الموضع الأول في حقيقة الإرادة والكراهة
ويتصل بهما بيان حقيقة المريد والكاره، فأما الإرادة والكراهة فقال السيد مانكديم: الإرادة هي ما توجب كون الذات مريداً، والكراهة ما توجب كونه كارهاً.
وقال الإمام المهدي: الإرادة هي المعنى الموجب لمن اختص به صفة لأجلها يوقع فعله على وجه دون وجه، قال: لأن الذي يؤثر في ذلك هو المريدية لا مجرد القادرية فإنها لا تتعدى الأحداث، وهذا معنى ما ذكره السيد مانكديم، والكراهة ضدها، فهي المعنى الموجب لمن اختص به صفة لأجلها لا يقع منه الفعل.
وفي (الغياصة): أن الإرادة المعنى الموجب كون الحي مريداً، والكراهة المعنى الموجب كونه كارهاً، قال: وإنما ذكر الحي ليشمل الحد الباري تعالى؛ إذ هو مريد وكاره بإرادة وكراهة، وسيأتي الكلام على هذه المقالة على أن الحد يشمله وإن لم يذكر الحي.
وحكى الرازي عن المتكلمين أنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز لا في الوقوع، بل في الإيقاع، واحترزوا بالقيد الأخير عن القدرة، والذي اختاره الرازي أنها لا تحد؛ لأنها ماهية يجدها العاقل من نفسه، ويدرك التفرقة البديهية بينه وبين علمه وقدرته، وألمه ولذته، قال: وإذا كان الأمر كذلك لم يكن تصور ماهيتها محتاجاً إلى التعريف.
قلت: وكذلك يقال في الكراهة.
وأما المريد والكاره، فقال السيد مانكديم وغيره: لا يفتقران إلى تحديد؛ لأنهما أظهر من أن يحدا، فإن العاقل إذا رجع إلى نفسه فصل بين أن يكون على هذه الصفة وبين أن لا يكون عليها، وأجلى الأمور ما وجد من النفس، وقد يعلم ذلك ضرورة من غيره.

وقيل: بل يفتقران إلى الحد؛ لأنهما وإن علما جملة فلا يعلمان تفصيلاً إلا بالحد؛ إذ العلم الجملي لا يغني عن الحد، كما أن كون الحي حياً وكونه قادراً وعالماً معلوم ضرورة على الجملة لا يغني عن الحد، ثم اختلفوا في الحد، فقيل: المريد هو المختص بصفة لكونه عليها يصح منه الفعل على وجه دون وجه، والكاره هو المختص بصفة لكونه عليها يصح منه إيقاع كلامه نهياً أو نحوه، وأورد على حد المريد اعتراضان:
أحدهما: أن قولنا مريد أظهر من هذا الحد، ومن حق الحد أن يكون أظهر من المحدود.
وأجيب: بأنك إذا أردت أنه أظهر منه على سبيل الجملة، فذلك لا يمنع من تحديده، ولا يغني عنه كما مر، وإن أردت على سبيل التفصيل فلا نسلم.
ثانيهما: أنه يلزم أن يكون الكاره مريداً؛ لأنه يصح منه إيقاع الفعل على وجه دون وجه ككونه نهياً وتهديداً، وكذلك العالم فإنه على صفة يصح منه لأجلها إيقاع الفعل على وجه دون وجه.
قال الإمام عز الدين: فكان الأولى أن يقول على الوجوه المختلفة؛ لأن الكاره والعالم إنما يصح منهما إيقاعه على أحد وجهين بخلاف المريد، ويرد على حد الكاره الاعتراض الأول.
وقال أبو علي: المريد من وجدت إرادته بحيث تتعاقب هي وضدها عليه، وكان أبو هاشم يوافقه في ذلك، ثم رجع إلى ما مر، وأما أبو علي فبقي على هذا القول، وجعل العلم بكون المريد مريداً علماً بالإرادة لا علماً بالمريد على حال، وهكذا قوله في الكاره.
إذا عرفت هذا فاعلم أن العلماء مختلفون في المرجع بالإرادة والكراهة على أربعة أقوال:
الأول: قول جمهور المعتزلة، والزيدية، والمجبرة: وهو أنهما أمران زائدان على الشهوة والنفرة، والداعي والصارف شاهداً وغائباً.
الثاني: قول أبي القاسم وسائر معتزلة بغداد، وهو أن المرجع بهما في الشاهد إلى الشهوة والنفرة فقط وفي الغائب إلى ما سيأتي عنهم.

الثالث: أن المرجع بهما إلى الداعي والصارف شاهداً وغائباً، وهذا قول ابن الملاحمي، ورواه الإمام يحيى عن أبي الهذيل، والنظام، والجاحظ، وأبي القاسم، والخوارزمي.
قال ابن الملاحمي: وهو الذي ذهب إليه سائر الشيوخ غير أبي هاشم ومن قال بقوله.
قلت: وفي الرواية عن أبي القاسم نظر؛ إذ المشهور عنه ما مر.
الرابع: أن المرجع بهما إلى الداعي والصارف في الغائب، وأما في الشاهد فهما مزيتان زائدتان عليهما، وهذا قول أبي الحسين، ورواه في المعراج عن الإمام يحيى.
احتج الجمهور بأن كوننا مريدين وكارهين مزية موجودة من النفس، معلومة ضرورة، ويعلم ضرورة أن تلك المزية غير كوننا عالمين وناظرين وقادرين، وإنما يلتبس الحال في كوننا مشتهيين ونافرين، والذي يدل على أنهما أمران زائدان على الشهوة والنفار أن الشهوة والنفار لا يكونان إلا حسيين بخلاف الإرادة والكراهة، وأيضاً الشهوة والنفرة غير مقدورتين بخلاف الإرادة والكراهة، وهما يتعديان في التعلق في جميع أجناس المدركات، والإرادة والكراهة لا يتعديان الحدوث وتوابعه في المدرك وغيره، وهما يثبتان مع السهو والنوم، ويستحيلان على الله تعالى، ولا يتعلقان إلا على التفضيل، ولا يؤثران في وقوع الفعل على وجه بخلاف الإرادة والكراهة في ذلك كله، وأيضاً فإن أحدنا قد يريد ما لا يشتهي كشرب الأدوية الكريهة، ويشتهي ما لا يريده كالزنا وشرب الخمر.
قال الإمام المهدي: وبالطريقة التي ثبت بها كونهما زائدين على الشهوة والنفرة يثبت كونهما زائدين على الصارف والداعي، ألا ترى أن الجائع قد توفر دواعيه إلى الطعام، ولا يعزم على تناوله لأجل كونه لغيره أو نحو ذلك، فيجد الإنسان من نفسه الداعي الشديد ولا يجد العزم على تناوله، فإذاً الداعي غير العزم، وكذلك يجد من نفسه الانصراف عن شرب الدواء الكريه ولا يجد الكراهة لشربه، بل يجد العزم على الإقدام عليه، فالصارف غير الكراهة وهو ما نجد من النفرة.

وقال القرشي في إبطال قول ابن الملاحمي: إن إرادة القبيح وإرادة الحسن قبيحان بخلاف الداعي إلى القبيح، والصارف عن الحسن حيث يكونان من قبيل المعلوم، سيما الضرورية، وأيضاً الإرادة والكراهة يتضادان بخلاف الداعي والصارف ولهذا يجتمعان في الطعام المسموم في حق الجائع، قال: ومن أقوى ما يمكن أن يقال له: إن داعي القديم تعالى ثابت فيما لم يزل، ومعلوم أنه غير مريد فيما لم يزل وإلا كان مريداً لذاته، أو لمعنى قديم وهو لا يقول به.
قلت: هذا وارد على أبي الحسين.
لكن قال الإمام عز الدين: إنه لا قطع بمنع أبي الحسين وابن الملاحمي وصف الله تعالى بأنه مريد في الأزل لذهابهما إلى أن المرجع بالإرادة والكراهة في حقه تعالى إلى الداعي والصارف، وهما راجعان إلى صفته تعالى التي هي العالمية فأكثر ما في ذلك إثبات داع له وصارف في الأزل، ولا ضير في ذلك فإن الجمهور يثبتونهما في الأزل.
قلت: والظاهر أن ابن الملاحمي لا يثبت الداعي والصارف في الأزل إذا كان بمعنى الإرادة والكراهة؛ لأن المحكي عنه أنه لا يجعل الداعي إرادة إلا إذا خلص عن الصوارف أو ترجح، وداعي الحكيم تعالى عنده لا يخلص إلا الفعل إلا إذا صح حدوثه في نفسه، وذلك لا يكون في الأزل وإلا إذا كان إحساناً ومصلحة للمكلف، وانتفت عنه وجوه القبح، وذلك أيضاً لا يتصور في الأزل.
واحتج ابن الملاحمي، وأبو الحسين على ما ذهبا إليه بأن الإرادة والكراهة لو كانتا غير الداعي والصارف لصح أن يدعو أحدنا الداعي إلى أمر ولا يريده، ويصرفه الصارف عن أمر ولا يكرهه، والمعلوم خلافه، والجواب بالتزام ذلك كما مر عن الإمام المهدي لا يقال المذكور في كلامه العزم، والعزم ليس بإرادة، ولهذا لا يجوز على الله تعالى؛ لأنا نقول: بل هو إرادة متقدمة، وإنما لم يجز على الله تعالى؛ لأنه عبث في حقه تعالى وذلك أنه لا يحسن إلا لتعجيل مسرة، أو توطين النفس على المشقة.

قال أبو علي: وللحفظ من السهو وكل ذلك منتف عن الباري تعالى فلا يكون للعزم في حقه معنى فكان عبثاً، ثم إنا لو سلمنا التلازم بين الداعي والإرادة، فإنما كان لأجل أن الداعي إلى الفعل يدعو إلى إرادة فيفعلها صاحب الداعي، وكذلك الصارف عن الشيء يدعو إلى فعل كراهته.
ومن حججهما ما احتج به الإمام يحيى وهو أنا توافقنا على أنه لا بد من الداعي إلى الفعل في حقه تعالى وهو علمه باشتمال الفعل على مصلحة، ولكن زعموا أنه لا بد من أمر زائد على هذا العلم يكون تابعاً له وهو الذي يعنونه بالإرادة فنقول: لا يعقل كون الإرادة أمراً زائداً على الداعي إلا أن يكون ميلاً في القلب، وتشوقاً من جهة النفس، وتوقاناً من جهتها إلى مرادها، وهذا المعنى مستحيل في حقه تعالى، ولهذا قلنا: إن معنى الإرادة في حقه تعالى ليس أمراً زائداً على مجرد الداعي وهو علمه تعالى باشتمال الفعل على مصلحة، فإثبات أمر زائد على ما ذكرناه لا يعقل، قال عليه السلام : وهذا الذي اخترناه هو مذهب الخوارزمي، وأبي الحسين.
قلت: وهكذا قوله في الكراهة فإنها عنده علمه باشتمال الفعل على مفسدة، ويجاب بما مر من أن الفراق بين الإرادة والكراهة وبين الداعي والصارف ضروري، ومن طريقة النظر بما ذكره الإمام المهدي، لكنه يقال: ذلكم الفرق إنما هو في الشاهد، وأما الباري تعالى فلا يتصور في حقه غير علمه جل وعلا باشتمال الفعل على مصلحة أو مفسدة.
تنبيه [في أن الإرادة والكراهة أمران زائدان]
قد مر عن الجمهور أن الإرادة والكراهة أمران زائدان على الداعي والصارف والشهوة والنفرة، ثم اختلفوا في تفصيل تلك المزية ماهي؟
قال الإمام المهدي: ثبوت المزية في الشاهد على سبيل الجملة لا يفتقر إلى دليل؛ لأنها مودة من النفس، وأما على سبيل التفصيل فتفتقر إليه.

قلت: وتفصيل ذلك أن القائلين بالمزية اختلفوا في ماهيتها، فذهب القائلون بها من المعتزلة إلى أنها صفة وهي المزية، وقالت المجبرة: بل هي معنى، وقال أبو الحسين: بل هي حكم، وهو تعلق بين المريد والمراد.
احتج الأصحاب على أنها صفة بأن القول بأنها معنى باطل؛ لأنها لو كانت معنى لكانت ذاتاً يصح العلم بها على انفرادها، والمعلوم ضرورة أنه لا يصح العلم بها إلا تبعاً للمريد كما نعلم ذلك في كوننا متحركين وساكنين وعالمين، فوجب أن يكون مثلها في كونها مزية للذات، والقول بأنها حكم باطل أيضاً؛ لأن التعلق إما أن يكون مزية للذات فهو كقولنا، وإنما خالف في اللفظ، وإما أن يكون حكماً وهو صحة تأثير الذات في المتعلق فلا بد لذلك الحكم من مقتضى وهو إما الذات فيلزم اشتراك الذوات فيه؛ إذ لا مخصص، أو أمر زائد عليها فهو يؤول إلى قولنا لبطلان كل أمر يحتمل ثبوته لأجله سوى الصفة، وإذا بطل هذان القولان تعين قولنا؛ إذ لا قسم رابع يعقل أن يكون هو المزية.
فإن قيل: إذا كانت المزية هي الصفة فكيف يستحقها المتصف بها، هل بالفاعل أو المعنى أو بغيرهما عند القائل بها؟
قيل: بل يستحقها لمعنى، وذلك أن المعلوم أنها حصلت مع الجواز لا مع الوجوب فلا بد من مؤثر فيها، وليس إلا معنى كما سبق في الكاينية سواء سواء، وتحريره هنا أن الواحد منا حصل مريداً مع جواز أن لا يحصل والحال واحدة وهي الحياة، والشرط واحد وهو البنية، فلا بد من أمر لأجله حصل على هذه الصفة، وإلا لم يكن بالحصول عليها أولى من خلافه، وليس ذلك الأمر إلا وجود معنى وهو الإرادة والكراهة.
تنبيه آخر [إلى العلم بصفة الإرادة]
اعلم أن الطريق إلى العلم بهذه الصفة وثبوتها في حق من اختص بها تكون من وجهين:

أحدهما: أن العالم بما يفعله إذا كان فعله مقصوداً في نفسه ولم يمنع من إرادته، فإن الذي يدعوه إلى فعله يدعوه إلى إرادته وذلك ضروري في الشاهد، فإن الداعي إلى الأكل يدعو إلى الإرادة واعتبروا العلم؛ لأن الساهي ونحوه يستحيل منه الإرادة، واعتبروا أن يكون الفعل مقصوداً في نفسه احتراز عما لا يفعل إلا ابتغاء لغيره كالألم الحاصل عند الفصد، أو لا يقع إلا على وجه واحد كالإرادة، ورد الوديعة فإنه لا يجب أن يراد، واحترزوا بقولهم أن لا يكون ممنوعاً من إرادته عمن دعاه الداعي ويمنع من إرادته فإنه يأكل لا محالة ولا يحتاج إلى إرادة، وكذلك الواقف على باب الجنة إذا علم ما فيها من النعيم ومنع من إرادة دخولها وخلق فيه إرادة دخول النار فإنه يدخل الجنة من دون إرادة.
الوجه الثاني: أن تقع أفعاله على وجوه مختلفة من نحو كون كلامه أمراً أو خبراً أو نحو ذلك، ولا يصح وقوع الفعل على الوجوه المختلفة إلا من مريد، وبيانه أنه إذا قال القائل: محمد رسول الله، جاز أن يكون خبراً عن محمد بن عبد الله وعن غيره من المحمدين، ولا ينصرف إليه إلا بأمر وليس إلا إرادته.
فإن قيل: ولِمَ قلتم إن ذلك الأمر ليس إلا الإرادة؟
قيل: لمثل ما مر في إثبات كون الأكوان معاني، وتحريره هنا أن نقول: لا يخلو إما أن يكون خبراً عنه لذاته أي لذات الخبر، أو لشيء من صفاته الواجبة الجائزه وذلك باطل، وإلا لما صح أن يقع مرة فيكون خبراً، ويقع أخرى فلا يكون خبراً؛ لأن الواجب في الصفة المستحقة للشيء لذاته أو لما هو عليه في ذاته أن لا يتخلف كما مر في الأكوان، والمعلوم أنه قد يقع ولا يكون خبراً، نحو صدوره من الساهي والنائم، وأيضاً صيغة الخبر مع ابن عبد الله ومع غيره على سواء، فيلزم أن يكون خبراً عنهم جميعاً، أو لا يكون خبراً عن واحد منهم، فأما أن يكون خبراً عن بعض دون بعض فلا، إذ الفرض أن لا مخصص.

قال السيد مانكديم والإمام المهدي: ولأن صفة الذات ترجع إلى الآحاد لا إلى الجملة، فيلزم في كل حرف أن يكون خبراً، والمعلوم خلافه، وهذه الوجوه كما تدل على أنه لا يكون خبراً لذاته ولا لما هو عليه في ذاته فإنها تدل على أنه لا يجوز أن يكون خبراً عنه لوجوده أي الخبر، ولا لعدمه ولا لحدوثه؛ لأن هذه الأوصاف مع ابن عبد الله وغيره على سواء؛ ولأنها ترجع إلى الآحاد، فيلزم في كل حرف أن يكون خبراً، وأيضاً العدم يحيل الحكم وما أحال حكماً فكيف يؤثر فيه، وإما أن يكون خبراً عنه لأمر خارج عن ذاته وصفاته، فذلك الأمر إما علة أي معنى فذلك المعنى إما أن يكون معدوماً، أو موجوداً، وأيهما كان فلا يصح أن يكون مؤثراً في كونه خبراً عن ابن عبد الله؛ لأنه معه ومع غيره على سواء، وأيضاً المعدوم لا يوجب حكماً؛ لأن الإيجاب إنما يصدر عن صفته المقتضاة عن صفة الذات وهي مشروطة بالوجود، وإما أن يكون ذلك الأمر هو الفاعل وهو باطل؛ إذ تأثيره لا يصح أن يكون لذاته؛ لأنه مع الأشخاص التي يصح الخبر عنها على سواء، ولا لصفاته؛ لأن من صفاته ما لا تعلق لها كالحيية والوجود، وما لا تعلق له فلا يؤثر في غيره، ومنها ما له تعلق وهي محصورة معدودة ككونه قادراً عالماً، مريداً كارهاً مشتهياً، نافراً ظاناً، وكل واحدة من هذه لها تعلق مخصوص، فالقادر يتعلق بالإحداث ولا يتعداه، وكون الكلام خبراً أمر زائد على ذلك، ثم إن القادرية تثبت مع السهو ولا يصح الإخبار في تلك الحال، والعالمية تتعلق بالأحكام، وكون الكلام خبراً غير الأحكام، وأيضاً العلم تابع للمعلوم، ويتعلق به على ما هو عليه، ولا يؤثر فيه؛ إذ لو أثر لوجب أن تؤثر علومنا في المعلومات كلها نحو القديم والجوهر والأعراض، فتثبت متى ثبت علمنا، وتنتفي إذا انتفى، والمعلوم خلافه.

وأما كونه مشتهياً ونحوه فلا إشكال أنه لا يؤثر في ذلك، وقد مر بيانه، وكما لا تؤثر هذه الأوصاف في كونه مريداً كذلك لا يؤثر في ذلك كونه كارهاً؛ لأن الكراهة تمنع الفعل فضلاً عن أن تؤثر في وقوعه على وجه، فلم يبق إلا أن المؤثر في ذلك هو إرادة المخبر، فهذا هو الكلام في الإرادة، وهكذا الكلام في الكراهة؛ لأن كل ما ذكرناه في إثبات كونه مريداً يعود هنا.

الموضع الثاني: في كون الباري تعالى مريداً على الحقيقة أم لا؟
ذهب جمهور أئمتنا" على ما رواه عنهم في الأساس إلى أنه تعالى غير مريد على الحقيقة أعني أن إرادته تعالى ليست كإرادة الواحد منا، وإنما إرادته تعالى لأفعالنا أمره بها، وإرادته لأفعاله فعله إياها.
قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام : عندنا أن إرادة الله تعالى ومشيئته في فعله إرادة حتم وخلق، وإحداث، وجبر، وحكم، ووعد، ووعيد، وأنه لا تسبق إرادته مراده، وأن إرادته خلقه، وأن خلق الشيء هو الشيء، وأن إرادته فعل خلقه إرادة نهي وأمر، وبه قالت المطرفية، وهو قول أبي القاسم وغيره كما في (الأساس).
والذي في (القلائد) وشرحها و(المنهاج) عن أبي القاسم أن معنى إرادته تعالى لأفعاله أنه أوجدها وهو عالم بها غير ساهٍ ولا مغلوب، ومعنى إرادته لأفعال غيره أنه أمر بها، وهذا محكي عن أبي الهذيل، والنظام، والجاحظ.
وعن أبي الهذيل أن معنى كونه مريداً أنه فعل الإرادة، قال الإمام المهدي: فأثبتها معنى محدثاً لا توجب صفة.
وقال أبو الحسين، والإمام يحيى، وابن الملاحمي: المرجع بها إلى الداعي كما مر، وقد مر أن الإمام يحيى رواه عن أبي الهذيل، والجاحظ، وأبي القاسم، والخوارزمي وهو مروي عنهم في (شرح المواقف)، وزاد النظامَ وقد مر أن في الرواية عن أبي القاسم نظر إلا أن يكون البلْخي غير الكعبي كما يفهم من (المواقف) وشرحها فإنه روى عن أبي القاسم البلْخي كقول أبي الحسين، وعن الكعبي أن إرادته تعالى لفعله العلم بما فيه من المصلحة ولفعل غيره أمره، لكن المشهور أن البلْخي والكعبي واحد.
وقال جمهور المعتزلة، والزيدية، والمجبرة: بل هو تعالى مريد على الحقيقة، ومعناه أنه مختص بصفة كما مر، فهذه الصفة -أعني كونه مريداً- ثابتة له تعالى على الحد الذي تثبت لنا وهي زائدة على الداعي والصارف كما هي كذلك فينا، ثم اختلف هؤلاء في كيفية استحقاقه تعالى لها كما سيأتي في الموضع الثالث.

198 / 329
ع
En
A+
A-