قلت: فثبت بما ذكرنا أن مثل ذلك لا يعارض به المعجز؛ لأنه لا يكون إلا بتعلم وممارسة وشروط، وكذلك القول في السحر فإنه لا يحصل إلا بشروط مخصوصة في أوقات مخصوصة، ولا يكون بحسب الاقتراح بخلاف المعجزات.
الوجه التاسع: اتفاق الأنبياء على التوحيد والدعاء إلى الله والترغيب فيما لديه، الأول منهم يبشر بالثاني، والثاني يؤمن بالأول لا ينقم أحدهم على الآخر، ولا ينقصه، وأرباب السحر والشعبذة بل وأرباب الكرامات من الأوليا والعلماء التي يعدها بعضهم خوارق تجري بينهم المعارضات والمنافسة،والدالة على ارتفاع العصمة عنهم التي هي من لوازم النبوة.
العاشر: أن صاحب المعجزات يفارق أصحاب الحيل في هيئته وزيّه، وروائه وكلامه وأفعاله، وفي كافة أحواله، هذا همه تقوى الله ونورها يتلألأ في وجهه، ولوائح الخيرات تعرف منه في جميع شئونه، وصاحب الحيل همه الدنيا وأهلها من الملوك وغيرهم يعرف في وجهه الشر، والخداع والغدر، اشتغاله ومرمى آماله استمالة الناس إليه، وجمع حطام الدنيا لديه، وهذا فرق جلي لا يجهله إلا غبي.
فهذه جملة الوجوه التي يتميز بها النبي من الساحر، والمعجز من الحيلة، فمن كابر بعد ذلك وجحد، وادعى عدم التمييز فهو الخصم الألد، الذي لا يجارى ولا يناظر.
واعلم: أنما ذكرناه من وجوه المعجز والشروط الفارقة بينه وبين السحر والحيل تدل على أن العلم بالمعجزات استدلالي، وإلا لما احتجنا إلى معرفة تلك الشروط والفروق، وهو ظاهر إطلاقات كثير من أصحابنا، ويؤخذ من كلام بعضهم أن منها ما يعلم ضرورة، ومنها ما يعلم دلالة، ففي المنهاج ما لفظه:

قال شيوخنا: وكثير من المعجزات يعلم بالضرورة إعجازها ومفارقتها للسحر والحيل، ولهذا اعترف سحرة فرعون بمعجزة موسى عليه السلام وهم أعلم الناس بالسحر، ووصف الله قوم فرعون بالجحود في قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا...} الآية[النمل:14] ولا يوصف بذلك إلا منكر الضرورة، وأقول ليس في اعتراف السحرة بمعجزة موسى عليه السلام وإخبار الله عن قوم فرعون ما يدل على أنهم علموا ذلك ضرورة؛ إذ من الجائز أن يكونوا علموا ذلك استدلالاً فاعترف السحرة، وجحد الآخرون بعد معرفتهم لصدقه بالنظر فأخبر الله عن جحودهم بعد علمهم النظري، ولا نسلم أنه لايوصف بالجحود إلا منكر الضرورة، بل يوصف به منكر المعلوم سواء علمه ضرورة أو دلالة، ولذا قال علي عليه السلام : (الذي تشهد له أعلام الظهور على إقرار قلب ذي الجحود) فإنه يدل على أن الجاحد قد يكون مقراً بقلبه بإثبات الصانع لقيام الدليل عليه، وهو أنواع العالم المعبر عنها بأعلام الظهور فسمى إنكاره جحوداً مع أنه إنما أنكر ماعلم دلالة، هذا وأما كيفية دلالة المعجز على صدق مدعي النبوة فقد اختلف في ذلك، فعند أصحابنا أن دلالته عقلية محضة كدلالة الفعل على وجود الفاعل، ومعناه: أن من وجد على يديه المعجز فهو نبي صادق لدلالة المعجز على صدقه؛ إذ لو لم يكن صادقاً لقبح عقلاً إيجاد المعجز على يديه؛ لأن تصديق الكاذب قبيح فيمتنع وقوعه من الله تعالى من حيث الحكمة كسائر القبائح، ولهذا ألزموا المجبرة لما نفوا القبح العقلي لجواز خلق المعجز على يد الكاذب، وقالت الأشاعرة: ليست عقلية محضة؛ لأن الأدلة العقلية مرتبطة بمدلولاتها، ولا يجوز تقديرها غير دالة عليها، والمعجز ليس كذلك فإن خوارق العادات عند قيام الساعة من انفطار السماء وانتثار الكواكب واقعة، وليست دالة على النبوة قطعاً لانتفاء الرسالة في ذلك الوقت، وكذلك تكون الخوارق على يدي الأولياء وغيرهم وهي غير دالة على صدق مدعي النبوة، وإذا كان

المعجز قد يتخلف مدلوله عنه وهو دلالته على صدق نبي ثبت أن دلالته ليست عقلية، وإنما هي دلالة عادية، ومعناها أن الله تعالى أجرى عادته بخلق العلم بالصدق عقيب ظهور المعجز، قالوا وإظهار المعجز على يد الكاذب وإن كان ممكناً عقلاً فانتفاؤه معلوم عادة، فإن من قال أنا نبي، ثم نتق جبلاً واوقفه على رؤوس قومه، ثم قال: إن كذبتموني وقع عليكم، وإن صدقتموني انصرف عنكم فكان كلما هموا بتكذيبه قرب منهم، وكان كلما هموا بتصديقه بعد عنهم يعلم بالضرورة أنه صادق، والعادة قاضية بامتناع ذلك من الكاذب مع كونه ممكناً صدوره من جهته عقلاً لشمول قدرة الله تعالى للمكنات بأسرها، وقد ضربوا لهذا مثلاً وهو أنه لو ادعى رجل بمشهد الجم الغفير أن هذا الملك أرسله إليهم، ثم قال للملك: إن كنت صادقاً فخالف عادتك، وقم من على سريرك واقعد في مواضع الأتباع والحشم، ففعل كان ذلك نازلاً منزلة تصديقه بصريح المقال، ولم يشك أحد في صدقه بقرينة الحال والمقام، وهي ما نعلمه ضرورة من جهة العادة أن فعل هذا الملك يفيد تصديق المدعي للرسالة، فكذلك في المعجزة، وفي المواقف وشرحها عن بعض الأشعرية أن خلق المعجز على يد الكاذب غير مقدور في نفسه؛ لأن دلالة المعجز على صدق مدعي النبوة دلالة قطعية يمتنع تخلفها، فلا بد لها من وجه دلالة؛ إذ به يتميز الصحيح من الأدلة عن غيره وإن لم يعلم ذلك الوجه بعينه، وأيضاً لو خلق المعجز على يد كاذب لم يخل من أحد أمرين، وهما الدلالة على صدقه، أو عدم الدلالة، وكلاهما باطلان.
أما الأول: فلأنه يلزم منه أن يكون الكاذب صادقاً وهو محال.
وأما الثاني: فلما فيه من انفكاك المعجز عما يلزمه من الدلالة القطعية.

والجواب:عما ذكروه أن نقول: أما استدلالكم على أن دلالة المعجز غير عقلية لوجود الخوارق عند قيام الساعة، فباطل لما مر من أن الكلام في المعجزات الخارقة مع بقاء التكليف، وأما قولهم بوجودها على يد الأولياء وغيرهم، فغير مسلم سلمنا فنقول: الباري تعالى عدل حكيم لايوقع عباده في لبس، فلا بد وأن يفعل ما يزيل اللبس إما باعتراف من وقعت على يديه بالنبوة لغيره، أو عدم دعوى النبوة، وإلا لم يجز من الله فعلها، وهؤلاء إنما جوزوها على يد الكاذب والساحر وإن أوقعت في اللبس بناء على قولهم أنه لا يقبح من الله قبيح.
فإن قيل: المعلوم أنه قد يتفق من أهل الكهانة والعارفين بالخواص التي أودعها الله بعض الأجسام ونحوهم ما يلتبس بالخوارق، والذي يخفى عليه علل ذلك وأسبابه لايأمن في المعجزات أن تكون من هذا القبيل خصوصاً من العوام الذين لايعرفون حقيقة المعجز ولا شرائطه، وربما كان ذلك سبباً لاتباعهم من ادعى النبوة من هؤلاء، كما قد وقع ذلك على ما في كتب التاريخ، فبماذا يميز الناظر المعجز عن غيره، وكيف جاز من الله تمكينهم مما يوقع في اللبس.
قيل: الناظر في صحة المعجز لا بد أن ينتهي إلى وجه يعلم به المعجز ويميزه عن غيره، فإن لم يهتد إليه نظره وجب على الله تعالى الخاطر المنبه على ذلك كما في سائر أدلة أصول الدين، فإن ضل بعد ذلك كان قد أتي من جهة نفسه كما مر في مسألة الناظر، وتمكينهم من ذلك قد يكون زيادة في التكليف، ولا قبح فيها. والله أعلم.

وأما قولهم: إن الله تعالى أجرى عادته بخلق العلم بالصدق عقيب ظهور المعجز، فقد مر جوابه في المسألة السادسة من المقدمة،وقولهم في النبي إذا نتق الجبل إن العادة قاضية بامتناع ذلك من الكاذب،دعوى لادليل عليها،بل العقل الذي حكم بامتناع وقوعه لقبح تصديق الكاذب والله لايفعل القبيح،وقولهم في المثال:إنا نعلم بالضرورة العادية أن فعل الملك تصديق لمدعي الرسالة،معلوم البطلان،بل نعلمه بالدلالة العقلية، وهي أنه لولم يقصد بذلك الفعل تصديق المدعي لكان فعله عبثاً وجهلاً وسفهاً،وهذا واضح،وأما قول بعضهم إن خلق المعجز على يد الكاذب غير مقدور،فمبني على أن الله تعالى لا يقدر على فعل القبيح،وقد مرالخلاف في المسألة وجوابات أصحابنا على القائل بذلك في المسألة الثامنة مما يتعلق بقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وأما قوله إنه يمتنع تخلف دلالة المعجز على الصدق، فقد مر جوابه في المسألة السابعة من مسائل الحمد لله.
الموضع الرابع: في أن القرآن معجزة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا خلاف بين المسلمين في كونه معجزاً، والذي يدل على ذلك أنه قد ادعى النبوة وجاء بالقرآن، وادعى أنه معجزة له، ووجدنا فيه حقيقة المعجز وشرائطه، فدل على ماذكرنا.

واعلم: أن بعض أصحابنا يجعلون هذه الأدلة مبنية على ثمانية أصول، وهي أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم موجود، وأنه ادعى النبوة، وأنه أتى بالقرآن، وأنه لم يأت به غيره، وأنه جعله حجة له على صدق دعواه، وأنه تحدى العرب بل الجن والإنس أن يأتوا بمثله فلم يأتوا بشيء، وأنه يعلم بذلك عجزهم، وأن عجزهم دليل نبوته، وهذه الأصول منها ماهو معلوم ضرورة، ومنها مايعلم مما تقدم في حد المعجز وشرائطه، إلا أن في إفرادها بالذكر والكلام على كل واحد منها ودفع ما يرد عليه من التشكيكات والاعتراضات مزيد تحقيق، وطمأنينة قلب، ولأجل ذلك استحسنا الإتيان بها كاملة، وتفصيل الكلام عليها على وجه بديع، واستكمال لما يتعلق بها من الإشكالات، وردها بأوضح رد وأكمله وفي ذلك من الفوائد ما لا يخفى على من له رغبة في العلوم، واليقين بما كلفه بها الحي القيوم، فنقول:
أما الخمسة الأُوَلُ، وهي وجوده وما بعده آخرها أنه جعله حجة له، فالعلم بها ضروري بالتواتر.

قال السيد مانكديم: ولا مانع يمنع من حصول العلم بهذه الأشياء وما جانسها اضطراراً، فإن العلم بالملوك والبلدان وكون المصنفات منسوبة إلى مصنفيها ضروري، وقد أورد على دعوى الضرورة اعتراضات أكثرها في التشكيك في وقوع التواتر وفي إفادة العلم، ولم نذكرها في هذا الموضع؛ لأنها غير قادحة فإن كل أحد يعلم من نفسه ضرورة أنه لا يشك في واحد من هذه الأصول؛ ولأن إيرادها يستدعي الكلام على ماهية التواتر وشرائطه وأدلة إفادته العلم، وما يتعلق به من الخلاف، وفي ذلك تطويل للمسألة لغير موجب، ولأن التواتر وما يتعلق به مسألة مستقلة؛ إذ لا يختص بالاستدلال به هذا الموضع، بل يستدل به في مسائل، وسنذكر له إن شاءالله في الموضع اللائق به بحثاً مستقلاً نستوفي فيه أقسامه وأحكامه، ومن الاعتراضات على هذه الأصول أن قولكم إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أتى بالقرآن ولم يأت به غيره، غير مسلم؛ لأن المنقول تواتراً إنما هو جملة القرآن لا آحاده، ومن الجائز أنه طالع كتب من تقدم وأشعارهم وخطبهم فانتقى أجودها، وضم بعضه إلى بعض، فيكون هو المؤلف للمجموع، وإن كانت مفردات الآيات أو بعضها عمن تقدم، ويؤيده أنه كان إذا أعجبه كلام أدخله في القرآن كما أدخل قول كاتب الوحي فتبارك الله أحسن الخالقين، وقال له: اكتب فهكذا نزلت فارتد ذلك الرجل، ويدل على ذلك أيضاً أنه لم ينزل عليه القرآن جملة، وأن بعض مفرداته قد وجدت في شعر من تقدمه كما روي في شعر امرئ القيس:
وقدور راسيات .... وجفان كالجوابي
وفي شعر أسعد الكامل:
ملكتهم بلقيس تسعين عاماً .... بأولي قوة وبأس شديد

والجواب:أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تحدى به العرب ولوكان جمعه له كما ذكرتم لما تحداهم؛لأنه يعلم قطعاً أن غيره يقدر على مثل فعل لذكائهم، وفصاحتهم،ومعرفتهم بكلام من تقدمهم بحيث لايقدر العجز منهم عن مثل ذلك التأليف، والعاقل لا يتحدى غيره بما يعلم قدرته عليه، ومافيه نقضه ومعاكسة غرضه، وأما وجود مثل مفردات بعض كلماته فلا يقدح؛ لأن الإعجاز بما فيه من الفصاحة، وحسن النظم، والتركيب، وضم الآيات بعضها إلى بعض، ولذا قيل: إن المعجز منه لايكون أقل من ثلاث آيات، ومن الاعتراضات على أنه أتى بالقرآن وأنه لم يأت به غيره، أن من الجائز أن يكون الله تعالى بعث نبياً وأظهر القرآن عليه فقتله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وادعى النبوة لنفسه، وادعى القرآن معجزة له.
والجواب من وجوه:
أحدها: أنه لو جاز ذلك لما وثقنا بنبوة نبي، ولا شعر شاعر، ولا خطبة خطيب لتجويز مثل ذلك، والمعلوم خلافه.
الثاني: أنه لا يجوز من الله تعالى أن يمكن أحداً من قتل نبي قبل التبليغ؛ لأنه يجب على الله بقاء النبي وحفظه من كل آفة حتى يبلغ، ويصدقه بالمعجز، وإلا عاد على غرضه بالنقض، وهذا متفق عليه بين أصحابنا.
فإن قيل: نفرض أنه قد بلغ وأظهر المعجز.
قيل: لا يجوز من طريق العادة أن لا يعلم بذلك الرسول ولا بمعجزته أحد من الخلق سوى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بل نعلم ضرورة امتناع ذلك، وإذا كان ممتنعاً فنقول:
الواجب: على من علم دعوة ذلك النبي ومعجزته أن يظهر ما علمه ليعارض به دعوى الكاذب ويبطلها، والعادة قاضية بأنه لا بد من وقوع ذلك، ولما لم ينقل شيء من ذلك علمنا أن ذلك المفروض لم يقع.
فإن قيل: لعله لم يبعث إلا إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقط فصدقه وأخذ كتابه، ثم لما هلك ذلك النبي ادعاه معجزة له.

قيل: مثل ذلك لا يجوز؛ لأن من حق البعثة أن يكون لطفاً للمبعوث إليه، ولا تكون مفسدة، واللطف الواقع من جهة الله تعالى لا بد أن يلتطف به من فعل له، ولو قدرنا هذا التقدير خرجت البعثه عن كونها لطفاً إلى كونها مفسدة، وذلك لا يجوز من الله فعله، ولذا قلنا إنه لا يجوز بعثة نبي لا يجيبه أحد من الناس، بل لا بد أن يعلم أنه يلتطف به ملتطف، هكذا أجاب الإمام المهدي، قال عليه السلام : ولأجل هذا يضعف عندنا ما روي عن القاسم بن إبراهيم عليه السلام من قوله: إن بعض الأنبياء يأتي يوم القيامة ولم يجبه أحد.
فإن قيل: يجوز أنه قد التطف بها ملتطف بفعل واجب أو ترك قبيح، ثم إنه عصى فحبط ثوابه فجاء ذلك النبي وحده، ونقول مثل ذلك في هذه الصورة.
قيل: لو جاز ذلك لم يجز مثله في هذه الصورة؛ لأن المصلحة المفروضة قد عارضتها مفسدة.
الثالث: أنه قد ظهر على محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزات غير القرآن، وأيضاً في القرآن آيات كثيرة يجتمع منها أكثر من سورة نزلت بحسب ما عرض لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأحوال فهي معجزة كافية.
الوجه الرابع: ما ذكره الرازي حيث قال: إن الإنصاف في هذا الموضع أن كل عاقل إذا رجع إلى نفسه علم ضرورة أن هذا الاحتمال لم يكن، وإذا كان العلم الضروري حاصلاً ببطلانه أغنانا عن تكلف الجواب عنه.
الأصل السادس: أنه تحدى العرب بمعارضته، قال الموفق بالله وغيره: والعلم بذلك ضروري، قيل: لكن يحتاج إلى الفحص فإن من بحث عن أحواله صلى الله عليه وآله وسلم علم بالتواتر أنه كان يغشى محافل العرب ومجامعهم، ويتلو عليهم القرآن، ويلتمس منهم معارضته، وقيل: إن العلم بذلك استدلالي واستدلوا بوجهين:

أحدهما: أن المرجع بالتحدي إلى أنه يعتقد أن له مزية بسبب ما معه، وهذا كان حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع القوم، فإنه كان يعلم من حاله ضرورة أنه كان يعتقد أن له الفضل على الناس لمكان ما جاء به من القرآن، ويدعي المزية عليهم بسببه ويظهر ما جاء به، وذلك كاف في التحدي كالخطيبين إذا كان بينهما منافسة فإنه لا فرق بين أن يأتي أحدهما بخطبة يتحدى بها صاحبه، وبين أن يظهرها عليه.
الوجه الثاني: أن القرآن مشحون بآيات التحدي، ومنها هذه الآية التي نحن بصددها، وهي صريحة واضحة مشتملة على غاية التحدي ونهايته، فإنه تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، والسورة منه قد تكون ثلاث آيات، ثم بالغ في ذلك حتى قال: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ}[البقرة:23] فأمرهم بالاستعانة بشهدائهم كما في قوله: {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ}[يونس:38] ثم أخبرهم أنهم لايفعلون ذلك، وفي ذلك غاية التبكيت ونهاية التحدي، والدلالة على عجزهم، فإنه لو كان في مقدورهم الإتيان بشيء من معارضته لكان هذا الكلام والتسجيل عليهم حاملاً لهم على المعارضة ولو بسورة واحدة، وقد أورد على هذ الأصل اعتراضان:

185 / 329
ع
En
A+
A-