والجواب: أن لذاتهم لا تحتاج إلى جوع وإنما تحصل بخلق شهوات فيهم لا يتأخر نيل المشتهى عنه، وذو الرتبة الناقصة لا يشتهي غير ما هو فيه كما لا يشتهي الواحد منا رتبة الملوك في الدنيا، ومن رأى تعذيب قريبه لا يتنغص لتعذيب عدو الله بل ربما استراح بذلك، كما أنه قد يستريح في الدنيا بقتله.
الحكم السابع: أن الثواب مستحق على جهة التعظيم، ووجه دلالة الآية على ذلك أنه جعل ما بشر به المؤمنين جزاء على فعل ما كلفهم به ووصفه بأوصاف تدل على أنه تعالى جعل لهم ذلك الجزاء العظيم رفعاً لشأنهم وتنويهاً بذكرهم وذلك معنى التعظيم، وقد أوجب كثير من أصحابنا اقتران الثواب بالتعظيم لينفصل عن العوض.
فائدة
بعض هذه الأحكام إنما هي فرع على القول بوجوب الثواب وأما من يقول بأنه تفضل محض فهي غير ثابتة عنده.

المسألة العاشرة [في رزق الدنيا والآخرة]
ذهب جماعة من الصحابة فمن بعدهم إلى أن المراد بقوله تعالى: {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}[البقرة:25] أن الذي رزقوه في الجنة مثل الذي رزقوه في الدنيا ومشابهاً له، وهذا يدل على ما ذكره الموفق بالله من أنه يجب في الثواب أن يكون من جنس ما قد تصورناه، قال: وكذلك العقاب؛ لأن الوعد إذا كان بما يدرك ويتصور من اللذات وينفر عنه من الآلام كنا أقرب إلى أداء الطاعات واجتناب المعاصي، قال: ومعلوم ضرورة أن الاعتداد بما يدرك ويتصور من اللذات أقوى منه إذا لم يكن قد تصوره وأدركه.
وقال المرتضى: لا يصح حمل الآية على ذلك لتأديته إلى عدم تفضيل نعيم الجنة على نعيم الدنيا وإنما معنى الآية أنه لا يأتيهم في الجنة رزق إلا وافق شهواتهم، ثم ما وصل بعده يكون كذلك بخلاف أرزاق الدنيا فإن منها موافق ومنها مخالف، ويدل عليه قوله تعالى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِها}[البقرة:25] ولا يجوز حمل المتشابه عنده على التشابه في الألوان كما قيل، وإنما المراد التشابه في الإرادة والشهوة والمحبّة؛ لأن أرزاق الدنيا منها ما لا يرى ولا يشتهى.
وفي (المصابيح) عن أكثر العلماء أن معناها هذا الذي رزقنا من قبل في الجنة وهم يعلمون أن ما أتوا به في الحال غير ما أكلوه من قبل ولكنهم شبهوه بالأول.
وقيل: المعنى هذا الذي وعدنا في الدنيا أن نرزقه في الآخرة، وعلى هذا فلا دلالة في الآية على ما ذكره الموفق بالله، بل كلام المرتضى صريح في منعه لما علل به من تأديته إلى عدم التفاضل، وقد استدل بعضهم على عدم اشتراط ذلك بقوله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}[السجدة:17].
وروى الموفق بالله عن علي عليه السلام في تفسيرها أنه قال: (من أخفى لله طاعة أخفى له ثواباً)، ويرجح ما ذهب إليه الموفق بالله بوجهين:

أحدهما أن الجنة دار التلذذ والنعيم الخالص، ومعلوم أن الإنسان إلى ما قد ألفه أميل منه إلى غيره، بل ربما نفر طبعه عن غير المألوف.
الثاني أن كلما للتكرار فلا بد وأن يقولوا هذا القول عند كل مرة من مرات الرزق ومنها المرة الأولى، ولا يكون عند المرة الأولى شيء من أرزاق الجنة حتى يشبه به ذلك فثبت أن حمل المتشابه على أثمار الدنيا أرجح وهو الذي قواه الزمخشري وما أحسن ما قاله في بيان الغرض في تلك المشابهة وترجيح هذا القول، ولفظه:
فإن قلت: لأي غرض تتشابه ثمر الدنيا وثمر الآخرة؟ وما بال ثمر الجنة لم يكن أجناساً أخر؟
قلت: لأن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد وتقدم له معه إلف، ورأى فيه مزية ظاهرة وفضيلة بينه، وتفاوتاً بينه وبين ما عهد بليغاً أفرط ابتهاجه واغتباطه، وطال استعجابه واستغرابه، وتبين كنه النعمة فيه، وتحقق مقدار الغبطة به، ولو كان جنساً لم يعهده وإن كان فائقاً حسب أن ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك فلا يتبين موقع النعمة حق التبين، فحين أبصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها في الحجم وأن الكبرى لا تفضل عن حد البطيخة الصغيرة، ثم يبصرون رمانة الجنة تشبع السكن، والنبقة من نبق الدنيا في حكم الفلكة ثم يرون نبق الجنة كقلال هجر كما رأوا الشجرة من شجر الدنيا وقدر امتداده، ثم يرون الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه كان ذلك أبين للفضل، وأظهر للمزية، وأجلب للسرور، وأزيد في التعجب من أن يفاجؤا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما، وترديدهم هذا القول، ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها دليل على تناهي الأمر وتمادي الحال في ظهور المزية وتمام الفضيلة وعلى أن ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم ويستدعي تبجحهم في كل أوان.

هذا وأما قوله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}[السجدة:17] وكلام الوصي عليه السلام فقال الموفق بالله: المراد به تفاصيل الثواب التي لا يعلمها كثرة وعظماً وموقعاً إلا الله سبحانه.

المسألة الحادية عشرة فيما يناسب الآية مما جاءت به السنة النبوية من أوصاف الجنة أسعدنا الله بدخولها آمين
اعلم أن الله تعالى وصف الجنة في هذه الآية بأربع صفات:
الأولى: بأن الأنهار تجري من تحتها.
الثانية: تشابه أرزاقها.
الثالثة: طهارة أزواجها.
الرابعة: الخلود فيها.
ونحن نأتي من السنة الشريفة بما يناسب كل واحدة من هذه الصفات بحسب ما يقتضيه الحال والمقام فنقول:

الصفة الأولى: أن الأنهار تجري من تحتها
وفي معناها ما أخرجه ابن ماجة وابن أبي الدنيا والبزار وابن أبي حاتم والبيهقي وابن حبان وابن أبي داود وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تزهر، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في فاكهة دار سليمة، وفاكهة خضرة وحبرة، ونعمة في محلة عالية بهية، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: قولوا: إن شاء الله، قال القوم: إن شاء الله)).
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أرض الجنة بيضاء، عرصتها صخور الكافور وقد أحاط به المسك مثل كثبان الرمل، فيها أنهار مطردة، فيجتمع أهل الجنة أولهم وآخرهم يتعارفون، فيبعث الله عليهم ريح الرحمة، فتهيج عليهم المسك، فيرجع الرجل إلى زوجه وقد ازداد حسناً وطيباً فتقول: لقد خرجت من عندي وأنا بك معجبة وأنا بك الآن أشد إعجاباً)).
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وأبو الشيخ في العظمة عن ابن زميل أنه سأل ابن عباس: ما أرض الجنة؟ قال: مرمرة بيضاء من فضة كأنها مرآة، قال: ما نورها؟ قال: ما رأيت الساعة التي يكون فيها طلوع الشمس فذلك نورها إلا أنه ليس فيها شمس ولا زمهرير، قال: فما أنهارها؟ أفي أخدود؟ قال: لا، ولكنها تفيض على وجه الأرض لا تفيض هاهنا ولا هاهنا، قال: فما حللها؟ قال: فيها الشجر فيها الثمر كأنه الرمان فإذا أراد ولي الله منها كسوة انحدرت إليه من أغصانها فانفلقت له عن سبعين حلة ألواناً بعد ألوان ثم لتطبق فترجع كما كانت وهو في تتمة الروض. عن سماك، عن ابن عباس وقال: أخرجه ابن أبي الدنيا، قال الحافظ: بإسناد حسن.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أنهار الجنة تفجر من تحت جبال مسك)).
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حبان في التفسير والبيهقي في البعث وصححه عن ابن مسعود قال: إن أنهار الجنة تفجر من جبل مسك.
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والضياء المقدسي كلاهما في صفة الجنة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض، لا والله، إنها لسائحة على وجه الأرض، حافتاه خيام اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر، قلت: يا رسول الله، ما الأذفر؟ قال: الذي لا خلط معه)).
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس مرفوعاً: ((في الجنة نهر يقال له الريان عليه مدينة من مرجان لها سبعون ألف باب من ذهب وفضة لحامل القرآن)).

الصفة الثانية: في أرزاق أهل الجنة.
وفي معناها ما رواه زيد بن علي عليه السلام عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، حصباؤها الياقوت والزمرد، ملاطها المسك الأذفر، ترابها الزعفران، أنهارها جارية، ثمارها متدلية، وأطيارها مرنة، ليس فيها شمس ولا زمهرير، لكل رجل من أهلها ألف حوراء، يمكث مع الحوراء من حورها ألف عام لا تمله ولا يملها، وإن أدنى أهل الجنة منزلة لمن يغدى عليه ويراح بعشرة آلاف صحفة في كل صحفة لون من الطعام له رائحة وطعم ليس للآخر، وإن الرجل من أهل الجنة ليمر به الطائر فيشتهيه فيخر بين يديه إما طبيخاً وإما مشوياً ما خطر بباله من الشهوة، وإن الرجل من أهل الجنة ليكون في جنة من جنانه من أنواع الشجر إذ يشتهي ثمرة من تلك الثمار فتدلى إليه فيأكل منها ما أراد، ولو أن حوراء من حورهم برزت لأهل الأرض لأغشت نور الشمس ولافتتن بها أهل الأرض)).
وعن أنس رفعه قال: ((إن أسفل أهل الجنة أجمعين من يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم مع كل خادم صحفتان، واحدة من فضة وواحدة من ذهب، في كل صحفة لون ليس في الأخرى مثلها يأكل من آخره كما يأكل من أوله، يجد لآخره من اللذة والطعم ما لا يجد لأوله، ثم يكون بعد ذلك رشح مسك وجشا مسك، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون)) أخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني، قال المنذري: رواته ثقات.

الصفة الثالثة: في أزواج أهل الجنة
ذكر الله تعالى في هذه الآية أن لهم أزواجاً مطهرة، قال زيد بن علي: أي لا يحضن، ولا ينفسن، ولا يبزقن، ولا يتمخطن، ومعناه مروي عن جماعة من السلف.
وأخرج الحاكم، وابن مردويه وصححه عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}[البقرة:25] قال: ((من الحيض والغائط والنخامة والبزاق)).
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((أول زمرة تدخل الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر، والزمرة الثانية أحسن كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقهن من وراء الحلل)).
وأخرج أحمد، والبخاري، ومسلم، والبيهقي عن أبي هريرة أنهم تذاكروا الرجال أكثر في الجنة أم النساء، فقال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما في الجنة أحد إلا وله زوجتان، إنه ليرى مخ ساقهما من وراء سبعين حلة ما فيها عزب)).
وأخرج الترمذي، وصححه والبزار عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وآله- قال: ((يزوج العبد في الجنة سبعين زوجة، قيل: يا رسول الله، أنطيقها؟ قال: تعطى قوة مائة)).
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وآله- قال: ((لو أن حورية بزقت في بحر لعذب ذلك البحر من عذوبة ريقها)).
وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((إن في الجنة لمجتمعاً للحور العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له)) أخرجه الترمذي وقال: غريب، والبيهقي.

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات[ما] سمعها أحد قط، وإن مما يغنين به: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرون بقرة أعيان، وإن مما يغنين به: نحن الخالدات فلا نمتنه، نحن الآمنات فلا نخفنه، نحن المقيمات فلا نظعنه)) أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط قال الحافظ: ورواتهما رواة الصحيح.
الصفة الرابعة: الخلود
وهي أم الصفات، ومعقد اللذات والمسرات إذ كل لذة ونعيم يخاف عليه الفوات لا تحصل به الغبطة ولا يخلص عن المنغصات، ولذا قال الشاعر:
أشد الغم عندي في سرور .... تيقن عنه صاحبه انتقالاً
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا ابن ريذة، أخبرنا الطبراني، ثنا ابن خالويه، ثني سهل بن عثمان، ثنا الحكم بن طهير، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله قال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((لو قيل لأهل النار: إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا، ولو قيل لأهل الجنة: إنكم ماكثون في الجنة عدد كل حصاة لحزنوا، ولكن جعل لهم الأبد))، وهو في الدر المنثور منسوباً إلى الطبراني، وابن مردويه، وأبي نعيم.
وفي أمالي أبي طالب: أخبرنا أبو العباس، انا يعقوب بن إسحاق، ثنا محمد بن حسان، ثنا أحمد الأشعري، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولاد الخياط، عن الصادق، عن أبيه، عن جده في قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ}[مريم:39] قال: يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة، خلود ولا موت فيها أبداً، ويا أهل النار، خلود لا موت فيها أبداً، وذلك قوله تعالى: {إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ} قال: قضي على أهل الجنة الخلود فيها، وقضي على أهل النار الخلود فيها.

196 / 329
ع
En
A+
A-