قال في شرح شفاء القاضي عياض: الآية والمعجزة يشتركان في الدلالة على صدقه، لكن الآية أعم؛ لأنه لا يشترط فيها مقارنة النبوة والتحدي، ثم اختلف القائلون بهذا الشرط فمنهم من شرط التصريح بالتحدي والمعارضة، ومنهم من لا يشترط ذلك، وقال قرائن الأحوال كافية مثل أن يقال له إن كنت نبياً فأظهر معجزة ففعل فيكون ظهوره دليلاً على صدقه، نازلاً منزلة التصريح بالتحدي، وفي (جمع الجوامع) أن التحدي الدعوى للرسالة، وهو يدل على أنه إذا أتى بالمعجزة عقيب الدعوى فقد تحداهم بها، سواء طلبوا منه إظهار المعجز أم لا، فيكون مغايراً للقول الذي قبله، ولا يخرج عن المعجز إلا ما تقدم النبوة، وقد صرح بذلك في شرح شفاء القاضي عياض، فإنه نص فيه على أن شق صدره صلى الله عليه وآله وسلم وتسليم الحجر عليه قبل البعثة ونحوه آية وليست بمعجزة، ثم قال: وأما قول السهيلي في بعض الخوارق إنها علامة للنبوة لا معجزة بناء على عدم اقترانها بالتحدي المشروط عنده، فرده ابن الهمام بأن أمره مبني على دعوى النبوة في كل زمان.
قلت: لعل السهيلي يشترط التصريح بالتحدي وطلب المعارضة، ومجرد دعوى الرسالة ليس بتحد عنده فلا يرد عليه هذا.
نعم: وأما أصحابنا فالظاهر أنهم لايشترطون هذا الشرط فإنهم لم يذكروه فيما حدوا به المعجز من الحدود، ولا فيما شرطوا فيه من الشروط، بل حدودهم تقضي بعدم اشتراطه، وممن صرح بذلك الإمام القاسم بن محمد في الأساس فإنه جعل المعرف بالنبوة معجزاً وإن لم يدعه النبي كخبر الثعلب، ففي تسميته معجزاً تصريح بعدم اعتبار التحدي، وإلا لما كان كلام الثعلب حجة على الرجل السامع، والحامل للأشاعرة على اشتراط هذا الشرط هو أنهم يجوزون ظهور الخوارق على يد الساحر ونحوه فألزمهم أصحابنا بعدم التمييز بين النبي والساحر فأجابوا بهذا، وقد صرح به النووي في شرح مسلم، فقال:
إن قيل: إذا جوزت الأشعرية خرق العادة على يد الساحر فبماذا يتميز عن النبي؟
فالجواب: أن العادة تنخرق على يد النبي والولي والساحر، لكن النبي يتحدى بها الخلق ويتعجزهم عن مثلها، ويخبر عن الله تعالى بخرق العادة بها لتصديقه، فلو كان كاذباً لم تنخرق العادة على يديه، ولو خرقها الله على يد كاذب لخرقها على يد المعارضين للأنبياء، ولا يخفى أنه لا يتحقق خلاف بين أصحابنا والأشاعرة على ما ذهب إليه صاحب الجمع من أن التحدي هو الدعوى. والله أعلم.
الشرط الثامن: أن يكون المعجز واقعاً عقيب دعوى النبوة، وفي كلام الإمام المهدي في موضع من شرح القلائد أن هذا الشرط متفق عليه.
واعلم:أن لوقوع المعجز ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون مقارناً لدعوى النبوة، ونعني بالمقارنة وقوعه عقيب الدعوى بلافصل ولا تراخ، وهذه الحالة لاخلاف في صحتها ودلالتها على التصديق.
الحالة الثانية: أن يتقدم عليها، وهذا مختلف فيه، فقالت البهشمية، والسيد مانكديم وغيره من أصحابنا، وهو قول صاحب المواقف، ورواه في الأساس عن البصرية: لا يجوز تقدم المعجز على الدعوى، ومعنى عدم جواز ذلك أنه لا يعد معجزة ولا يدل على صدق الدعوى المتأخرة، وليس مرادهم أنه لا يجوز وقوع الخوارق قبل دعوى المدعي للنبوة فإن ذلك جائز قطعاً ذكر هذا في المعراج.
وقال أبو القاسم البلخي: بل يجوز تقدمه ويحكم عليه بأنه معجز، ويكون إرهاصاً أي توطئة وتمهيداً لدعوى النبوة.
قال الإمام عز الدين: وهو يوافق على أنه لا يكفي، بل لا بد من معجز عقيب الدعوى، ومَثَّله بقصة الغمامة التي كانت تظل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض أسفاره من حر الهاجرة وتدور معه حيث دار، وبقصة الفيل فإنها وقعت عام مولده صلى الله عليه وآله وسلم .
قال الإمام عز الدين: أما قصة الفيل فإنما هي من كرامات البيت وآياته، ولا تعلق لها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام : يجوز تقدمه إن كان معرفاً بالنبوة كما في قول عيسى عليه السلام {وَجَعَلَنِي نَبِيّاً}[مريم:30] وهو في المهد فإنه معجز شاهد بصدق نبوته التي ستحصل له بعد تكليفه، وهو ظاهر كلام السيد مانكديم.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أن التصديق قبل الدعوة لايعقل؛ إذ لامعنى للمعجز إلا تصديق دعوى المدعي للنبوة، والمتقدم لا يكون تصديقاً؛ لأنه لا دعوى ولانبوة فتصدقهما.
فإن قيل: بل يكون تصديقاً لما سيأتي من الدعوى.
قيل: لا فائدة في تقديمه قبل الحاجة إليه فيكون عبثاً.
الوجه الثاني: أن المتقدم على الدعوى لا تعلق له بدعوى النبوة فهو معه ومع غيره على سواء، فلا يكون بالدلالة على صدقه أولى منه بالدلالة على صدق غيره، فيجوز أن يكون من الأمور الاتفاقية، والآيات الربانية التي لم يقصد بها التصديق لشخص دون آخر لعدم الخصوصية كما ذكرنا.
الثالث: أنه لو جاز تقدمه للزم تجويز كون المعجز الواقع عقيب الدعوى معجزة لنبي آخر سيأتي لا لمن ظهر على يديه؛ لأنه يصلح أن يكون لكل واحد منهما؛ لجواز التقدم فلا يقطع بكونه لأحدهما دون الآخر، فإذا كان تقدمه يؤدي إلى القدح في كونه تصديقاً قطعنا بامتناعه، واعترضه النجري وغيره بأنه إنما يلزم ذلك لو قيل: إن المتقدم دال على الصدق، وأما إذا لم يجعل كذلك، وإنما قيل: إنه إرهاص فلا بد أن يكون تقدمه من قبيل الألطاف الباعثة على تصديقه في المستقبل.
قلت: وبهذا يجاب عما في الوجه الأول من عدم التعقل ولزوم العبث.
احتج أبو القاسم بما مر من قصة الفيل والغمامة، وقال: هما آيتان معجزتان تقدمتا إرهاصاً لبعثته في المستقبل، واحتج أيضاً بكلام عيسى في المهد.
والجواب: أما الفيل فلا حجة فيه كما مر، وأما الغمامة فليست معجزة تدل على صدقه بنفسها، وإنما هي أمارة كون المعجز المتأخر دالاً على الصدق، ولا يمنع منه عقل ولا شرع فهو من قبيل الألطاف؛ لأن في تقديمها تقريباً إلى تصديق ما ادعاه، وتنبيهاً على أن فيه سراً سيظهر مثل ما ظهر عليه من الأمارات عند مولده عليه السلام وأيام صباه حتى كان بعضهم يتوسم فيه الخير، ويقول إن له شأناً، وأما كلام عيسى عليه السلام في المهد فهو بنى الاحتجاج به على مذهبه في أنه ليس بنبي، وأما على مذهب البصرية ومن وافقهم في أنه نبي في المهد فلا حجة له فيه، هذا ولا يخفى أنه لا يتحقق خلاف من جهة المعنى بين الجمهور، وأبي القاسم؛ لأنه يوافقهم في أن المتقدم لا يكفي في الدلالة على صدق الدعوى، وإنما هو إرهاص من قبيل الألطاف، والجمهور لا يمكنهم مخالفته في ظهور ما ظهر من كرامات نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قبل بعثته الدالة على عظم شأنه وعلو مكانه، وليس النزاع إلا في تسمية مثل ذلك معجزاً فالخلاف لفظي.
احتج الإمام القاسم على أن المتقدم إذا لم يكن معرفاً فليس بمعجز بأنه لادليل على كونه معجزاً وعلى كونه معجزاً إن عرف بأن الفائدة تحصل به، وهي الشهادة على صدق مدعي النبوة كما تحصل بالمقارن فلا وجه لمنعه.
فإن قيل: المتقدم يصير في حكم المنسي.
قيل: لا نسلم إذ يجب على الذين عرفوه وظهر لهم تذكره في كل وقت، كما يجب عليهم تذكر أحوال النبي المتقادم عهده الذي لم تنسخ شريعته؛ لأنه يجب على كل عاقل أن يعلم أنه لا بد لله من حجة يظهرها تدعو إليه، وتبين ما يريده من عباده.
الحالة الثالثة من حالات المعجز: تراخيه عن وقت الدعوة، وقد اختلف في ذلك فقال الإمام المهدي، والإمام القاسم بن محمد: يجوز تراخيه عن دعوى النبوة إذا أخبر به فقال: سيقع كذا ووقوعه دال على صدقي فوقع كما أخبر، وإلا فلا؛ لأنه إن لم يخبر به لم يتعلق به، وإن لم يطابق كان دالاً على كذبه.
قال النجري: ولا خلاف في جواز تأخره بهذين الشرطين، والظاهر وقوع الخلاف في ذلك،فإن السيد مانكديم والقرشي وغيرهما يمنعون من تأخيره لأنه إذا تراخى لم يتعلق به، فلا يكون بالدلالة على صدقه بأولى من الدلالة على تصديق غيره إلا إذا كان قد ثبت صدقه بمعجز عقيب الدعوى على الفور،فيجوز تراخي معجز آخر كما في إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتال علي عليه السلام ((الناكثين والقاسطين والمارقين)) وكثير من معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنما جاز التراخي حينئذ؛ لأنه قد ثبت صدقه بدلالة أخرى، والوجه في اشتراط تقدم معجز مقارن أنا مكلفون بتصديقه عند دعوى النبوة، فلا بد من معجز مقارن، وإلا كنا قد كلفنا بمالم نعلم وهو قبيح.
قال الإمام عز الدين: وفيه نظر فإنا إنما نكلف تصديقه عقيب ظهور المعجز فإذا كان لله حكمة في تقدم الدعوى وتأخر المعجز جاز ذلك، وتأخر التكليف بالتصديق، ولا مانع كما في تأخير بعثته من الأصل.
قلت: وهذا كلام حسن، وحجة واضحة، وقد روى الاتفاق عليه في المواقف، وجعل محل الخلاف وجه دلالة ذلك المعجز المتأخر، ولا بأس بإيراد حاصل كلامه ففيه تحقيق للمسألة وبيان موضع الخلاف، وحاصله: أن التأخر إما أن يكون بزمان يسير يعتاد مثله فلا بأس به، وإما أن يكون بزمان طويل كأن يقول معجزتي وقوع كذا بعد شهر فحصل، فاتفقوا على أنه معجز، ولكن اختلفوا في وجه دلالته، فقيل: إخباره عن الغيب فيكون المعجز على هذا مقارناً للدعوى لكن تأخر علمنا بكونه معجزاً، وإنما انتفى التكليف بتصديقه ومتابعته لانتفاء شرط التكليف وهو العلم بكونه معجزاً؛ لأنه لا يحصل إلا بعد وجود ما وعد به قبل حصول الموعود به، فيكون المعجز على هذا القول المتأخر عن الدعوى، واعترض بأن الحصول قد لا يكون خارقاً فلا يصح جعله معجزاً، و قيل: يصير إخباره معجزاً عند حصوله فيكون تأخره باعتبار صفته لا غير وهي كونه معجزاً، وفي الأساس وشرحه أنه مع التراخي يصير معجزين إن كان ما أخبر به خارقاً وهما وقوع ذلك الخارق وإخباره بالغيب، فإن لم يكن خارقاً فهو معجز واحد وهو إخباره بالغيب. ذكره ابن لقمان في شرحه.
الشرط التاسع: ذكره الإمام المهدي وهو أن يظهر المعجز مع بقاء التكليف، وإلا جوزناه خارقاً من جملة الخوارق الحادثة بعد ارتفاع التكليف، وقيل: لاحاجة إلى هذا الشرط؛ لأن الكلام فيما كلفناه من تصديق الأنبياء، ومع زوال التكليف فلا تكليف علينا في تصديقهم، بل لا فائدة في بعثة الأنبياء حينئذ؛ إذ بعثتهم تستلزم التكليف، بل قيل: إنه لا بد فيها من تكليف جديد.
الشرط العاشر: أن يصدر من عدل حكيم أو يكون في الحكم كأنه صادر منه كما مر، وهذا الشرط نص عليه السيد مانكديم، والقرشي، وذكره في الغياصة، وقال: هو ملاك الشروط وهو الذي يجري على قواعد العدل؛ لأنه لو لم يكن كذلك لجوزنا أن يصدق الكاذب فلا يدل المعجز على صحة النبوة، ولذا قال أصحابنا: إن المجبرة لا يمكنهم معرفة النبوات لتجويزهم القبائح على الله فلا يؤمن أن يظهر المعجز على غير صادق لعدم قبحه منه، وقد مر إلزام الأصحاب لهم بهذا، إذا عرفت هذا فاعلم أن المعجز متى استوفى ما ذكرناه من الشروط المعتبرة كان دالاً على صدق مدعي النبوة لا محالة كما سيأتي.
تنبيه [في الفروق بين المعجزة والشعبذة]
وما تقدم من ذكر حقيقة المعجز وشرائطه متضمن للفرق بينه وبين السحر والشعبذة وهي الحيل التي تعسر معرفة كيفيتها إلا باستنباط ونظر، ومعرفة خواص، أو بتعلم ممن تقدم منه ذلك؛ لأن الحيل كلها لا تحصل فيها تلك الحقيقة ولا تجتمع فيها الشرائط، ولما كان كثير من علماء الإسلام يصرحون بذلك الفرق بين ذلك وبين المعجز ولا يكتفون تضمنه الحد والشروط رأينا أن نتبعهم ونحذوا حذوهم في ذلك؛ لما في ذلك من الفائدة العظيمة في تقرير قواعد النبوة وتشييد أركانها، ودفع ما يشكك به أعداء الإسلام فيها فإن من ينفي النبوة يدعي أن هذه المعجزات التي هي طريقنا إلى إثبات نبوة الأنبياء" حيل لا يمتنع أن يظفر بعض الناس بمعرفة كثير من خواص الأشياء فيتأتى منه هذه المعجزات.
واعلم: أن المتكلمين وغيرهم قد فرقوا بين المعجز والشعبذة ونحوها من وجوه:
أحدها: ما تقدم من أن المعجز لا بد وأن يكون من فعل الله أو جارياً مجرى فعله بخلاف الحيلة.
الثاني: أن الحيلة يمكن تعلمها بخلاف المعجز، وذلك معلوم ضرورة فلا يحتاج إلى دليل فإنا نعلم من حال المشعبذين المعجزين بعلمهم غيرهم أنهم إنما أدركوا ذلك تعلماً واستنباطاً، أولخاصية عرفوها، كما روي أن سحرة فرعون شحنوا حبالهم وعصيهم زئبقاً، ومن خاصته أنه إذا حمي بحر الشمس اضطرب وتحرك وجرى.
الثالث: أن الحيل يُوقف على أصلها بعد البحث الشديد، ومعلوم أن أعداء الله ورسله لم يقفوا على أصل للمعجز مما يدعونه إلى وقتنا هذا مع شدة بحثهم في إبطال أمر الأنبياء".
الرابع: أن الحيلة لا تنفذ ولا تمضي إلا على من لا يتعاطى الحيل، ولا يكون له بها دراية، ومعرفة بخلاف المعجز فإنه يمضي على جميع الناس من أهل المعرفة بجنسه وغيره، ولذلك جعل الله معجزة كل نبي من الجنس الذي يتفاخر به أهل زمانه، ويبالغون في تعاطيه ليظهر عجزهم مع مبالغتهم فجعل معجزة موسى عليه السلام قلب العصا حية لما كان الغالب على أهل زمانه قلب الأجناس، وجعل معجزة عيسى عليه السلام إبراء الأكمه والأبرص؛ لما كان الغالب على أهل زمانه علم الطب ويتفاخرون به، وجعل معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن، وجعله في أعلى طبقات الفصاحة وحسن النظم؛ لما كان أهل زمانه يتفاخرون ويتباهون بذلك.
الخامس: أن المحتال لم تجر العادة بأنه يأتي بالأمر إلا وفى أهل زمانه من يشاركه في ذلك ويتأتى منه الإتيان بمثله ولا كذلك المعجز.
السادس: أن الحيل لا تكون إلا بتعلم وممارسة، وتفتقر إلى آلات وأدوات إذا فقد شيء منها لم تنفذ بخلاف المعجز.
السابع: أن المعجز يجب أن يكون خارقاً للعادة، والحيل مستنبطة في أمور معتادة مستمرة.
قلت: وبهذا الوجه يجاب عما يتوهم فيه من لايعرف معنى الخارق للعادة أنه في الخوارق مما يعمله النصارى في زماننا هذا من الأمور العجيبة والأشياء الغريبة من السيارات في الأرض بعمل النار التي تقطع في اليوم الواحد مسافة أيام، ومن الطيارات في الهواء التي لعلها تقطع في يومها مسافة سنة أو نحوها، والبرقيات التي تبلغ الأخبار من جهة إلى جهة في أسرع وقت، وكذلك الآلات التي بها ينقلون أصوات الخطباء، وأخبار الحروب وغيرها إلى جهات متفاوتة، وأقطار متباعدة، إلى غير ذلك من الغرائب فيقال في: ذلك كله ليس من الخوارق في شيء، وإنما حصل ذلك لهم لما عرفوه من خواص الأشياء وكيفية تركيبها كما يحصل للواحد منا معرفة الكتابة والبناء، وكيفية تركيب الحروف والأحجار ونحو ذلك، فكما أن هذا لا يعد خارقاً في حق من لايعرفه، فكذلك تلك الأمور التي ركبوها ورتبوها على وجه تحصل به ثمرة تلك الخواص المستودعة في مفرداتها أنها لاتكون خارقاً، ولذا فإن علمها عند أهلها ومن كان عارفاً بأصولها بمنزلة عمل البناء ونحوه عند أهله، فتنبه لهذا فإنه مهم، وأيضاً لو كانت أمراً خارقاً لما أمكن تعلمها، ولما احتاجت إلى آلات وتركيبات مخصوصة.
الثامن: أن الحيل التي هي من قبيل السحر والشعبذة لا حقيقة لها ولا أصل، وإنما ترى في الظاهر على وجه وهي في الحقيقة على خلافه، والمعجز على ظاهره، وما كان من الشعبذة على ظاهره كمن يمشي على يديه ورجلاه في الهواء ويمشي على الحبل الذي لا يعتاد المشي على مثله ويقعد عليه ويضطجع مع كون ذلك صحيحاً محققاً، فسببه ما يتفق لبعض الناس من خفة البدن، ومما رسة ذلك من وقت الصغر مع اعتياده لغذاء مخصوص تتأتى منه هذه الأفعال، ولرياضة النفس وتعويدها الصبر على الأمور الشاقة تأثير عظيم في حصول ما يراد بالرياضة، فقد روي أن بعض الصوفية كان يتعود الصبر عن الطعام أربعين يوماً، وفي تذكرة داود الأنطاكي مامعناه أن بعض من يدعي التصوف يأكل طعاماً مخصوصاً، ذكره داود، وقد زال عن ذهني معرفة جنسه فيصبر بعده عن الطعام أياماً، وإنما فعل ذلك إيهاماً للعوام أنه ممن راض نفسه حتى صارت تصبر عن تناول الطعام تلك المدة، ويروى أن ابن الزبير كان يصوم واصلاً قدر خمسة عشر يوماً مع أنه كان من أقوى أهل زمانه، وليس ذلك إلا بالتعود للصبر والممارسة، ومما يؤكد ذلك، ويوضحه ما ذكره صاحب الغياصة عن نفسه، وذلك أنه قال: ولقد شاهدت من ذلك يعني الشعبذة عجباً في السنة التي حججت فيها إلى بيت الله الحرام رأيت رجلاً عظيم الشبعذة رأيت منه أنه يتعلق بحبل في مباني الحرم الشريف من واحدة إلى أخرى، وهو مع ذلك مستلقٍ على ذلك الحبل، ومرة يقعد عليه كما يقعد المتكئ على الأرض ومعه آخر ربما قعد أحدهما على الحبل ويأتي الآخر على فخذه فيما أحسب أعني قعوده على فخذه، فأما غير ذلك فتحقيق لي، قال وسألت عن ذلك وما سببه فقيل: هما رجلان من الهند وذلك منهما اعتياد وممارسة.