أجاب الأصحاب بأن المرجح من فعل العبد وهو إرادته ودفعوا التسلسل بأن الإرادة لا تحتاج إلى إرادة كما حققنا ذلك في المقدمة، وفي قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] فيقال للسيد حميدان، والإمام القاسم بن محمد: إرادة العبد لا تخلو إما أن تكون مرادة فيلزم التسلسل أو غير مرادة فيلزم العبث، وحينئذ يبقى ما أورده علينا المجبرة من الإشكال لا جواب عليه ولا محيص لهما عن هذا الإشكال إلا بالتزام كون الإرادة لا تحتاج إلى إرادة، فإن ادعى مدع فرقاً بين إرادة العبد وبين إرادة الباري فقال: إرادة العبد لا تحتاج بخلاف إرادة الباري فإنها لو كانت معنى لاحتاجت إلى إرادة، فما ذلك الفرق وما دليله؟
فإن قيل: ما أورده الأئمة" إنما يقتضي نفي كون الإرادة معنى، وليس فيه ما يدل على أنها نفس المراد، وحينئذ فلقائل أن يقول: لا نسلم أن الإرادة ما ذكره الأئمة" ولا دليل عليه.
قيل: إنما ألجأهم إلى القول بذلك أنه قد ثبت أنها لا تكون معنى فلم يبق إلا أن يكون عدماً محضاً، أو نفس المراد من باب إطلاق السبب على المسبب؛ لأن الإرادة لما كانت سبباً في إيجاد المراد وإحداثه صح إطلاقها عليه.
واعلم أنه قد ذهب بعض أئمتنا" إلى أنه لا يجب العلم بكيفية الإرادة منهم: الإمام أحمد بن الحسين، والإمام الحسن بن بدر الدين وغيرهما.
قال الإمام الحسن بن بدر الدين: لا يجب علينا إلا أن نعلم أن الله تعالى يريد الحسن ويكره القبيح، ولا يجب علينا العلم بكيفية الإرادة، ولا لماذا كان مريداً فتكلف العلم بما لا يجب علينا العلم به لا يصلح.
وقال الإمام شرف الدين: لا يجب معرفة الإرادة، ولا لماذا كان مريداً جملة ولا تفصيلاً بالدليل العقلي، بل الإيمان الجملي بالسمع في ذلك كاف في الجملة، ولا يجب معرفة كونه مريداً حقيقة.
وقال الهادي بن إبراهيم: تكلفوا في إرادة الباري تعالى وكراهيته كلاماً لم يرد به برهان، ولم يدل عليه قرآن، وهذا اختيار السيد محمد بن عز الدين المفتي، وهو الظاهر من كلام الإمام الحسن بن يحيى القاسمي في البحث السديد، وقال فيه: روي أن شيوخ المعتزلة إلى زمن أبي هاشم لم ينصوا على إثبات الصفات، ولا على نفيها.
وقال ابن لقمان في (شرح الأساس): الذي أرى والله أعلم أن الوقف في الإرادة على ما دل عليه الدليل هو الأولى بل الواجب، والذي قد دل عليه الدليل القاطع هو كونه تعالى مريداً، وأما تعيين الإرادة فلم يقم عليه دليل قاطع وهي مسألة علمية، والمسائل العلمية إنما يعمل فيها بالدليل القاطع؛ لأنه الذي يفيد العلم، قال: فلما لم يقم عليها دليل قاطع علمنا أن الله تعالى غير مكلف لنا بمعرفتها؛ إذ لو كلفنا بمعرفتها ولم ينصب عليها دليلاً قاطعاً وهو يطلب منا فيها العلم لكان قد كلفنا فيها ما لا يطاق، والله يتعالى عن ذلك.
وأما ما ذكر من الأدلة فغاية ما تفيده الظن وهو لا يكفي في ذلك، فعلم أن الله تعالى إنما كلفنا كونه مريداً؛ لأنه الذي قام عليه الدليل، وأما تعيين الإرادة فلم يكلفنا بها.
قال: وقد ذهب إلى هذا شارح الأبيات الفخرية، وإليه رجع المؤلف عليه السلام فيما نقل عنه -ويعني بالمؤلف الإمام القاسم بن محمد.
قلت: وهذا هو المروي عن السلف، وأهل الحديث كما مر عنهم من الإمساك عن القول في تفصيل الصفات، وقد تقدم في مواضع من كتابنا هذا عن أمير المؤمنين عليه السلام ما يشهد لهذا المذهب. والله الموفق.
الموضع الرابع أن إرادة الباري تعالى لا تحتاج إلى محل عند القائل بأنها معنى محدث
فهؤلاء قالوا: إرادته تعالى لا في محل.
وقالت الصفاتية: بل إرادته تعالى قائمة بذاته كعلمه، ولا يصح القول بوجودها لا في محل، وقيامها بذاته ليس على جهة الحلول كما قالوا في سائر صفات الذات، بل كما يقال: الذات إنما تقوم بالصفة الذاتية أي لا يصح العلم بها إلا لأجل صفتها الذاتية، فلو فرضنا عدم ثبوت الصفة الذاتية لم تُقَوَّمْ لنا الذات أي لم يصح تعلق العلم بالذات فتكون كالمنتفية، وهذه المعاني عندهم لا يتقوم وجودها والعلم بها إلا بذات الباري تعالى؛ إذ لو قدر انفرادها لم يصح وجودها والعلم بها، ومن ثم قالوا: إن هذه المعاني ليست إياه أي ليست ذاته تعالى؛ لأن ذاته تعالى قائمة بنفسها لا بغيرها، وقالوا: ليست بعضه تعالى؛ لأنه ليس بذي أبعاض ولا غيره، وإلا لكان العلم بها من دونه ممكناً فلم تكن قائمة به أي تابعة له في تقويمها وجوداً وعلماً، فهذا تحقيق مذهب الأشعرية في المعاني التي وصفوها بالقدم، وحاصله أن معنى قولهم: إنها قائمة بذات الباري تعالى أنها تابعة للذات في وجودها والعلم بها.
هذا وأما سائر الصفاتية فمنهم من يقول: صفات الله تعالى الذاتية عندهم لا توصف بقدم، ولا حدوث، ولا وجود، ولا عدم وإن كانت عندهم معاني، وهذا قول الكلابية، ويروى عنهم أنهم إنما يقولون ذلك في العلم، ومنهم من يقول: إن تلك المعاني غير الله تعالى، ويصرحون بأنها قائمة بذاته على وجه الحلول، وإنما تكلمنا على تفصيل مذاهب هؤلاء؛ لأنا قد جمعنا الحكاية عنهم في كون الإرادة معنى قائم بالذات فاحتجنا إلى تفسير معنى القيام، وبيان اختلافهم فيه.
وقالت الرافضة وهم هشام بن الحكم وأتباعه: بل إرادته تعالى حركة لا هي الله ولا هي غيره.
قال الإمام المهدي: يحتمل أنهم عبروا بالحركة عن الصفة، فيكون قولهم كقول النجارية إن جعلوها أزلية، وإن جعلوها متجددة كما هو الظاهر، فهو قول مستقل، ويحتمل أنهم عبروا بها عن المعنى فيكون كقول الأشعرية إن جعلوه قديماً، وإن جعلوه محدثاً غير موجب، فكقول أبي الهذيل، وإن جعلوه موجباً فكقولنا.
وقال النجري: يحتمل أن يريدوا الحركة على حقيقتها بناء على القول بالتجسيم، وإن يريدوا بأنها صفة المريدية التي أثبتها غيرهم فيكون خطأً في العبارة فقط.
وقال الحضرمي، وعلي بن مَيْثم: بل هي حركة في غيره سبحانه.
احتج الأولون بأنه قد ثبت بما مر أن الله تعالى مريد بإرادة محدثة، وهذه الإرادة لا يجوز أن تحل في الباري تعالى لاستحالة أن يكون جل وعلا محلاً للحوادث؛ إذ ليس بجسم على ما يأتي بيانه إن شاء الله، والحلول فرع على التحيز، والتحيز فرع على الجسمية، ولا يجوز أن تكون حالة في غيره؛ لأن ذلك الغير لا يخلو إما أن يكون عرضاً أو جسماً، لا يجوز أن يكون عرضاً؛ لأن من شرط المحل التحيز كما ذكرنا، وإن كان جسماً فلا يخلو إما أن يكون جماداً أو حياً، لا يصح أن يكون جماداً؛ لأن المصحح لوجود الإرادة الحياة ولا حياة في الجماد، ولذا أطلق أصحابنا القول باستحالة وجود الإرادة فيه، وأيضاً لو قيل بصحة وجودها فيه للزم محالان:
أحدهما: أن يكون الجماد مريداً فيتأتى منه وقوع الفعل على الوجوه المختلفة، والمعلوم استحالة ذلك.
ثانيهما: أنه يؤدي إلى أن لا توجب صفة فتنقلب ذاتها؛ لأن الإيجاب مأخوذ في حدها وبيان ماهيتها كما مر فهو حكم ذاتي لها.
فإن قيل: ما المانع من إيجابها؟
قيل: لأن إيجابها إما لمحلها الذي هو الجماد أو لغيره، لا يصح إيجابها لاستحالة موجبها عليه كما بينا، ولا يصح أن توجب لغيره؛ لأنها إما توجب لنا ولا اختصاص لها بنا لعدم حلولها فينا والباري تعالى، فكذلك إذ لم توجد على حد وجود الباري تعالى فلم تختص به، وإيجابها من دون أن تختص محال، وأيضاً لو صح أن توجب للباري تعالى والحال هذه صح أن توجب لنا؛ إذ ليس بأولى منا؛ لأنها معه سبحانه وتعالى ومعنا على سواء، فثبت أنه لا يصح حلولها في جماد، وكذلك لا يصح حلولها في حي؛ لأنها غير مختصة بالباري تعالى فهي بالإيجاب لمن اختصت به أولى، فلم يبق إلا أن تكون لا في محل.
فإن قيل: كيف يوجد عرض لا في محل؟
قيل: قد مر في الفاتحة أن من الأعراض ما لا يحتاج إلى محل.
فإن قيل: هذا محال؛ إذ لا يعقل عرض لا في محل كما في الألوان، والأكوان وغيرها.
قيل: هذا قياس لبعض الأعراض على بعض بلا علة جامعة إلا مجرد الوجدان وهو أنكم لم تجدوا عرضاً في غير محل ولم تعلموه، وهذه الطريقة لا يعتمد عليها كما مر في السابعة من مسائل قوله تعالى: {الحمد لله} على أن الفناء من جملة الأعراض، وهو موجود لا في محل.
فإن قيل: لم نعتمد في هذا القياس على الوجدان، وإنما اعتمدنا على العلة الجامعة، وبيان ذلك أن من الأعراض مما لا يصح وجوده إلا في محل اتفاقاً، ولا علة لذلك إلا كونه عرضاً فيجب فيما شاركه في هذه العلة أن يشاركه في الحكم.
قيل: لا نسلم أن العلة ما ذكرتم، ولا دليل عليه، بل قام الدليل على خلافه وهو أن اشتراكهما في العرضية لا يوجب تماثلهما؛ لأن العرض اسم عام لمتماثل، ومختلف كلفظ الذات وإذا لم نوجب تماثلها بطل قولكم.
وبعد فإن وجود إرادة الله تعالى لم تثبت بالضرورة، وإنما ثبتت دلالة كما مر، وما ثبت دلالة فكيفية وجوده تبع للدليل، فإذا كانت إرادته تعالى لم تثبت إلا دلالة فكذلك كيفية وجودها، فإذا منع الدليل من حلولها فيه سبحانه أو في غيره ثبت أنها لا محل لها، ولولا قيام الدليل على أن ما عدا إرادة الباري تعالى وكراهته والفناء لا يوجد إلا في محل لجوزنا وجوده لا في محل.
قلت: وحاصل الكلام في الأعراض بالنسبة إلى حاجتها إلى المحل وعدم الحاجة إليه على ما ذكره بعض أصحابنا أنها على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما يصح وجوده في محل وفي غير محل، وهو نوع الإرادة والكراهة، وذلك أنا نظرنا في الإرادة فوجدناها إذا وجدت لا في محل لم يلزم منه انقلابها عما هي عليه في ذاتها أو إلى انقلاب غيرها؛ لأن الذي تقتضيه ما هي عليه في ذاتها هو إيجاب الحكم للحي ومضادة مضادتها وهي الكراهة، والمعلوم أن وجودها لا في محل لا يمنع من ذلك، فجاز أن يكون لا في محل؛ إذ لا مانع، وهذا القول في الكراهة.
الضرب الثاني: ما لا يصح وجوده في محل، ويجب وجوده في غير محل وهو الفناء، وسيأتي الدليل على ذلك عند ذكر الفناء إن شاء الله.
الضرب الثالث: ما يجب وجوده في محل ويستحيل وجوده لا في محل، وهو سائر الأعراض وذلك لأن منها ما كان وجوده لا في محل يؤدي إلى انقلاب ذاته عما هو عليه في ذاته، ومنها ما يؤدي إلى انقلاب غيره، فالأول كالسواد والبياض فإنهما لو وجدا في غير محل فإما أن يتضادا أو لا، إن لم يتضادا لزم خروجهما عما هما عليه في أنفسهما وهو التضاد، وإن تضادا وجب أن يكون تضادهما لمجرد وجودهما، وذلك يستلزم استحالة وجودهما معاً في العالم، والمعلوم خلافه، وهكذا القول في الحركة والسكون.
وأما التأليف فلأن حكمه أن يحل في محلين وذلك لما هو عليه في ذاته فلو وجد لا في محل انقلبت ذاته، وكذلك الاعتماد؛ لأن حكمه أن يختص بجهة فلو وجد في غير محل انقلبت ذاته لعدم اختصاصه بجهة.
وأما القدرة فلأن شرطها استعمال محلها في الفعل أو سببه ونعلم ضرورة استحالة الإختراع منا، ولا علة لذلك تعقل إلا كوننا قادرين بقدرة، والوجود في المحل حكم واجب لها؛ إذ لو كان جائزاً لصح منا الاختراع في حال، ولو صح لم يعلم ضرورة تعذر ذلك منا في كل حال، وإذا كان واجباً لها استلزم افتقارها إلى المحل.
وأما الحياة فلأنه لا يصح منا الإدراك لها إلا بعد استعمال محلها في المدرك وجهته ضرباً من الاستعمال فكانت كالقدرة.
وأما النظر فلأنه لو وجد لا في محل فإما أن لا يوجب صفة، وفي ذلك انقلاب جنسه أو يوجبها لنا فليس بمختص بنا، أو للقديم تعالى لزم جواز الشك عليه وهو محال، وهكذا يقال في الشهوة والنفرة، والثاني وهو ما يؤدي إلى انقلاب غيره فكالعلم؛ لأنه لو وجد لا في محل فإما أن يوجب صفة للباري تعالى لزم منه جواز الجهل عليه تعالى فيخرج عن صفته الذاتية وهي العالمية، أو لا يوجب صفة رأساً لزم انقلاب ذاته فافتقر إلى المحل لتأدية خلافه إلى انقلاب ذات القديم جل وعلا، وانقلاب ذات العلم نفسه.
فإن قيل: إذا لم تكن إرادته تعالى لا في محل لم تكن بأن توجب للقديم تعالى بأولى من أن توجب لنا لعدم الاختصاص.
قيل: بل توجب له لاختصاصها به غاية ما يمكن من الاختصاص وهو وجودها على حد وجوده؛ إذ كل منهما لا في محل، ولا توجب لأحدنا؛ لأن غاية الاختصاص في حقنا الحلول فينا، وهو ممكن فَلَمَّا لم تحل فينا لم يصح أن توجب لنا.
فإن قيل: لا نسلم أن وجود الإرادة على حد وجود الباري تعالى يستلزم أن توجب له وتختص به فإن الفناء كذلك مع أنه لا ينفي الباري سبحانه وتعالى، وقد نفى الجواهر مع عدم اختصاصه بها غاية ما يمكن وهو الحلول فيها.
قيل: إنما نفى الجواهر لأنه ضد لها والقديم لا يضاد الفنا، وإن كان وجوده على حد وجوده، دليله السواد والحلاوة إذا وجدا في محل واحد فطرأ عليهما بياض فإنه لا ينفي الحلاوة لما لم يكن ضداً لها مع أنه موجود على حد وجودهما معاً.
هذا وأما سائر الأقوال فقد تقدم ذكر شبههم وإبطالها.
وأما الرافضة فإذا كان قولهم مستقلاً فإن كان مبنياً على التجسيم فيكفي في إبطاله إبطال أصله، وإن لم يكن مبنياً على ذلك فيقال لهم: لا واسطة إلا العدم ولا تأثير له، والإرادة يجب أن تكون مؤثرة في المراد.
وأما الحضرمي فيلزمه أن يكون المريد غير الباري تعالى، ولو سلم له ذلك لزم منه حاجة الباري تعالى إلى ذلك المحل؛ لأنه تعالى لا يفعل شيئاً إلا بإرادة، وأيضاً قد ثبت أن ما عدا الباري تعالى فهو مخلوق فمحل الإرادة يجب أن يكون أول مخلوق فإما أن تقولوا هو غير مراد لعدم وجود محل للإرادة لزم أن يكون الله تعالى قد أوجد ما لا يريد، وذلك يستلزم العبث والسفه، وإما أن تقولوا هو مراد احتاجت هذه الإرادة إلى محل غيره ولزم في هذا المحل ما لزم في الأول فيؤدي إلى التسلسل.
قلت: وأما ما ذهب إليه أكثر المعتزلة فالملجئ إلى القول به ما مر عنهم من أن إرادته تعالى معنى محدث، وقد مر ما فيه.
وأما ما احتجوا به هنا من أن حلولها لا في محل لا يلزم منه انقلابها في ذاتها ولا انقلاب غيرها، فدعوى مجردة مخالفة للمعقول من معنى الإرادة، فإن المعقول من معناها أنها النية والضمير، وهما لا يعقلان في غير القلب أو ما هو على بنيته.
وقولهم: إن الذي تقتضيه ما هي عليه في ذاته...إلخ لا يوجب لها المحل ممنوع، فإن المعقول من المعاني أنها لا توجب إلا لمن قامت به، والمتقرر في عقل كل عاقل أنه يجب إلحاق الفرد المخصوص بالأعم الغالب المعلوم ما لم يخصص ذلك الفرد دليل صحيح يوصل إلى المطلوب، والدليل الذي ذكروه غير موصل إلى ذلك كما عرفناك، هذا مع ما يلزم على هذا القول من اللوازم الباطلة كما مر.
الموضع الخامس فيما يريده الله تعالى من الكائنات وما لا يريده
ويدخل في هذا الموضوع الخلاف في إرادته تعالى لأكل أهل الجنة وشربهم، والكلام في هذا الموضع يكون في فصلين:
الأول: فيما يريده تعالى، وما لا يريده.
الثاني: في الخلاف في إرادته تعالى لأكل أهل الجنة وشربهم.
الفصل الأول فيما يريده الله تعالى وما لا يريده
ولنقدم قبل ذلك مقدمة فيما يصح أن يراد ويستحيل، ويجب، ويحسن، ويقبح، أما ما يصح فكلما صح حدوثه كالمقدورات أو اعتقد صحة حدوثه كاجتماع الضدين صح أن يراد، وقد مر البحث في صحة إرادة اجتماع الضدين ممن اعتقد ارتفاع التضاد في الموضع الثالث، وكلما لم يكن كذلك كالقديم والباقي واجتماع الضدين في حق من يعلم تضادهما استحال أن يراد؛ لأنها لا تتعلق إلا بالحدوث وتوابعه، لكن إنما يستحيل تعلقها بالنافي حق من يعتقد بقاه، فأما من لا يعتقده كمن يعتقد تجدد الجسم حالاً فحالا فإنه يصح أن يريده، ذكره الإمام عز الدين، ومراده عليه السلام أن الإرادة إنما تتعلق بالشيء لإحداثه والباقي على القول بتجدده من جملة المحدثات التي تتعلق بها الإرادة لإحداثها، لكنه يقال لم تتعلق على هذا القول بالباقي وإنما تعلقت بما يتجدد عليه من الحدوث، فلا يكون مخالفاً للقول باستحالة تعلقها بالباقي، وأما ما يجب أن يراد فهو فعل العالم بما يفعله إذا كان له فيه غرض، وكان ذلك الفعل مقصوداً بنفسه غير تابع لغيره ولم يكن منه مانع، ولا بد من استكمال هذه الشرائط؛ لأنه لو لم يكن عالماً به لصح أن يقع ولا يريده أيضاً، ألا ترى أن الضارب لغيره قد يعلم أنه ينتفض التراب من المضروب عند الضرب مع أنه قد لا يريده لما لم يكن فيه غرض ولا تعلق به قصده، وإنما هو تبع للضرب، وكذلك الفصاد فإنه لا يريد الألم مع علمه بأنه قلما ينفك الفصد من الألم، وكذلك لو كان ثم مانع لأنه لو منع من الإرادة لصح منه الفعل من دونها كمن قدم إليه طعام وهو محتاج إليه ثم منع