أحدها: حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة لعادة العرب.
ثانيها: صورة نظمه العجيب وأسلوبه الغريب، قال: وكل واحد من هذين النوعين نوع إعجاز خلافاً لمن زعم أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب.
ثالثها ورابعها:ما انطوى عليه من الإخبار عن المغيبات المستقبلة والإنباء عن الأمم السالفة.
قال: وهذي الوجوه الأربعة لا نزاع فيها ولا مرية.
إذا عرفت هذا فاعلم أن الأئمة" ومن وافقهم يبطلون جميع ما خالف مذهبهم وهو القول بأن وجه الإعجاز كونه في الدرجة العالية من الفصاحة والبلاغة بوجهين: جملي وتفصيلي.
فالجملي هو أن الله تعالى إنما تحداهم بما يساويه في الفصاحة فقط، فثبت أنها الأصل، وإن صح أن تكون بعض هذه الأمور وجها في الإعجاز آخر فليس إلا على جهة التبع لما هو الأصل.
فإن قيل: التحدي إنما وقع بالإتيان بمثل القرآن ولم يذكر الفصاحة.
قيل: لكنه قد تحداهم بأن يأتوا بسورة وأطلق والمعلوم أن كثيراً من السور لا يوجد فيها أكثر الأنواع التي ذكروها بخلاف الفصاحة فإنها لازمة لكل سورة فثبت أن التحدي بفصاحته.
وأما التفصيلي وهو الجواب عن كل واحد من تلك الأقوال فنقول: الجواب عن القول بأن وجه إعجازه حسن النظم من وجوه:
أحدها: أن الفصاحة قد تظهر فيما ليس فيه أسلوب كالآية الواحدة فإنها معجزة، كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}[البقرة:179] ولا أسلوب هناك لقصرها وتقارب أطرافها.
الثاني: أن يقال: ما وجه الإعجاز بالأسلوب إن كان الفصاحة لكنها مخالفة لسائر أساليب الكلام الفصيح، فهذا صحيح ومرجعه إلى قولنا وإن كان مخالفته للشعر والخطب من غير اعتبار فصاحة فخطأ؛ لأن الفصاحة هي الأصل في الإعجاز،ذكر هذين الوجهين الإمام يحيى، واعترض الإمام عز الدين الوجه الأول بأن الإعجاز إنما يتحقق بسورة أو بعدة آياتها،والثاني بأنه احتجاج بنفس المذهب.

الوجه الثالث: إن أكثر أسلوبه لا يخالف أساليب الكلام لا سيما المنثور والخطب والرسائل ولهذا إذا أدرجت الآية في خطبة أو سجع أو كلام كادت تشتبه به في أسلوبها وقافيتها وكذلك فيه ما يقارب أسلوب الشعر كقوله: ويخزهمُ وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنينا ونحوها.
الوجه الرابع: أنه يلزم أن يكون كل من أتى بأسلوب غريب أن يكون كلامه معجزا كقس بن ساعدة وغيره فإنه كان يأتي في مواعظه بأساليب غريبة.
فإن قالوا: إنما كان الأسلوب معجزاً بانضمام الفصاحة إليه.
فجوابه ما ذكره الموفق بالله وهو: أن القرآن إنما بان عن غيره بالفصاحة العظيمة لا بالأسلوب الذي هو موجود في كلام قس وأكثم بن صيفي فلا تأثير له فيه.
الخامس: أنه لو اختص بأسلوب لكان التحدي به لا يقع لعدم اعتيادهم له فلا يكون ناقضاً لعادتهم.
وأما احتجاجهم بأنه لا يمكن معرفة إعجازه من أنواع البديع وقولهم: إنه يمكن تعلمها إلى آخرما ذكر في الوجه الأول فمدفوع بأن الناس يتفاضلون في الفصاحة وفي العلم بها وذلك معلوم، وإذا كان التفاضل فيها وفي العلم بها بين البشر فلا شك أنهم لا يحيطون بكل شيء علماً، وإذا كانوا كذلك فلا يصح أن يقال إنه يمكنهم تعلم جميع أنواع الفصاحة وبلوغ الدرجة العالية منها حتى يأتوا بمثل القرآن في فصاحته بخلاف الباري تعالى فإنه قد أحاط بكل شيء علماً وأحاط بالكلام كله، فإذا أراد ترتيب ألفاظ القرآن علم أي لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى المراد من دون تنافر في الحروف ولا غرابة ولا مخالفة لقياس اللغة ولا تعقيد في الدلالة على المعنى، والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول، بل المعلوم من حالهم ضرورة أنهم لا يحيطون بذلك، ولهذا ترى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولاً ثم ينظر فيها فيغير فيها وهلم جرا، وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم توجد فكيف يقال إنه يمكنهم أن يتعلموا أصناف البديع.

وأما قولهم في الوجه الثاني: إن ألفاظه ألفاظ العرب ومعانيه في الكتب المتقدمة إلى آخر ما ذكروه، فمسلم لكن الفصاحة والبلاغة لم تتعلق بمفردات الألفاظ ولا بمعانيها المفردة بل بالمركبات منها ولذا قيل: لا يكون المعجز أقل من ثلاث آيات، والمعلوم أن الفصاحة المتعلقة بهذا القدر لا توجد في كلام العرب.
وأما جمعه لمحاسن أقسام الكلام فليس ذلك إلا لفصاحته وبلاغته لا لنظمه وأسلوبه وقد مر أن أسلوبه لا يخالف أساليب الكلام.

والجواب عن قول الرازي ومن وافقه أن نقول: إن كانت الفصاحة جزءاً من وجه الإعجاز فلا يخلو إما أن يعجز جميع البلغاء عن مثل ذلك القدر الذي في القرآن منها أو لا يعجزون عنه إلا مع انضمامه إلى الأسلوب، إن كان الأول لزم أن تكون الفصاحة وجهاً مستقلاً في الإعجاز لحصول حقيقة المعجز فيها، وإن كان الثاني لزم أن لا يكون مجموع الأمرين وجه إعجاز؛ لأن كل واحد على انفراده ليس بمعجز، وإذا انضم ما ليس بمعجز إلى ما ليس بمعجز لم يصر بذلك معجزاً؛ فإن دخول كل واحد على انفراده تحت قدرة البشر يستلزم دخوله تحت قدرهم مع الاجتماع؛ إذ حاجته إلى تزايد العلم لا إلى تزايد القدر؛ لأن كيفية الترتيب لا يحتاج إلى تزايد القدرة بل إلى كثرة العلوم، فمن قدر على أدنى كيفية الترتيب قدر على أعلاها وليس من علم أدناها يعلم أعلاها، بل لا بد له من زيادة في العلوم، وإذ كان كذلك فمن علم بكيفية الفصاحة وحدها وكيفية النظم على انفرادها وأمكنه إيجادهما مفترقين أمكنه إيجاد مجموعهما لكمال آلة ذلك في حقه وهو القدرة والعلم في الطرفين وذلك واضح فيلزم أن لا يكون مجموعهما وجه إعجازه كإفرادهما وبهذا يتبين فساد حجة أهل هذا القول التي بنوها على أن البشر لا يمكنهم الإحاطة؛ لأنا فرضنا الكلام على أن المتعذر عندهم الإحاطة بعلمه على البشر هو مجموع النظم والفصاحة لا كل واحد على انفراده، ثم أبطلنا ذلك بأن القدرة على الأفراد والعلم بها يستلزم القدرة على المجموع والعلم به، وإذا كان ذلك ممكنا في حق البشر لم يحصل فيه حقيقة الإعجاز فلا يصح جعله وجها للإعجاز، وكل ما ذكروه في احتجاجهم إنما يصلح وجهاً في تعين الفصاحة للإعجاز؛ إذ هي التي لا يمكن البشر الإحاطة بأنواعها كما مر فتأمل.
والجواب عن القول بالصرفة من وجوه:
أحدها: إجماع الأمة قبل حدوث المخالف على أن القرآن هو المعجز والقول بالصرفة يخرجه عن كونه معجزاً وذلك خلاف الإجماع.

قلت: قد مر عن الإمام عز الدين أنهم يوافقون في كون المعجز هو القرآن وإنما خلافهم في وجه إعجازه، وأما الإمام يحيى فقد صرح بأنهم يقولون: إن القرآن لم ينزل للإعجاز كما مر وقد سلك مسلكه في شرح مفتاح السكاكي في نقل الخلاف فنسب إلى النظام القول بأن القرآن ليس بمعجز ولا أنزل ليكون حجة على نبوة النبي -صلى الله عليه وآله- بل لبيان الأحكام، والعرب إنما لم يعارضوه؛ لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك وسلب علومهم به وقدرتهم عليه لا لأن الإتيان بمثله غير ممكن.
الوجه الثاني: أن الصرفة لو كانت هي الوجه في الإعجاز لكان غير الفصيح من الكلام أظهر إعجازاً؛ لأنه إذا وقع على وجه يقدر عليه الفصيح وغيره واللاحن والمعرب ثم لم تقع معارضته بعد ظهور التحدي البالغ كان ذلك أبلغ في الإعجاز بل كان يجب إيقاعه كذلك بحيث لا يعجز عنه أحد ليكون الترك والحال هذه أبلغ في ظهور إعجازه؛ لأن الإعجاز لطف واللطف يجب أن يقع على أبلغ الوجوه، فلما كان في أعلا طبقات الفصاحة علمنا أن الصرفة ليست وجه إعجازه وأن تعجيزهم إنما كان بفصاحته.
الوجه الثالث: أنه يلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمان التحدي وخلو القرآن من الإعجاز وفي ذلك خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول العظمى باقية ولا معجزة له باقية سوى القرآن.
قلت: وفي هذا الوجه نظر؛ لأن لهم أن يقولوا: التحدي باق ببقاء التكليف فلا يزول زمانه ولا يخلو القرآن من الإعجاز.

الوجه الرابع: أنا نعلم بالضرورة أن العرب كافة كانوا مستعظمين لفصاحة القرآن معجبين بها عجباً عظيماً حتى قال الوليد بن المغيرة لما تلا عليه النبي صلى الله عليه وآله {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ...}الآية [النحل:90]: والله إن له حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، ما هذا بقول بشر، أخرجه البيهقي عن عكرمة مرسلا، وأخرجه في الشعب بسند جيد عن ابن عباس، وكذا ابن إسحاق في السيرة، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب بغير إسناد إلا أنه قال خالد بن عقبة بدل الوليد.
وحكى أبو عبيد أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}[الحجر:94] فسجد وقال: سجدت لفصاحته.
وفي حديث إسلام أبي ذر وقد وصف أخاه أنيساً فقال: (والله ما سمعت بأشعر من أخي لقد ناقض اثني عشر شاعراً في الجاهلية أنا أحدهم وإنه انطلق إلى مكة وجاء إلى أبي ذر بخبر النبي -صلى الله عليه وآله- قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقول: شاعر، كاهن، ساحر، لقد سمعت ما قال الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقرا الشعر فلم يلتئم وما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر وإنه لصادق وإنهم لكاذبون)، أخرجه مسلم وغيره، والأخبار في هذا المعنى صحيحة كثيرة.
الوجه الخامس: أنهم لو كانوا يقدرون على مثله وإنما صرفوا عنه لكانوا يتعجبون من تعذره عليهم بعد أن كان مقدوراً لهم كما أن نبياً لو قال: معجزتي أن أضع يدي على رأسي وأنتم يتعذر ذلك عليكم، ثم كان الأمر على ما قال لم يكن تعجبهم من وضع يده على رأسه بل من تعذر ذلك عليهم بعد إمكانهم.
قال الإمام عز الدين: والمعلوم ضرورة أن تعجب العرب ما كان إلا من فصاحة القرآن.
السادس: أن القول بأن الله سلب دواعيهم والقول بأنه سلبهم العلوم المحتاج إليها في المعارضة باطلان.

أما الأول فلما مر من أن دواعيهم متوفرة إلى ذلك ورغبتهم في إبطال أمره وذلك معلوم ضرورة، فكيف يقال سلبهم الدواعي وقد علمناها فيهم ضرورة ويعلم من حالهم أيضاً أنهم يعلمون أن أمره يبطل بالمعارضة بعد إظهار التحدي.
وأما الثاني: وهو أن الله تعالى سلبهم العلوم المحتاج إليها فقال الموفق بالله: لا يصح ذلك؛ لأنه خروج عن كمال العقل؛ إذ لا يجوز أن يكون المرء عالماً بالنظم فيصح منه مع السلامة ولا يتأتى منه ذلك كما لا يصح أن يكون عالماً بصنعة من الصنائع كالخياطة فيصح مع السلامة ولا يتأتى ذلك منه ولأنه كان يجب أن يكون في كلامهم ما هو مثله قبل سلب العلم بكيفية إيجاده والمعلوم خلافه، وأما الإمام المهدي والقرشي فقالا: القول بسلبهم هذه العلوم صحيح، قال الإمام المهدي: فإنا نقول إنهم عاجزون عن مثله؛ إذ لا علوم لهم يتمكنون بها من تأليف مثله فهو مثل قولنا.
قلت: وفيه نظر فإنا نقول إن إيجاد مثله غير داخل تحت قدر البشر وعلومهم لا تحيط بما اشتمل عليه من أسرار الفصاحة والبلاغة ولسنا نقول إنهم سلبوا علوماً كانت حاصلة لهم قبل التحدي وهؤلاء يقولون: إنهم سلبوا علوماً كانت حاصلة لهم كما مر عن المرتضى.
فإن قيل: إن لهم أن يقولوا: لسنا نريد بالصرفه سلب الدواعي ولا سلب العلوم، بل أردنا أنهم سلبوا القدرة عليه مع توفر الدواعي وبقاء العلوم وكانوا قادرين عليه لكن كلما حاولوا إيجاد المثل منعوا إما بأن يسكن ألسنتهم فلا يقدرون على الكلام عند محاولة المعارضة وإما بأن لا يقدروا على الكلام الفصيح.

قيل: لو كان ذلك كذلك لاشتهر لأنه من الأمور المستعظمة التي تتوفر الدواعي إلى نقلها في العادة وكيف لا يشتهر وهو المعجز في الحقيقة دون القرآن ولأنه لو كان كذلك لوجده العرب من أنفسهم واستنكروه من أحوالهم، ألا ترى أن أحدنا لو وجد من نفسه إمكان المشي يمنة فرسخاً وإذا أراد أن يمشي يسرة لم يقدر أن ينقل قدماً فإنه يظهر استنكاره ويجد ذلك من نفسه فكذلك حال العرب لو كانوا قادرين على مثل القرآن فإذا حاولوا معارضته منعوا ولو وجدوه من أنفسهم لاشتهر وانتشر؛ إذ لا يصح أن يجد العرب كافة أقصاهم وأدناهم من أنفسهم هذا الأمر الخارق ولا ينقل عنهم الحديث في استنكاره والعجب منه، وبعد فإن المعلوم من حالهم أنهم لم يمنعوا من الكلام الفصيح ولا غيره بل كان يصدر منهم حال النبوة وبعدها.
الوجه السابع: أن مسيلمة اللعين وابن المقفع وغيرهما قد تعاطوا معارضته فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع، فلو كان وجه الإعجاز الصرفة لصرفوا عن تعاطي ما فعلوا.
قلت: وفي هذا الوجه نظر؛ لأن للخصم أن يقول: إنهم إنما لم يتمكنوا من الإتيان بمثله لصرفهم عن الكلام الفصيح، فمعنى الصرفة في حقهم باق على أنه قد مر عن ابن المقفع وغيره أنها اعترتهم روعة عند إرادة المعارضة أوجبت تركهم إياها وهو معنى الصرفة، وأما مسيلمة فقال أبو حيان: إنه لم يقصد المعارضة ومثله أبو الطيب المتنبي وغيرهما، وإنما ادعوا أنه نزل عليهم وحي بذلك.

واعلم أن القول بالصرفة إنما منع منه أصحابنا لقيام الدليل على خلافه عندهم ولتأديته إلى خروج القرآن عن كونه معجزاً في نفسه وإلا فإثبات النبوة بها وجعلها وجه إعجاز صحيح؛ لأن الله تعالى لما دعى أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة ألسنتهم إلى معارضة القرآن مع كونها في نفسها ممكنة ودواعيهم إليها متوفرة ثم عجزوا ولم يتصدوا لمعارضته بحال لم يخف على أولي الألباب أن صارفاً إلاهياً صرفهم عن ذلك وذلك الصرف أمر خارق للعادة فوجب أن يكون معجزا، بل أي إعجاز أعظم من عجز كافة البلغاء عن معارضته مع كونها من الأمور الممكنة وتوفر الدواعي إليها.
والجواب عن القول بأنه يدرك ولا يمكن وصفه أنه راجع إلى الفصاحة كما صرح به السكاكي والخطابي.
والجواب عن القول بأن وجه إعجازه اشتماله على المغيبات المستقبلة من وجوه:
أحدها: أن ذلك لا يشمل القرآن، والتحدي واقع بكله، ولهذا قال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}[البقرة:23] ولم يفصل بين ما فيه إخبار عن غيب وغيره، بل قال: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}[هود:13] وهذه الآية حجة قاطعة واضحة على أن التحدي إنما كان بفصاحته الخارقة.
الثاني أنه يلزم من هذا القول ألا يثبت لمن كان في زمن النبي -صلى الله عليه وآله- في أول الأمر العلم بنبوته -صلى الله عليه وآله- لأن وجه الإعجاز إذا كان الإخبار عن الغيوب المستقبلة فصدقها لا يعرف إلا بعد العلم بصدق المخبر بها والعلم بصدقه لا يحصل إلا بعد النبوة وذلك دور.
فإن قيل: بل يعرف بمشاهدة ما أخبر بوقوعه.

قيل: إن منها ما لا يعلم إلا في الآخرة، كالإخبار بالجنة والنار ولا تكليف علينا في الآخرة، ومنها ما هو متأخر عن وقت دعوى النبوة كغلبة الروم ودخول المسجد الحرام وهذا وإن علم صدقه بالمشاهدة فإنه يلزم منه أن لا تثبت الحجة على نبوته إلا بعد مدة مديدة من دعوته والمعلوم أنها تثبت الحجة من أول البعثة.
الثالث: أن الإخبار بالغيب جرى على لسانه -صلى الله عليه وآله- في غير القرآن كقوله لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)) وقوله لعلي: ((ستقاتل الناكثين والقاسطين)) وغير ذلك مما لا ينحصر، فلو كان وجه إعجاز القرآن ما فيه من الإخبار بالغيب لكانت هذه الأخبار معجزات.
قال الإمام المهدي: ولا قائل من أمة محمد -صلى الله عليه وآله- أن الإخبارات كلها كالقرآن في كونها معجزة.
قلت: أراد عليه السلام أنه لم يقل أحد أن الخبر المتضمن للغيب يكون كله معجزا، وأما ما يتضمنه من الإخبار بالغيب فهو معجز عنده كما سيأتي ولما مر عنه عليه السلام وعن غيره من جواز تأخر المعجز عن الدعوى إذا كان قد أخبر بأنه سيقع.
الوجه الرابع: أَن فيما أنزل الله تعالى من الكتب المتقدمة إخبار عن الغيوب وليست بمعجزات؟
قلت: لقائل أن يقول: ومن أين لكم أنها ليست بمعجزات سلمنا فإنما لم تكن معجزة لعدم التحدي بها والتحدي شرط في كون المعجز معجزاً عند قوم كما مر.
الخامس: أن في أخبار الكهنة ونحوهم إخبار بالغيب وليس بمعجز.
قلت: وفي هذا الوجه نظر سيأتي بيانه.

189 / 329
ع
En
A+
A-