السادس: أن الإخبار بالغيب لو كان هو الوجه في الإعجاز لكان الإعجاز ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن بل لكون الخبر حاصلاً فيه من غير سبق تعلم ولا تعليم؛ لأن الإخبار بالغيب إخبار به سواء كان بهذا النظم أو بغيره مؤدى بالعربية أم بلغة أخرى بعبارة كان أو إشارة ولهذا استضعف الإمام المهدي نسبة هذا القول إلى أحد من العلماء فقال: والذي عندي أنه لا يقول أحد أن وجه الإعجاز في القرآن الإخبار فيه بالغيب، واحتج بما مر في الوجه الثالث من لزوم كون كل خبر متضمن للإخبار بالغيب معجزا، ثم قال عليه السلام : فالأقرب عندي أن صاحب هذا القول أنكر كون القرآن معجزة لدخول الكلام الفصيح تحت قدرة البشر وعدم القطع بعجز كل العالم عن مثله لكنه متضمن للإعجاز من وجه آخر وهو تواتره متضمناً للإخبار بالغيب فكان طريقنا إلى إثبات نبوته -صلى الله عليه وآله- تواتر إخباره بالغيوب ولم تتواتر إلا في القرآن فجعلناه دليل النبوة لكن لا من حيث كونه معجزة في نفسه بل لتضمنه الإخبار بالغيب وهو معجزة، ولم يجعل سائر الإخبار بالغيب طريقاً إلى إثبات النبوة لعدم تواترها إلينا ولو تواترت لكانت مثله في الدلالة على النبوة وكذلك التوراة والإنجيل لو تواترت لكانت معجزة لما فيها من الإخبار بالغيب لا من حيث أنه لا يقدر أحد على مثل كلامها.
قال عليه السلام : فهذا تحقيق هذا المذهب عندي لا ما حكاه العلماء من الاطلاق فإنه لا يقوله بعض العوام فضلاً عن العلماء.

أقول: أما كون ما تضمنه القرآن من الإخبار بالغيب معجزا بالمعنى الذي ذكره الإمام المهدي فمما لا ينبغي الخلاف فيه وذلك أمر لا يختص القرآن ولذلك تجد العلماء إذا ذكروا حديثاً يتضمن الإخبار بأمر مستقبل ثم وقع على وفقه يقولون: هذا من معجزات النبي -صلى الله عليه وآله- والإمام المهدي ممن نص على ذلك، ففي شرحه على القلائد: إن القرآن متضمن ثلاث معجزات كل واحدة منها لو استقلت لكانت كافية في الدلالة على صدق النبي -صلى الله عليه وآله- وهي: فصاحته الخارقة، والإخبار بالغيب، والإخبار عن القرون الماضية، وقال في الأساس وشرحه: وأما الإخبار بالغيب فهو معجزة أخرى مضافة إلى معجزة البلاغة، وقد مر عن القاضي عياض أنه لا نزاع في ذلك وهو الذي يقتضيه ما مر من جواز تراخي المعجزة.
فإن قيل: كيف يكون الإخبار عن الغيب معجزة وقد ظهر الإخبار به عن الكهنة والمنجمين ونحوهم؟
قيل: لأن النبي -صلى الله عليه وآله- لم يظهر عنه في جميع إخباراته بالغيوب شيء من الاختلاف وهولاء إن صدقوا مرة كذبوا عشراً فدل ذلك على أنهم لم يأخذوا خبرهم عن الله عالم الغيب والشهادة وإلا لاستمر صدقهم كما استمر صدقه، وقد أخبرنا الله تعالى أن ذلك من أعظم المعجزات حيث قال: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا...}الآية[البقرة:31].
قال الإمام المهدي: ولا شك أنما عرفنا أنه إخبار عن غيب ليس بمستدل عليه بالعادات التي أجراها الله تعالى عند الطوالع ولا جعلها خاصة لبعض الأجسام ولا من طريق استراق الشياطين للسمع فهو معجز قطعاً لكنا لا نعلمه معجزاً إلا بعد العلم بأنه غير مأخوذ عن أحد هذه الطرق.
والجواب عن القول بأن وجه إعجازه سلامته من التناقض ما مرَّ من أن المتحدى به هو الفصاحة وبأن سائر كتب الله تعالى سالمة من التناقض مع أنها ليست بمعجزات.

وبعد فإن السلامة ليست خارقة للعادة فإنه يجوز منا تهذيب الكلام والاحتراز عن تناقضه كما يجوز ذلك في القصائد والكتب المصنفة وإنما علم أنه لو كان من عند غير الله لوجد فيه اختلافاً من الشرع فقط.
قال الموفق بالله: فأما العقل فلا يقتضي ذلك لجواز أن ينظر في كل سورة وكلمة في الأوقات ويصونها عن التناقض.
والجواب على من قال: إن وجهه كون قارئه لا يمل أن التحدي لم يقع به وإنما ذلك من خواصه وفضائله، وجعله القرشي وجهاً مؤكداً للإعجاز، قال: لأن للخصم أن يقول إنما لَذَّ لَكُمْ ولم تملوه على التكرار لاعتقادكم صحته والإيمان به وحصول الثواب عليه.
وقال في (الأساس): إنما كان كذلك لبلاغته، وأما الإمام المهدي فقال: لا نسلم أنه لا يمل، بل قد يمل تكراره الملل العظيم إلا من يرجو ثواب التلاوة، قال: ولو جعلنا ذلك وجه إعجازه جعلنا الصلاة معجزة إذ لا يمل تكرارها، وهكذا يجاب عن القول بالروعة والهيبة الحاصلة عند تلاوته وسماعه أعني أنه لم يقع التحدي بذلك وإنما هو من خواصه.
والجواب على من قال: بأن وجه إعجازه ما أنبأ به من أخبار القرون الماضية بنحو ما مر من الجواب عن القول بأن وجه إعجازه اشتماله على الإخبار بالمغيبات المستقبلة.
هذا وأما سائر الوجوه المذكورة في وجه إعجازه فهي إما راجعة إلى الفصاحة أو خاصة وفضيلة للقرآن.

قال القرشي بعد أن أبطل القول بالصرفة وغيرها من الوجوه المدعاة في الإعجاز ما عدى الفصاحة ما لفظه: فثبت أن الأصل في الإعجاز هو الفصاحة وإن صح أن يكون في هذه الأمور المذكورة وجه في الإعجاز آخر لكن الأصل في الإعجاز هو الفصاحة وما عداها تبع، قال: وكذلك كونه عليه السلام أتى بالقرآن وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب مطابقاً لصحيح اللغة وفصيحها وللقصص الصحيحة البعيدة العهد ومطابقاً للعقول في أكثر أحكامه حتى صار يرجع إليه في أكثر أدلة العقل وما يتعلق بالنحو واللغة وسائر الأحكام وكذلك كون شرعه -صلى الله عليه وآله- مؤيداً لا يزداد إلا قوة وعلوا فإن كل هذه لا تستقل وجهاً في الإعجاز ولكنها مؤكدة له.
قال الإمام عز الدين: يعني أن كل واحد منها لم يقصد جعله وجها في الإعجاز وسببا في التحدي وإن كان يمكن استقلال بعضها بالدلالة على النبوة.
قلت: وقد مر عن الإمام المهدي أن في القرآن ثلاث معجزات.

المسألة الثانية [مقدار المعجزة]
قوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}[البقرة:23] يدل على أن القدر المعجز من القرآن لا يكون أقل من سورة، وقد اختلف في ذلك فقيل: يتعلق الإعجاز بسورة منه طويلها وقصيرها بخلاف ما دونها للآية وهذا هو ظاهر كلام الجمهور، وذهب بعض المعتزلة إلى أنه يتعلق بجميعه لقوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ}[الطور:34]، وقوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ...}الآية[الإسراء:88]، لنا ما مر، وقوله تعالى: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ}[هود:13] وقال قوم: بل يحصل بقليل القرآن أو كثيره ولو آية، وهذا قول الإمام يحيى كما مر واختاره بعض متأخري أصحابنا لقوله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ}[الطور:34] وهو صادق بالآية.
قلنا: سياق الآية يفيد العموم وأيضاً الحديث التام الذي يتبين فيه تفاضل قوى البلاغة لا يتحصل في أقل من كلمات سورة قصيرة.
وقيل: لا يحصل الإعجاز بآية ولا بسورة قصيرة بل يشترط الآيات الكثيرة، وهذا هو الظاهر من كلام الرازي في تفسيره فإنه ادعى العلم الضروري بأن الإتيان بمثل سورة قصيرة كالكوثر والعصر ممكن ونسب من أنكر ذلك إلى المكابرة ولهذا اختار القول بالصرفة كما مر، لنا إطلاق السورة وكون التحدي لم يقع إلا بالفصاحة، ودعواه العلم الضروري بالقدرة على مثل الكوثر باطلة؛ إذ لو كان ذلك مقدوراً لهم لفعلوه لتوفر دواعيهم إلى معارضته، ولو كان لنقل.
فرع
ومثل السورة في الإعجاز قدرها من آيات القرآن من أي سورة كانت نص عليه جماعة من أصحابنا وغيرهم، والمراد بقدرها ثلاث آيات إذ بها يحصل العلم بعلو شأنه في الفصاحة فكانت كالسورة في الإعجاز، وقال بعضهم: بل الآية الواحدة إذا كانت بقدر حروف سورة كالسورة في الإعجاز إذ يتبين بها التفاضل في الفصاحة.

المسألة الثالثة [دلالة الأية على أن القرآن من عند الله]
هذه الآية تدل على أن القرآن نزل من عند الله تعالى سوراً مفصلة، قال الإمام الحسن بن عز الدين: هذا الترتيب الذي هو عليه الآن هو الذي كان عليه مذ أنزل دفعة واحدة قبل تنزيله حسب الحاجة والحادثة وما فرق تنزيله حينئذ إلا لما في ذلك من المصلحة، وقد مر البحث في هذا في الفاتحة وذكرنا ثمة الإجماع على أن ترتيب الآيات في السور توقيفي.
وحكى الرازي عن كثير من أهل الحديث أنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان فلذلك صح التحدي مرة بسورة ومرة بكل القرآن.
قلت: الواقع في أيام عثمان إنما هو ترتيب السور لا ترتيب الآيات فيها كما مر في الفاتحة، ولعل هؤلاء لم يريدوا إلا هذا وأما الاحتجاج لهم بأن التحدي وقع مرة لكذى ومرة بكذا فلا وجه له؛ لأن كون ترتيب آي القرآن توقيفاً لا ينافي التحدي على أحد الأمرين.

المسألة الرابعة [صيغة الآمر في الآية]
الأمر في قوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}[البقرة:23] للتعجيز وهو أحد معاني الصيغة كما مر في الفاتحة ولا يجوز أن يراد به الطلب؛ لأن التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه لا يجوز عند العدلية والجويني وهؤلاء قد علم الله منهم أنهم لا يقدرون على الإتيان بمثله بدليل تقريعهم بقوله: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ}[البقرة:23] وإخباره تعالى بأنهم لم يفعلوا.

المسألة الخامسة [جواز الجدل لاظهار الحق]
في الآية دليل على جواز الجدال لإرادة إظهار الحق ودمغ الباطل ودلالتها على ذلك ظاهرة.

المسألة السادسة [دلالة الآية على نسبة أفعال العباد إليهم]
هذه الآية من أوضح الأدلة لمذهب العدلية في نسبة أفعال العباد إليهم وإبطال القول بالجبر؛ لأن التحدي وإظهار حجة الرسول -صلى الله عليه وآله- بعجزهم لا يصح إلا إذا تعذر الإتيان بمثله ممن يصح منه الفعل، فأما إذا لم يكن لهم فعل أصلا فلا يصح تحديهم والاستدلال بالمعجز على النبوة وأيضاً تعذر الإتيان بمثله إنما يكون عند الخصم لفقد القدرة الموجبة وعلى هذا يستوي المعجز وغيره فلا يكون للتحدي معنى ويلزمهم أن يكون الباري تعالى في التحقيق متحدياً لنفسه ولا شك أنه قادر على مثله فلا يثبت الإعجاز، ثم إنه قد مر أن المعجز ما يكون من فعل الله تعالى ناقضاً للعادة، فإذا كان المعتاد ليس بفعل لهم لم يكن بينه وبين الخارق فرق؛ لأن الجميع من قبل الله تعالى.

المسألة السابعة [ما هو الاتقاء المذكور في الآية]
اتقاء النار المأمور به كناية عن الاحتراز من العناد كأنه قيل: فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله فاحترزوا من إنكار كونه منزلا من عند الله فإنه موجب للعقاب فوضع فاتقوا النار موضعه؛ لأن اتقاء النار من نتائج ترك العناد من حيث أن اتقاء النار ترك المعاندة فيؤخذ من هذا أن فعل التقوى خشية من النار مجز ومنج منها وأن فاعل التقوى لذلك قائم بما فرض الله عليه، وقد تقدم الكلام في المسألة في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}[الفاتحة:5].

190 / 329
ع
En
A+
A-