فإن قيل: لا مانع من أن يذهل الله تعالى خاطر المثاب عن الفكر فيما علمه من الألم الحاصل في المستقبل فيشغله باللذات العظيمة عن تذكر العقاب كما تقولون إن الله تعالى يذهل أهل الجنة عن تذكر من في النار من أحبابهم لئلا يتنغصوا بذلك وأيضاً فإنا نجد كثيراً من المنهمكين باللذات غافلين عن ذكر الموت وما بعده فيجوز مثل ذلك في المشغول بنعيم الجنة، بل هو هناك أبلغ وما أجاز العقل وقوعه فلا يصح القول بأنه يقتضي خلافه.
قيل: بل ذلك ممنوع؛ لأن معرفة قدر ما يستحق وأنه لا يستحق الدوام إن كان مما لا يدوم مما لا يجوز أن يجهله أحد في الآخرة لتيقن عدل الله وحكمته فكيف يقولون إنه يجوز أن يذهله الله عن الفكر فيما لا يجوز جهله وهل هذا إلا بمنزلة القول بأنه يجوز من الله أن يخلق فينا الجهل وبطلان ذلك معلوم، لا يقال إنا إنما قلنا إنه يجوز أن يذهله عن الفكر فيما علمه، وجوابكم إنما يصح لو قلنا إنه يجوز من الله أن يسلبه العلم؛ لأنا نقول: ذهوله عن الفكر إنما يتم مع سلب العلم؛ إذ العالم بالشيء القاطع به لا بد وأن يكون مفكراً فيه لا سيما في مثل ما نحن فيه وهو انقطاع اللذات العظيمة والخروج منها إلى أليم العذاب وهذا بخلاف الصور التي ذكرتم فإنه لا يجب تجديد العلم بها، ولو قدرنا تجدد العلم فإن الرحمة والرقة التي في قلوب البشر من فعل الله تعالى ويجوز أن لا يفعلها في الآخرة فيستوي عند أهل الجنة الأقرب والأبعد من أهل النار في عدم الرقة والرحمة لهم.
فإن قيل: هذا الوجه مبني على أن اللطف واجب ونحن لا نسلم ذلك.
سلمنا فلا نسلم أن الثواب والعقاب جاريان مجرى اللطف في وجوب وقوعهما على أبلغ الوجوه وإلا لوجب أن يكون وعد كل مطيع بمثل ثواب الأنبياء ووعيده كل عاص بمثل عقاب آل فرعون؛ لأن ذلك أبلغ في الزجر والترغيب والمعلوم خلافه، وإذا بطل هذا الأصل بطل ما بني عليه.

قيل: أما وجوب اللطف فقد مر دليله في الفاتحة وكون الثواب والعقاب جاريين مجراه يعلم من هنالك، وأما اللازم الذي ذكرتم فلا يلزمنا؛ لأنا إنما أردنا أن القدر المستحق من الثواب والعقاب يجب أن يكون على أبلغ الوجوه، وأما الزيادة عليه فهي قبيحة إلا على جهة التفضل من دون استحقاق تعظيم زائد على المستحق أو عقاب زائد كذلك؛ لأن الأول سفه والثاني ظلم فثبت بما قررنا استحالة اجتماع الثواب والعقاب ويترتب عليه استحالة اجتماع استحقاقهما.
الوجه الثالث: مما يدل على تنافي الثواب والعقاب ما ذكره أبو هاشم وهو أنا نعلم ضرورة أن من أحسن إلى غيره بضروب الإحسان ثم كسر المحسن على ذلك الغير رأس قلم فإنه لا يستحق ذماً من جهته بل لو ذمه لأجل ذلك لذمه العقلاء وعدوه لئيماً جاحداً للنعم، ولولا تقدم ذلك الإحسان لما استقبحوا منه ذمه لكسر قلمه فدل على أن استحقاق المدح والذم متنافيان فكذلك يكون الحكم في استحقاق الثواب والعقاب، بل هما أولى، وإذا ثبت التنافي ثبت التحابط.
واعترضه الرازي فقال: لا نسلم أن المانع من الذم هنا تقدم استحقاق المدح وإنما منع منه كونه قد صار معارضاً باستحقاق الشكر فلا يتحابطا بل تقاوما، ألا ترى أن من له على غيره مائة قنطار من الذهب ولذلك الغير على هذا حبة واحدة من الذهب فإنه يقبح من صاحب الحبة المطالبة بها مع أن الاستحقاق حاصل فكذلك هاهنا، فإن منعتم قبح المطالبة بالحبة منعنا قبح الذم فيما ذكرتم، قال: ولأنا نعلم ضرورة أن من أعطى غيره مائة دينار وقتل عبداً له يساوي ذلك القدر فإن له أن يمدحه على ما أعطاه ويذمه على قتل عبده فثبت أن الاستحقاقين لم يتنافيا.
والجواب: أنا نسأله عن معنى تقاومهما، هل أراد أن كل واحد منهما منع من وصول استحقاق الآخر؟ فهذا هو الذي أردناه بالإحباط، أم أراد أنه يستحق كل منهما ويصل إليه فذلك باطل لما مر من تنافيهما، ثم إن القول بذلك يبطل المعارضة التي أثبتها.

وأما قبح المطالبة من صاحب الحبة الذهب فليس ذلك إلا للمحابطة والمساقطة، فتلك الصورة حجة عليه لا له ولذا قال أصحابنا: إذا استوى الدينان تساقطا.
وأما صورة هبة المائة وقتل العبد فنقول: إن الواهب إنما استحق المدح من الموهوب له لما أوصل إليه من المنافع بما وهب فإذا فوت عليه قدر ما وهب صار كأنه لم يهب شيئاً ولم يفوت شيئاً فلا يستحق حينئذ مدحاً ولا ذماً، هذا الذي يعلم ضرورة دون ما ادعيت من اجتماع الاستحقاقين.
نعم هو يستحق الذم على قتل العبد لقبحه لا لتفويت منافعه؛ لأنه قد جبرها بالمائة، فهذه حجج عقلية جلية صريحة في ثبوت الإحباط.
وأما الأدلة السمعية فنحو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}[الأعراف:147] وقوله تعالى للمؤمنين: {وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ}[الحجرات:2] إلى غير ذلك مما سيأتي من الآيات والأخبار، وإذا كان الإحباط ثابتاً صحَّ ما ذهب إليه العدلية من أنه يشترط في استحقاق الجنة التي وعد الله بها الذين آمنوا وعملوا الصالحات عدم الإحباط كما مر وأن ذلك الشرط وإن لم يصرح به في هذه الآية ونحوها فهو كالمصرح به للعلم به.

قال (الزمخشري): لما جعل الثواب مستحقاً بالإيمان والعمل الصالح والبشارة مختصة بمن يتولاها وركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء إذا لم يتعقبه بما يفسده ويذهب بحسنه وأنه لا يبقى مع وجود مفسدة إحساناً،وأعْلَمَ بقوله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وآله- وهو أكرم الناس عليه وأعزهم: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}[الزمر:65] وقال تعالى للمؤمنين: {وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ}[الحجرات:2] وكان اشتراط حفظهما من الإحباط والندم كالداخل تحت الذكر؛ هذا وأما المنكرون للإحباط فلهم شبه عقلية وسمعية أما العقلية فذكر الرازي لهم ثلاث شبه، وظاهر كلامه أنه ممن يقول بنفي الإحباط كما يعرف في جوابه على هذه الشبه، وقد صرح بنسبة ذلك إليه الإمام المهدي.
الشبهة الأولى
أن الاستحقاقين إما أن يتضادا أَوْ لا.
الثاني: باطل وإلا لزم اجتماعهما والمعلوم خلافه، والأول باطل أيضاً؛ لأن طريان الطارئ مشروط ومعلل بزوال الباقي فلو كان زوال الباقي معللاً بطريان الطارئ لزم الدور وهو محال وربما أورد هذه الشبهة على وجه آخر وهو أن تنافي الاستحقاقين يوجب كون كل واحد منهما علة في عدم الآخر، ومن حق العلة أن يكون معلولها مقارناً لوجودها وذلك يستلزم عدمهما معاً حال وجودهما معاً وهو محال.
والجواب أنا لا نسلم تضادهما وإنما هما جاريان مجرى المتضادين وذلك أن التضاد لا يكون إلا بين الأعراض.
قيل: أو بين الجوهر والعرض كالفناء والجسم، وإذا لم يكونا متضادين لم يكونا أمرين وجوديين بل هما أمران اعتباريان متنافيان في أنفسهما، وإذا كانا اعتباريين فلا يكون ثبوتهما علة ولا عدمهما معلولا، وإنما هي كالنفي والإثبات في أنه لا يصح اجتماعهما وإن لم يكن أحدهما علة حقيقة في انتفاء الآخر.
فإن قيل: ومن أين لكم أنهما أمران اعتباريان؟

قيل: لأن المرجع بهما إلى حسن أمر، والحسن ليس بوجودي بل معناه أن للفاعل أن يفعله وهذا ليس بوجودي فبطلت طريقة العلة والمعلول بينهما وثبت أن امتناع اجتماعهما إنما هو لاستحالة ثبوت أحدهما مع ثبوت الآخر لا لكون أحدهما علة، وإذا بطلت هذه الطريقة بطل ما فرعه عليها من لزوم الدور أو عدمهما ووجودهما في حال، ثم إنا لو سلمنا تضادهما فلا نسلم أن الضد علة في انتفاء ضده؛ إذ لو كان كذلك للزم عود البياض بانتفاء السواد لزوال علته والمعلوم أنه لا يلزم عوده لجواز أن يخلف السواد لون آخر غير البياض وإنما انتفاء الضد لما هو عليه عند طروء ضده.
الشبهة الثانية
أن المنافاة حاصلة من الجانبين فليس زوال الباقي لطريان الطارئ أولى من اندفاع الطارئ بقيام الباقي فإما أن يوجدا معاً وهو محال أو يتدافعا بطل القول بالمحابطة.
والجواب: أنا نختار تدافعهما وهو معنى المحابطة، وذلك أن وجود الطاعة والمعصية يقتضي أمرين متنافيين وهما استحقاق الثواب والعقاب فيتمانعان لما بينهما من التنافي فلا يوجد أي الاستحقاقين كما لا يوجد أي الحركتين في المتجاذبين لحبل بينهما، ثم مع التمانع يرجع في كيفية التحابط بينهما إما إلى طريقة الموازنة أو سقوط الأقل بالأكثر على الخلاف.
فإن قيل: إنما يصح الرجوع إلى إحدى الطريقين إذا زاد أحد الجانبين فأما مع تساويهما فلا.
قيل: سيأتي الجواب عن ذلك قريباً.
الشبهة الثالثة
أن الاستحقاقين إما أن يتساويا أو كان المقدم أكثر أو أقل فهذه ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أن يتساويا، فنقول: استحقاق كل واحد من أجزاء العقاب مستقل بإزالة كل واحد من أجزاء استحقاق الثواب وإذا كان كذلك لم يكن تأثير جزء بإزالة جزء أولى من تأثيره في إزالة غيره ومن تأثير جزء آخر في إزالته، فإما أن يكون كل واحد من هذه الأجزاء الطارئة مؤثرا في إزالة كل واحد من الأجزاء المتقدمة فيلزم أن يكون لكل واحد من العلل معلولات كثيرة ولكل واحد من المعلولات علل كثيرة مستقلة وكل ذلك محال، وإما أن يختص كل واحد من الطارئة بواحد من المتقدمة من غير مخصص فهو محال لامتناع ترجح طرفي الممكن لا لمرجح.
القسم الثاني: أن يكون المقدم أكثر فالطارئ لا يزيل إلا بعض أجزائه وليس بعض بالإزالة بأولى من بعض، فإما أن يزيل الكل وهو محال؛ إذ الزائد لا يزول بالناقص، أو يتعين بعض ولا مخصص أو لا يزول شيء وهو المطلوب، وأيضاً الطارئ إذا أزال بعض الأجزاء فإما أن يبقى ذلك الطارئ ولم يقل ببقائه أحد من العقلاء أو يزول وهو باطل؛ لأن تأثير كل واحد منهما في إزالة الآخر إما أن يكون معاً أو على الترتيب والأول باطل؛ لأن المزيل يجب أن يكون موجوداً حال الإزالة فلو وجد الزوالان معاً لوجد المزيلان معاً فيلزم وجودهما حال عدمهما وهو محال والثاني باطل أيضاً؛ لأن المغلوب يستحيل أن ينقلب غالباً.
القسم الثالث: أن يكون المتقدم أقل، فإما أن يكون المؤثر في زواله بعض أجزاء الطارئ وهو محال؛ لأن جميع أجزائه صالحة للإزالة واختصاص بعضها بذلك ترجيح من غير مرجح، وإما أن يؤثر الكل فيلزم اجتماع علل مستقلة على معلول واحد، هذا تلخيص ما ذكره الرازي في التفسير.
ثم قال: فثبت بهذه الوجوه العقلية -يعني هذه الشبه الثلاث- فساد القول بالإحباط، وعند هذا يتعين في الجواب قولان:
الأول: قول من اعتبر الموافاة وهو أن شرط الإيمان أن لا يموت على الكفر فلو مات عليه علمنا أن ما أتى به أولاً كان كفرا، وهذا قول ظاهر السقوط.

الثاني: أن العبد لا يستحق على الطاعة ثواباً ولا على المعصية عقاباً استحقاقاً عقلياً واجباً وهو قول أهل السنة واختيارنا وبه يحصل الخلاص عن هذه الظلمات.
والجواب أن هذه الأقسام لا موقع لها عند التحقيق مع ما قدمنا من الحجج العقلية والنقلية على ثبوت الإحباط، وهاهنا جواب جملي لا محيص لمن يدعي الإسلام عنه وهو: أنا مجمعون على أن القرآن حق وأن ما دل عليه من الأحكام الاعتقادية والعملية فإنه يجب اعتقاده والعمل به، ولا شك أن القرآن قد دل دلالة صريحة على ثبوت الإحباط فتعين العمل به ورفض ما خالفه، وهذا جواب كاف للمنصف، ثم إنا لا نترك الجواب عن كل واحد من هذه الأقسام؛ لأن في ذلك زيادة اطمئنان وتحقيقا لدلالة القرآن وما طابقها من الدلالة العقلية فنقول:
الجواب عن القسم الأول: أن لأصحابنا في تساوي الاستحقاقين قولين:
القول الأول: المنع من تساويهما بحيث تستوي طاعات العبد ومعاصيه فيستحق الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهذا قول الجمهور، وإنما اختلفوا في دليل ذلك، فقال أبو علي: دليل ذلك العقل والسمع، أما السمع فسيأتي وأما العقل فاحتج بأنهما إن لم يتساقطا لزم اجتماع الاستحقاقين وهما متنافيان كما مر وإن تساقطا لم يكن تأثير الثواب في سقوط العقاب بأولى من العكس فيلزم أن لا يسقط أيهما فيستحقان جميعاً وهو محال، واحتج ثانياً بأن أقل جزء من الطاعة يستحق عليه جزء من الثواب وأقل جزء من المعصية يستحق عليه جزآن من العقاب لمكان النعم العظيمة فعقاب المعصية يجب أن يكون أكثر من ثواب الطاعة وعلى هذا اتفق أهل العدل وحينئذ لا يمكن الحكم باستواء الثواب والعقاب في حق شخص أصلاً.
قلت: ويمكن الاحتجاج بما ذكره الرازي في القسم الأول من اللوازم إذ هي واردة على القول بالتساوي.

وقال (أبو هاشم) و(قاضي القضاة): بل العقل يجوز استوائهما؛ إذ لا مانع من أن يثبت للعبد من الحسنات والسيئات ما يستوي به ثوابه وعقابه ويكون بمنزلة من لا حق له ولا عليه وإنما يمتنع وصول المستحقين في حالة واحدة لتنافيهما، وأما الاستحقاقان فلا إحالة في ثبوتهما وتساقطهما كما يتساقط الدينان وإنما منع من اجتماعهما السمع وهو الإجماع على أنه لا بد للمكلف من الجنة أو النار وعلى أنه لا دار ثالثة غيرهما في الآخرة فلو استوت حسناته وسيئاته لم يخل إما أن يدخل النار وذلك ظلم أو يدخل الجنة وهو باطل؛ لأنه لا ثواب له فيدخلها مثاباً ولا يصح أن يدخلها تفضلاً للإجماع على أنه لا يدخل الجنة مكلف إلا مثاباً ليتميز حاله عن حال الصبيان والمجانين، قال في (الغياصة): وإن دخلها متفضلاً عليه لم يجز؛ لأن الإجماع منعقد على أنه لا بد للمكلفين في الجنة مما يميز حالهم عن حال الولدان ومن ليس بمكلف والتمييز لا يكون إلا بالثواب فليس إلا أنه لا يجوز الاستواء.
إذا عرفت هذا فنقول: هؤلاء المانعون للتساوي لا يرد عليهم شيء من هذه اللوازم؛ لأن موردها أوردها على فرض القول به وهم يمنعونه كما ترى.
القول الثاني: أنه لا منع من ذلك بل يجوز استواء استحقاق الثواب والعقاب عقلاً وسمعاً وهذا قول زين العابدين والقاسم بن إبراهيم والمؤيد بالله والمنصور بالله والإمام عز الدين والشعبي من التابعين والقاضي جعفر والشيخ الحسن الرصاص والفقيه حميد الشهيد واحتجوا على ذلك عقلاً بما مر عن أبي هاشم وسمعاً بأن قالوا: لا نسلم الإجماع على نفي التفضل سلمنا فأحادي والمسألة قطعية أعني جواز أن يدخل الجنة تفضلاً.
قال القرشي: على أنه يصح أن يتميز عن الصبيان والمجانين بكثرة التفضل وليس في الإجماع تصريح بأن التمييز لا بد أن يقع بالثواب وهؤلاء موافقون للجمهور في أنه لا دار ثالثة وإنما يدخل الجنة بالتفضل {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً}[الإسراء:20].

وقال بعض الصوفية: إنه يجوز الاستواء لكن من كان كذلك فلا يدخل الجنة بل يصير إلى دار ثالثة وهي الأعراف التي ذكرها الله تعالى في القرآن، وقد أجاب عليهم العلماء بما سنذكره إن شاء الله في موضعه.
قال الإمام عز الدين ما معناه إنه لا يستحيل في العقل أن يكون المراد بالأعراف ما ذكره الصوفية وما ذكره غيرهم وليس فيه ما يدل على شيء من ذلك؛ إذ لا مجال له في أمور الآخرة الغيبية ولا شيء مما ذكروه مستحيل في القدرة ولا في الحكمة فلا يصح القطع بشيء إلا بدليل سمعي ولا قطع فيما ذكره أهل هذه المذاهب من الأدلة.
إذا عرفت هذا فنقول: ما ورد في هذا القسم إنما يرد على هؤلاء الذين جوزوا استواء الاستحقاقين ولهم أن يجيبوا بأنه لا يلزمنا ما ذكرتم إلا لو كان الاستحقاقان أمرين وجوديين وأما إذا كانا اعتباريين فلا يلزم شيء من ذلك إذ لا مزيل ولا مزال وإنما هما كالنفي والإثبات في عدم صحة اجتماعهما كما مر، وقد ذكرنا أن المراد بالتحابط التمانع لا التأثير في الإزالة كما مر في جواب الشبهة الثانية.
قوله: يلزم أن يكون لكل واحد من العلل ...إلخ.
قلنا: قد مر أن لا علة ولا معلول.
قوله: وإما أن يختص كل واحد من الطارئة....إلخ.
قلنا: إنما يلزم ذلك لو كانت أعياناً موجودة وليست كذلك وإنما هي كالدين المستحق الذي يسقط الغريم بعضه من نصف أو ثلث فذلك لا يحتاج إلى تخصيص رأسا؛ إذ معناه أن لا يطالب بالبعض، والنفي لا يحتاج إلى مخصص.
والجواب عن القسم الثاني بما مر من أن ذلك إنما يلزم لو كانت أعياناً موجودة إلى آخره.
قوله: أو يزول وهو باطل...إلخ.
قلنا: إنه قد مر أنه لا مزيل ولا مزال وإنما هو تدافع وتنافي فلا يلزم شيء مما ذكره.
والجواب عن القسم الثالث بما تقدم من أن ذلك لا يحتاج إلى التخصيص وأنه لا علة ولا معلول.

وأما ما أجاب به الرازي من الوجهين فهما باطلان، أما الأول فقد اعترف ببطلانه، وأما الثاني فهو مؤسس على إبطال حكم العقل وقد مر في المقدمة الرد على هذه المقالة وتقدم في الثالثة عشرة من مسائل {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ...}الآية[البقرة:6] الدليل على أن العقاب مستحق عقلاً، ومر أيضاً في الخامسة من مسائل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21] الدلالة على أن الثواب واجب.
نعم قول الرازي: إن أهل الموافاة يقولون: إن من مات على الكفر علمنا أن ما أتى به أولاً كان كفراً ليس بقول لهم على ما ذكره الإمام المهدي من معنى الموافاة وإنما هو قول المرجئة اللهم إلا أن يكون جارياً على بعض ما فسرت به الموافاة.
فائدة [تتعلق بالإحباط]
ذكر الإمام المهدي أن القائل بإحالة الإحباط والتكفير من الإمامية قد بنى على هذه المقالة الفاسدة أقوالاً باطلة، منها أنه لا طاعة لكافر؛ لأن ثوابه وعقابه دائمان فيستحيل اجتماعهما، والإحباط والتكفير ممتنعان فلم يبق إلا نفي طاعته ووقوعها منه.
ومنها القطع بانقطاع عقاب الفاسق ودوام ثوابه.
ومنها أنه لا يقع كفر بعد إيمان؛ لأن ثواب الإيمان دائم فلا يصح أن يطرو عليه ما يثبت دوام عقابه.
ومنها أن الكافر إذا تاب سقط عقابه تفضلاً لا بالتكفير بالتوبة، قالوا: ويجوز أن لا يسقط لجواز أن لا يتفضل عليه.
ومنها أن من كفر بعد إظهار الإيمان انكشف لنا أنه كان منافقاً.
ومنها أن الصحابة لما خالفوا النص في أمير المؤمنين علمنا أنهم لم يكونوا مؤمنين وإنما كانوا منافقين وكذلك المشائخ الثلاثة وعائشة وطلحة والزبير.

193 / 329
ع
En
A+
A-