ومنها أن النبي -صلى الله عليه وآله- زوج بنتيه من عثمان وهو يعلم أنه كافر وكذلك يعلم في عائشة وأبيها الكفر، وزوج علي ابنته من عمر وهو يعلم كفره وكل ذلك تقية، وقال: يجوز تزويج المؤمنة من الكافر والعكس تقية، وربما أنكر بعضهم هذه التزويجات المنقولة بالتواتر، قال عليه السلام : وكل هذه التخاليط إنما تولدت من إنكار التحابط بين الأعمال؛ لأنه لما قال به ألزمه أصحابنا جميع ذلك فالتزمه وبنى فاسداً على فاسد وهكذا ربما كان ابتداء الباطل بأمر قليل هين ثم تعظم فروعه.
فائدة أخرى في تحقيق مذاهب المخالفين في المسألة
اعلم أن من العدلية من أنكر الإحباط وهو عباد بن سليمان والخالدي، فأما عباد فذهب إلى أن عقاب المعصية لا يسقط إلا بالتوبة والثواب لا يصح سقوطه بعد توبته، ومذهبه أن المستحق على المعصية نوعان: أحدهما العقاب الأخروي وذلك حيث كانت معاصيه غالبة لطاعاته، ثانيهما التفرقة فقط وذلك حيث غلبت طاعاته معاصيه، ومعنى التفرقة أنه من المرتبة دون من خلصت طاعاته عن المعاصي، قال: وكذلك المستحق على الطاعة نوعان: الثواب الأخروي لمن غلبت طاعته معصيته والتفرقة وذلك فيمن غلبت معاصيه طاعاته فلا يستحق بالطاعة إلا التفرقة فقط وهي مزية تثبت له على من خلصت معاصيه عن الطاعة.

وأما الخالدي وهو أبو الطيب محمد بن إبراهيم بن شهاب فذهب إلى أنه يجب انقطاع عقاب الفاسق، وتحقيق مذهبه على ما ذكره بعض أصحابنا أن المعصية لا يستحق عليها العقاب الدائم إلا إذا انفردت عن الطاعات وأما ما وجدت مع الإيمان فلا يستحق عليها إلا العقاب المنقطع ودعاه ذلك إلى القول بأن الكافر لا تقع منه طاعة يستحق عليها ثواباً؛ لأن الكفر يوجب دوام العقاب والطاعة توجب انقطاعه ومصيره بعده إلى الثواب الدائم ودعاه ذلك إلى القول بأنه لا يجوز الكفر بعد الإيمان لمثل هذه العلة فأوجب فيمن آمن في وقت من الأوقات أن لا يموت إلا مؤمنا وأوجب في الكافر أن لا يفعل ما يستحق عليه ثواباً ما دام على كفره، وزعم أن غير الكافر إما أن تكون طاعاته خالصة من الكبائر إما بتركها أو بالتوبة عنها فثوابه دائم لا عقاب عليه، أو مقترنة بالكبائر فلابد وأن يستحق عليها عقاباً منقطعاً ثم يصير إلى الثواب الدائم، وأحال كون المعصية المنفردة عن الطاعة بمنزلة المعصية التي لم تنفرد.
وحكى الإمام المهدي عن بعض من أنكر الإحباط والتكفير أن من غلب ثوابه عقابه استحق الثواب الأخروي الدائم والعقاب الدنيوي المنقطع ولا إحباط ولا تكفير، قال عليه السلام : فصار المنكرون للإحباط والتكفير ثلاث فرق: فرقة قطعت بحصول إثابة الفاسق ودوامها وحصول عقابه في الآخرة وانقطاعه وهذا قول الخالدي منا والرازي من المجبرة وغيرهما، وفرقة قطعت بحصول الثواب الأخروي ودوامه وأنه لا عقاب عليه رأسا وهذا قول مقاتل بن سليمان وأصحابه، وفرقة قطعت بحصول ثوابه في الآخرة ودوامه ووصول العقاب إليه في الدنيا فقط، وهذا قول جماعة من أهل الحديث، وأما قول عباد فالأقرب أنه يعود إلى مثل قولنا وإن خالف في العبارة، قال عليه السلام : فهؤلاء جميعاً يحيلون الإحباط والتكفير.

المسألة السادسة [توقيت استحقاق الثواب]
اللام في قوله تعالى { أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي...}[ البقرة:25] للاستحقاق، وقد اختلف الناس في أي وقت يحصل للمكلف استحقاق الثواب وكذلك اختلفوا في وقت استحقاق العاصي العقاب، فقال الموفق بالله والإمام المهدي والقرشي والبصرية: يستحقان عقيب فعل الطاعة والمعصية من غير مهلة، قال القرشي: ومعناه أن للمكلف الحكيم أن يوصل إليه من حينئذ إلا لمانع يقتضي تأخره إلى الآخرة.
قال (الإمام عز الدين): هذا من فروع القول باستحقاق الثواب والعقاب من حال الطاعة والمعصية وله فرع آخر هو محط الفائدة فإن إيصال الثواب والعقاب في الدنيا لا يتهيأ منه إلا اليسير وذلك الفرع هو أن يستحق منذ فعله للطاعة والمعصية في كل وقت أجزاء معلومة منها ويحسب له ما يجتمع في الدنيا ولا ينقص منه شيء حتى يتوفاه كاملاً في الآخرة، فإذا فعل طاعة يستحق عليها في كل يوم مثلا خمسة أجزاء من الثواب وعاش مائتي يوم فقد توفر له ألف جزء فيوفى هذا القدر في الآخرة ثم تستمر له الخمسة لأنها المستحقة وتلك إنما توفرت له، لا يقال فيلزم تنغصه في الجنة؛ لأنه إذا لم يعط ما كان يعطاه كاملاً فلا بد وأن يغتم لذلك وأهل الجنة لا يجوز عليهم التنغيص والاغتمام؛ لأنا نقول: إن سلم من الاغتمام لمانع يمنع منه فذلك وإلا فقال الإمام المهدي: إذا علم الله أنه يتألم بانقطاعها جملة فرقها على الأوقات بحيث ينقطع عنه شيء يسير لا يكترث بفواته حتى لا يجد تنغيصاً عند انقضاء آخرها، وهذا قول أبي علي، وقال أبو هاشم: بل يتفضل عليه بمثل المنقطع مستمرا لئلا يقع التنغيص.
قال (الإمام المهدي): وهو باطل؛ لأن هذا الذي يُجْرَى عليه إن كان ثواباً صار واجباً وهو خلاف الفرض، وإن جعله تفضلاً فذلك يقتضي أن له أن يجريه وأن لا يجريه، وأبو علي والجمهور لا يمنعون ذلك.

إذا عرفت هذا فنعود إلى تمام حكاية الخلاف في المسألة فنقول: وقال أهل الموافاة وهم: هشام الفوطى وبشر بن المعتمر وأتباعهما: الثواب والعقاب لا يستحقان في الحال بل ينتظر أمره، فإن وافاه الموت ولم يكن قد فعل ما يبطل به ثواب الطاعة ثبت له استحقاقه وإن كان قد فعل ما يبطله فلا وكذلك المعصية إن وافاه الموت ولم يكن قد فعل ما يسقط عقابها حكم عليه بالاستحقاق، وإن كان قد فعل ما يسقطه فلا، هذا معنى المذهب، وحاصله أن الموافاة تكشف عن عدم الاستحقاق، ثم اختلفوا، والمشهور من اختلافهم أن منهم من يقول إن الموافاة شرط حقيقي فلا يحصل الاستحقاق إلا في الآخرة، فالطاعة والمعصية موجبان للثواب والعقاب والموافاة شرط في استحقاقهما، ومنهم من يجعل الشرط العلم فإن علم الله من حاله الموافاة بالطاعة استحق الثواب في الحال وإلا فلا وكذلك المعصية، واختلفوا أيضاً في أنه هل تعتبر موافاة الموت وانقطاع التكليف أو موافاة القيامة أو موافاة الإعادة أقوال لهم واختلفوا أيضاً فيما لا يوافى به من طاعة أو معصية بأن يكون قد فعل ما يبطل الطاعة ويكفر المعصية، فقيل: لا يستحق عليها ثواباً ولا عقاباً لا في الدنيا ولا في الآخرة لعدم شرط الاستحقاق وهو الموافاة، وقيل: بل يستحق ثواب الدنيا وعقابها.
والحجة لما ذهب إليه أصحابنا من ثلاث جهات:
الجهة الأولى: في الدلالة على أن استحقاق الثواب والعقاب يكون عقيب فعل الطاعة والمعصية
والذي يدل على ذلك أن الذي يوجب الثواب والعقاب إنما هو الطاعة أو المعصية وهذه الآية تدل على ذلك بدليل أنه رتب البشارة بالجنة على حصول الإيمان والعمل الصالح فإذا وجدتا أوجبتا الاستحقاق؛ إذ لا مانع من توبته وأيضاً لو جاز تأخره عنهما لم يكن وقت بثبوته أولى من وقت وذلك يعود على ثبوته بالنقض؛ لأنه إذ لم يكن وقت أولى من وقت كان تخصيص ثبوته بوقت دون وقت تحكم محض.
الجهة الثانية في إبطال القول بأن الاستحقاق يتعلق بالموافاة

ولنا في إبطاله وجوه:
أحدها: حسن المدح للمطيع والذم للعاصي ولعنه عقيب الفعل وهذا معلوم وهو مجمع عليه.
فإن قيل: ألستم تمدحون فاعل الطاعة وتذمون مرتكب الكبيرة وإن غابا عنكم وجوزتم عدم استحقاقهما كذلك فلم لا يجوز أن يمدح أو يذم من نشاهد منه الطاعة والمعصية، وإن جوزنا عدم استحقاقه لذلك؟
قيل: إنما يمدح ويذم الغائب بشرط كونه مستحقاً لذلك بخلاف من شاهدنا منه ذلك وعلمناه منه فإنا نمدحه ونذمه ونلعنه قطعاً لا لشرط فلو لم يكن مستحقاً لم يحسن شيء من ذلك فثبت أن الموافاة لو كانت شرطاً في الاستحقاق لم يحسن ذلك لعدم حصول شرطه الذي هو الاستحقاق وكذلك يقال: لو كان العلم بالموافاة شرطاً؛ لأنا لا نعلم أنه يوافي بذلك فلم نستيقن شرط استحقاقه للمدح والذم.
فإن قيل: هذا الوجه مبني على القطع بحسن مدح المطيع وذم العاصي في الحال ونحن لا نسلم ذلك.
قيل: قد عرّفناك أنه مجمع عليه، قال الموفق بالله: وربما بلغ المخالف فيه حداً يعلم خلافه؛ لأنه معلوم ضرورة حسن ذم الكفار من عبدة الأوثان والمكذبة به عليه الصلاة والسلام وكذلك الذين يسعون في الأرض بضروب من الفساد على أهل الإسلام وإن اعتقدوا الإسلام كتخريب المساجد وقتل ذراريهم وما شاكله فلا معنى للخلاف فيه.
قلت: وكذلك يعلم ضرورة حسن مدح الأنبياء والصالحين.
الوجه الثاني: أنه قد وجب علينا إقامة الحدود على وجه النكال وهو الإهانة من دون شرط فلو لم تكن مستحقة لم يحسن إقامتها، وقد نص الله تعالى على أن ذلك عقوبة على المعصية في قوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ}[المائدة:38].
فإن قيل: نحن إنما نمنع أن يكون ما ينالهم في الآخرة مستحقاً في الدنيا والآية إنما تدل على استحقاقهم لهذا العذاب الكائن في الدنيا ونحن لا ننكره.

قيل: قد دل هذا الدليل على أن العذاب استحق عقيب فعل المعصية وأنها التي اقتضت استحقاقه وهذا الاستحقاق الذي لأجله وقع العذاب في الدنيا هو بعينه الذي يقع لأجله العذاب في الآخرة، فهو استحقاق واحد وليس باستحقاقين فتفرقون بينهما وإنما عجل بعض المستحق وتأخر بعضه ولا مانع من ذلك.
الوجه الثالث: أن الله تعالى كلفنا الشاق وأوجبه علينا فلا بد من وجه لوجوبه وليس ذلك إلا كونه يستحق العقاب بتركه؛ إذ لا يحسن التكليف لمجرد النفع كما مر في مسألة استحقاق العقاب.
الوجه الرابع: أن الموافاة إما الموت أو نحوه مما مر أو العلم بأنه يوافى مطيعاً أو عاصياً وكلا الأمرين لا يصح أن يكون مؤثرا في استحقاق العقاب؛ لأن الموت من فعل الله والعلم لا مدخل له في التأثير في ذلك لا يقال إنما قلنا إن الموافاة والعلم شرط في الاستحقاق لأنا نقول: الشرط لا يثبت إلا بدليل.
الوجه الخامس: أنه قد ثبت أن أحدنا يستحق الشكر على الإحسان والذم على الإساءة وإن لم يواف بهما فكذلك في الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية، ثم إنه يلزم من القول بالموافاة أن لا يستحق الباري تعالى الشكر والعبادة لأن الموافاة مستحيلة عليه والشكر نظير الثواب في الاستحقاق.
فإن قيل: إنما يلزم ذلك إذا قلنا: إن الموافاة هي الموت، ونحن لا نقول بذلك، بل المراد بها حصول العبد في الآخرة وموافاته فيها بالطاعة أو المعصية ونحو هذه الموافاة لا يستحيل على الباري تعالى إذ هو جل وعلا موجود في الأخرة والأولى وإحسانه إلى العبد لم يقع منه ما يبطله إلى يوم القيامة.
قيل: فيلزمكم أن لا يكون الباري تعالى مستحقاً للشكر والعبادة إلا في الآخرة كما أن المحسن منا لا يستحق الشكر إلا في الآخرة وكما أن المطيع والعاصي لا يستحقان الثواب والعقاب إلا فيها.
الجهة الثالثة في إبطال كون العلم بالموافاة شرطا في الاستحقاق
ولأصحابنا في إبطال ذلك وجوه:

منها ما هو داخل فيما تقدم ومأخوذ منه، ومنها أنه لو كان لا يستحق العقاب على المعصية إلا إذا علم من حال فاعلها أنه يوافي لها لوجب فيمن بشره النبي بالجنة أن لا تجب عليه التوبة من الكبائر؛ لأن المعلوم من حاله أنه لا يوافى بها فلا يستحق عليها عقاباً.
فإن قيل: إنما وجبت التوبة لأنه قد يظن الموافاة بالمعصية.
قيل: لا ظن مع بشارة نبي.
ومنها أنه لو كان العلم بالموافاة شرطاً في استحقاق العقاب للزم مثله في التوبة فيشترط في زوال العقاب بها العلم بالموافاة فيجب حينئذ إذا تاب ثم عاد أن يكون في حكم من لم يتب لعدم العلم بالموافاة بها.
قال الإمام المهدي: بل كان يجب على هذا القول إذا كان المعلوم أنه يوافى بالمعصية أن لا يحسن تكليفه بالتوبة؛ لأنه لا يمكنه إزالة العقاب المستحق ولا سبيل له إلى ذلك لوقوف إسقاط التوبة إياه على العلم بالموافاة ولا يأمن من معاودة المعصية بعد التوبة فتكون الموافاة بالمعصية وحينئذ لا يكون للتوبة ثمرة لعدم القطع بنفعها له لا في الحال ولا في المآل بل العبرة بما أفضت إليه العاقبة فلا يحسن إيجابها، بل لا يكلف إلا بما يحسن التكليف به، وإذا كان هذا القول يؤدي إلى قبح ما كلفنا الله بفعله وجب القطع ببطلانه.

قيل: وفي الاستدلال بهذين الوجهين نظر؛ لأن التوبة لا تجب عقلاً إلا بعد ثبوت استحقاق العقاب على المعصية فالاستدلال بوجوب التوبة منها على استحقاق العقاب دور والأولى الاستدلال بما مر من أن الموجب للثواب والعقاب المعصية والطاعة ولا تأثير للموافاة في الاستحقاق؛ إذ هي أجنبية عنه فكذلك العلم بها إذ هو أجنبي عن الاستحقاق، وأيضاً لو كان شرطاً لتوقف العقلاء في المدح والذم حتى يعلموا هل يوافى أم لا والمعلوم أنهم لا يتوقفون، فدل على أن استحقاق المدح والذم غير متوقف على ذلك فكذلك الثواب والعقاب، وهذا أولى من هذين الوجهين، وكذلك ما تضمنته الجهة الثانية من الوجوه التي يمكن تركيب الاستدلال بها على إبطال هذه الجهة هي أولى. والله الموفق.
هذا وقد استند أهل الموافاة إلى شبه: أحدها أن الوعيد إما أن يتناول من يوافى بالمعصية ومن لا يوافى أو لا يتناول إلا من يوافى بها، إن قلتم بالأول لزمكم أن يعاقب التائب وإلا لزم الكذب والخلف في الوعيد، وإن قلتم بالثاني فلم منعتم قولنا إنه لا يستحق العقاب على المعصية إلا إذا وافى بها أو علم من حاله أنه يوافى بها، وحاصل هذه الشبهة أن الموافاة لو لم تكن شرطاً هي أو العلم بها لدخل العاصي في آيات الوعيد ولو دخل فيها لم يسقط عقابه بالتوبة؛ لأنه يؤدي إلى كذب ذلك الوعيد.
والجواب: أن كل وعيد مشروط بعدم التوبة لأنه وإن أطلق في آية فقد قيد في أخرى فيحمل المطلق على المقيد، هذا معنى جواب أبي علي.
وأما أبو هاشم فأجاب بأن الله تعالى إنما أخبر بأنه يفعل المستحق فإذا تاب العاصي فقد خرج عن كونه مستحقاً للعقاب فلا يلزم الكذب في الوعيد.

والفرق بين الجوابين أن أبا علي يجعل لفظ العموم في الوعيد متناولاً لكل عاص سواء علم من حاله أنه يتوب أم لا، ثم خص التائب بعد دخوله في ذلك العموم، وأما أبو هاشم فعنده أن الوعيد لم يتناول التائب وأن المراد بالعموم ليس إلا غير التائب، هكذا ذكر الفرق بينهما الإمام المهدي ثم قال: والتحقيق أن خلافهما في تخصيص العموم هل هو إخراج لما كان قد دخل في الخطاب أم بيان للمعنى المقصود بالعموم عند إطلاقه وأنه أريد به الخصوص من أول وهلة، فالأول قول أبي علي والثاني قول أبي هاشم.
قلت: والتحقيق أن الشبهة وجوابها مبنية على أن العلم هل يصح أن يتعلق بالشيء على شرط أم لا، فقال هشام الفوطي وحكاه في (الإحاطة) عن عباد بن سليمان: لا يجوز ذلك، وقال أبو علي: بل يجوز وألحق بالعلم الخبر والأمر والنهي والإرادة والكراهة فكل هذه يجوز أن تتعلق بالشيء على شرط وهو الذي قواه الموفق بالله ووافقه أبو هاشم في العلم واختلف قوله في الخبر، فتارة قال: يجوز، وتارة منع، ولم يختلف قوله في الوعد والوعيد في أنهما لا يتعلقان بالشيء على شرط وكذلك الإرادة والكراهة والأمر والنهي، احتج هشام وعباد بأن ذلك يقتضي أن يكون العالم شاكاً في المعلوم.
والجواب: لا نسلم أنه يقتضي ذلك وإنما هو دليل على علمه بالعواقب وأن لو كان كيف كان يكون، ألا ترى أنه من الوجه الذي نعلمه لا مجال للشك فيه نحو أن يعلم أن زيداً لو آمن لأثابه الله تعالى وإن كان المعلوم أنه لا يؤمن فالوجه الذي نعلمه منه هو أنه لو آمن لأثابه لا يدخله شك ولو قطع بعدم إيمانه وعلى هذا ورد السمع قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ...}الآية[الأعراف:96] إلى ما شاكلها في القرآن، وهذا هو حجة أبي علي في العلم، وإذا صح العلم بالشيء على شرط صح الخبر عنه كذلك.

وأما حجته فيما عداهما فهي أنه يحسن أن يقول القائل لغيره: اضرب زيداً إذا أساء الأدب، فيكون آمراً بضربه بهذا الشرط ومريداً له ويجد إرادة ذلك بهذا الشرط من نفسه، لا يقال هذه الإرادة لا مراد لها لأنا نقول: لو جاز ذلك مع أن الضرب ممكن حدوثه لجاز أن يقال كذلك في كل إرادة وأيضاً إنا نجد من أنفسنا الفرق بين هذا المراد وبين مراد آخر كما نجد الفرق بين المرادين إذا لم يكونا مشروطين، فكما أن الإرادة إذا لم تكن مشروطة يجب أن تكون متعلقة بمراد كذلك إذا كانت مشروطة لعدم الفارق والسمع قد ورد بذلك -أعني بتعليق الأمر على شرط- فإنه أمر بالواجبات بشرط الاستطاعة وأوجب علينا إرادة ذلك؛ لأنه كلفنا أن نقصد بها عبادته وهذه الإرادة مشروطة أيضاً بالاستطاعة.
احتج أبو هاشم على أن الوعد والوعيد لم يجز أن يتعلقا على شرط بأن الوعد يتضمن الترغيب، والترغيب يدل على إرادة ما رغب فيه، والوعيد يتضمن الزجر، والزجر يدل على كراهة ما زجر عنه، والإرادة والكراهة لا يتعلقان بالشيء على شرط عنده، وهذه الحجة إنما هي جواب عما ألزم به أبو هاشم من المناقضة؛ لأنه إذا جاز في الخبر أن يتعلق بالشيء على شرط جاز في الوعد والوعيد مثله؛ لأنهما خبران، فأجيب بما ذكر.
والجواب أن ذلك ليس بعذر له؛ لأن الإرادة المتعلقة بالطاعة منفصلة عن الوعد ولا تعلق لها به ولا يلزم من عدم تعلق الإرادة بالمراد على شرط أن لا يتعلق الوعد بالشيء على شرط.
واحتج أيضاً بأن الوعد والوعيد جاريان مجرى الأمر والنهي وهما لا يتعلقان عنده كما مر فكذلك ما أجري مجراهما.
والجواب أنا لا نسلم عدم تعلق الأمر والنهي وقد مر الدليل على تعلقهما سلمنا فلا جامع بينهما وبين الوعد والوعيد؛ لأنهما من الإنشاءات وهذان من جملة الأخبار فيجب إلحاقهما بسائر الأخبار.

194 / 329
ع
En
A+
A-