الفائدة الثالثة في وجه كون القرآن معجزاً في حق العجم
وذلك أن لقائل أن يقول: إذا علم العرب إعجازه لمعرفتهم بتناهيه في الفصاحة وصار حجة عليهم فبماذا يعلم ذلك العجم حتى يكون حجة عليهم ودليلاً لهم على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله؟
وجوابه: أنهم علموا ذلك إجمالاً وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تحدى به العرب فعجزوا عن الاتيان بمثله وذلك كافٍ في كونه معجزاً؛ إذ العبرة بنقض عادة العرب بأمر هو من جنس ما يتعاطونه وهو الفصاحة.
وقال القرشي: إذ كان ناقضاً لعادة العرب وهم أمراء الفصاحة فنقضه لعادة العجم بالأولى، قال الإمام عز الدين: وهذا ركيك، ورجح ما مر من أن نقضه لعادة العرب كافٍ وهو الظاهر من كلام السيد مانكديم والإمام المهدي.

الموضع الخامس في وجه إعجاز القرآن
قد مر أن المسلمين متفقون على أن القرآن معجزة لنبيئنا محمد صلى الله عليه وآله بل ادعى السيوطي إجماع العقلاء على ذلك وإنما اختلفوا في وجه إعجازه.
فقال أئمتنا والجمهور من غيرهم: وجه إعجازه كونه في الدرجة العالية من الفصاحة والبلاغة التي لم يعهد مثلها في تراكيبهم وتقاصرت عن بلوغها درجات بلاغاتهم، واحتجوا على ذلك بأن المتعذر على أرباب اللسان هو إيجاد مثله في فصاحته وبلاغته وبما مر من أن الله تعالى جعل معجزة كل نبي من جنس ما يتعاطاه أهل زمانه ويتفاخرون به، والمعلوم أن العرب كانوا يتفاخرون ويتميز بعضهم على بعض بالفصاحة في كلامهم والبلاغة في خطبهم وأشعارهم ويجعلون ذلك وسيلة إلى مقاصدهم وسبباً إلى نيل أغراضهم، ويتصرفون في الكلام على البديهة تصرفاً عظيماً، جعل الله لهم ذلك غريزة وطبعاً، يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، ويمدحون ويذمون، ويرفعون ويضعون، ويجرئون الجبان، ويبسطون يد الجعد البنان، ويصيرون الناقص كاملاً، ويتركون النبيه خاملاً إلى غير ذلك من التصرفات الدالة على اهتمامهم بأمر الفصاحة والتوصل بها إلى الأغراض المهمة، والتفاخر بها في المحافل، وكل ذلك دليل على أن وجه إعجاز القرآن هو فصاحته الخارقة لعادتهم.
وقال بعض المعتزلة: وجه إعجازه ما اشتمل عليه من حسن النظم وهو التأليف المخالف لأسلوب العرب في السجع والرجز والشعر والكلام المنثور، فإن من نظر في مطالعه التي هي فواتح السور وقواطعه وفواصله علم أنها وقعت على وجه لم يعهد في كلامهم وأنهم كانوا عاجزين عنه، وهذا هو الظاهر من كلام الباقلاني والأصبهاني، واحتجوا بوجهين:

أحدهما: أنه لا يمكن معرفة إعجازه من أصناف البديع التي أودعوها في الشعر؛ لأنها ليست بخارقة بل يمكن تعلمها وإدراكها بالتدريب كالشعر والخطب والرسائل، ولها طرق تسلك إليها بخلاف نظم القرآن وأسلوبه؛ فليس له مثال يحتذى، ولا إمام يقتدى به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقاً.
الثاني: أن الإعجاز لو كان متعلقاً بفصاحته وبلاغته لم يصح أن يكون متعلقاً بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى؛ لأن ألفاظه ألفاظ العرب قال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ}[الشعراء:195] ومعانيه أكثرها موجود في الكتب المتقدمة قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ}[الشعراء:196] فتعين أن يكون متعلقاً بصورته وهي النظم المخصوص؛ إذ لا تختلف الأحكام والأسماء إلا باختلاف صورة الشيء لا بعنصره كالخاتم والقرط والسوار فإن باختلاف صورها اختلفت أسماؤها لا بعنصرها الذي هو الذهب والفضة والحديد فإن الخاتم المتخذ من الذهب والفضة والحديد يسمى خاتماً وإن اختلف عنصره وإن اتخذ من الذهب خاتم وقرط وسوار اختلفت أسماؤها وإن اتحد عنصرها وليس ذلك إلا لاختلاف صورها فصح أن القرآن لم يتميز عن غيره من ألفاظ العرب وما تضمنته الكتب المتقدمة إلا بصورته التي هي النظم المخصوص فوجب أن يكون هو وجه إعجازه.
قال الأصبهاني: وبيان كون النظم معجزاً يتوقف على بيان نظم الكلام ثم بيان أن هذا النظم مخالف لنظم ما عداه.

[مراتب تأليف الكلام]
فنقول: مراتب تأليف الكلام خمس:
الأولى: ضم الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض لتحصل الكلمات الثلاث: الاسم، والفعل، والحرف.
والثانية: تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض لتحصل الجمل المفيدة، وهو النوع الذي يتداوله الناس جميعاً في مخاطباتهم وقضاء حوائجهم ويقال له: المنثور من الكلام.
والثالثة: ضم بعض ذلك إلى بعض ضماً له مبادء ومقاطع ومداخل ومخارج ويقال له: المنظوم.
والرابعة: أن يعتبر في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع، ويقال له: المسجع.
والخامسة: أن يجعل مع ذلك وزن، ويقال له: الشعر، والمنظوم إما محاورة ويقال له: الخطابة، وإما مكاتبة ويقال له: الرسالة.
فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام ولكل من ذلك نظم مخصوص، والقرآن جامع لمحاسن الجميع على نظم غير نظم شيء منها يدل على ذلك أنه لا يصح أن يقال له: رسالة أو خطابة أو شعر أو سجع، كما يصح أن يقال: هو كلام، والبليغ إذا قرع سمعه فصل بينه وبين ما عداه من النظم ولهذا قال تعالى: {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِه}[فصلت:42] تنبيهاً على أن نظمه ليس على هيئة نظم يتعاطاه البشر فيمكن أن يغير بالزيادة والنقصان كحالة الكتب الأخر.
وقال الرازي في رواية الإمام المهدي وصاحب المواقف عنه: بل وجه إعجازه الفصاحة وغرابة الأسلوب، ورواه الموفق بالله عن بعض المحدثين، واختاره ابن عطية ورواه عن الجمهور ولفظه الصحيح والذي عليه الجمهور والحذاق في وجه إعجازه أنه بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه.
قلت: وما ذكره من صحة معانيه قيد معتبر لا بد منه.

قال في (شرح شفا القاضي عياض): ولا شك أن من يقول بإعجازه لبلاغته وأسلوبه يقول أيضاً أنه بالنظر لمعناه؛ إذ لا يمكن قطع النظر عنه، والحجة لهذا القول ما ذكره الخطابي والزركشي في برهانه، وحاصله أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في درجات البيان متفاوتة، فمنها البليغ الجزل والقريب السهل والجائز الطلق الرسل، وهذه هي أقسام الكلام الفاضل المحمودة فالأول أعلاها والثاني أوسطها والثالث أدناها وأقربها، وبلاغة القرآن قد حازت من كل قسم حصة وافرة فانتظم بها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام بجمع الفخامة والعذوبة وهما كالمتضادين؛ لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة يعالجان نوعا من الزعوره فكان اجتماعهما فضيلة اختص بها القرآن ليكون آية بينة لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله؛ لأن علمهم لا يحيط باللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني، وأفهامهم لا تدرك جميع معانيها ووجوه نظمها وارتباط بعضها ببعض فيتوصلوا باختيار أحسنها إلى الإتيان بمثله وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حاصل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم، وإذا تأملت القرآن وجدته استوفى ذلك كله ورقى لأعلى درجاته، ولا توجد هذه الفضائل الثلاث مجموعة في غيره وإن وجدت متفرقة في أنواع كلام الفصحاء؛ إذ لا يقدر عليها مجتمعة إلا العليم القدير فخرج من هذا أنه إنما صار معجزاً لأنه جاء بأحسن الألفاظ وأبدع النظم والتأليف واصح المعاني من الدعاء إلى توحيد الملك العلام، وبيان الشرائع والأحكام، والإرشاد إلى مكارم الأخلاق، والزجر عن مساوئها على الإطلاق، واضعاً كل شيء في موضعه بحيث لا ترى محلاً أولى من محل، مودعاً فيه أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله تعالى بمن مضى منبئاً بالحوادث المستقبلة، جامعاً للحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك آكد للزوم ما دعا إليه، ولا شك أن استيفاء هذه الأمور منسقاً

أحسن نسق لا يمكن لغيره عزَّ وجلّ.
وقال النظام والشريف المرتضى الموسوي ورواه القاضي عياض عن أبي الحسن الأشعري ورجحه الرازي في التفسير: بل إعجازه بالصرفة على معنى أن العرب كانت قادرة على كلام مثل كلام القرآن قبل البعثة لكن الله صرفهم عن معارضته، وبه قال أبو إسحاق.
نعم، وأبو إسحاق هذا في كتب أصحابنا أنه النصيبيني من المعتزلة، وفي المواقف وشرحها: أنه الأستاذ أبو إسحاق من أهل السنة ثم اختلف هؤلاء في كيفية الصرفة.
قال في المواقف وشرحها فقال: الأستاذ أبو إسحاق منا والنظام من المعتزلة صرفهم الله عنها مع قدرتهم عليها وذلك بأن صرف دواعيهم إليها مع كونهم مجبولين عليها خصوصاً عند توفر الأسباب الداعية في حقهم كالتقريع بالعجز والاستنزال عن الرياضات والتكليف بها بالإنقياد فهذا الصرف خارق للعادة فيكون معجزاً.
وقال المرتضى: بل سلبهم العلوم التي يحتاج إليها في المعارضة بمعنى أن المعارضة والإتيان بمثله يحتاج إلى علوم يقتدر بها عليها وكأن تلك العلوم حاصلة لهم لكنه تعالى سلبها عنهم فلم تبق لهم قدرة عليها، ومقتضى مذهب هؤلاء على ما ذكره الإمام يحيى أن الله تعالى لم ينزل القرآن ليكون حجة على النبوة وإنما أنزله لبيان الحلال والحرام وتعليم سائر الأحكام، وإنما لم يعارضوه؛ لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك مع قدرتهم عليها، وعلى هذا فليس القرآن معجزة.
قال الإمام عز الدين: وفيه نظر؛ لأن المشهور أن الصرفة وجه إعجاز القرآن وذلك تصريح بإعجازه ولا معنى لكونه حجة على النبوة إلا كونه معجزاً، فالمشهور عنهم خلاف ما ذكره.
قلت: ويدل على ذلك إجماع الأمة على أن القرآن معجزة دالة على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ولو كان الأمر كما ذكره الإمام يحيى لم يصح دعوى الإجماع.

وقال السكاكي: إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة، قال: ولا يدرك تحصيله لغير ذوي الفطرة السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرين فيها، ونحو قوله حكاه الخطابي عن أكثر أهل النظر فقال: ذهب الأكثرون من علماء النظر إلى أن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة لكن صعب عليهم تفصيلها وصغوا فيه إلى حكم الذوق.
وقال قوم: وجه إعجازه اشتماله على الإخبار بالمغيبات المستقبلة فوجدت كما أخبر وذلك كثير يعرف بتتبع القرآن وإخباراته عن الأمور المستقبلة الكاينة على وفقها كقوله تعالى: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}[الروم:3] فأخبر عن غلبة الروم لفارس فيما بين الثلاث إلى التسع فوقع كما أخبر به، ومنه الآية التي نحن بصددها فإنه تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله وأخبر أنهم لا يفعلون ذلك أبداً فكان كما أخبر إلى غير ذلك من المغيبات التي أوقف الله عليها رسوله لتكون دلالة على صدقه، وهذا القول حكاه الموفق بالله عن النظام.
وقيل: وجه إعجازه أنه مع طوله واشتماله على فنون القصص والأحكام لم يوجد فيه تناقض ولا اختلاف وتمسكوا بقوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}[النساء:82] وهذا رواه الموفق بالله عن أبي علي.
وقال بعض المجبرة: بل وجهه كون قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة وترديده يوجب له محبة وغيره من الكلام ولو بلغ من الحسن والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد ويعادا إذا أعيد ولهذا وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه لا يخلق على كثرة الرد كما مر في المقدمة من حديث علي عليه السلام .

وقال الخطابي: قد قلت في وجه إعجاز القرآن وجها ذهب عنه الناس وهو صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس، أقول هذا الوجه هو الذي يسمونه الروعة بفتح الراء وهي الخوف والحزن الذي يطرأ عند سماعه وتلاوته لجلالته وهيبته وقد عدها القاضي عياض من وجوه الإعجاز وقال: هي على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم كما قال تعالى: {نفورا} وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه الديلمي وغيره عن الحكم بن عمير ((إن القرآن صعب مستصعب على من كرهه وهو الحكم....))الخبر، ويعني بالحكم: الحاكم أي الفاصل بين الحق والباطل والبر والفاجر، قال: وأما المؤمن فلا يزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذاباً وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه وتصديقه به ويدل على ثبوت الروعة به قوله تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ}[الزمر:23] وقوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً...}الآية[الحشر:21].
قال بعض العلماء: هذا تمثيل لما فيه من الروعة التي تهد الجبال فما بالك بالرجال ويدل على هذا أن الروعة قد تعتري من لا يفهم معناه كما روي عن نصراني أنه مر بقارئ فوقف يبكي فقيل له: مم بكيت؟ فقال: للشجا والنظم، والمراد بالشجى هنا الطرب أو الحزن، وفي شفاء القاضي عياض أن هذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام وبعده فمنهم من أسلم لها ومنهم من كفر، فأخرج الشيخان عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} إلى قوله: {أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ}[الطور:35-37] كاد قلبي أن يطير للإسلام. وفي رواية: وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي.

وأخرج ابن إسحاق في السيرة والبغوي في التفسير أن عتبة بن ربيعة كلم النبي صلى الله عليه وآله فيما جاء به من خلاف قومه فتلى عليهم حم فصلت إلى قوله: {صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}[فصلت:13] فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم أن يكف، وفي رواية: فجعل النبي صلى الله عليه وآله يقرأ وعتبة مصغ ملق يديه خلف ظهره حتى انتهى إلى السجدة فسجد صلى الله عليه وآله وقام عتبة لا يدري بما يراجعه ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه فاعتذر لهم وقال: والله لقد كلمني بكلام ما سمعت أذناي مثله.
وقال في (الإتقان): قد مات جماعة عند سماع آيات منه أفردوا بالتصنيف.
وفي مجموع زيد بن علي عليه السلام عن أبي خالد الواسطي قال: كان إذا صلينا خلفه ـ يعني زيد بن علي عليه السلام ـ سمعنا وقع دموعه على الحصر، وسمعته عليه السلام يقرأ (اقتربت) فرتلها وقرأها قراءة لا يسمعها فرح ولا محزون إلا قرحت قلبه فمرض من أصحابه عليه السلام رجل من طي من وجدان تلك القراءة فدفناه بعد أيام فصلى عليه ثم قيل: هذا قتيل القرآن وشهيد الرحمن لقد أمسيت مغتبطاً وما أزكي على الله عز وجل أحداً.
وروى القاضي العلامة أحمد بن صالح ابن أبي الرجال في تاريخه (مطالع البدور) أن السيد العلامة داود بن الهادي بن أحمد بن المهدي بن الإمام عز الدين بن الحسن عليه السلام كان حليفاً للقرآن لا يزال يتلوه وكان له زميل في التلاوة فتلى معه ليلة في مدينة ساقين شيئاً من القرآن أثناء الليل فوقع منهما القرآن بموقع عظيم فاضت به نفس ذلك الزميل رحمه الله تعالى.
قال القاضي عياض: وقد حكي عن غير واحد ممن رام معارضته أنه اعترته روعة وهيبة كف بها عن ذلك، فحكي أن ابن المقفع طلب ذلك ورامه وشرع فيه فمر بصبي يقرأ: {وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ}[هود:44] فمحى ما عمل وقال: أشهد أن هذا لا يعارض وما هو من كلام البشر، وكان من أفصح أهل وقته.

وكان يحيى بن الحكم الغزال بليغ الأندلس في زمنه فحكي أنه رام شيئاً من هذا فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها وينسج بزعمه على منوالها قال: فاعترتني منه خشية ورقة حملتني على التوبة والإنابة.
وقيل: بل الوجه في ذلك ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة مما كان لا يعلم القصة الواحدة منه إلا أفراد من أهل الكتاب بعد طول بحث وتعلم فيورده نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على وجهه وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ومع هذا لم يحك عن واحد من اليهود والنصارى مع شدة عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه وكثرت سؤالهم إياه عليه الصلاة والسلام وتعنتهم عليه عن أخبار أنبيائهم وأسرار علومهم ومستودعات كتبهم أنه أنكر ذلك أو كذبه، بل أكثرهم صرح بصحة نبوته وصدق مقالته واعترف بحسده وعناده إياه.
واعلم أن العلماء قد ذكروا من وجوه الإعجاز أنواعاً كثيرة غير ما ذكرنا، منها: كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله بحفظه، وسائر معجزات الأنبياء" انقضت بانقضاء أوقاتها فلم يبق إلا خبرها.
ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم يعهدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل نزوله فضلاً عن غيره من بيان علم الشرائع وغيرها من الحكم والآداب والتنبيه على طرق الحجج العقلية والرد على فرق الضلالة ببراهين قاطعة وألفاظ بارعة مع إيجاز وبيان لا يقدر أحد على مثله.
ومنها مشاكلة بعض أجزائه بعضاً وحسن ائتلاف أنواعها والتئام أقسامها وحسن التخلص والخروج من باب إلى غيره على اختلاف معانيه وغيره من الكلام والفصيح إذا اعتوره مثل هذا ضعفت قوته وقل رونقه إلى غير ذلك من الوجوه الكثيرة، وبعضهم يقول: إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق، وبعضهم يذكر اختلاف الناس ويعدد وجوها مما تقدم وغيرها ثم يجزم بأن الإعجاز وقع بجميعها كالقرطبي ورواه الزركشي عن أهل التحقيق.
وقال القاضي عياض: المعتمد في حقيقة الإعجاز أربعة وجوه:

188 / 329
ع
En
A+
A-