واحتج على عدم تعلق الإرادة والكراهة بالشيء على شرط بأن ذلك الشرط إما أن يكون شرطاً في وجود الإرادة وفي تعلقها وفي وجود المراد، الأول؛ لأن ذلك حاصل ثابت، والحاصل لا يكون مشروطاً وإنما يصح ذلك فيما كان مستقبلاً متوقعاً حصوله، والثاني باطل أيضاً لأنه يلزم منه أن يكون شرطاً في تعلق الإرادة فيئول الحال إلى أن يكون تعلق الإرادة مشروطاً مع أنه ثابت.
وأجيب بأنه ينتقض عليه بالعلم والخبر فما أجاب به فهو جوابنا، ثم إنا نلتزم الثاني.
قوله: يلزم منه أن يكون شرطاً في تعلق الإرادة.
قلنا: لا يلزم ذلك؛ لأن تعلق الإرادة بالمراد حاصل سواء وجد الشرط أم لا، قال الموفق بالله: وإن كان المريد يريد حدوث ذلك الشيء عند هذا الشرط فليس يجب إذا كان وجود المراد مشروطاً أن يكون تعلق الإرادة مشروطاً.
إذا عرفت هذا فاعلم أن الفرق بين قول أبي علي وقول أبي هاشم في جواب هذه الشبهة أن أبا علي يذهب إلى أن الوعيد يتناول المكلف سواء عصى أو لم يعص وسواء علم من حاله الموافاة بالمعصية أو لم يعلم من حاله ذلك إلا أنه يكون وعيدا مشروطاً بحصول المعصية وعدم التوبة، وعند أبي هاشم أن الوعيد لا يتناول الفاعل وإنما يتناول الفعل ومعناه أنه أخبر عن فعل المستحق على هذه المعصية، فإذا كان العبد مستحقاً للعقاب عليها تناولها هذا للوعيد وإلا فلا.
قال الموفق بالله: وذكر أن أبا علي قال: إنه زجر بالوعيد جميع المكلفين وقصدهم به، وعند أبي هاشم لا يكون زجرا إلا للمستحق للعقاب فهو بمنزلة أن يقول: أدب أولادي إذا أساءوا الأدب فإنه يكون زجراً لجميعهم بهذا الخطاب وإن كان التأديب يستقر على المسيء للأدب منهم، وعند أبي هاشم لا يتناول إلا المستحق للتأديب فقط.
الشبهة الثانية لأهل الموافاة
أن الله إذا توعد من يوافي ومن لا يوافي بها فقد توعد بالظلم.
والجواب أن ذلك لا يلزم إلا لو لم يكن الوعيد مشروطاً.
فإن قيل: إن الوعيد نفسه يكون ظلما لأنه ضرب لا يستحق العقاب به.
قيل: لا نسلم، بل هو نفع خالص؛ لأن عنده يكون المكلف أقرب إلى فعل الواجب وترك القبيح.
الشبهة الثالثة
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ}[يونس:96] ولو ثبت الاستحقاق قبل الموافاة لكانت قد حقت عليهم الكلمة؛ إذ معنى حقية كلمة الله علمه باستحقاقهم العقاب فيلزم أن لا يؤمن من قد استحق العقاب والمعلوم حصول الإيمان من الكفار فوجب كون الاستحقاق لا يثبت في دار التكليف.
والجواب لا نسلم أن معنى الآية ثبوت الاستحقاق، بل المراد من علم حالهم أنهم يعاقبون على كفرهم لعدم التطافهم وقبولهم للحق وأن العقاب واصل إليهم لا محالة فإنهم لا يؤمنون وذلك لا يقتضي بطلان تقدم ثبوت الاستحقاق على وقوع المجازاة بل يستحق قبل المجازاة ويصح إيمانهم لكن الله تعالى أخبر بما علم من حالهم.
الشبهة الرابعة
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}[محمد:34] فشرط في انتفاء الغفران موتهم على الكفر فكأنهم لا يستحقون على الكفر عقاباً إلا إذا وافوا به.
والجواب أن الآية إنما دلت على أن بموتهم ينقطع رجاء الغفران لهم وليس فيها أن بموتهم يثبت استحقاقهم للعقاب ولا نفي الاستحقاق قبل الموت.
فائدة
والظاهر أن معرفة هذه المسألة فرض كفاية لأجل معرفة خطاب الله؛ لأنه قد دل على ثبوت استحقاق الثواب والعقاب ولا يعلم وقت الاستحقاق إلا بعد العلم بهذه المسألة والنظر في أدلتها.
المسألة السابعة [في أن (كلما) تفيد التكرار]
(كلما) للتكرار، قال: ولا يرد في لسان العرب مطلق الفعل الواقع صلة لما فيكفي فيه بمرة واحدة.
قال: ولدلالتها على عموم الزمان جزم بها بعض العرب والتكرار الذي يذكره أهل أصول الفقه والفقهاء في كلما إنما ذلك لما فيها من العموم؛ لا أن لفظ (كلما) وضع للتكرار كما يدل عليه كلامهم وإنما جاءت كل توكيداً للعموم المستفاد من ما الظرفية.
قلت: وقد بنى الفقهاء على كونها للتكرار أحكاماً في تعليق الطلاق ونحوه بالشرط المقترن بها.
المسألة الثامنة [دلالة الآية على وجود الجنة]
قيل: هذه الآية تدل على وجود الجنة الآن، ووجه دلالتها أنه أخبر تعالى بوقوع هذا الملك لهم وحصوله في الحال وذلك يقتضي وجود المملوك في الحال، ولقائل أن يقول: لا نسلم أن اللام في الآية للملك وإنما هي لام الاستحقاق وحينئذ فلا دلالة فيها.
المسألة التاسعة [أحكام تتعلق بالثواب]
اعلم أن القرآن العظيم قد اشتمل على آيات متعددة في وعد المؤمنين بالثواب وكلها دالة على أن إثابتهم لا تكون إلا بمنافع عظيمة دائمة خالصة مستحقة على جهة التعظيم والإجلال، ومنها الآية التي نحن بصددها فيستنبط من ذلك أحكام تتعلق بالثواب:
الأول: صحة ما ذكره أصحابنا في حد الثواب من كونه نفعاً مستحقاً خالصاً عن كل كدر، واقعاً على وجه الإجلال والتعظيم الدائم الذي تتوق إليه النفس وتشتهيه، وهذا الحد ذكره الموفق بالله، وحدود سائر الأصحاب مطابقة له في المعنى، ودلالة الآية وما في معناها على صحة هذا الحد ظاهرة، فإن الله تعالى إنما وعدهم بمنافع من جنات وأزواج طاهرات وأرزاق متتابعات، وقرنه بالدوام الذي لا ينقطع، وجعل ذلك لهم جزاء مستحقاً على إيمانهم وصالح أعمالهم، وافتتحه بالأمر بالبشارة، فأي نفع وتعظيم وخلوص عن كل كدر وخيم أعظم من هذا.
الحكم الثاني: أن الثواب لا يكون مدحاً مجرداً؛ لأن الوعد وقع بغيره كما في الآية هذه وغيرها، والعقل أيضاً يدل على ذلك فإن الله تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة فلا بد أن يكون في مقابلتها من الثواب ما يعتد به وإلا كان التكليف عبثاً وظلماً، ولا شك أن المكلف لا يعتد بمجرد قول الله تعالى في يوم الجزاء لقد أحسنت بما فعلته من طاعتي وتركته من معصيتي في جنب ما تحمله من مشاق الطاعة ومجاهدة النفس في ترك الشهوات العظيمة ولا يحسن من الحكيم التكليف على هذا الوجه، وأيضاً المدح لا يستحق من الله تعالى خاصة، بل هو وغيره سواء في استحقاق المدح من جهته وما يستحق في مقابلة التكليف يجب أن يكون من فعل الله تعالى؛ لأنه الذي كلف بالشاق.
فإن قيل: أليس الإنسان قد يتحمل المشاق العظيمة في طلب المدح من السلطان فكيف لا يعتد بمدح الرحمن ويتحمل لأجله التكاليف؟
قيل: إنما يرغب في ذلك لما يرجوه من الوصول إلى منازل سنية عند السلطان ومنافع عظيمة، ولو علم أنه لا يكون من السلطان إلا مجرد المدح لم يرض به ولذلك يفرق بين مدحه ومدح العامي الذي لا يصل بمدحه إلى رتبة.
فإن قيل: أليس العرب يبذلون مهجهم وأموالهم طلباً للمدح والذكر حتى عدّوا الذكر عمراً ثانياً؟
قيل: إنما ذلك من جهالتهم مع أنه لا بد أن يكونوا قد اعتقدوا في ذلك نفعاً يزيد على ما يلحقهم من المشاق.
قال السيد مانكديم: وصار ذلك كإيصائهم بعقر بعير وحبس جمل أو فرس على قبورهم ونصب السراج ووضع السيوف عليها، كل ذلك لما يعتقدون فيه من النفع العظيم.
دليل آخر وهو أنه يستحق المدح على فعل الواجب وترك القبيح وإن لم يكن في فعله مشقة ولذا استحقه الباري تعالى على فعل الواجب وترك القبيح مع أنه لا مشقة عليه في ذلك فلا بد أن يكون بإزاء هذه المشقة ما يقابلها وهو الثواب.
فإن قيل: إنما كلفه لأن المدح مع المشقة يكون أبلغ.
قيل: المبالغة يمكن حصولها من دون المشقة فلا وجه لها، وأيضاً المعلوم أن الباري تعالى يستحق أبلغ المدح ولا مشقة تلحقه، وعلى ما قلتم يلزم أن يستحق المكلف من المدح أكثر مما يستحقه الباري جل وعلا.
دليل آخر: وهو أنه لو كان المقصود من التكليف حصول المدح لم يكن للإعادة معنى؛ لأن المدح يمكن للمعدوم كما يمدح المرء بعد وفاته.
واعلم أنه لا خلاف في أن استحقاق المدح على الطاعة لا يكفي إلا عن بعض الفلاسفة الإسلامية فإنه روي عنهم أن المدح وما يقع من السرور كاف في حسن التكليف بالمشاق.
الحكم الثالث: أن الثواب لا يكون مجرد السرور، والخلاف في ذلك لبعض الفلاسفة كما مر، وحكاه الموفق بالله عن بعض اليهود والنصارى قال: فزعموا في العقاب أنه الغم وأن صورة المثاب في الجنة بمنزلة النائم الذي يتخيل له نيل سني الملاذ والرتب لا أنه ينالها، في التحقيق، لنا الآية ونحوها فإنها صريحة في خلاف قولهم، ومن جهة العقل ما مر في المدح فإنه يجري هنا -أعني عدم الاعتداد بالسرور المجرد، وأيضاً المرجع بالسرور إلى اعتقاد نفع أو ظنه ولا يجوز من الحكيم التكليف لهذا الوجه، وكيف يجوز منه أن يكلفه بترك المنفعة العظيمة وتحمل الكد العظيم وبذل الروح حتى إذا وافى المحشر لم يظفر إلا باعتقاد أنه سوف ينتفع.
الحكم الرابع: أنه لا يكون إلا بمنافع عظيمة ودلالة الآية على ذلك ظاهرة، ومن جهة العقل أنا كلفنا الشاق فلا بد أن يكون في مقابلته من الثواب ما يزيد عليه في القدر إلى أن يبلغ حداً لا يحسن الابتداء بمثله ولا التفضل به وإلا كان التكليف عبثاً وظلماً كما مر في بيان حسن التكليف.
الحكم الخامس: دوام الثواب لقوله تعالى: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة:25] وقوله: {أُكُلُهَا دَائِمٌ}[الرعد:35] وهذا الحكم ثابت له ولا يجوز تخلفه عنه، بل ودوامه واجب، والعقل يحكم بوجوب دوامه من وجوه:
أحدها: أنه نظير المدح والمدح يستحق دائما فكذا نظيره لاتحاد جهة استحقاقهما.
الثاني: أنه لو لم يجب دوامه لجوزوا انقطاعه فكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة وكلما كانت النعمة أعظم كان خوف انقطاعها أعظم وذلك يقتضي أن لا ينفك أهل الجنة عن الغم والحسرة وقد نفي عنهم.
الثالث: أنه يحسن من الله تعالى دوام التفضل، فلو كان الثواب منقطعاً لكان أعلى حالاً من الثواب ولقبح التكليف لأجل الثواب؛ لأن التفضل يغني عنه، بل يكون أبلغ منه لجواز دوامه والقطع بانقطاع الثواب ولاختار العقلاء التفضل على الثواب المنقطع.
الرابع: أنه لا يمكن تقديره بوقت دون وقت فكان حال الأوقات معه على سواء.
وقد ضعف الإمام عز الدين هذه الوجوه كلها:
أما الأول فلأنه لا يلزم من استواء المدح والثواب في جهة الاستحقاق استوائهما في الدوام، كما لا يلزم منه تساويهما في غيره.
وأما الثاني فلأن تأدية قطعه إلى التنغيص لا يكون سببا في وجوب دوامه إذا لم يكن واجباً في الأصل، بل إذا لم يكن واجباً من الأصل لم يقع مبالاة بالتنغيص بعد إيفاء الواجب.
وأما الثالث فليس اللازم إلا استوائهما في جواز انقطاعهما وفي جواز استمرارهما تفضلاً لا وجوباً، ولا مانع من استوائهما في ذلك مع امتياز الثواب بمقارنة التعظيم وغيره من المزايا.
وقولهم: لقبح التكليف لأجل الثواب، كلام لا طائل تحته؛ إذ تقدير انقطاعه لا يقتضي قبح التكليف لأجله.
وقولهم: ولاختار العقلاء ...إلخ، لا معنى له؛ إذ لا يلزم ذلك إلا لو كان من لم يثب ثوابا منقطعاً تفضل عليه تفضلاً دائماً ولا قائل بذلك.
وأما الرابع فيقال: ما أردتم بنفي الإمكان؟ هل لا يمكننا نحن؟ فمسلم، لكن ذلك لا يستلزم عدم إمكان التقدير من المثيب العزيز العليم ولا يمكن المثيب جل وعلا فغير مسلم وصار الحال في ذلك كالحال في كمية أجزاء الثواب، فإنه لا يمكننا معرفة مقدارها، والباري تعالى يعلم ذلك، ولا يصح أن يقال: إذا كان لا يمكننا تقدير أجزائها بقدر دون قدر وجب أن لا تتناها، قال عليه السلام : فالمعتمد في دوامه دليل السمع، فالقرآن فيه تصريح بذلك وتأكيد له وكذلك السنة النبوية والأخبار الصحيحة المروية.
قلت: وكذلك إجماع الفرق الإسلامية إلا ما يحكى عن جهم والبطحي فإنهما منعا دوام الثواب والعقاب وقولهما باطل بما ذكرنا وبما مر في الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ}[البقرة:6] من دليل دوام العقاب.
الحكم السادس: أن الثواب يكون خالصاً عن الشوائب والمنغصات ودليله وصفه بالخلود؛ لأنه تعالى لو لم يصفه بذلك لجوزوا انقطاعه وفي ذلك تنغيص كما مر، فكان وصفه بالخلود دليلاً على أنه لا ينغص عليهم بخوف الانقطاع، ومن الدليل على أن وصفه بالخلود يدل على نفي التنغيص قول امرئ القيس:
وهل يعمن إلا سعيد مخلد .... قليل الهموم لا يبيت بأوجال
وقول الآخر:
أشد الغم عندي في سرور .... تيقن عنه صاحبه انتقالا
وقد قيل: إن الأمة مجمعة على أنه لا تنغيص في الجنة، والدلائل القرآنية والسنة النبوية صريح في ذلك، وقد استدل عليه من جهة العقل بوجوه:
الأول: أن الثواب في مقابلة ما كلفناه وهو قد وقع منا على نهاية ما يصح أن يؤدى لوجوبه، فيجب في المستحق عليه أن يكون على أبلغ ما يمكن وهو خلوصه من الشوائب.
فإن قيل: إنما يلزم نهاية ما يمكن من الثواب لو وقع التكليف بنهاية ما يمكن من المشاق، والمعلوم أن التكليف وقع بالأخف فكيف يستحق عليه نهاية ما يمكن من الثواب؟
قيل: الثواب في مقابلة أداء ما كلف وقد أداه على أبلغ ما يمكن للوجه الذي يجب فاستحق الجزاء عليه على وجه لا يشوبه منغص، وقد قيل: إن التكليف قد وقع على أبلغ ما يمكن في إزاحة العلل فلا بد من كون المستحق عليه خالصاً.
الوجه الثاني: أن الله تعالى لو فعل الألم بأهل الجنة لكان إما مستحقاً أو لطفاً وكلاهما محالان؛ لأنه لا يجوز أن يستحقوا عقاباً لمنافاته للثواب كما مر واللطف لا يكون إلا لمكان التكليف ولا تكليف عليهم.
الثالث: أن الثواب يجب أن يتميز عن غيره وتميزه إما بكونه دائماً أو مقترناً بالتعظيم أو خالصاً، الأول باطل؛ لأن الدوام ثابت في التفضل؛ إذ لا يجوز دوامه؛ ولأن الدوام مما سيحصل وما يقع به التمييز يجب أن يكون مقارناً، والثاني باطل أيضاً؛ لأنه لو كان بإزاء التعظيم ما يوافي عليه كثيراً لكان مساوياً له، ولذلك إن العاقل قد يؤثر المنافع الزائدة على أجزاء التعظيم على تلك الأجزاء، فإذاً لا يتميز إلا بكونه خالصاً عن المكدرات.
فإن قيل: كونه خالصاً يرجع إلى النفي، والنفي لا يقع به التمييز؛ لأنه مع الثواب وغيره على سواء.
قيل: لا نسلم لأنه تميز بوقوعه على هذا الوجه وذلك أمر يخصه لا يشاركه فيه غيره.
قلت: والقول بأنه لا يتميز بالدوام والتعظيم هو الذي ذهب إليه الموفق بالله، وأما القرشي فعدهما من الصفات التي يتميز بها الثواب عن غيره.
الوجه الرابع: أن الله قد كلفنا المشاق فلا يجوز منه أن يكلفنا ذلك ثم لا نظفر منه إلا بمنافع مثلها أو مقاربة لها؛ لأن مثل ذلك مما يحسن الإبتداء به فلا يكون للتكليف فائدة.
الخامس: أن المكلف مرغب في الثواب فلا بد أن يتميز حاله عن حال التكليف في الخلوص من المشاق والمضار ولذلك زال التكليف عن المثابين وصاروا كالملجئين؛ لأنه لم يقابل دواعيهم إلى الحسن صارف ولا صوارفهم عن القبح داع.
وهاهنا سؤال، وهو: أن اللذة لا تحصل إلا بعد الجوع فلا بد من أن يجوع أهل الجنة فيحصل لهم اللذة، والجوع ألم، وأيضاً درجاتهم متفاوتة في الجنة فلا بد من أن يشتهي الناقصة درجته أن ينال درجة من هو أعلى منه، فإذا لم ينلها تنغص عليه ما هو فيه، وقد يرى الواحد منهم أخص الناس لديه في النار فيغتم لذلك وحينئذ لا ينفك الثواب عن ألم الجوع وغم فوت المرتبة وتعذيب القريب فلا يخلص عن مكدر.