احتج الأئمة ومن وافقهم بوجوه:
أحدها: أن جعل الإرادة معنى أو نفس العلم بالمصلحة مما لا دليل عليه، وما لا دليل عليه يجب نفيه.
الوجه الثاني: أن الله تعالى لو كان مريداً بإرادة لكانت إرادته إما معقولة ولا يعقل منها إلا ما يشبه إرادة المخلوق فيلزم التشبيه، أو غير معقولة فيكون الكلام فيها عبثاً، وغلواً، وتجاوزاً لحد العقل، وذلك لا يجوز.
الثالث: أن الأمة مجمعة على أنه لا يكون شيء موجوداً غير الله إلا في العالم، فإن كانت هذه الإرادة في العالم فقد صار العالم لها مكاناً، ولم يقل أحد أن إرادة الله تعالى قائمة بذات غير ذات الباري تعالى، نص عليه الرازي، وصاحب (المواقف)، وإن كانت في غير العالم فماذا غير العالم إلا الله تعالى أو العدم، والقول بأنها قائمة بذات الباري تعالى باطل بما سيأتي، فلم يبق إلا العدم وهو نفي محض، فكيف يكون محلاً لشيء.
قال الإمام (أحمد بن سليمان): فإذا لم تكن نية ولا ضميراً، ولا كانت الخلق نفسه ولا كانت في مكان، فهل هي إلا عدم، ولا يعقل شيء موجود لا يكون حالاً ولا محلاً إلا الله؟
قلت: وإذا ثبت أن إرادة الله تعالى أمر ثبوتي وبطل أن تكون كإرادة الواحد منا صح أنها هي خلقه لا غير، ويكون معنى ذلك يريد الله كذا كمعنى يخلق، ويحكم ويثيب ويعاقب، وإنما خاطب الله العرب بلغتهم وبما يعرفون كما قال تعالى: {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}[يس:30] مع أنه تعالى لا يتحسر.
الوجه الرابع: ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من نفي إثباتها معنى من ذلك قوله عليه السلام : لا يوصف بشيء من الأجزاء، ولا من الجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض. رواه في (النهج)، وفيه عنه عليه السلام : يريد ولا يضمر.

وفي مجموع السيد حميدان عنه عليه السلام : ومشيئته الإنفاذ لحكمه، وإرادته الإمضاء لأموره. وهذا تصريح منه عليه السلام بأن إرادته هي نفس المراد، ولذا أخبر عنها بأنها الإنفاذ والإمضاء للأمور وهو الخلق والأمر وعلى هذا فيكون وصفه تعالى بأنه مريد على جهة التجوز لا غير.
قال السيد أحمد بن محمد الشرفي: سمي مراده إرادة توسعاً، لأنه جل وعلا مريد لا بإرادة، كما أنه سبحانه عالم لا بعلم، وقادر لا بقدرة؛ لأن الإرادة الحقيقية التي هي النية والضمير في حقه تعالى محال.
قلت: قد مر في الثانية من مسائل قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}[الفاتحة:7] عن الهادي عليه السلام أن الله تعالى يوصف بأنه مريد وكاره على الحقيقة وهو ممن يقول بأن إرادة الله هي نفس مراده.
هذا وأما أبو الهذيل فيمكن أن يحتج له بالظواهر، وهي أن الله تعالى قد نسب فعل الإرادة إلى نفسه، وذلك يدل على أنه الذي فعلها لنفسه.
والجواب أنه قد أثبتها معنى محدثاً، فإما أن يقول: هي قائمة بذات الباري تعال لزم أن يكون الباري تعالى محلاً للحوادث، أو بغيره، فإما أن يكون ذلك الغير في العالم أو خارجه، الأول لا قائل به، ويستلزم الحاجة، والثاني لا يعقل.
احتج القائلون برجوعها إلى الداعي بما مر في الموضع الأول، ويجاب بما مر هنا.
احتج القائلون بأن الله تعالى مريد على الحقيقة أي حاصل على مثل صفة الواحد منا بوجهين: أولهما في الاستدلال على صحة هذه الصفة في حقه تعالى، والثاني في الاستدلال.
أما الوجه الأول فقالوا: الذي يدل على صحة هذه الصفة عليه جل وعلا أن من حق كل حي أن يصح منه إيقاع الفعل على وجه دون وجه، وكل من صح منه ذلك صح أن يكون مريداً وكارهاً لأنهما اللذان يؤثران في وقوع الفعل كذلك.
فإن قيل: ومن أين لكم أن المصحح لهذه الصفة في الشاهد هي الحيية؟

قيل: لأن صحتها تحصل بحصول الحيية وتنتفي بانتفائها، وليس هاهنا ما تعليق تصحيح كونه مريداً به أولى من كونه حياً، وإلا لزم حصول الحيية مع عدم حصول الصحة بأن لا يقع ذلك الأمر المصحح أو حصولها مع عدم حصول الحيية بأن يقع ذلك الأمر المصحح، ومعلوم خلافه، وقد قيل: إن العلم بأن من كان حياً فإنه يصح منه أن يريد ضروري، وإذا كان العلم بالصحة دائراً على العلم بالحيية علمنا أنها المؤثرة فيها، وقد ثبت أنه تعالى حي، فيجب أن تقتضي له صحة الإرادة كما تقتضيها في الشاهد.
فإن قيل: إنما صح في الشاهد أن يكون مريداً لحصول شرط يكون مصححاً لاقتضاء كونه حياً صحة كونه مريداً وهو بنية القلب، وهذا الشرط مفقود في الباري تعالى فلا تصح عليه هذه الصفة؛ لأن المشروط لا يحصل بدون شرطه.
قيل: إن المصحح إذا اختلفت كيفية استحقاقه جاز اختلاف شرط تصحيحه، والحيية كيفية استحقاقها مختلفة في حقه تعالى وفي حقنا، فجاز اختلاف الشرط، ولا يقدح اختلافه في تصحيح المصحح.
وأما الوجه الثاني وهو الذي في بيان الاستدلال على ثبوت هذه الصفة في حقه تعالى، فالذي يدل على ذلك ما ذكرناه في الوجهين المذكورين في التنبيه الآخر من الموضع الأول فإنه حاصل هنا؛ لأن الله تعالى أوجد كثيراً من أفعاله لأعراض تخصها، ويستحيل أن يمنعه مانع من إرادتها فيجب أن يريدها، ولأن جميع أفعاله واقعة على وجوه مختلفة، أما الكلام فظاهر فإنه أمر ونهي، وخبر، ووعد، ووعيد إلى غير ذلك، وأما غيره فلا يخرج فعل عن كونه نعمة أو نقمة، والنعمة لا تكون نعمة إلا مع قصد الإحسان، والمضرة لا تكون نقمة إلا إذا قصد الإضرار، وإلا لزم في الأمراض والبلاوي أن تكون نقمة ومضرة، والمعلوم خلافه، وإذا ثبت أن أفعاله تعالى تقع على الوجوه المختلفة ثبت أنه مريد؛ لأن الأفعال المختلفة لا تقع إلا من مريد كما مر.

دليل آخر: وهو أن الله تعالى قد تعبدنا بالطاعة وخلق فينا النفرة عنها، وبالكف عن المعصية وخلق فينا الشهوة لها مع التمكين من ذلك وزوال الإلجاء، فلا بد من أن يريد منا فعل الواجب ويكره فعل القبيح، وإلا كان مغرياً بفعل القبيح وترك الواجب وهو تعالى لا يفعل القبيح.
ويمكن أن يجاب بأن جميع ما ذكرتموه في هذين الوجهين إنما يدل على أن الله تعالى مريد، وأن الإرادة ثابتة له، ونحن نقول بموجب ذلك إذ لم ننف صحة وصفه بكونه مريداً، ولم نمنع من إثبات الإرادة له، لكنا جعلناها نفس المراد،لما مر من استحالة الإرادة الحقيقية التي هي النية والضمير عليه.
فإن قيل: ما احتج به المخالف من قوله أنه تعالى إذا قال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ}[الفتح:29] فإنه لا ينصرف إلى ابن عبد الله إلا بالإرادة دليل واضح قوي على كون الإرادة معنى؛ إذ لو جعلناها نفس المراد والمراد هو هذا الخبر لأدى إلى أن لا ينصرف إلى ابن عبد الله إلا بنفس قوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ}[الفتح:29]، فيكون هذا اللفظ هو الذي يصرف نفسه إلى ابن عبد الله، وهذا معلوم البطلان؛ إذ الشيء لا يصرف نفسه.
قيل: لا نسلم تأديته إلى ذلك؛ لأنا نستدل على أن المراد به ابن عبد الله بالقرائن الدالة على ذلك، ولا يحتاج إلى المعنى الذي ذكرتموه كما أنه لا طريق لنا إلى معرفة المراد من خطاب المخلوقين إلا ذلك؛ لأنا لا نعلم ما في الصدور، ولهذا قلتم إن إيجاد الكلام على الوجوه المختلفة إنما يدل على كون الواحد منا مريداً إذا ثبتت عصمته، فأما من لم تثبت عصمته فلا يحكم بأنه مريد إلا إذا لم يكن ملغزاًعلينا ولا ملبساً، والمعلوم أنا لا نعلم أنه غير ملغز ولا ملبس إلا بالقرائن والدلائل الخارجية، فإن كان نحو هذا الكلام إذا صدر ممن يجوز عليه الضمير والنية لا يعرف انصرافه إلى المراد به إلا بالقرائن، فبالأولى فيمن لا يوصف بعرض من الأعراض.

واعلم أن الكلام في الكراهة في حق الله تعالى كالكلام في الإرادة؛ لأن دليل الكراهة هو النهي، وهي عند أهل القول الأول نفس الكراهة، وعند القائلين برجوعها إلى الصارف هو ما علمه تعالى من المفسدة في فعل المنهي، وعند الآخرين هي معنى مؤثر في كون الكلام نهياً لا تهديداً من حيث أنه في النهي كاره لما تناولته الصيغة دون التهديد، إلا أن المجبرة وإن أثبتوا الإرادة معنى في حق الباري فهم لا يثبتون الكراهة معنى في حقه تعالى، بل نفوها وقالوا: معناها في حق الله سبحانه عدم الإرادة.

الموضع الثالث في كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفة
والخلاف في هذا الموضع إنما هو بين من أثبت له تعالى صفة المريدية، والكراهة مزيتين زائدتين، ولم يجعلهما نفس المراد ولا الداعي والصارف، فقال أكثر المعتزلة: هو تعالى مريد بإرادة محدثة، ووافقهم بعض أصحابنا منهم السيد مانكديم، والإمام المهدي، والقرشي، فهو يستحق هذه الصفة عندهم بمعنى محدث كالشاهد.
وقالت الكلابية والأشعرية: بل يستحقها لمعنى قديم كما قالوا في القدرة والعلم والحياة إلا أنه قد مر عن المجبرة أنهم لا يثبتون الكراهة معنى، فلا يكون خلافهم هنا إلا في الإرادة.
وفي (الغياصة) عن الأشعرية: أنهم يقولون في كونه كارهاً كما يقولون في الإرادة، يعني أنه يستحق هذه الصفة لمعنى قديم هو الكراهة، ولعله وهم في ذلك. والله أعلم.
وبعض أصحابنا يفرقون بين قول الأشعرية والكلابية فيروون عن الكلابية أنهم يقولون: إنه مريد بإرادة أزلية، ويروون عن الأشعرية ما مر.
وقال الإمام عز الدين: ولا فرق بين القولين، وقد اتفقوا جميعاً على أن هذه الإرادة لا هي الله ولا هي غيره، قال عليه السلام : وذهبوا إلى نفي الصفة التي هي كونه كارهاً.
وقالت النجارية: بل هو مريد لذاته كما أنه قادر لذاته، ووافقهم بشر بن المعتمر، وفي (الغياصة) عن النجارية أنه كاره لذاته، وفيه نظر لما مر.
احتج الأولون بوجوه:

أحدها: أنه قد ثبت أن الله تعالى مريد وكاره، فلا يخلو إما أن يستحق ذلك لذاته أو لمعنى قديم، أو محدث، أو معدوم، أو بالفاعل لا يصح أن يستحق ذلك لمعنى معدوم لعدم الاختصاص ولا بالفاعل؛ إذ لا يستحق القديم صفة بالفاعل وهذان القسمان لا يشتبه الحال فيهما، ولم يقل بهما أحد، وإنما يشتبه الحال في استحقاقه لذاته أو لمعنى قديم كما قاله المخالفون، وإذا أبطلنا هذين القسمين صحّ أنه مريد بإرادة محدثة، وكاره بكراهة محدثة؛ إذ لا يقدر أمر غير ذلك يستحق لأجله هذه الصفة، وإذا أردنا إبطال هذين القسمين قلنا: الذي يبطل ذلك أنه لو كان مريداً لذاته أو لمعنى قديم لوجب أن يكون مريداً لجميع المرادات لعدم الاختصاص؛ لأن ذاته تعالى والمعنى القديم مع جميع المرادات على سواء، بل يجب أن يريد كل ما يصح أن يراد؛ إذ لا اختصاص، وإرادته تعالى لجميع المرادات محال فما أدى إليه يجب أن يكون باطلاً.
فإن قيل: ما الدليل على أن ذاته والمعنى القديم مع جميع المرادات على سواء؟
قيل: دليله عالميته تعالى فإنه لما كان عالماً لذاته، وكانت المعلومات على سواء كان عالماً بجميعها.
فإن قيل: أليس الله تعالى قادراً لذاته ولم تتعلق قادريته تعالى بجميع المقدورات عندكم؛ إذ لا تتعلق بأعيان مقدوراتنا مع كونها مما يصح تعلق القادرية بها، فهلا جاز مثله في الإرادة؟
قيل: أما من يصحح مقدوراً بين قادرين من أصحابنا فلا يرد عليه هذا، وأما المانعون منه فأجابوا بأن بين الموضعين فرقاً وهو أن المقدورات مقصورة على بعض القادرين دون بعض حتى لا يجوز في مقدور زيد أن يكون مقدوراً لعمرو؛ لأن ذلك يؤدي إلى المحال، ألا ترى أنه لو دعا أحدهما الداعي إلى إيجاد أمر، ودعا آخر إلى عدم إيجاده للزم على القول بجواز مقدور بين قادرين أن يكون موجوداً معدوماً في حالة واحدة، وذلك محال، وقادرية القديم تعالى لا تتعلق بالمحالات.

قال الإمام المهدي: قادريته سبحانه متعلقة بكل الممكنات، ولا يجب تعلقها بالمحالات؛ لأنه لا يصح في أي قادرية أن تتعلق بالمحال، ومن جملة المحالات تعلق قادريتين بمقدور واحد، فكل ممكن قد تعلقت به قادرية صار تعلق غيرها به محالاً، فلما كان ذلك محالاً ظهر لك عموم قادريته سبحانه لكل الممكنات، ولا يصح تعلقها بالمحال.
قال السيد مانكديم: وليس كذلك المرادات فإنها غير مقصورة على مريد دون مريد، يعني أنه يصح أن تتعلق إرادتان لمريدين بمراد واحد، قال عليه السلام : حتى ما من مراد إلا وكما يصح أن يريده زيد يصح أن يريده عمرو، فصح أنه لو كان مريداً لذاته أو لمعنى قديم لوجب أن يكون مريداً لجميع المرادات كما أنه لما كان عالماً لذاته كان عالماً بجميع المعلومات، وإرادته تعالى لجميع المرادات محال؛ لأنه يلزم عليه مفاسد كثيرة: ومنها أنه يلزم أن أحدنا إذا أراد شيئاً من الأموال والبنين أن يقع لأنه مراد الله تعالى لا سيما على مذهب الأشعرية والنجارية من أن ما يريده الله تعالى فهوا واقع لا محالة مطلقاً، وإلا كان عاجزاً، وكذلك يلزم أن يوجد ما يصح أن يريده الواحد منا.
ومنها أنه يلزم أن يكون مريداً للإيمان من الكافر والكفر من المؤمن؛ لأن ذلك مما تصح إرادته.
ومنها أنه يلزم أن لا يكره شيئاً قط؛ لأن كل ما يكرهه فهو مما يصح أن يراد.
ومنها أنه كان يجب أن يوجد من المرادات أكثر مما أوجد؛ لأنه تعالى يصح أن يريد أكثر، وإذا صح وجب أن يريده، وإذا وجب أن يريده وجب حصوله لا محالة.
فإن قيل: إرادة ما لا يقع ليست إلا تمنياً، ولا يلزم من إرادته للمرادات أن يريد المتمنيات.
قيل: التمني عند أهل اللغة من أقسام الكلام لا من أقسام الإرادة، ولذا يقسمون الكلام إلى أمر، ونهي، وتمني وغير ذلك.
ومنها: أنه يلزم أن يكون الله تعالى مريداً لخلق العالم قبل الوقت الذي خلقه فيه وقبل ذلك وقبله؛ إذ لا اختصاص لذاته، ولا للمعنى القديم بوقت دون وقت.

فإن قيل: الإرادة تتبع الداعي فلا يريد إلا ما دعاه إليه الداعي.
قيل: لا يتأتى ذلك؛ لأن الصفة الذاتية لا تقف على أمر فلا يقف كونه مريداً على علمه بحصول نفع للغير أو دفع ضرر عنه، وكذلك المعنى القديم لا يقف على أمر ثم لا أن الخصم يقول بإرادة ما لا يدعو إليه الداعي، وذلك أنه يريد الكفر من الكافر، ولا يدعوه إليه الداعي.
ومنها: أنه يلزم أن يكون الله تعالى مريداً لوجود الضدين لأنهما مما يصح أن يريدهما مريدان، أو مريد واحد إذا اعتقد ارتفاع التضاد بينهما، وما صح أن يكون مراداً لناصح أن يكون مراداً لله تعالى؛ لأنه مريد لذاته، وإذا صح وجب، وإذا وجب وجب حصول الضدين وحصولهما محال، فما أدى إليه يجب أن يكون محالاً.
فإن قيل: كونه مريداً لذاته لا يلزم منه إرادة حدوث الضدين، كما أن كونه عالماً لذاته لا يلزم منه أن يكون عالماً بوجود الضدين.
قيل: بين الموضعين فرق، فإن وجود الضدين في محل واحد يستحيل أن يكون معلوماً لعالم واحد أو أكثر بخلاف الإرادة فإن الضدين مما يصح أن يكونا مرادين لمريدين، بل لمريد واحد إذا اعتقد ارتفاع التضاد بينهما كما مر.
فإن قيل: إرادة حدوث الشيء تبع للعلم به، والعلم بوجود الضدين مستحيل، فلا تصح إرادتهما.
قيل: بل إرادة الشيء تابعة لصحة حدوثه، وصحة الحدوث ثابتة في كل واحد من الضدين، فيصح أن يعلم الله ذلك من حال كل واحد منهما، وإذا صح ذلك صح أن يريدهما وإذا صح وجب؛ لأن صفة الذات متى صحت وجبت لما مر من أنها لا تقف على أمر، فيجب حصولهما كما ألزمناكم.
قال السيد مانكديم: ومتى قلتم إن على هذا يجب أن يكون القديم تعالى عالماً بوجود الضدين، وذلك محال.
قلنا: إن مذهبكم في الإرادة يقتضي ذلك ويؤدي إليه فاتركوه كيلا يقتضيه فلا يلزمكم ذلك.

فإن قيل: لا نسلم أن كونه مريداً لذاته يلزم منه أن يكون مريداً لوجود الضدين؛ لأن العلم بوجود الضدين في محل واحد دفعة واحدة مستحيل، وإنما يعلم أحدهما فيما علم أنه يقع فهو مراد، وما لا فهو متمنى، والباري تعالى إذا كان مريداً لذاته لا يجب أن يكون متمنياً.
قيل: لا فرق بين ما علم أنه يقع وما علم أنه لا يقع في صحة الإرادة، ولهذا فإن أحدنا قد يريد الضدين إذا اعتقد ارتفاع التضاد بينهما، مع أن المعلوم وقوع أحدهما فقط، وكذلك فقد يريد الحلاوة والسواد في محل واحد بحيث لا يفصل بين إرادتهما ثم يقع أحدهما دون الآخر، وصح أنه لا فرق بين ما علم أنه يقع، وما علم أنه لا يقع في صحة إرادتهما، وأيضاً لو كان بينهما فرق لوجب أن لا يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم مريداً لإيمان أبي لهب بل متمنياً له؛ لأنه قد علم أنه لا يؤمن، وقد اتفقت الأمة على أنه مريد لإيمانه، وأيضاً التمني من أقسام الكلام كما مر، وإن اعتبرت فيه الإرادة فذلك لا يقتضي كونه إرادة كسائر أقسام الكلام.
فإن قيل: إرادة الله تعالى تعلق بالضدين على وجه يصح وهو أن يريد وجود أحد الضدين، ويريد في الآخر أن لا يوجد.
قيل:لا يصح تعلق الإرادة بالنفي؛ لأنها لو تعدت في التعلق من وجه الحدوث إلى ما زاد عليه ولا حاصر لوجب تعديها إلى سائر الوجوه كالاعتقادات فتتعلق بالقديم والماضي والباقي، وقد علم تعذر ذلك، وأما إرادة أن لا يقوم زيد فهي متعلقة بضد القيام وهو القعود، ولهذا لا يصح أن يريد من الميت أن لا يقوم لما لم يمكن منه القعود، ثم إنها لو تعلقت بالضدين كما ذكرتم لم يكن أحدهما بالوجود والآخر بأن لا يوجد بأولى من العكس فيجب أن يريد وجود كل واحد منهما وعدم وجوده؛ لأنه مريد لذاته وهي معهما على سواء، وأيضاً لو كان مريداً لذاته والمرادات غير محصورة لوجب أن يريد كل واحد من الضدين على وجه يصح أن يراد عليه، فيريد كل واحد منهما أن يكون وأن لا يكون.

199 / 329
ع
En
A+
A-