النهي عن المراد، ألا ترى أن العاقل في الشاهد لو فعل ذلك لسخر منه واستهزئ به، ولا وجه لذلك إلا كونه نهي عما يحبه ويريده، فإذا لم يجز ذلك منا فهو بعدم الجواز من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين أولى، مع أنه لو نهى عنها مع كونه مريداً لوقوعها لكان حاصلاً على صفتين متضادتين؛ لأن النهي يدل على الكراهة ولا يصير نهياً إلا بها، والإرادة لوقوعها تنافي ذلك وتضادده.
الحجة السادسة: أنه لو أرادها لوجب أن يكون العبد مطيعاً لله بفعلها لما مر من أن المطيع من فعل ما يريده المطاع.
الحجة السابعة: إذا كان الله مريداً للقبائح وكان الشيطان مريداً لها أيضاً والأنبياء" لا يريدون من العباد إلا الطاعات فقط ويكرهون المعاصي كلها، فقد تطابقت إرادة الله تعالى وإرادة الشيطان، وكانت إرادة الأنبياء" مخالفة لإرادة الله وصاروا موصوفين بأنهم يكرهون ما أراد الله تعالى وقوعه، فيلزم أن يكونوا عاصين لله تعالى غير مطيعين له بمخالفتهم لله تعالى في الإرادة وكراهتهم ما أراده، والمعلوم خلاف ذلك.
الحجة الثامنة: ما في القرآن الكريم من نفي إرادة الظلم ونحوه عن نفسه وكراهة السيئات والقبائح، وسيأتي ذلك كله والكلام عليه مفصلاً إن شاء الله.
الحجة التاسعة: ما دلت عليه السنة الشريفة، والآثار الصحيحة عن السلف والصحابة فمن بعدهم من كراهة الله تعالى للمعاصي وعدم محبته لها ولمرتكبها، وسيأتي في أثناء الكتاب كثير من ذلك إن شاء الله.