المسألة الثامنة [الدلالة على أن النار قد خلقت]
قوله تعالى في النار: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[البقرة:24] يدل على أن النار مخلوقة الآن، وقد اختلف العلماء في خلقها وخلق الجنة:
فقال القاسم والهادي والإمام أحمد بن سليمان وقاضي القضاة وأبو هاشم وضرار بن عمرو ومنذر بن سعيد البلُّوطي والفوطي ورواه أبو حيان عن كثير من المعتزلة والجهمية: هما غير مخلوقتين الآن قطعاً.
وقال أحمد بن عيسى والحسن بن يحيى ومحمد بن منصور وروياه عن علماء أهل البيت": بل قد خلقتا قطعاً، وهو قول الإمام يحيى وأبي علي وأبي الحسين ورواه أبو حيان عن أهل السنة فهما موجودتان الآن حقيقة.
وقال المرتضى وأبو القاسم البلخي ورواه النجري عن كثير من المعتزلة وقال الشرفي هو قول البغدادية: لا قطع بأيهما، واختاره الإمام القاسم بن محمد ورواه عن الإمام المهدي وحكاه في (البدر الساري) عن بعض الآل".
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أنهما إنما خلقتا ثوابا وعقاباً، والثواب والعقاب إنما يكون في الآخرة فخلقهما الآن عبث.
وأجيب بأنا لا نسلم أنه عبث لجواز أن يكون في خلقهما لطف لبعض المكلفين من الملائكة أو غيرهم ويجوز أن يكون في الجنة من ينتفع بها الآن تفضلا؛ لأن التفضل والثواب من جنس واحد وإنما يتميزان بالتعظيم.
قيل: النجري: وفي هذا التجويز الأخير نظر؛ لأنه لا يجوز التفضل بقدر الثواب وإن انفصل عنه التعظيم؟
قلت: وأما أهل السنة فأجابوا عن هذا الوجه بأن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض والفوائد لا يسأل عما يفعل، وقد مر إبطال مقالتهم هذه في الفاتحة.
الوجه الثاني: أنه لا يعد الشيء ويدخره إلى وقت طويل إلا من يعجز عن إبداعه وقت الحاجة إليه والله تعالى لا يعجزه شيء.
وجوابه كالأول وهو أنه يجوز أن يكون في خلقهما لطف.
ووجه آخر وهو أنه لا مانع من أن يكون في إعدادهما حكمة ومصلحة لا نعلمها وهذان الوجهان العقليان إنما يفيدان القطع بعدم خلقهما عند غير أبي هاشم وأما هو فعنده أنه يجوز من جهة العقل كونهما قد خلقتا وكونهما لم يخلقا وإنما وجب القطع بعدم خلقهما سمعاً فقط.
الوجه الثالث: ورود الأدلة السمعية بذلك وهي كثيرة:
منها قوله تعالى في وصف الجنة: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا}[الرعد:35] والدائم لا يجوز عليه الفناء، وقد قامت الأدلة القاطعة على أنه لا بد من فناء العالم أجمع، فلو كانتا مخلوقتين للزم فناؤهما والفناء يناقض الدوام فوجب القطع بعدم خلقهما وأن الجنة التي أسكنها آدم غير جنة الآخرة الموصوفة بالدوام جمعا بين الأدلة.
ومنها: قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ}[إبراهيم:48] ولو كانتا مخلوقتين لما كانتا إلا في السماء أو في الأرض وإذا كانتا فيهما فكيف تبدل السماء والأرض دونهما.
ومنها قوله تعالى في وصف الجنة: {عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} [آل عمران:133] فأخبر أن عرضها عرض السماء والأرض والمتحيزات لا يجوز تداخلها فعلمنا أن ذلك إنما يكون بعد فناء السماوات والأرض فيكون عرض الجنة جهة عرضهما بعينه ليصدق الخبر، قالوا: ولا نسلم أن المراد كعرضهما؛ لأنه خلاف الظاهر ولا موجب لمخالفته.
وأجيب عن هذه الأدلة بأن الاحتجاج بالآية الأولى مبني على أن أدلة الفناء قطعية وليس كذلك، قال النجري: والصحيح أنها ظنية وأن الاحتجاج بها ضعيف، وقال المرتضى: الفناء إنما يكون للدنيا وما كان منها دون ما كان من الآخرة وأسبابها وما حكم به فيها فهو باق ثابت، وقال الحسين بن القاسم العياني: الفناء يكون للحيوان، وقال الإمام القاسم بن محمد: يحتمل أن يراد بدوام أكلها في القيامة لا في أيام الدنيا فليس بدائم فيكون المعنى أن أكلها بعد دخولها دائم لا ينقطع كما أن من دخلها يبقى كذلك وذلك لا ينافي فنائها مع فناء الدنيا وإذا كانت دلالة هذه الآية غير قطعية بطل قولهم بوجوب القطع بأن جنة آدم غير جنة الخلد كيف وقد روي في النهج عن علي عليه السلام ما يدل على أنها هي، وهو قوله عليه السلام : (فاغتره إبليس نفاسة عليه بدار المقام).
وأما قوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ....}الآية[إبراهيم:48] فلا حجة فيها إذ لا تدل على تبدل الجنة والنار، وقوله: لو خلقتا لما كانتا إلا فيهما، ممنوع لجواز أن تكونا في غيرهما وقد ورد ما يدل على ذلك كما سيأتي قريباً.
وأما قوله تعالى: {عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ}[آل عمران:133] فلا يصح حمل العرض الذي وصفت به الجنة على أن المراد به عين عرض السماء والأرض؛ لأن العرض هو امتداد الجسم من يمين الناظر وشماله والمعلوم ضرورة أن الجنة غير السماء والأرض فكيف يكون عرضها هو نفس عرضهما فلم يبق إلا أن المراد بالآية التشبيه ويؤيده ما روي عن ابن عباس أنه قال: الجنة كسبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض.
فإن قيل: لسنا نريد أن عرض الجنة هو نفس عرضهما وإنما أردنا أن عرض الجنة هو جهة عرضهما وذلك لا يكون إلا بعد فنائهما.
قيل: هذا باطل؛ لأن العرض ليس هو الجهة كما بينا ثم إن هذا التأويل لا دليل ولا ملجئ إليه وإنما بنتموه على أنهما لو كانتا موجودتين لما كانت إلا في السماء أو في الأرض وذلك غير مسلم لجواز أن يكونا في غيرهما بل هو الذي جاءت به الروايات.
قال المرتضى: وقد روينا عن السلف أنهما قد خلقتا وأنهما فوق السماء السابعة، وذكر في ذلك حديثاً نزل به جبريل عليه السلام في إيقاد النار حتى صارت أشد سوادا من الليل رواه عنه في (البدر الساري)، وروي أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب إذا كانت الجنة عرضها ذلك فأين تكون النار؟ فقال لهم: أرأيتم إذا جاء الليل فأين يكون النهار وإذا جاء النهار فأين يكون الليل، فقالوا: إن مثلها في التوراة ومعناه أنه حيث شاء الله، وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي السماء أم في الأرض؟ فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟! قيل: فأين هي؟ قيل: فوق السماوات السبع تحت العرش.
وقال قتادة: كانوا يرون الجنة فوق السماوات السبع وإن جهنم تحت الأرضين السبع.
وأما قولهم: إن الله تعالى قد أخبر بعرض الجنة ولا يصدق الخبر إلا بالتأويل الذي ذكروه فغير مسلم، بل نقول لا يصدق خبره تعالى إلا إذا كانت قد وجدت وحصل فيها ذلك العرض، قال الحسن بن يحيى عليه السلام : فقد دل على أنه خلقها وكونها إذ قال عرضها كذى وفيها كذى وقول الله لا يسقط ولا يختلف، وأما بالتأويل الذي ذكروه فلا يصدق الخبر إلا على ضرب من التأويل لكن لا موجب له ولا دليل عليه
احتج القائلون بخلقها بوجوه:
أحدها: أن الله تعالى أخبر في هذه الآية بلفظ الماضي بأنه أعد النار للكافرين وقال في الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}[آل عمران:133] ومعنى أعدت: هيئت وادخرت، والإخبار عن إعدادهما بلفظ الماضي يدل على وجودهما وإلا لزم الكذب في خبر الله تعالى فوجب القطع بخلقهما، والآيات الدالة على خلقهما كثيرة، منها قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى}[النجم:13-15] قال الحسن بن يحيى عليه السلام : وقد أجمع المسلمون على أن سدرة المنتهى في الجنة التي أعدت للمتقين، وقال الرازي في جنة المأوى: ليست إلا دار الثواب بإجماع الأمة.
وأجيب بأن الدليل القاطع قد دل على فناء العالم وكل من قطع بفناء العالم لا يكون له سبيل إلى القطع بوجود الجنة والنار اللتين وعد الله المجازاة بهما؛ لأن العلم بتخلل عدم إعدادهما قبل وصولهما إلى من أعدا له يمنع كونهما معدودتين له ضرورة، ألا ترى أنك لو أعددت علفاً لبهيمتك وأنت تعلم تلفه قبل وصولها إليه وأخبرت بذلك غيرك لسارع إلى تكذيبك في كونك أعددته لها وحينئذ يجب تأويل هذه الآيات على ما يليق، فنقول: المراد بأعدت ونحوه مما كان بصيغة الماضي المستقبل وذلك كثير في اللغة كقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ}[الزمر:73] وقوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ}[الأعراف:50] إلى غير ذلك مما يطول تعداده وكله بلفظ الماضي، والمعلوم أن المراد به المستقبل.
وأما قوله: {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى...}الآية[النجم:14]، فالمراد بتلك الجنة الموصوفة بما ذكر تأوي إليها أرواح الشهداء بقية أيام الدنيا وليست جنة الخلد التي وعد المتقون وإنما عدلنا إلى التأويل للجمع بين الأدلة ورد بأنا لا نسلم القطع بفناء العالم.
سلمنا فلا نسلم أن ذلك يمنع القطع بوجودهما الآن؛ لأنا نقول: تخلل العدم مع إعادتهما بأعيانهما لا يمنع كونهما معدودتين للمتقين والكافرين وإنما فناؤهما كتباعدهما عن جهة من هما معدودتان له مع العلم بوصولهما إليه فكما أنا نعلم ضرورة أن تباعدهما لا يمنع كونهما معدودتين له مع العلم بوصولهما إليه كذلك فناؤهما والحال هذه، ومثاله أن تعد لبهيمتك علفاً في جهة بعيدة عن جهتها بمسافة طويلة وأنت تعلم أنها تصل إلى ذلك العلف وأخبرت غيرك بذلك فإن المعلوم أنه يصدقك فصح أن تخلل العدم لا يمنع كونهما معدودتين وإنما يمنعه لو لم يعادا بأعيانهما كما في المثال الذي ذكرتموه.
وأما تأويلكم للآية الأخرى فنقول: تلك الجنة التي ادعيتموها لا دليل عليها ولا ملجئ إلى ذلك التأويل لما ذكرناه من عدم القطع بفناء العالم ومن أن القطع به لا يمنع القطع بوجودهما ثم إنه مخالف للإجماع.
الوجه الثاني: أن الأحاديث الصحيحة الكثيرة المشهورة دالة على وجودهما، قال الحسن بن يحيى ومحمد بن منصور: الجنة والنار مخلوقتان قد خلقهما الله تعالى اتصل بنا ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وآله- وعن علماء أهل البيت".
وقال (الحسن بن يحيى) أيضاً: والآثار المشهورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه دخل الجنة حيث أسري به إلى السماء وأري النار ومن فيها فذلك دليل على إبطال قولهم ولا سبيل إلى ترك التنزيل بقول التأويل المبطل مع أخبار كثيرة مشهورة متسق بها الخبر أثبتها العلماء عن النبي -صلى الله عليه وآله- في إثبات خلق الجنة والنار ذكره في (الجامع الكافي).
وقال الإمام المهدي: الأخبار كثيرة أحادية تواردت على معنى واحد فكان تواتر معنوياً.
قلت: وسيأتي كثير من تلك الأخبار في مواضع من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، ومنها ما رواه الإمام أبو طالب عليه السلام في الأمالي، قال: أخبرنا أبي نا حمزة بن القاسم نا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن أبي بصير عن الصادق عن أبيه عن آبائه" قال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((لما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها قصراً من ياقوت يرى داخله من خارجه وخارجه من داخله من ضيائه وفيه بيتان من در وزبرجد، فقلت: يا جبريل، لمن هذا القصر؟ فقال: هذا لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وتهجد بالليل والناس نيام، فقال علي عليه السلام : يا رسول الله، وفي أمتك من يطيق هذا؟ قال: ادن مني يا علي، فدنا منه، قال: تدري من أطاب الكلام؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: من قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، تدري من أدام الصيام؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: من صام شهر رمضان ولم يفطر منه يوماً، تدري من أطعم الطعام؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: من طلب لعياله ما يكف به وجوههم عن الناس، تدري من تهجد بالليل والناس نيام؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: من لم ينم حتى يصلي العشاء الآخرة)) ويعني بالناس نيام اليهود والنصارى لأنهم ينامون بينهما.
أما حمزة فهو حمزة بن القاسم العلوي، قال في التذكرة: توفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، قال في (الجداول): الظاهر أنه حمزة بن القاسم بن عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب.
وأما علي بن إبراهيم فقال في (الجداول): الظاهر أنه ابن البريد المشهور من رجال الشيعة، وأما والده فلم يبين حاله في (الجداول) وكذلك ابن أبي عمير، والحديث نص في المقصود.
وأجيب عنه وعما في معناه: بأنه إذا صح وجود جنة ونار الآن فليستا دار الخلود والجزاء كما مر، قال الإمام المهدي: لا شك أن ثم جنة وهي جنة آدم عليه السلام بتصريح القرآن بذلك، وأما النار فلا قاطع على وجودها لكن قد وردت آثار أحادية بأن إدريس عليه السلام ونبينا محمد -صلى الله عليه وآله- قد اطلعا عليها وأن الميت يرى مقعده في النار فلا يبعد وجودها وليست دار الخلود لما قدمناه، وقال النجري: المراد بالمضي الاستقبال فمعنى قوله: إنه رأى في الجنة كذا أنه إذا كان في الآخرة رأى ذلك، هكذا قيل، قال: ويمكن أن يحمل ذلك على ظاهره ويكون المراد جنة الدنيا وهي جنة آدم عليه السلام فقد قيل: لا يمتنع أن يكون في السماء جنات شتى سوى جنة الخلد نحو الجنة التي كان فيها آدم عليه السلام ويكون فيها كثير من الملائكة والأنبياء الآن ورد بأن هذا كله عدول عن الظاهر بلا موجب.
الوجه الثالث: إجماع العلماء على وجودهما، قال محمد بن منصور: وهذا عندنا إجماع العلماء وإنما يدفع ذلك من لا يعلم، وقد مر حكاية إجماع علماء العترة" على ذلك، وفي الجامع الكافي عن الحسن بن يحيى ومحمد بن منصور أنهما قالا: من قال إن الله تعالى لم يخلق الجنة والنار ولكن يخلقهما بعد.
فإنا نقول: إن هذا القول تكلف من قائله وجرأة وقذف بالغيب وبدعة، ويجاب بأن الخلاف مشهور كما مر.
قلت: ولعل المراد إجماع السلف ويؤيده ما مر عن المرتضى.
احتج المجوزون للأمرين بأنه لا قطع بخلقهما ولا عدمه لاحتمال أدلة القولين كما مر فتعين القول بالتجويز، والمسألة مما لا تكليف علينا فيها.
قال المرتضى بعد ذكر القولين: وبأيهما قال به القائل فغير مأثوم؛ لأن هذا ليس مما تعبدنا به ولا فرضت معرفته ولا فرض علينا إلا الإقرار بهما والتصديق بما فيهما من الوعد والوعيد.
وقال السيد محمد بن عز الدين المفتي: الخلاف فيها لا يثمر جدوى.
قلت: ولقائل أن يقول معرفة هذه المسألة من فروض الكفايات لمعرفة خطاب الله وخطاب رسوله -صلى الله عليه وآله- كما في غيرهما من مسائل علم الكلام؛ إذ لا نعرف معنى الإعداد لهما والإخبار برؤيتهما إلا بعد الخوض في المسألة، وإنما جعلناها من فروض الكفايات؛ لأن معرفة جميع المراد من خطاب الله تعالى ورسوله ليس من فروض الأعيان وذلك معلوم، ويؤيده قوله عليه السلام في وصف القرآن بين مأخوذ ميثاق علمه وموسع على العباد في جهله رواه في النهج.
المسألة التاسعة [الجواب على المرجئة في قولهم أن النار غير معدة للفاسقين]
ربما قال بعض المرجئة: إن قوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[البقرة:24] يدل على أن النار ليست معدة للفساق ولا تعلق لهم بذلك؛ لأنا نقول: إن أردتم أن الآية تدل على أن العصاة لا يدخلون ناراً أصلاً فباطل؛ لأنها إنما دلت على أن هذه النار التي وقودها الناس والحجارة مخصوصة بالكافرين وليس فيها دلالة على أنه لا نار لغيرهم من أهل الكبائر وإن دلت بالمفهوم فالمنطوق الصحيح الصريح القاطع بخلافه، فإن المعلوم من الدين توعد العصاة بنار جهنم -أعاذنا الله منها- وقد قيل: إن النار دركات كما أن الجنة درجات فيجوز أن تكون هذه النار خاصة للكافرين ولأهل الكبائر نيران غيرها، وفي الكشاف: أن النيران شتى، منها نار توقد بالناس والحجارة يدل على ذلك تنكيرها في قوله تعالى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}[التحريم:6] {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى}[الليل:14] قال: ولعل لكفار الجن وشياطينهم ناراً وقودها الشياطين كما أن لكفرة الإنس ناراً وقودها هم جزاء لكل جنس بما شاكله من العذاب، وإن أردتم أن نار العصاة غير نار الكفار كما بيناه فهو لا ينفعكم في الإرجاء ولا يقدح في أدلة الوعيدية، هذا على أن من العلماء من ادعى دخول عصاة الأمة في هذا الوعيد.
قال السيد أحمد بن عبد الله الشرفي في (المصابيح): أما عند قدماء أئمتنا" وغيرهم فالفاسق داخل تحت هذا الاسم؛ إذ يسمى كافر نعمة، وقد صرح بذلك الهادي عليه السلام حيث قال: الكفر كفران: كفر جحدان، وكفر نعمة للواحد الرحمن، قال أبو حيان: اكتفى بذكر الكفار تغليباً للأكثر على الأقل أو لأن الكافرين يشمل من كفر بالله وكفر بأنعمه.