قال الرازي: إنه إذا لم يكن قاطعاً بصحة نبوته كان يجوز خلافه، وتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزور البتة لايقطع في الكلام ولا يجزم به، فلما جزم دل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان قاطعاً في أمره.
قلت: ولا يجوز أن يكون قاطعاً في أمره،إلا إذا لم يكن من فعله كما مر.
قال الإمام المهدي: وهو لا يعلم بيقين عجزهم إلا وهو عالم عجز نفسه عنه؛ إذ لو لم يعلم عجز نفسه لم يعلم عجز غيره.
الاعتراض الثاني: أن العرب وإن لم يكونوا قادرين على مثل القرآن فما يؤمنا أن في الجن والملائكة من يقدر على ذلك، وحينئذ يجوز أن بعضهم ألقاه إليه، ويجوز أن يكون في الجن من يقدر على معارضته، لكنهم تركوها رغبة في إضلال الإنس وإغوائهم، وتركها الصالحون منهم؛ لأنهم لم يكونوا في الفصاحة مثل الشياطين، أو كانوا مثلهم، وتركوها لأنهم وكلوا المكلفين إلى عقولهم، فإن العقل يجوز كونه ليس من فعل الله تعالى، ومع هذا التجويز لا يقطع بأنه من فعل الله، فمن قطع فإنما أتي من جهة نفسه.
والجواب: أما الجن فلا نسلم أن فيهم من يقدر على مثله؛ لأن التحدي شامل لهم، وفيهم الصالح، والطالح، والكبر، والحسد كالإنس، فلو كان فيهم من يقدر على المعارضة لعارضوه كما مر ذلك في الإنس.
قيل: مع أنا لا نعلم ثبوت الجن والملائكة إلا بالسمع، فكيف يقف العلم بكون القرآن معجزاً على العلم بعجزهم، ونحن لا نثبت وجودهم إلا به هذا دور، وأما الملائكة فلأصحابنا عنهم جوابان مع ما مر:
أحدهما: أنا وإن جوزنا قدرتهم على مثله، فذلك لا يقدح؛ لأن المعتبر فيه عجز من ظهر عليه وتحداهم به، ونقض عادتهم، والملائكة غير داخلين في التحدي، ولا مكلفين بهذه الشريعة، ولذا قيل في حده: ما خرج عن طوق البشر، ولكون المعتبر نقض عادة المبعوث إليهم كان قلب المدن ونتق الجبال إذا وقع من مدعي النبوة معجزاً وإن قدر الملائكة على مثله.
ثانيهما: أنا نقول هم داخلون في التحدي، كما ذهب إليه الإمام المهدي محتجاً بعموم قوله تعالى: {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ}[يونس:38] ونحوها، فنقول: الملائكة معصومون لا يفعلون إلا ما أمرهم الله به، وهو لا يأمر بتصديق الكاذب، فإذا كانوا الذين أظهروا القرآن على لسان الرسول عقيب دعواه النبوة والناس عاجزون عن مثله كان ذلك بمنزلة قولهم صدقت،وتصديق الكاذب قبيح،والله تعالى لا يأمر به، فعلمنا أنه إذا كان من جهتهم فهو صدق،وإذا كان صدقاً دلنا على أنه ليس من فعلهم، وإنما هو فعل الله، والملائكة عاجزون عنه لآيات التحدي وغيرها، وحاصله أنه لا يكون منهم إلا الصدق لعصمتهم، وإذا لم يكن منهم إلا الصدق وجب أن يكون القرآن ليس بفعل لهم، وإن كانوا الذين ألقوه إلى الرسول لدلالة آيات التحدي على عجزهم عنه.
قلت: ولا يقدرون على معارضته، وإلا لما كان لتحديهم معنى.
الاعتراض الثالث: أن عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثل القرآن، وإن سلم فمن الجائز أن يكون وقوعه هو وغيره من معجزات الأنبياء على الوجه الذي تدعيه الفلاسفة، وهو أنه من تأثير النفوس التي ليست جسماً ولا حالة في الجسم، كما يجعلون تأثير عين العائن من تأثير النفس، وتحقيق مذهبهم أنهم جعلوا الإنسان غير الشخص المعروف، وأثبتوا له تأثيراً وعملاً، فيجوز أن تكون هذه المعجزات من تأثيرات النفوس كما في العائن، ويجوز أن يكون لبعض الناس معرفة في طوالع النجوم وخواصها ما ليس لغيره، فاستعان بها على ظهور الخوارق على يده، فلعل هذا من ذاك، وقد ثبت عن كثير من الناس الإخبار بالغيوب وذلك معلوم، ومنه حديث المرأة العمياء التي كانت ببغداد، وكانت تخبر بالغيوب على سبيل التفصيل، ولا خلاف أنه كان في زمن الجاهلية كهنة يخبرون بمبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل حصوله، ويجوز أيضاً أن بعضهم يعرف خواص بعض الأشياء فأظهر بسببها الخوارق، ولا يستنكر مثل هذا، فإن المعلوم أن حجر المغناطيس تجذب الحديد.
قال الرازي:وكذلك قد تواترت الأخبار عن جميع الأتراك أنهم يقدرون على استجلاب الرياح، واستنزال الأمطار، وتبريد الهواء في الصيف، وتسخينه في الشتاء وغير ذلك، ويجوز أيضاً أن تلك المعجزات مما أجرى الله العادة بحدوثها على دوران الفلك، وهي مختلفة في الدوران، فمنها ما يدور كل اليوم كطلوع الشمس، وقد يكون في شهر كاستهلال الهلال، إلى غير ذلك من الأدوار حتى أن منها مالا يعود إلا في ستة وثلاثين ألف عام، فيجوز أن يكون حدوث الخوارق في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما هي موافقة لأحد الأدوار والعادات ومع ما ذكر من التجويزات فلا نقطع بدلالة المعجز على النبوة لاحتمال أن يكون حصولها لأحد هذه الأسباب.
والجواب: أما القول بوقوعها على الوجه الذي تدعيه الفلاسفة فذلك الوجه المدعى باطل، وقد أبطلنا كون الإنسان ما يدعون في المسألة الثانية من ما يتعلق بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ...}الآية[البقرة:8].
وأما تأثير النفوس فهو باطل لما مرّ من أنه لا مؤثر حقيقة إلا الفاعل المختار وهو الله تعالى فيما لم يكن من أفعال الخلق، وإذا ثبت بطلان مذهب الفلاسفة بطل ما ترتب عليه.
وأما سائر ما ذكروه فهي أمور يمكن تعلمها والإطلاع عليها وذلك معلوم، فإن المنجمين وأهل الصناعات والرياضات يحتاجون في معرفتها إلى من يعلمهم أصولها أو يتعلمونها من الكتب الموضوعة لذلك، وما كان سبيله التعلم فلا يمكن من علم شيئا منه القطع البت بأن أحداً لا يقدر على مثل فعله، بل يجوز حصوله لغيره، وإذا جوز ذلك لم يمكنه التحدي العام والإخبار على القطع بأنه لا يقدر أحد على مثله خوفاً من الفضيحة، ولا يأمن ذلك إلا بأمان الله تعالى كما أوجس موسى أن السحرة قد أُوْتُوْا مثل ما أوتي حتى أمّنه الله تعالى، والمعلوم أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قد بالغ في التحدي وأخبر بعجزهم على القطع وادعى المزية عليهم وأوجب امتثال أمره وطاعته فيما أراد منهم فكان ذلك دليلا مفيداً للعلم على أنه لا يخاف أن أحدا يأتي بمثله ولا أن خبره يتخلف وذلك يدل على أنه لم تحصل من أحد هذه الأمور التي قالوا بتجويز حصوله من أحدها وثبت أنه من فعل الله سبحانه وتعالى أنزله دليلاً على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم والحمد لله رب العالمين، وبما ذكرنا ثبت القرآن كعجزة دالة على نبوة أبينا ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
[فوائد تتعلق بالنبي صلى الله عليه ومعجزاته]
تنبيه: يشتمل على ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى في بيان الوجه الذي علم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الذي جاءه ملك وأن القرآن الذي جاء به كلام الله.
اعلم: أنه لا بد للرسول صلى الله عليه وآله وسلم من معجز يدل على أن جبريل صادق في رسالته إليه، وأن القرآن الذي جاء به كلام الله تعالى ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا من أحد وجهين:
أحدهما: أن يخلق الله له علماً ضرورياً عند مشاهدة جبريل وسماع القرآن منه بأنه ملك مرسل من عند الله تعالى وأن ما جاء به كلام الله جل وعلا، وذلك يصح عند المشاهدة، والسماع كما يصح أن يخلق لنا علماً ضرورياً بأن هذا الذي شاهدناه الآن هو الذي شاهدناه أمس، وأن الكلام المسموع الآن هو الكلام المسموع بالأمس سواء سواء.
الثاني: أن يظهر على يديه ـ أعني الملك ـ معجزة تدل على صدقه كما أظهر لموسى حين كلمه أن ذلك كلام الله، فحينئذ يعلم صدقه فيعلم بخبره أنه كلام الله تعالى، وهذا الوجه هو الذي عرف به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، صدق جبريل عليه السلام ، فإنه أتاه بمعجزة تدل على ذلك وهي ما رواه أبو طالب في الأمالي قال: أخبرنا أبي، انا محمد بن الحسن، ثنا محمد الصفار، عن محمد بن الحسين، ثنا جعفر بن بشير، ثنا أبان، ثني محمد بن مروان، عن محمد بن سنان، عن الصادق، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: تراءى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبريل عليه السلام بأعلى الوادي وعليه جبة من سندس فأخرج له درنوكاً من درانيك الجنة فأجلسه عليه ثم أخبره أنه رسول الله إليه، وأمره بما أراد أن يأمره به، فلما أراد جبريل أن يقوم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطرف ثوبه فقال له: ما اسمك؟ فقال: جبريل. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلحق بالغنم فما مر بشجرة ولا مدرة إلا سلمت عليه وقالت: السلام عليك يا رسول الله، وكان يرعى غنماً لأبي طالب عمه. ورواه الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام في (الحقائق).
أما والد الإمام أبي طالب فقد مر ذكره.
وأما شيخه فهو: محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد أبو جعفر.
وأما الصفار فهو: محمد بن الحسن وشيخه هو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، وجعفر هو البجلي وهؤلاء، لم يزد في (الجداول) على ما ذكرنا من بيان أحوالهم.
وأما أبان فهو ابن عثمان الأحمر، قال الذهبي: تكلم فيه ولم يترك بالكلية.
وأما محمد بن مروان فالذي في (الجداول) ممن روى له أبو طالب ممن سمي بهذا الاسم رجلان: محمد بن مروان السدي الصغير، وقد نالوا منه، ووثقه ابن حجر، وعداده في الشيعة، توفي سنة تسعة وثمانين ومائة، ومحمد بن مروان القطان ويقال: الذهلي، أبو جعفر الكوفي، روى عن ابن عباس وعبد الله بن جعفر وغيرهما، وهذا يقتضي أنه غير المذكور في السند لتقدم زمان هذا، لكنه مشكل لأنه ذكر أن ممن أخذ عن المذكور أبو أحمد الزبيري وأبو نعيم وهما متأخران إلى بعد المائتين كما مر في تراجمهما، وذكر أنه احتج به النسائي.
نعم ذكر في (الجداول) من رجال أبي طالب وأخيه المؤيد بالله محمد بن مروان عن الباقر وعنه نصر بن مزاحم وغيره، وهذا يقوي أن المذكور في السند الذي هنا هو السدي؛ لأن في ترجمته أن ممن أخذ عنه نصر بن مزاحم فيكون هو المذكور في الترجمة الأخرى، ولا مانع من أخذه عن الباقر سماعاً وعن الصادق بواسطة لجواز تباعد الديار، أو كانت روايته بالواسطة عن الصادق لتأخر موته عنه. والله أعلم.
وأما محمد بن سنان فلم يزد في (الجداول) على روايته عن الصادق، وعنه محمد بن مروان، وحسن بن محبوب.
قوله: درنوك، قال في (النهاية): الدرنوك ستر له خمل، وجمعه درانك.
والمعجزة من هذا إخراج الدرنوك الذي في الجنة، وتسليم الشجر والمدر؛ لأن ذلك كله خارق للعادة.
ومن معجزات جبريل عليه السلام الدالة على صدقه ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رآه صافاً في الهواء قد سد الأفق. رواه الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام .
وفي (أمالي المرشد بالله): أخبرنا ابن ريذة، أخبرنا الطبراني، ثنا ابن أبي مريم، ثنا الفريابي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله في قوله: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}[النجم:18] قال: رأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق. ورجال هذا السند مشاهير، وقد تقدم الكلام عليهم أجمع أو على أكثرهم وثناء الناس عليهم إلا ابن أبي مريم فإن بعضهم قد نسبه إلى الكذب كما مر في الفاتحة، وسفيان الراوي عن الأعمش هو الثوري.
وفي (الدر المنثور): أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي معاً في (الدلائل) عن ابن مسعود في قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}[النجم:11] قال: رأى صلى الله عليه وآله جبريل عليه حلتا رفرف أخضر قد ملأ ما بين السماء والأرض.
وأخرج البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في (الدلائل) عن ابن مسعود في قوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}[النجم:9] قال: رأى النبي صلى الله عليه وآله جبريل له ستمائة جناح.
وأخرج محمد بن سليمان الكوفي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في (الدلائل) عن عائشة قال: كان أول شأن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه رأى في منامه جبريل عليه السلام بأجياد ثم خرج لبعض حاجته فصرخ به جبريل: يا محمد يا محمد، فنظر يمينا وشمالاً فلم ير شيئاً ثلاثاً، ثم رفع بصره فإذا هو ثان إحدى رجليه على الأخرى على أفق السماء، فقال: يا محمد جبريل جبريل يسكنه، فهرب النبي صلى الله عليه وآله حتى دخل في الناس فنظر فلم ير شيئاً، ثم خرج من الناس فنظر فرآه. فذلك قول الله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى}[النجم:1] إلى قوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى}[النجم:8] يعني جبريل إلى محمد {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}[النجم:9] يقول: القاب: نصف الأصبع {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}[النجم:10] جبريل إلى عبد ربه.
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخل بغار حراء فيتحنث فيه (وهو التعبد)...إلى أن قالت: حتى جاء الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقاري، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقاري، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ}[العلق:1-3] ثم ساقت في الحديث رجوعه إلى خديجة مرعوباً وانطلاقها به إلى ورقة بن نوفل وهو حديث طويل، وفي آخره: وفتر الوحي.
وأخرج البخاري عن جابر بن عبد الله أنه قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: ((بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه، فرجعت، فقلت: زملوني زملوني فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثّرُ...}إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}[المدثر:1-5] فحمي الوحي وتتابع)). وأخرجه محمد بن سليمان الكوفي حاكم الهادي بصعدة في مناقبه.
وروى الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام في (الحقائق) أن جبريل عليه السلام جاءه صلى الله عليه وآله فأخرجه إلى البقيع وانتهى به إلى مقبرة فإذا جثوة في التراب فضربها برجله وقال: قم بإذن الله، فانتفض التراب فإذا شخص قد صار حياًّ وهو يقول: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، ثم ضربها فعادت إلى ما كانت، وانتهى به إلى جثوة أخرى فضربها فقام صاحبها وهو يقول: الحمد لله، ثم ضربها فعادت إلى ما كانت فقال: يا محمد فعلى هذا تبعثون.
فهذه التي تضمنتها هذه الأحاديث معجزات ظاهرة لصدق حقيقة المعجز عليها دالة على صدق جبريل صلوات الله عليه فيما جاء به وفي دعواه الرسالة من عند الله تعالى إليه.
قال الإمام المهدي: ولا يجوز أن يكون علم النبي صلى الله عليه وآله بصدق جبريل حاصلاً من إعجاز القرآن؛ لأنه لا يمكنه القطع بصحة نبوته صلى الله عليه وآله وبأن القرآن كلام الله إلا بعد معرفة عجز الجن والإنس عن الإتيان بمثله، وذلك لا يكون إلا بعد مهلة طويلة وبعد أن يتحداهم به وإذا لم يقطع لم يمكنه إظهار عجزهم والإخبار به على القطع؛ إذ لا يأمن أن يكون فيهم من يقدر على ذلك.
فإن قيل: فيلزم أن لا يعلم أحد صدق الرسول صلى الله عليه وآله إلا بعد التحدي، والمعلوم أن علياً وخديجة أسلما قبل أن ينزل أكثر القرآن، بل المروي أن علياً أسلم ثاني البعثة وخديجة أسلمت قبله.
قيل: يجوز أنهما قد علما نبوته عليه السلام بمعجز آخر إذ له معجزات كثيرة، وقد قيل: إن ما تقدم النبوة من الأحوال الشريفة والصفات الكريمة من جملة معجزاته صلى الله عليه وآله وهما ملازمان له في كثير من أوقاته ومطلعان على جميل صفاته.
قال الإمام المهدي: ولا يصح أن تكون الطريق إلى معرفة صدق جبريل عليه السلام معجزة يدخل جنسها تحت مقدور القدر؛ إذ لا طريق إلى أنها من فعل الله تعالى؛ لأن الملائكة جنس آخر يقدرون على ما لا نقدر عليه نحن فلا يكون ما فعلوه خارقاً للعادة لمخالفة عادتهم لعادتنا.
قلت: وما تضمنته الأخبار المتقدمة مما لا يدخل جنسه تحت مقدور القدر فتأمل.
الفائدة الثانية فيما به يعرف جبريل عليه السلام أنه مرسل إلى محمد صلى الله عليه وآله وأن القرآن كلام الله
قال الإمام عز الدين: طريقه إلى معرفة رسالته سماع كلام من رب العزة يخلقه في جسم ويقرنه بما يدل على أنه ليس من كلام غيره بحيث أن جبريل يعلم ذلك ولا يشك فيه.
قال عليه السلام : ومثل هذا يتصور في حق النبي فيعلم كونه مرسلاً كما في حق موسى عليه السلام ، وقريب من هذا ذكره الإمام المهدي قال: ويجوز أن يكون مما يدخل جنسه تحت مقدور القدر إذا علم جبريل أن الملائكة كافة والجن يعجزون عن مثله.
قلت: ويجوز أن يكون علماً ضرورياً يخلقه الله فيه، ويجوز أيضاً أن يكون خبر المعصوم وهو الذي وردت به السنة.
قال الهادي عليه السلام : وسألت كيف يأخذ جبريل عليه السلام الوحي عن الله؟ وكيف يعلمه؟
واعلم هداك الله أن القول فيه عندنا كما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه سأل جبريل عن ذلك فقال: ((آخذه من ملك فوقي ويأخذه الملك من ملك فوقه، فقال: كيف يأخذه ذلك الملك ويعلمه؟ فقال جبريل: يُلقى في قلبه إلقاءً ويلهمه إياه إلهاماً)) رواه في جواب مسائل الرازي وفيه: ((إن الملك الأعلى يعلمه بعلم ضروري يفعله الله في قلبه)).