البقرة: (25)
* دلالة الآية على البعث.
* العلاقة بين الإيمان والأعمال.
* تخصيص العمل بأفعال الجوارح
* ماهية الأعمال الصالحة المذكورة في الآية
* في شروط ثواب الأعمال.
* توقيت استحقاق الثواب
* في أن (كلما) تفيد التكرار.
* دلالة الآية على وجود الجنة
* أحكام تتعلق بالثواب.
* في رزق الدنيا والآخرة
* فيما يناسب الآية مما جاءت به السنة النبوية من أوصاف الجنةقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة:25]
البشارة: قيل: هي أول خبر يرد على الإنسان خيراً كان أو شراً، وأكثر استعماله في الخير، ويدل عليه ما روي عن سيبويه أنه قال: هو خبر يؤثر في البشرة من حزن أو سرور، وقال الزمخشري: لا يستعمل إلا في الخير، وهو ظاهر كلام الراغب، وما ورد في الشر محمول على التهكم والاستهزاء، والعمل كل فعل يكون من الحيوان يقصد فهو أخص من الفعل؛ لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوان الذي يفعل بلا قصد وقد ينسب إلى الجماد، والعمل قلّ ما ينسب إلى ذلك ولم يستعمل إلا في قولهم البقر العوامل، والعمل يستعمل في الأعمال الصالحة والسيئة.
قال الراغب: والصلاح ضد الفساد، قيل: وهما مختصان في الاستعمال بالأفعال.
والجنة: البستان الذي سترت أشجاره أرضه، والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وجاء إسكانها، وهو المجرى الواسع، والمراد تجري ماء الأنهار، وإنما أسند الجري إلى الأنهار توسعاً، والأزواج جمع زوج وهو الواحد الذي يكون معه آخر ويستعمل في الذكر والأنثى، قال الأصمعي: ولا تكاد العرب تقول: زوجه، وقيل: يقال للمرأة زوج في لغة الحجاز وزوجة في لغة تميم، والطهارة: النظافة، والخلود: البقاء الدائم الذي لا ينقطع لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ}[الأنبياء:34] فنفى الخلد عن البشر مع أنه أعطى بعضهم العمر الطويل والمنفي غير المثبت، فوجب القول بأن الخلد البقاء الدائم، وقال امرئ القيس:
وهل يعمن إلا سعيد مخلد .... قليل هموم ما يبيت بأوجال
وقيل: هو الثبات الطويل سواء دام أم لا لتقييده بالتأبيد ولو كان داخلاً في مقر يوم الخلود لكان تكرارا.
قلت: وهو ضعيف لاحتمال التأكيد، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى [دلالة الآية على البعث]
هذه الآية من أدلة البعث، ووجه دلالتها أن الله تعالى قد أخبر وهو الصادق في خبره أن للمؤمنين هذه الجنان الموصوفة، والمعلوم أنه لم يصل إليهم في الدنيا شيء من ذلك ولا بعد الموت في قبورهم؛ لأنا نجدهم عظاماً ورفاتاً فوجب القطع بأن وصول ذلك إليهم يكون في دار أخرى وذلك لا يحصل إلا ببعثهم أحياء؛ إذ لا تحصل اللذة لغير الحي وذلك معلوم ولا خلاف فيه بين المسلمين وكثير من غيرهم.
واعلم أن البحث عن مسألة البعث يكون إما عن وقوعه وإما عن إمكانه، فأما البحث عن وقوعه فعندنا أنه يصح إثباته بالدليل العقلي والسمعي، أما الدليل العقلي فقد مر في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[الفاتحة:4]، وفي الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ...}الآية[البقرة:6].
وأما السمع فالقرآن مشحون بذكره وهو معلوم من ضرورة الدين، وقال الرازي: لا سبيل إلى معرفته إلا بالعقل وهو مبني على نفي الحسن والقبح العقلي وأن الثواب غير واجب، ولا مستحق للعبد بل يجوز من الله تعالى أن لا يثيب المطيع ولا يقبح منه وقد مر إبطال ما بنوا عليه في مواضعه على أنه قد مر عنه في {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[الفاتحة:4] الاستدلال على الوقوع بالعقل، وذكره أيضاً في هذا الموضع واستشهد له بقوله: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}[طه:15] وغيرها.
وأما الإمكان فيجوز إثباته بالعقل والنقل عندنا وعند الأشاعرة، أما العقل فلأنه لا استحالة فيه وقد نبه الله على الطرق العقلية الموصلة إلى ذلك في مواضع من كتابه، وقد أشرنا إليها في سياق قوله تعالى: {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}[البقرة:4].
وأما السمع فلأنه قد أخبر بوقوعه الصادق العدل الحكيم على لسان رسوله المنزه عن كل خلق ذميم، وما هذا حاله وجب التصديق به واعتقاد إمكانه؛ إذ لا يجوز من الحكيم الإخبار بوقوع المستحيل، والاستدلال بالسمع على هذه المسألة جائز؛ لأنه لا يتوقف صحة السمع على العلم بها ولهذا فإن الله تعالى تارة يخبر عن البعث والنشور ويقرن خبره بالدليل العقلي وتارة يخبر عنه خبراً مجرداً عن الدليل، لكن الاستدلال بخبره المجرد لا يصح إلا على القول بعدله وحكمته والقول بذلك متفرع على القول بالحسن والقبح ولهذا يقول أصحابنا: إنه لا يصح للمجبرة الاستدلال بالسمع مع نفي حكم العقل.
المسألة الثانية [العلاقة بين الإيمان والأعمال]
استدل بالآية من قال: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان؛ إذ العطف يوجب التغاير وإلا لزم التكرار.
والجواب: أنه يجوز حمل الأيمان فيها على اللغوي ولا مانع منه، ويجوز أن يكون من عطف الخاص على العام وهو كثير شايع، ومع هذين الاحتمالين لا يصح لهم الاستدلال بالآية.
المسألة الثالثة [تخصيص العمل بأفعال الجوارح]
قال بعض المحققين: ما يتعلق بالجوارح وبالقلوب قد يطلق عليه عمل ولكن الأسبق إلى الفهم تخصيص العمل بأفعال الجوارح وإن كان ما يتعلق بالقلب فعلا له.
وقيل: الأعمال مخصوصة بما لا يكون قولاً، وقال الحافظ: التحقيق أن القول لا يدخل في العمل إلا مجازاً وكذى الفعل لقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ}[الأنعام:112] بعد قوله تعالى: {زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً}[الأنعام:112] وحمله بعضهم على أنه أراد أن الفعل كالقول غير داخل في العمل إلا توسعاً، ثم رتب عليه استبعاد قول الحافظ ونسبته إلى الغرابة وقال الذي ينبغي أن يكون لفظ العمل يعم جميع أفعال الجوارح ولو خص بذلك لفظ الفعل لكان أقرب؛ لأنهم استعملوهما متقابلين فقالوا: الأفعال والأقوال.
قلت: والذي يظهر من عبارة الحافظ وظاهر استدلاله أنه إنما أراد أن القول لا يدخل في الفعل إلا مجازاً كدخوله في العمل ولم يرد ما توهمه هذا المعترض من إرادة استواء القول والفعل في عدم الدخول في العمل حقيقة.
نعم والظاهر عدم دخول الأقوال وما يتعلق بالقلوب في مسمى العمل لحديث: ((لا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة)) وأحاديث الإيمان قول وعمل واعتقاد؛ إذ العطف يقتضي المغايرة. والله أعلم.
المسألة الرابعة [ماهية الأعمال الصالحة المذكورة في الآية]
اختلف في الأعمال الصالحة المقصودة في الآية، فروى أبو حيان في تفسيره عن علي عليه السلام أنها الصلوات في أوقاتها وتعديل أركانها وهيئآتها، وقال معاذ بن جبل: ما احتوى على أربعة: العلم، والنية، والصبر، والإخلاص، وقال عثمان: الصالح ما أخلص لله تعالى، وقيل: الأمانة، وقيل: التوبة، وقال سهل بن عبد الله: ما وافق الكتاب والسنة، وهو معنى ما رواه أبو حيان عن الجمهور واختاره من أنه كل عمل صالح أريد به الله وهو قول الزمخشري فإنه قال: الصالحات كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة واللام في الصالحات للجنس لا للعموم؛ لأنه لا يكاد يمكن المؤمن أن يعمل جميع الصالحات لكن يعمل جملة من الأعمال الصحيحة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف.
قال (الزمخشري): والفرق بين لام الجنس إذا دخلت على المفرد وبينها إذا دخلت على الجمع أن المفرد معها يكون صالحاً أن يراد به الجنس إلى أن يحاط به وأن يراد به بعضه إلى الواحد، والجمع يكون صالحا لإرادة جميع الجنس وإرادة بعضه لكن لا إلى الواحد؛ لأن وزانه في تناول الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناول الجنس والجمعية في جمل الجنس لا في وجدانه.
المسألة الخامسة [في شروط ثواب الأعمال]
دلت الآية الكريمة على أن كل من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فله الجنة ولا خلاف في ذلك وإنما الخلاف في أنه هل يشترط في استحقاقها أن لا يحبط المكلف إيمانه وصالح أعماله أم لا؟
فذهب أهل البيت" والمعتزلة إلى أنه يشترط في استحقاق الثواب أن لا يحبط عمله بالكفر والإقدام على الكبائر وأن لا يندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية.
وقالت المرجئة: الآية على ظاهرها فتدل على أن من فعل الإيمان والعمل الصالح فقد استحق الثواب الدائم، والتزموا القطع بانقطاع عقاب الفاسق.
وإذا قيل لهم: فما تقولون فيمن آمن وعمل الصالحات ثم كفر؟
قالوا: هذا ممتنع الوقوع؛ لأن فعل الإيمان والعمل الصالح يوجب استحقاق الثواب الدائم وفعل الكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم والجمع بينهما محال والقول بالإحباط محال أيضاً فلم يبق إلا أن نقول هذا الفرض الذي فرضتموه ممتنع الوقوع، وهذا القول حكاه الإمام المهدي في (القلائد) عن المرجئة وفي شرحها عن الإمامية أو بعضهم، وهؤلاء كما منعوا الإحباط منعوا التكفير وهو سقوط العقاب بالثواب.
[أدلة القائلين بإحباط الأعمال]
لنا على ثبوت الإحباط أدلة كثيرة عقلية ونقلية:
أما العقلية فمن وجوه:
أحدها: ما مر من أن العقاب يستحق دائماً وكذلك الثواب وإذا كان كذلك استحال اجتماع استحقاقهما لتنافيهما فتساقطا، وإنما قلنا باستحالة اجتماع الاستحقاقين؛ لأن الثواب يستحق على سبيل التعظيم، والعقاب يستحق على سبيل الإهانة والاستخفاف، واستحالة كون الواحد معظماً مهاناً في وقت واحد من فاعل واحد معلوم بالضرورة، واعترض الرازي هذا الدليل فقال:
إن أردتم بالاستحالة المذكورة من حيث النطق باللسان بالمدح والذم في وقت واحد فمسلم لكن تعذر النطق بهما ليس لأجل تنافيهما بل لتعذر النطق بهما في وقت واحد، وإن أردتم بالاستحالة من حيث الاعتقاد فلا نسلم فإنه يمكن الإنسان أن يعتقد استحقاق شخص للتعظيم من وجه ويعزم عليه وإهانته والاستخفاف به من وجه آخر ويعزم عليه فيجتمع التعظيم والإهانة القلبيين فبطل التنافي الذي أوجبتم لأجله الإحباط وإنما يمتنع اجتماع التعظيم والإهانة إذا كانا من جهة واحدة.
والجواب: أنا نعلم ضروة أن الاستحقاق للشيء فرع علىصحة إيصاله إلى المستحق وأما مع استحالته فلا يصح وصفه باستحقاقه ويعلم ضرورة أيضاً أن الشخص الواحد لا يصح منه تعظيم شخص واحد وإهانته في وقت واحد سواء اتحدت الجهة أم تعددت وسواء كان ذلك بالقلب أم بغيره وليس ذلك إلا للتنافي لكونهما بمنزلة الضدين والنقيضين في استحالة اجتماعهما في الاستحقاق لما بيناه من أن الاستحقاق فرع على صحة الوجود.
قوله: فإنه يمكن الإنسان أن يعتقد...إلخ.
قلنا: مسلم لكنه إنما صحّ على حسب صحة ثبوتهما؛ وثبوتهما إنما كان في حالين لا في حالة واحدة، فالذي فرضه من صحة اعتقاد الثواب من جهة والعقاب من جهة عائد في التحقيق إلى أنه كان مستحقاً للثواب ثم استحق العقاب فأما أن الاستحقاقين ثابتان معاً في حالة واحدة فلا لما مر من استحالتهما كاستحالة الضدين والنقيضين فكما أنه لا يصح اعتقاد ثبوت الشيء ونفيه لاستحالة اجتماعهما كذلك اعتقاد استحقاق الثواب والعقاب في حالة واحدة وكذلك العزم على إيصالهما لا يصح؛ لأنا نعلم ضرورة استحالة إيصالهما إليه في وقت واحد فكيف يصح العزم على ما علمت استحالته، فإذا كانا مستحقين في كل وقت وعلم استحالة اجتماعهما في وقت واحد من فاعل واحد علم يقيناً تساقطهما وهو معنى الإحباط والتكفير.
فإن قيل: إن أحدنا يعلم حسن مدح الكافر على إحسانه وحسن ذمه على كفره لاختلاف الوجه فبطل دعوى تنافي الاستحقاقين.
قيل: لا نسلم حسن المدح مطلقاً فإنه إنما يحسن ويجب من شكر الكافر على إحسانه الاعتراف فقط دون التعظيم فلا يستحقه؛ لأن فعله مستحيل لمنافاته ما يجب من الإهانة له والاستخفاف به لأجل كفره في كل وقت؛ إذ كل وقت يقع فيه التعظيم فهو وقت للإهانة، وإذا استحال اجتماع فعلهما استحال اجتماع استحقاقهما.
الوجه الثاني: أن الله تعالى وعدنا بالثواب ترغيباً وتوعدنا بالعقاب زجراً وترهيبا والواجب في الترغيب أن يكون بمنافع خالصة عما يشوبها من المنغصات وفي الزجر أن يكون العقاب خالصاً عن الروح والراحة وإلاّ لَمْ يكمل الترغيب والزجر، والترغيب والزجر جاريان مجرى اللطف والواجب في اللطف أن يكون على أبلغ الوجوه التي تدعو ما لم يبلغ الإلجاء، فكذلك يجب في الثواب والعقاب لما ذكرناه من أن الله تعالى وعدنا وتوعدنا بهما على جهة الترغيب والزجر، وإذا كانا كذلك لم يصح اجتماعهما في حال واحدة؛ لأن الثواب راحة خالصة فلا يحصل حال العقاب، والعقاب مضرة محضة فلا يقترن به الثواب، وإذا استحال اجتماعهما استحال استحقاق الجمع بينهما.
فإن قيل: يمكن وصول كل واحد منهما منفرداً في وقت خالصاً من الآخر.
قيل: لا نسلم إمكان الخلوص؛ لأن المتقدم إن كان هو الثواب كان العلم بحصول العقاب بعده منغص وإن كان هو العقاب كان علمه بانقطاعه مروح فلا يحصلان فثبت تنافيهما.
فإن قيل: إن المثاب والمعاقب قد لا يجوزان انقطاع الثواب والعقاب ولا يفكران فيه وحينئذ ينتفي علمهما بذلك فلا يحصل لهما تنغيص ولا راحة.
قيل: كمال العقل يقتضي التفكير في ذلك.