فإن قيل: إرادته لأحدهما يحيل كونه مريداً لضده.
قيل: لا يكون بإرادة أحدهما أحق من إرادة الآخر مع كونه مريداً لذاته، فثبت ما قررناه أنه تعالى لو كان مريداً لذاته لوجب أن يكون مريداً لوجود الضدين، ولو أراد وجودهما لوجب حصوله لما مر، ووجود الضدين محال، فما أدى إليه وهو القول بأنه مريد لذاته يجب أن يكون محالاً لما تقرر من أن ما أدى إلى المحال فهو محال، وتلخيص هذه الجملة أن نقول: متى أراد الضدين فإما أن يوجدا معاً وهو محال، وإما أن لا يوجدا معاً وفيه تخلف مراده وهو محال عندهم، وإما أن يوجد أحدهما ولا مخصص فلم يبق إلا القول ببطلان كونه مريداً لذاته.
ومنها: أنه يلزم على القول بأنه مريد لذاته أن يريد سائر القبائح، وذلك صفة نقص، والخصم يمنع من وصفه بذلك.
فإن قيل: إنما يكون صفة نقص في الشاهد؛ لأنه مريد بمعنى وهو الإرادة بخلاف الباري تعالى فإنه مريد لذاته.
قيل: لم يختلف الحال في صفة النقص بين أن تكون مستحقة للذات أو لمعنى، دليله كونه جاهلاً فإنه لم يختلف في كونها صفة نقص بين أن تكون مستحقة للذات أو لمعنى.
واعلم أن كثيراً من هذه اللوازم يختص القول بأنه مريد لذاته.
وأما القائلون بالمعنى القديم فيلزمهم أن يكون مع الله تعالى إلاهاً آخر تعالى الله عن ذلك.
الوجه الثاني مما احتج به الأولون أنه تعالى لو كان مريداً لذاته أو لمعنى قديم لاستحال خروجه عن هذه الصفة ككونه عالماً قادراً، والمعلوم خلافه لا سيما على مذهب الخصم من أنه لا يريد الواقعات فيريد الإيمان من زيد ما دام يفعله، فإذا كفر أو مات أو عجز خرج الباري تعالى عن كونه مريداً له.
الوجه الثالث:أنه لو كان تعالى مريداً لذاته أو لمعنى قديم لبطل الاختيار في أفعاله تعالى، ولما صح وصفه بالقدرة على إقامة القيامة الآن، إلى غير ذلك من التقديم والتأخير والزيادة والنقصان؛ لأن الإرادة القديمة لم تتعلق بذلك، وما لم تتعلق به استحال وقوعه.

قال القرشي: وليس لهم أن يقيسوه على العلم؛ لأنها لا تجوز القدرة على خلاف المعلوم وهم لا يجوزون تعلق الإرادة بخلاف المعلوم، وهذا يبطل ما قد قامت عليه الدلالة من أنه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، وقد نطق القرآن بذلك قال تعالى: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}[الإسراء:86] يوضحه أن الشرط لا يدخل إلا المستقبل، ولا بد أن يعترفوا بأنه أراد هذا الشيء مع جواز أن لا يريده.
احتج المخالفون بشبه:
منها: ما يشترك فيه القائلون بأنه مريد لذاته، والقائلون بأنه مريد لمعنى قديم.
ومنها ما يختص به أحد الفريقين، فأما ما يشتركون فيها فشبهتان:
إحداهما: أنه لو كان مريداً بإرادة محدثة لكان لا بد لتلك الإرادة من محدث، فإما أن يكون محدثها الواحد منا وذلك باطل؛ لأنه إن فعلها ذلك المحدث في نفسه بأن يكون محلاً لها كان بأن توجب الحكم له أولى، وإن فعلها في غيره لم يصح؛ لأن تعديه الفعل عن محل القدرة لا يكون إلا باعتماد، والاعتماد لا يولد الإرادة، وإما أن يكون محدثها القديم تعالى وهو باطل أيضاً؛ لأنه يوجب أن يكون مريداً لتلك الإرادة، والكلام في تلك الإرادة كالكلام في هذه فيتسلسل.
وأجيب باختيار الثاني وهو أن محدثها القديم تعالى، ولا نسلم لزوم التسلسل؛ لأن الإرادة لا تحتاج إلى إرادة كما مر تحقيق ذلك في السابعة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] وحاصله أن الإرادة جنس الفعل، وجنس الفعل لا يحتاج إلى إرادة؛ لأن الإرادة لا تقع مقصودة، وإنما تقع تبعاً للمراد، ألا ترى أن الآكل إذا أراد الأكل لا يكون مقصوده إلا المراد وهو الأكل دون الإرادة، وإنما هي تابعة للأكل فما دعا إليه دعا إليها، على أن من الغداديين من أحال إرادة الإرادة وقالوا: إنها كالقديم والماضي في أنها لا تصح إرادتها، ومن أجاز ذلك من أصحابنا فلم يقولوا بالوجوب، ولا يلزم من الجواز الوجوب.

الشبهة الثانية
قالوا: لو كان الباري تعالى مريداً بإرادة محدثة لكان قد حصل على هذه الصفة بعد أن لم يكن عليها، فيجب أن يكون قد تغير كالمحل إذا كان أسوداً ثم ابيض.
وأجيب: بأنكم إن أردتم بالتغير أنه حصل على هذه الصفة بعد أن لم يكن عليها، فهو قولنا، ولا يسمى تغيراً فإن حصول الذات على صفة لم تكن لا يوجب تغيرها، ألا ترى أنه تعالى لم يكن مدركاً فيما لم يزل ولا فاعلاً، ولا خالقاً، ولا رازقاً ثم حصل كذلك، ولم يلزم من ذلك أن يكون متغيراً فكذلك هنا، وأما قول العرب: إذا ابيض الجسم بعد سواد إنه قد تغير، فذلك إنما هو لاعتقادهم التغير، والأسامي تتبع الاعتقاد، وإن أردتم التغير الحقيقي وهو أن ذاته صارت غير ما كانت فما دليلكم عليه؟ ثم إنا نقول: لو لم تكن محدثة حكمها حكم سائر صفات الفعل لم يجز إثباتها ونفيها، والمعلوم أنه يجوز ذلك فيقال: يريد ولا يريد.
قال الإمام أحمد بن سليمان: الدليل على أن إرادة الله تعالى محدثة أنك تقول: الله يريد ولا يريد، كما تقول يخلق ولا يخلق، ويرزق ولا يرزق فجاز أن نصفه بصفات الفعل وأضدادها، وليس كذلك صفات الأزل، ألا ترى أن الله تعالى لما كان عالماً في ما لم يزل استحال الجهل عليه.
قال عليه السلام : ويؤيد ذلك أن الله تعالى إذا أراد حياة زيد ثم أراد موته أن الإرادة التي هي الموت حادثة، وقد قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة:185].
وأما ما تختص به النجارية وبشر فهو أنه قد ثبت أنه تعالى مريد، وباطل أن يكون مريداً بإرادة قديمة لمثل ما ثبت في نفي القدرة والعلم القديمين في حقه تعالى ولا بإرادة محدثة؛ إذ ليس محلاً للحوادث، ولا يقبح وجودها في محل، فيتعين كون مريديته كعالميته، وأجيب بما سيأتي من إبطال ما زعموا من إحالة وجود إرادة لا في محل.

قلت: ولقائل أن يقول: إبطال كونه مريداً بإرادة قديمة أو حادثة لا يوجب تعيين كونه مريداً لذاته؛ لأن القسمة لم تنحصر في هذه الأقسام لِمَ لم يقولوا كما قال قدماء الآئمة: إنه غير مريد على الحقيقة، وإنما إرادته نفس المراد ليسلموا من جميع وجوه الفساد، وقد مر أنه يلزم على قول أولئك من اللوازم ما يوجب الحكم عن قولهم بالخروج عن منهج الرشاد، وطريقة السداد.
وأما ما تختص به الأشعرية فهو الاستدلال بانتفاء الصفة على ثبوت ضدها والعكس، وهذه طريقة يسلكها الأشعري، وتحرير الاستدلال بها هنا أن قالوا: الباري تعالى ليس بساهٍ فيما لم يزل ولا غافل، فيجب أن يكون مريداً، واحتجوا على كون الإرادة قديمة بما مر من لزوم التغير على القول بالحدوث.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن تلك الطريقة لا تتأتى هاهنا؛ لأن ضد السهو والغفلة العلم لا الإرادة.
فإن قيل: لِمَ لا تجوز مضاددتهما للإرادة كما تضادان العلم.
قيل: لأن الإرادة تخالف العلم، والشيء الواحد لا ينفي مختلفين غير ضدين.
الثاني: أن الاستدلال بهذه الطريقة إنما يجب إذا لم يجز خلو الذات عن الضدين جميعاً،وفي مسألتنا هو يصح الخلو عنهما فإن القديم تعالى غير غافل ولا ساهٍ عن ذاته، ولا يجب أن يكون مريداً لها، وكذلك يقال في الماضي والباقي يقال في غيره تعالى من الأحياء كذلك، ألا ترى أن المسلمين غير ساهين عن مضي اليهود إلى كنائسهم وهم غير مريدين لمضيهم إليها.
تنبيه
قد مر أن مذهب قدماء الأئمة" أن إرادة الله تعالى إنما هي أفعاله، وأوامره، وكراهته إنما هي نهيه وزجره، وقد عرفت ما استند إليه المختلفون في هذا الموضع، فأما القائلون بأنه تعالى مريد لذاته أو بإرادة قديمة، فقد أوضحنا بطلان ما ذهبوا إليه في هذا الموضع مما لا مزيد عليه.

وأما القائلون بأنه مريد بإرادة محدثة فقد تضمن الجواب عليهم ما احتج به الأئمة" وقد حققناه في الموضع الثاني، وأقوى ما يبطل به قولهم أن نقول: أنتم موافقون لنا في أنه تعالى منزه عن صفة المخلوقين، وكلامكم يتضمن وصفه تعالى بالأعراض، وفي ذلك تشبيه بخلقه جل وعلا، وكل قول يؤدي إلى ذلك فإنه يجب الحكم ببطلانه.
ووجه آخر وهو أنه لا دليل لهم على ذلك إلا أنه قد بطل أن يكون مريداً لذاته أو لمعنى قديم، فتعين أن يكون مريداً بإرادة محدثة كما مر تقريره، وهذا ضعيف؛ لأنه لا يتعين ذلك إلا إذا ثبت أن هذه الصفة ثابتة له تعالى على الحقيقة، وأنه لا بد في ثبوتها له من مؤثر، ونحن ننازعهم في ذلك ونقول: لا نسلم ثبوتها له تعالى على الحقيقة كما مر عن الأئمة، ولو سلم كما يفهم من كلام الهادي عليه السلام فلا نسلم أنه لا يوصف بذلك حقيقة إلا المؤثر لِمَ لا يجوز أن يوصف بذلك لأنه فعل المراد وأوجده، وعلى الجملة إن القول بهذا المعنى المحدث في حق الباري تعالى مما لا دليل عليه، لا سيما مع ما يلزم عليه من التشبيه، وما لا دليل عليه في مثل هذه المسألة فإنه يجب القطع بنفيه.
فإن قيل: ما تريدون بقولكم لا دليل عليه، أفي معلومكم أمْ في نفس الأمر، إن أردتم الأول لم يصح؛ لأنه لا يلزم بطلان ما لم تعلموه وإلا لزم فيما لا نعلمه أن يقطع ببطلانه، ويلزم مثل ذلك في الملحد إذا لم يعلم الصانع أن يلزم بطلانه، وإن أردتم الثاني فهو دعوى مجردة لا دليل عليها.
قيل: أردنا الثاني وهو أنه لا دليل عليه في نفس الأمر.
قولكم: دعوى مجردة.

قلنا: بل صحيحة، وذلك لأمرين: أحدهما أنا قد عرفنا دليلكم الذي أوجبتم لأجله ثبوت هذا المعنى وهو قولكم: لا يخلو إما أن يستحق هذه الصفة لذاته أو لمعنى قديم إلى آخر ما ذكرتم، ثم أبطلتم الأقسام كلها إلا المعنى المحدث الذي زعمتموه وادعيتم أن هذه القسمة حاصرة، ونحن لا نسلم صحة هذه القسمة، ولا كونها حاصرة فإنكم تركتم قسماً محتملاً، بل هو الصحيح وهو كونه مريداً لا لذاته ولا لغيره، ودليل صحته أن غيره من الأقسام إما متفق على بطلانه، وإما أن القول به يؤدي إلى محالات من تشبيه أو غيره كما مر، فصح أن دليلكم غير دليل، وثبت قولنا لا دليل على ما ذهبتم إليه، ومما يبطل قولكم أنه ألجأكم إلى القول بأن الله سبحانه خلق الإرادة ولم يردها، وهذا باطل قطعاً، ودليل بطلانه ما ذكره السيد حميدان وهو ما يعلمه كل عاقل من أن الفاعل لما لا يريد لا يخلو من أن يكون زائل العقل أو ساهياً أو ملجئاً تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
فإن زعموا أن الدليل أدّاهم إلى ذلك فيه سبحانه خاصة، فالجواب أنه إذا لم يجز أن يؤدي الدليل إلى إثباته في المخلوق فبأن لا يؤدي إلى إثباته في الباري تعالى أولى.
وفي (الأساس): أن إثبات إرادته تعالى معنى يستلزم ثلاثة محالات:
الأول: الحاجة إلى ذلك المعنى عند فعل ما يريد؛ لأنه يلزم أن لا يفعل تعالى فعلا إلا بعد أن يوجد ذلك المعنى؛ لأنه لا يفعل ما لا يريد.
ثانيها: أنه يستلزم العبث ونحوه حيث أوجد ما لا يريد وهو ذلك المعنى؛ لأن إيجاد ما لا يراد عبث.

ثالثها: إثبات عرض لا في محل، والمعلوم ضرورة أن ذلك لا يصح، وكل ما أدى إلى هذه المحالات ونحوها فإنه يجب القطع ببطلانه؛ لأن ما أدى إلى الباطل فهو باطل، فثبت أن دليلكم هذا غير دليل وإنما هو شبهة؛ إذ لو كان دليلاً لأوصل إلى المطلوب، ولما لزم على القول بمدلوله ما لزم، وعند هذا كان لنا إطلاق القول بأنه لا دليل على ما ذهبتم إليه، وما لا دليل عليه وجب نفيه والقطع ببطلانه كما قررناه في المقدمة في المسألة الخامسة منها.
فإن قيل: لو سلمنا بطلان هذا الدليل فما يؤمنكم أن ثم دليلاً غيره يدل على ما ذهبنا إليه، ولا يلزم من عدم العلم به عدمه في نفس الأمر.
قيل: لم نجد لكم دليلاً غير ما حكيناه عنكم ولو كان لم يجز خفاؤه في مثل هذه المسألة، وقد أوضحنا في المقدمة ما يجب القطع بنفيه مما لا دليل عليه، وما لا يجب فيه ذلك إلا بعد البحث، فارجع إلى ما هنالك تعرف الحال فيما نحن فيه، ونزيدك هنا بياناً وتوضيحاً وشرحاً لما قد قررناه هنالك فنقول:
اعلم أن ما لا نعلم ثبوته أو نفيه ولا نظنه على ثلاثة أنواع:
الأول أن نعلم أنه لو كان ثابتاً لكان إليه طريق قطعاً، فهذا لا نقطع بنفيه، بل يجوز ثبوته، وإن كان لا طريق إليه في الحال، وذلك نحو تجويزنا ثبوت لون أو طعم أو رائحة غير ما نعرفه من ذلك؛ إذ يجوز ثبوتها في غير حضرتنا ونحن لا نعلمها، فهذه لا نقطع بانتفائها؛ إذ لا طريق إلى القطع بذلك لخفاء أكثر المعلومات عنا، والحاصل أن كل ما يجوز فيه أن يكون مقدوراً لله تعالى فلا نقطع بانتفائه.

الثاني: أن يكون مما لو جوزنا ثبوته لعلمنا إمكان الطريق إليه، فهذا لا نقطع بنفيه أيضاً إلا لدليل وذلك كثاني القديم تعالى قبل الاستدلال على استحالته فليس لنا القطع بنفيه استناداً إلى عدم الطريق إليه؛ لأنه لا طريق لنا إلى إثبات الفاعل إلا فعله، ومن الجائز أن لا نختار فعل ما يدل على وجوده، لكنا نعلم أنه لو كان ثابتاً لأمكن الطريق إلى معرفته، فهذا النوع كالأول في تجويز ثبوته إلا لدليل على استحالته غير مجرد انتفاء الطريق إليه، ولذا عدل المحققون إلى الاستدلال على نفي ثاني القديم تعالى باستحالته كما مر، وعابوا على من استدل على نفيه بأنه لا طريق إليه، وكل ما لا دليل عليه وجب نفيه.
النوع الثالث: أن يكون مما إذا جوزنا ثبوته لم يكن لنا طريق إلى القطع بثبوت طريق إليه، ولا إلى إمكان معرفته بالنظر، فهذا هو الذي يقول فيه أصحابنا ما لا طريق إليه وجب القطع بنفيه ونحو ذلك نحو إثبات علة لا يدل عليها معلولها، أو صفة لا يكشف عنها مقتضاها ولا تدرك الذات عليها، ولا نجدها من النفس، أو وجه اعتباري لا دليل عليه، والدليل على امتناع تجويز ثبوت ما هذا حاله ما مر في المقدمة من تأديته إلى القدح في بعض العلوم الضرورية، وفي المكتسبة كلها؛ لأنا إذا جوزنا معارضاً قادحاً في دلالة الدليل لم نقطع بصحة دليل، ولا حصوله علم مكتسب، وإذا لم نقطع بذلك بطل العلم بإفادة النظر العلم، وما أدى تجويز ثبوته إلى القدح في العلوم المكتسبة والضرورية وجب القطع بانتفائه.
فإن قيل: هذا إنما يلزم من لم يجعل النظر علوماً ضرورية يستحضرها الناظر فيعلم استلزامها للمستدل عليه، وأما من جعله علوماً ضرورية فلا يلزمه ذلك؛ لأنه لا تجويز مع الضروري.

قيل: قد أورد هذا أبو الحسين، والرازي وهو غير مخلص لهما من الإلزام؛ لأنهما يجوزان الغلط في تلك المقدمات على وجه لا يعلمه المستدل، ثم إنا نقول: لو كان كل المقدمات ضرورية لكان الغالطون مخالفين للضرورة، فيلزم أن نصفهم بالسفسطة، والمعلوم خلافه، وأيضاً لو كانت ضرورية لكان استلزامها للمكتسب إما أن يكون معلوماً ضرورة لزم أن يكون المكتسب ضرورياً، أو دلالة عاد إلى مثل قولنا.
أجاب الرازي بأن بعض الضرورية يجوز الذهول عنها فيحصل الغلط.
قلنا: فيلزم إذا نبهه خصمه على الغلط ولم يذعن أن نصفه بمدافعة الضرورة، والمعلوم خلافه.
فإن قيل: إن من المجوزات التي لا يهتدي العقل إليها ما قد انكشف لنا ثبوتها بالسمع كالألطاف، فإنا لو سئلنا عنها قبل ورود الشرع لقلنا لا طريق إليها فيجب نفيها، وهذا يقدح في إفادة هذه الطريقة العلم، أعني أن ما لا طريق إليه يعلم انتفاؤه.
قيل: لا يقدح في ذلك؛ لأنا نلتزم انتفاء ذلك، وبيانه أن اللطف إما أن يكون من فعل الله تعالى فلا لطفية فيه قبل وقوعه فلا ثبوت له حين لا طريق إليه، أو من فعلنا فلا لطفية فيه قبل أن نعلم وجوبه لأجل اللطفية؛ لأن الله تعالى لا يجوز عليه تأخير إيقاعه، وتأخير التكليف عند ثبوت اللطفية فيه، وإذا كان كذلك قطعنا أنه لا ثبوت له قبل وقوعه وقبل التكليف به، وثبت أنه لا يقدح في هذه القاعدة.
فإن قيل: هل العلم بانتفاء ما لا دليل عليه ضروري أم استدلالي؟ وما حكم من لا يمكنه النظر في الدقائق كالعوام؟ هل يحكم بانتفاء الطريق في حقهم فيلزم أن يكونوا عالمين بنفي الأمور التي لم يعلموا دليلاً على ثبوتها، وأن يكون المنكرون للصانع والتوحيد والنبوة عالمين بنفيها لانتفاء علمهم بأدلتها، بل يلزم أن يكون الإنسان كلما كان أقل علماً بالدلائل أن يكون أكثر علماً، وفساد هذا ظاهر.

قيل: بل العلم به استدلالي وهو ما مر من لزوم القدح في الضروري والنظري، وأما من لم يمكنه النظر في الدقائق فلا نحكم في حقهم بالقطع بنفي الطريق؛ لأن هذه الأمور التي لم يعلموا أدلتها مما يمكن أن يكون إليه طريق، بل طرقها حاصلة، وكلما أمكن أن يكون إليه طريق فقد مر أنه لا يجوز القطع بنفيه، ولا بد لهؤلاء من خاطر، أو نحوه ينبههم على الطريق كما مر في مسألة النظر.
إذا عرفت هذا فنقول: قولكم بتجويز دليل على إثبات المعنى المحدث الذي زعمتوه لا نعلمه باطل، وبيان بطلانه بالرجوع إلى النوع الثاني وهو أن نقول: لو جوزنا ثبوت المعنى الذي هو الإرادة في حق الباري تعالى بزعمكم لعلمنا إمكان الدليل عليه، لكنه قام الدليل على نفي ذلك المعنى واستحالته وهو ما ذكره الأئمة في الموضع الثاني، وما تقدم قريباً عن (الأساس) والسيد حميدان، وما قام الدليل على استحالته والقطع بانتفائه لا يصح قيام الدليل على ثبوته، فصح أنه لا دليل لكم على إثباته، وأنه لا يصح تجويز دليل لا نعلمه. والحمد لله.
ولقائل أن يقول: هاهنا إشكال يرد على السيد حميدان، والإمام القاسم بن محمد لا محيص عنه، وهو: أنهما ألزما القائلين بإثبات الإرادة معنى غير مراد إثبات فعل غير مراد، وذلك يستلزم العبث والسفه، وهذا الإلزام بعينه يرد على أصحابنا في إرادة العبد، فإن المجبرة لما استدلوا على الجبر بأن الفعل لا يقع إلا لمرجح، والمرجح من فعل الله؛ إذ لو كان من العبد لزم التسلسل.

200 / 329
ع
En
A+
A-