الاعتراض الأول: أنه لم يتواتر إلا جملة القرآن لا أفراده بدليل إنكار ابن مسعود المعوذتين والفاتحة، وأثبت أبي خمس سور، ونفاهن ابن مسعود، وأثبت زيد بن ثابت ثلاثاً منها، واختلف في البسملة إلى غير ذلك من الاختلاف الذي يدل على عدم تواتر مفردات القرآن، ومع ذلك إنه لم ينكر على هؤلاء في نفي ولا إثبات، ولا نقص ذلك من قدرهم، ولا كفر أحد من خالفه، ولو كان مما يشترط فيه التواتر في مفرداته لوقع التكفير بالزيادة والنقص، إذا عرفت هذا فمن الجائز في آيات التحدي أن تكون مزيدة في القرآن، وليست منه، أومنه ولكن لم تنزل إلا بعد استقرار الإسلام، وقهر العرب، وقوة المسلمين بحيث لا يتمكن المشركون من المعارضة، وحينئذ فلا يمكن القطع بعجزهم عن المعارضة.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن التفاصيل كالجملة في التواتر لا فرق بينهما إلا أن التفاصيل ربما احتاجت إلى البحث، والذي يدل على عدم الفرق بينهما العلم الضروري بأنه لو زاد أحدنا في القرآن لفظة أو حرفاً، أو نقص منه ذلك لعلمه كل من يقرأ القرآن حتى الصبيان فضلاً عن العلماء، وليس ذلك إلا لتشدد أهل الإسلام في حفظ القرآن ومنعه من التغيير، وإذا كان هذا التشديد في الزمن المتأخر، فالمعلوم ضرورة أن الصحابة إن لم يكن تشددهم أعظم فهو لا يقصر عن تشدد غيرهم.
الوجه الثاني: أنه لو أمكن القول بزيادة آيات التحدي لأمكن أن يقال بزيادة أقيموا الصلاة وغيرها بل سائر القرآن، ومعلوم فساده.
الثالث: أن هذه الآيات مسموعة، والتحدي قائم على وجه الدهر، والفصحاء موجودون بكثرة؛ فيجب أن يأتوا بمثله ليظهر فساد التحدي، والمعلوم أن أحداً لم يقدر على معارضته إلى يومنا هذا.
فإن قيل: إن الفصاحة قد نقصت ولو ظهرت تلك الآيات في أيام توفر فصاحة العرب لعارضوه.
قيل: لا نسلم فإن في خطباء الأزمنة المتأخرة من الفصاحة والتفنن فيها ما لا يوجد في العرب، وغايته نقص الفصاحة في الشعر، وهي لا تتعلق بما نحن فيه.
وأما ما روي عن ابن مسعود فقد مر جوابه في الفاتحة، وبمثله يجاب عن سائر ما نقل عن غيره، على أن هذه الروايات آحادية لا يعارض بها المتواتر الذي قد ظهر ظهور الشمس، وأما البسملة فقد مر الجواب على عدم تخطئة المثبت والنافي في مباحثها.
الاعتراض الثاني: أن آيات التحدي وإن كانت متواترة فلانسلم أن الغرض منها التحدي والاستدلال على نبوته بالقرآن؛ إذ لو أريد بها ذلك لاشتهر كما اشتهر ادعاؤه للنبوة، ولم ينقل أحد من أصحاب الأخبار أنه استدل على نبوته بالقرآن، ولم ينقل أن من آمن به لم يؤمن إلا لدليل القرآن، فثبت أن القرآن ليس بمعجزة، وإنما ذكرت آيات التحدي فيه على ما يعتاده الشعراء والخطباء من الدعاوي العظيمة في أثنا الشعر والخطبة.
والجواب:أن هذا إنكار لما هو معلوم بين الأمة وغيرهم، فإن المعلوم عند كل من عرف أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ادعى النبوة من المؤمنين والفاسقين والكافرين أن القرآن معجزته العظمى، وأنه تحدى به العرب، واستدل به على نبوته، وإنكار ذلك سفسطة.
قوله: لم ينقل أصحاب الأخبار...إلخ.
قلنا: بل نقلوه كما في إسلام عمر والبراء بن عازب وغيرهما كما تضمنته كتب التاريخ.
الأصل السابع: أنه لما تحداهم به عجزوا عن معارضته ولم يأتوا بشيء مما تحداهم به، وذلك ظاهر فإن الدواعي إلى نقل معارضته أقوى من الدواعي إلى ينقل القرآن نفسه، فلا يجوز أن ينتقل أحدهما ولا ينقل الآخر، وإنما كانت أقوى؛ لأنها ألطف وأشرف، والتعجب منها أظهر لما فيه من إبطال أمره، فكيف يجوز أن يقال لعلها وقعت ولم تنقل، هذا مع أنه قد نقل من المعارضات ماهو دون هذه المعارضة في الغرض، كمعارضه جرير، والفرزدق، وامرئ القيس، وعلقمة، بل قد نقلت المعارضات الركيكة كمعارضة مسيلمة، وابن المقفع، ثم إنا لو جوزنا معارضة يشتبه الحال فيها لوجب على الله أن يوفر الدواعي إلى نقلها؛ لأنها هي الحجة حينئذ فكيف تخفى وتظهر الشبهة، وقد أورد على هذا الأصل اعتراضات:
الاعتراض الأول: أن من الجائز أن يكونوا قد عارضوا، لكن منعهم خوف المسلمين من نقلها.
والجواب: أن الخوف إنما يمنع من الظهور والاشتهار لا النقل فلا يمنعه؛ بدليل أنه قد نقل أقوال المنكرين للصانع والسابين للرسل، ولم يمنع من ذلك خوف المسلمين، وأعظم شاهد ودليل ما نال شيعة أمير المؤمنين عليه السلام من بني أمية وتوعدهم إياهم على إظهار مناقبه حتى كتموها خوفاً وفرقاً، وبالغ أعداؤه في طمس فضائله وكتمها فخرج من بين الكتمين ما ملأ الخافقين، ولم يؤثر الخوف إلا في ظهورها واشتهارها في أيام بني أمية، وأما نقلها وروايتها فلم يؤثر في منعه بحال، وبعد فكان أعداء محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عزة ومنعة، وفي غير أرضهم مواضع يمكنهم إظهار المعارضة فيها كبلاد فارس والروم وغيرها، وأيضاً لو جوزنا ذلك لجاز لقائل أن يقول: إنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنبياء إلا أن المسلمين قتلوهم ولم يجسر أعداؤهم على نقل ذلك للخوف، وكذلك يقال في زمن موسى وعيسى عليهما السَّلام ، والمعلوم أنه لو ادعى ذلك مُدَّعٍ لَكَذبه العرب والعجم، ثم إن المعارضة لو كانت لوجب نقلها لما مر، وقد نقل منها معارضة مسيلمة وابن المقفع مع أنها غير معارضة لركتها وسماجتها.
الاعتراض الثاني: أنهم إنما تركوا معارضته؛ لأنه مما يتكلمون في أشعارهم ومنثور كلامهم بمثله، فلا يكون للمعارضة معنى لوجود ما يدل على المعارضة، كما لو ادعى النبوة وقال: معجزتي أني أقعد وأقوم وأنتم لاتقدرون على ذلك، فإن حصول ذلك عندهم على العادة كاف في إبطاله.
والجواب: أن المعلوم ضرورة أنه كان متميزاً عن كلامهم بزيادة في فصاحته وبلاغته، على أنه لو كان الأمر كما قلتم لجرى منهم ما يجري مجرى الاستهزاء لقضاء العادة بذلك، ولما أجمع عليه العقلاء، هذا مع أنهم قد اعترفوا بتميزه عن كلامهم، وعن السحر والكهانة، كما حكى ذلك القاضي عياض وغيره.
الاعتراض الثالث: أن تركهم المعارضة لأنهم ليسوا من أهل النظر والجدال، وإنما عادتهم القتال ومصاولة الأقران فعدلوا إلى ما يعتادونه، ومن الجائز أنهم لم يعلموا أن المعارضة تبطل أمره، ويجوز أيضاً أن يكونوا عدلوا إلى قتاله لأنهم أرادوا استئصاله، ومع هذه التجويزات لا يكون عدم المعارضة دليلاً على عجزهم عنها.
والجواب: أن المعلوم من حال العرب معرفتهم لطريق المعارضة والجدال، بل كانت مفاخرتهم بالقصائد الفصيحة، والخطب البليغة، ولذا لم يأت شاعر بقصيدة إلا ويوجد من يعارضه فيها، وهذا معروف من حال شعرائهم كامرئ القيس وعلقمة وأشباههما.
قوله: ومن الجائز أنهم لم يعلموا ...إلخ.
قلنا: هذا باطل فإن كل أحد يعلم أن خصمه إذا أتى بأمر وادعى لمكانه منزلة عظيمة، وتحداه بمعارضته، فإنه متى عارضه فقد أبطل دعواه،وهذا مما لا يخفى حتى على الصبيان؛ ألا ترى أن صبياً لو تحدى صبياً آخر،وقال: إني أطفر هذا الجدول وأنت لا تقدر عليه فإن الآخر يعلم أن دعواه تبطل بطفره ذلك الجدول.
قوله: ويجوز أنهم أرادوا استئصاله.
قلنا: وهذا باطل أيضاً فإنه لا يجوز على عاقل أن يقدر على إبطال أمر خصمه بالأمر السهل فيعدل إلى ما فيه كلفة ومشقة، وتعريض بالنفس إلى الفناء والهلكة، لا سيما وهم لايقطعون بأنهم يغلبونه، بل يجوزون أن تكون الدائرة عليهم، وهذا معلوم حتى للصبيان كما مر فإن الصبي لا يعدل إلى قتل صاحبه مع إمكان الظَّفر منه، وكيف يقال: إن عدولهم عن المعارضة إلى قتاله لقصد استئصاله مع أنهم لو قتلوه لكانت الحجة عليهم ألزمَ؛ لأن لأصحابه أن يقولوا قتلتم نبياً من أنبياء الله، وأيضاً النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يستهان بقتاله؛ لأنه كان في منعة عظيمة في قومه بحيث لا يقدر معها العدول إلى قتاله إلا عند عجزهم عن إبطال أمره بغيره.
الاعتراض الرابع: لعلهم إنما تركوا معارضته؛ لأنه جمع القرآن في مدة طويلة، وطلب منهم معارضته في أيام يسيرة، فلما لم يمكنهم ذلك في تلك المدة عدلوا إلى القتال.
والجواب: لو كان الأمر كذلك لا عتذروا بأنه لم ينصفهم بالإمهال، وبعد فإنه قد تحداهم بأن يأتوا بسورة كما في هذه الآية، ومن السور ما هو ثلاث آيات، ومثله مما لا يحتاج إلى مدة طويلة، وأيضاً كان يمكنهم أن يأمروا فصحاءهم بمعارضته والنظر فيها وهم يشتغلون بقتاله، فلما لم يقع شيء من ذلك دل على أن عدولهم إلى القتال للعجز.
الاعتراض الخامس: أن هذا الأصل مبني على أنهم كانوا أهل حرص على إبطال أمره، وهذه دعوى ومهما لم تثبت فلا يكون تركهم المعارضة دليلاً على عجزهم.
والجواب: أن العلم بذلك ضروري، ويزيده وضوحاً ما في إبطال أمره من المنافع العائدة عليه، ودفع المضار المتعلقة بهم في منافعهم سلامتهم من الانقياد له وبقاء رئاستهم وعبادة آلهتهم، وما اعتادوه من عوائدهم، ومن المضار المدفوعة عنهم فوت الرئاسة، وتسفيه أحلامهم، ودخولهم تحت أمره ونهيه، وكسر آلهتهم وذمها إلى غير ذلك.
الاعتراض السادس: أن خبر التحدي لم ينقل أنه بلغ إلى كل واحد من العالمين فإنا نعلم ضرورة أن أهل الهند والصين، وسائر الأطراف الشاسعة لم يعلموا وجود محمد صلى الله عليه وآله وسلم في زمانه فضلاً عن نبوته وتحديه بالقرآن، ومن الجائز أن يكون في من لم يبلغه ذلك من يقدر على المعارضة، وإذا كان الأمركذلك لم يكن عجز من بلغه التحدي دليلاً على أن القرآن معجز، وإلا لكان الحاذق في حرفته إذا تحدى أهل قريته بحرفته فعجزوا عنها كان نبياً، وذلك ظاهر الفساد.
والجواب: أن فصحاء العرب إذا عجزوا عن المعارضة فعجز غيرهم بالأولى، وتقدير وجود فصيح لم يبلغه التحدي لا يضر؛ لأن فصاحته إن لم تبلغ فصاحة القرآن كان مثل الحاضرين، وإن بلغت ذلك فحكمه حكم من قدرنا قدرته على مثل القرآن من الجن والملائكة، وسيأتي الكلام عليه.
الاعتراض السابع: أن من الجائز أن قريشاً تركت المعارضة محاولة منهم لطلب الملك والرئاسة بسبب ذلك المدعي للنبوة؛ لأنه منهم، وإظهارهم لمعاندته وقتاله إنما هو من السياسة بأن يظهروا عداوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم أظهروا العجز عن معارضته ليتم غرضهم.
والجواب: أن خلاف ذلك معلوم ضرورة.
الاعتراض الثامن: أنه لا سبيل إلى القطع بأنهم لم يعارضوه، وقولكم لو وقع لاشتهر لأنه من الأمور المستعظمة، باطل؛ فإنه لا يجب اشتهار كل أمر مستعظم.
والجواب: أن السبيل إلى القطع موجودة، وهي أن المعارضة لو وجدت لظهرت وتواترت؛ لأن الداعي إلى فعلها وهو إبطال أمره صلى الله عليه وآله وسلم هو بعينه الداعي إلى إظهارها؛ إذ لايبطل أمره إلا بإظهارها لا بمجرد فعلها، ولو ظهرت لتواترت لما نعلمه ضرورة من حرص اليهود والنصارى وغيرهم على إبطال أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونقل ما يدل على كذب دعواه في حياته وبعد وفاته إلى زماننا هذا ولا مانع لهم يقدر إلا خوف المسلمين، وذلك إنما يلزم لو طبقت شوكة المسلمين أقطار الأرض، والمعلوم خلافه فإن أكثر الأقطار كفرية وهم في القوة والسطوة في الغاية التي ينتفي معها خوفهم من المسلمين، فثبت أن السبيل إلى القطع موجودة.
قوله: لا يجب اشتهار كل الأمور المستعظمة.
قلنا: ما توفرت الدواعي إلى نقله منها وجب القطع باشتهاره، ومنه معارضة القرآن فإنها لو وجدت لوجب اشتهارها لما ذكرنا.
الاعتراض التاسع: أنهم إنما تركوا المعارضة لاشتمال القرآن على مالم يعرفوه من الأقاصيص والمغيبات، لا لعجزهم عن الإتيان بمثله في الفصاحة.
والجواب: أن القرآن لم يختص بالأقاصيص والمغيبات، فلو لم يمنعهم إلا ذلك لعارضوه في سائر أنواع الكلام، وأيضاً ليس المطلوب منهم معاني تلك الأقاصيص، بل يرضى منهم بأن يفعلوا أقاصيص من تلقاء أنفسهم، ثم يكسونها تلك العبارات؛ إذ معنى التحدي معلوم عندهم، فإنهم إنما كانوا يتحدون بالنظم واللفظ لابالمعاني؛ ألا ترى أن علقمة عارض قول امرئ القيس:
ذهبت من الهجر ان في كل مذهب
بقوله:
خليلي مرّا بي على أم جندب
مع أن أحدهما في الوصال والآخر في الهجران،وأيضاً كان يمكنهم الاستعانة باليهود لمعرفتهم ما في القرآن من القصص، بل قد تحدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهود به، وعجزوا عن المعارضة وفيهم العلماء، وبعد فإن العرب قد بعثوا إلى الفرس يطلبون منهم القصص، وجمعوا من ذلك شيئاً كثيراً، ثم عجزوا عن جعله معارضاً للقرآن .
الأصل الثامن: أن عجزهم دليل نبوته، والدليل عليه أنها قد حصلت حقيقة المعجز فيه،وتكاملت فيه شرائطه، فوجب أن يكون معجزاً دالاً على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم ، وعليه اعتراضان:
الاعتراض الأول: أن عجزهم لا يكون دليلاً على صحة دعواه، إلا إذا حصل القطع بأنه لا فاعل له إلا الله، ولا قطع بذلك؛ لأن من الجائز أن يمكن الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من الفصاحة ما لم يمكن غيره، ولذا قال: ((أنا أفصح العرب)) ويكون الحال فيه صلى الله عليه وآله وسلم كالحال في أهل الحرف والصناعات، فإنه قد يوجد فيهم من لا يساويه أحد في الحرفة المعينة التي اشتركوا في صناعتها.
والجواب من وجهين:
أحدهما: ما أجاب به الرازي، والسيد مانكديم وغيرهم وهو أنا نعلم ضرورة أن الرجل لا ينشأ في العرب و يأخذ اللغة عنهم ثم يأتي بما يعجزون عنه جميعاً، يعلم ذلك بالعادة المستمرة، وضعفه الإمام المهدي، وقال: لا مانع من ذلك، فإن العمارات التي من أساس المتقدمين من التبابعة وغيرهم لا يقدر أحد من أهل الأزمنة المتأخرة على مثلها ضرورة، ولا يعد ذلك معجزة قطعاً، وكذلك كثير من الفصاحات والصناعات، لا يبعد عجز أبناء جنس من اختص بهما عنهما.
قلت: وفيه نظر فإن عجز المتأخرين إنما كان لنقص بنائهم وقواهم عن أولئك المتقدمين، فكأنهم ليسوا من أبناء جنسهم، ولو قدرنا في المتأخرين من يساويهم في ذلك لم نقطع بالاستحالة، وهذا بخلاف الحرفة والفصاحة، فإن أبناء الجنس موجودون، فلا يبعد أن يوجد فيهم من يقدر على مثل فعل هذا المختص.
قوله: ولم يكن ذلك معجزاً.
قلنا: إنما لم يعد معجزة لعدم اقتران دعوى النبوة به، ولو قدر فعله من أحد المتأخرين وقارنهُ دعوى النبوة لكان معجزاً؛ لأنه فعل خارقاً بالنسبة إلى المبعوث عليهم وادعاه شاهداً.
الوجه الثاني: ذكره الإمام المهدي ونحوه للرازي في التفسير، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كان هو الذي جاء بالقرآن من جهة نفسه لم يأمن أن يكون في العالم من يمكنه أن يفعل مثل فعله، ولا يمكنه القطع بعدم ذلك، كما أن أحدنا إذا قدر على أمر لم يقدر على مثله أحد من أبناء جنسه، فإنا نعلم ضرورة بأنه لا يقطع بأنه ليس في العالم من يقدر على مثله، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجوزاً وجود من يقدر على مثل فعله، فالمعلوم من حاله في التنزه عن كل ما ينقصه ضرورة أنه لا يقدم على تحديهم، والإخبار لهم على سبيل القطع بأنهم لا يأتون مثله لوفور عقله، وظهور فضله، وتباعده عما ينقصه أو يشينه، فلما تحداهم، وقرعهم بقوله: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا}[البقرة:24] ونحوها، علمنا أنه كان قاطعاً بصحة خبره ونبوته، وأنهم عاجزون عن معارضته، ولا يكون قاطعاً بذلك إلا إذا كان ذلك الكلام خارجاً عن طويق البشر.
قال الإمام المهدي ما معناه: وفي إخباره على سبيل القطع بأنهم لايأتون بمثل أصغر سورة ولو اجتمعوا، دليل قاطع على أنه عالم أنهم لا يقدرون على ذلك، وإلا كان متعرضاً لتجهيل نفسه، وتكذيبها، وبخسها على رؤوس العالم، والمعلوم ضرورة من حال كل عاقل أنه لا يرضى بتشويه نفسه بأنواع التشويهات، ولا يتعرض لأمر لا يأمن فيه أن يكون بسببه مشوهاً لنفسه، ومنقصاً لها، فكيف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو كان هو الذي جاء بالقرآن من تلقاء نفسه لعلم هو قطعاً أنه إذا قدر على جميعه فإنه يمكن غيره أن يأتي بقدر ثلاث آيات منه بالغة في الفصاحة مبلغه، كما نجد من أنفسنا العلم الضروري بذلك في نظائره، ومع قطعه بذلك كان تحديه بأقصر سورة منه شاهد عدل، بل طريقاً يفيد الضرورة أنه عالم عند تحديهم بعجزهم عن ذلك، وإلا كا ن معرضاً نفسه للنقص، ودعواه للإبطال.