ثانيهما: أنه لو لم يكن معجز يميز الصادق من الكاذب كانت النبوة عبثاً لافائدة فيها، والمعلوم أن في بعث الأنبياء مصلحة لهم، وللمبعوث إليهم.
فإن قيل: لم لا يصح أن يكون متنبئاً إلى نفسه فلا يحتاج إلى دليل؟
قيل: أما من لا يفرق بين النبي والرسول فأجابوا بأن الشخص لا يكون رسولاً إلى نفسه، فلا بد من مصلحة وهي لا تحصل إلا بمعرفته وتمييزه، وليس ذلك إلا بالمعجز، وأما من فرق فقالوا: لا بد أن يأتي النبي بشريعة متقدمة يجددها غيره، ولكن هذا لا يلزم منه أنه لا بد من أن يبلغها غيره فينظر.
نعم: الظاهر أن خلا ف الحشوية إنما هو في النبي، وأما الرسول فهم يوافقون في أنه لا بد من دليل على رسالته وهم يفرقون بين النبي والرسول، هذا ولا يخفى أن خبر الصادق قائم مقام المعجز في الدلالة على صدق مدعي النبوة كما مر قريباً، فما أطلق هنا من ذكر المعجز فالمراد هو أو ما يقوم مقامه.
فائدة
نص القرشي على أن نبوة النبي لا تعلم ضرورة أي لا تكون الضرورة طريقاً إليها؛ لأنا لا نعلم الله تعالى إلا دلالة، والعلم بالرسول فرع على العلم بالله.
الموضع الثالث: في حقيقة المعجز وشرائطه وفيه فصلان:
الأول: في حقيقة المعجز.
والثاني: في شرائطه.
الفصل الأول في حقيقة المعجز: له حقيقتان لغوية، واصطلاحية، أما اللغوية فقال: الراغب العجز أصله التأخر عن الشيء وهو ضد القدرة، وأعجزت فلاناً، وعجزته، وعاجزته جعلته عاجزاً، وقال الإمام المهدي: هو في اللغة كل فعل يقدر عليه بعض القادرين دون بعض، يقال: أعجزني هذا الفعل أي لم أقدر أن أفعل مثله، والمعنى أن ظهور قدرة فاعلة كانت سبباً للحكم بعجزي عنه، فهذا معنى أعجزني أي كان سبباً للحكم بعجزي؛لا أنه سبب عجزي فليس كذلك، وإنما سبب العجز عدم القدرة،وإنما المعجز سبب الحكم بالعجز، لا سبب وقوع العجز.
وقال في الغياصة: هو لغة يستعمل في الفاعل والفعل، أما في الفاعل فالمعجز من أعجز غيره كالمُقْدِرِ من أقدر غيره، وأما في الفعل فهو ما تعذر على القادر بقدرة إيجاد مثله في جنسه كالصور والألوان، أو نوعه كالقدر، أو صفته كفصاحة القرآن، أو مقداره كنتق الجبل وقلب المدائن، أو وقوعه على وجه دون وجه كالكلام الموجود في الحصى والشجر؛ فلأنا لا نقدر على إيقاعه على هذه الصفة فما وجد من الأفعال على أحد هذه الوجوه فهو معجز؛ لأنه متعذر علينا إيجاده كذلك، وأما في الاصطلاح: فقد ذكر العلماء له حدوداً كثيرة، فقال السيد مانكديم، والإمام المهدي وغيرهما: هو الفعل الذي يدل على صدق المدعي للنبوة، وله شبه بالمعنى اللغوي؛ لأنه سبب للحكم بعجز من لم يظهر عليه مثله، وقيد بعضهم الفعل بكونه خارقاً للعادة، ولاحاجة إليه؛ لأن الفعل لا يكون معجزاً إلا إذا كان خارقاً للعادة بحيث يعجز البشر عن الإتيان بمثله، وقد أورد على هذ الحد أن المعجز قد يكون فعلاً، وقد يكون غير فعل كما يقول المدعي للنبوة الدليل على صدق دعواي عدم طلوع الشمس غداً فإنها إذا لم تطلع كان ذلك العدم معجزة له وليس بفعل.
قيل: فالأولى أن يقال هو الأمر ....إلخ.
واختار في (الغياصة) حده: بأنه الأمر الناقض للعادة، الحاصل على يد المدعي للنبوة عقيب دعواه، وعدل إلى أمر لما مر، وقال: على يدي المدعي؛ لأنه لو لم يكن على يده لم يكن له به علقة، وإذا لم يكن له به علقة لم يدل على ثبوته، وقيل: هو ما تعذر على القادر بقدرة الإتيان بمثله في جنسه، أونوعه، أو صفته، أو مقداره، أو وقوعه على وجه دون وجه على ما مر عن الغياصة، وزادوا هنا أوكيفيته أي أو يتعذر على القادر بقدرة الإتيان بمثله في كيفيته كتأليف أجزاء الحي على حد يصح حلول الحياة فيها، ولا بد أن يكون ذلك الأمر على يدي مدعي النبوة، وقال في الأساس: هو ما لايطيقه بشر، ولا يمكن التعلم لإحضار مثله ابتداء، سواء دخل جنسه في مقدورنا كالكلام أم لا، كحنين الجذع، فقال: ما لايطيقه بشر؛ ليدخل ما يطيقه الملائكة والجن؛ لأن النبي لا يكون إلا من البشر، والمعجز أمارة صدقه، فإذا جاء بما يخرق عادة البشر كفى في تصديقه، وقال: لا يمكن التعلم ....إلخ، ليخرج السحر والطلسمات فإنه يمكن التعلم لإحضار مثلها، وقال ابتداءً ليدخل ما لا يمكن التعلم للإتيان بمثله إلا اتباعاً لمبدئه كالقرآن فإنا نقدر على الإتيان به اتباعاً لمنشئه وهو الله تعالى، ولا نقدر على الإتيان بمثله ابتداءً، وأخصر الحدود وأقربها أن يقال: هو عبارة عما قصد به إظهار صدق من ادعى النبوة.
الفصل الثاني: في ذكر شرائطه،وقد ذكروا له شروطاً بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، وجملتها عشرة:
الأول: أن يكون فعلاً؛ لأن ما ليس بفعل لا يدخل تحت الاختيار، فلا يصح كونه معجزاً، ولايكون للتحدي به فائدة، ولأنه ليس بأن يدل على صدق المدعي بأولى من كذبه أو من صدق غيره، أو من أن لا يدل لأ نه مع الجميع على سواء.
قال القرشي: ومن ها هنا صعب على المجبرة تصحيح كون القرآن معجزاً لما قالوا بقدمه، وقلنا لهم: لو صح كونه معجزاً مع قدمه لصح كون علم الله معجزاً وقدرته، بل كان يصح أن يكون الباري تعالى معجزاً نفسه، وفي هذا نظر لما عرفت من أن المعجز قد يكون غير فعل، فالأولى أن يقال: ولا بد أن يكون فعلاً، أو ما يقوم مقامه من التروك ليتناول المثال السابق، فإن عدم طلوع الشمس ليس بفعل.
نعم: أما من جعل الترك فعلاً، وقال هو أمر وجودي بناء على أنه الكف، فلا يرد عليه هذا، ولا يحتاج إلى قوله أو ما يقوم مقامه، وفي كلام الآمدي أن العجز إن كان عدمياً فالمعجز هاهنا عدم خلق القدرة، فلا يكون فعلاً، وإن كان وجودياً كما ذهب إليه بعضهم فالمعجز هو خلق العجز فيهم، ويكون فعلاً فلا حاجة إلى قولنا أو ما يقوم مقامه.
الشرط الثاني: أن يكون من فعل الله تعالى أو جارياً مجرى فعله.
فالأول: هو ما لا يدخل جنسه تحت مقدورنا كإحياء الموتى، وقلب العصا حية.
والثاني: كوجود الكلام في الشجر ونحوه، وإنما اعتبرنا ذلك؛ لأن الله تعالى هو المصدق لدعوى المدعي فإذا لم يكن التصديق فعله أو جارياً مجراه لم نعلم أنه تعالى قد صدق دعواه لجواز أن يكون من فعل غيره، وظاهر كلام الإمام المهدي أن هذا الشرط متفق عليه.
قلت: أما كون الجاري مجرى فعله متفق عليه، ففيه نظر، فإن ظاهر كلام صاحب المواقف، والقرطبي أنه يشترط أن يكون مما لا يقدر عليه إلا الله، واحتج له القرطبي بأن مدعي الرسالة لو جعل معجزته أن يتحرك، ويسكن، ويقوم، ويقعد لم يكن هذا الذي ادعاه معجزة له، ولا دالاً على صدقه لقدرة الخلق على مثله، قال: وإنما المعجزات كفلق البحر، وانشقاق القمر، وماشاكلهما مما لا يقدر عليه البشر، وهي حجة ضعيفة كما لا يخفى، وحكى القرشي الخلاف في ذلك عن اليهود فقال: وقد زعمت اليهود أنه لا بد أن يكون مما يختص الله بالقدرة عليه، ولا يدخل جنسه تحت مقدورنا، قال: وهو باطل؛ لأن الغرض بالمعجز التصديق، وذلك كما يحصل بما يختص الباري بالقدرة عليه فقد يحصل بما يجري مجرى ذلك، ويوضحه أن معجزات موسى عليه السلام فلق البحر، ونتق الجبل، وهي من الأجناس المقدورة للخلق.
قلت: ولا بد أن يزاد بعد قوله من فعل الله أو ما يقوم مقامه من التروك لما مر، وقد صرح به بعضهم.
الشرط الثالث: أن يتعذر علينا مثله في العادة ومعارضته، ولوكان جنسه داخلاً تحت مقدورنا؛ لأن ذلك حقيقة الإعجاز.
الشرط الرابع:أن يكون خارقاً للعادة؛ إذ لا إعجاز دونه فإن المعجز ينزل من الله تعالى منزلة التصديق بالقول، وما لا يكون خارقاً للعادة؛ فإنه لايدل على الصدق، لأن غيره يساويه في ذلك حتى الكذاب في دعوى النبوة، وهذا واضح فإن المدعي للرسالة لو قال: معجزتي مجيء الليل بعد النهار، وطلوع الشمس من مشرقها لم تكن هذه معجزة؛ لأن هذه الأفعال وإن كانت لايقدر عليها إلا الله تعالى فلم تفعل من أجله، وقد كانت قبل الدعوى على ماهي عليه حين دعواه، ولا فرق في دلالتها على دعواه ودعوى غيره،والذي يستشهد به الرسول لابد وأن يكون له وجه يدل على صدقه كأن يقول الدليل على صدقي أن الله تعالى يخرق العادة بقلب العصا حية، أو ينبع الماء من بين أصابعي، أو نحو ذلك من الآيات الخارقة للعادة التي تفرد بها رب الأرض والسماوات، فتقوم له هذه العلامات مقام قول الله تعالى لو أسمعنا كلامه صدق عبدي أنا بعثته.
قال بعض العلماء: ومثال المسألة ولله ولرسوله المثل الأعلى: ما لوكانت جماعة بحضرة ملك من ملوك الأرض، وقال أحد رجاله وهو بمرأى منه والملك يسمعه: الملك يأمركم أيها الجماعة بكذا وكذا، ودليل ذلك أن الملك يصدقني بفعل من أفعاله وهو أن يخرج خاتمه من يده قاصداً بذلك تصديقي، فإذا سمع الملك كلامه إياهم ودعواه فيهم، ثم فعل ما استشهد به على صدقه كان ذلك قائماً مقا م قوله صدق فيما ادعا ه عليّ، فكذلك إذا عمل الله عملاً لا يقدرعليه إلا هو وخرق به العادة على يد الرسول فإنه يقوم مقام كلامه تعالى لو أسمعناه، وقال: صدق عبدي في دعوى الرسالة، وأنا أرسلته إليكم فاسمعوا له وأطيعوا.
واعلم: أن المراد بكونه خارقاً للعادة أن يكون خارقاً لعادة من هو بين ظهرانيهم وإن لم يكن خارقاً لعادات الخلق على الإطلاق، وإن كان في المعجزات ما هو كذلك ومثال ما ذكرناه نزول الثلج فإنه خارق للعادة فيما كان من الأقطار شديد الحر، خصوصاً في أيام القيض، وكاللسان العربي حيث تكون الولادة والنشأة في بلاد السودان، وقد يكون نقض العادة في زمان دون زمان، كأن تحصل ثمرة وتدرك في غير وقتها.
تنبيه [في أن المعجز لا يكون مقدوراً]
قال في (المواقف وشرحها): وشرط قوم في المعجز أن لا يكون مقدوراً للنبي، إذ لو كان مقدوراً له كصعوده إلى الهواء، ومشيه على الماء لم يكن نازلاً منزلة التصديق من الله تعالى، وليس بشيء؛ لأن قدرته مع عدم قدرة غيره عادة معجز.
قال الآمدي: هل يتصور كون المعجز مقدوراً للرسول أم لا؟ اختلف الأئمة، فذهب بعضهم إلى أن المعجز فيما ذكر من المثال ليس هو الحركة بالصعود، والمشي لكونها مقدورة له يخلق الله فيه القدرة عليها، وإنما المعجز هو نفس القدرة عليها، وهذه القدرة ليست مقدورة له، وذهب آخرون إلى أن نفس هذه الحركة معجزة له من جهة كونها خارقة للعادة، مخلوقة لله تعالى وإن كانت مقدورة للنبي، وهو الأصح.
قلت: وهذا الأخير هو الذي يقضي به كلام أصحابنا؛ لأن هذه الحركة وإن كانت فعلاً للنبي فهي جارية مجرى فعل الله تعالى، وقد فسر الإمام عز الدين الجاري مجرى فعله تعالى بما لا يحصل إلا بأن يؤتي الله فاعله من القدرة ماهو زائد على المعتاد، وذلك كالمشي على الهواء، وعلى الماء، ونتق الجبل.
نعم: قول الآمدي إن الحركة مخلوقة لله مبني على قولهم في أفعال العباد.
الشرط الخامس: أن يكون مطابقاً للدعوى؛ لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن متعلقاً بدعواه، فلا يدل على صدقه، ومثاله أن يقول: معجزتي إحياء هذا الميت ففعل خارقاً آخر كنتق الجبل مثالاً، فإنه لا يدل على صدقه لعدم تنزله منزلة تصديق الله له، هكذا ظاهر كلام بعض أصحابنا وغيرهم -أعني أنه لا يكون معجزاً إلا إذا قال مدعي النبوة: الدليل على صحة ما ادعيت كيت وكيت ثم يكون كذلك- فأما لو ظهر عليه معجز عقيب الدعوى ولم يدعه فإنه لايكون معجزاً له، ولذا قالوا: في حد المعجز هو: الفعل الناقض للعادة، المتعلق بدعوى المدعي للنبوة، وخالفهم صاحب الغياصة فقال: الأولى أن الذي يظهر على يده المعجز بعد دعوى النبوة يكون معجزة وإن لم يدع ذلك،ولذا عدل عن قولهم في الحد المتعلق بدعوى المدعي للنبوة إلى قوله:على يد مدعيها كما مر، إذ لو لم يكن معجزاً لكان فعله عبثاً، أما لو ادعى خارقاً فوقع خارق آخر عكس المدعى فلا شك أنه لا يدل على صدقه، وفي كلام بعض أصحابنا أنه ربما دل على كذبه.
قال السيد مانكديم: وفي أصحابنا من ذهب إلى أن المعجز إذا لم يكن مطابقاً للدعوى وكان بالعكس فإنه يدل على التكذيب، كما حكي عن مسيلمة أنه تفل في بئر ليفور ماؤها كما سمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فغار ماؤها.
قال السيد: وذلك مما لا أصل له عندنا، وما هذا حاله فلا يجوز على الله تعالى؛ لأنه إذا أراد تكذيب شخص كان يمكنه ذلك بأن لايظهر عليه المعجز عقيب دعواه وإحداث شيء آخر، والحال ما قلناه يكون عبثاً لا فائدة فيه.
قلت: وظاهر كلامه أنه لا يجوز من الله إظهار معجز آخر غير مطابق للدعوى؛ لأنه عبث فيكون ما تقدم في المثال من نتق الجبل مما لا يجوز فعله، لأنه عبث، والذي ينبغي الاعتماد عليه أن يقال للمعجز صور:
إحداها: أن يدعي أمراً خارقاً للعادة يكون شاهداً بصدقه ولم يعينه، فإذا وقع أمر خارق على يده وليس فيه ما يدل على تكذيبه فإنه يكون معجزة له لامحالة؛ إذ لا يجب تعيين المعجز، بل يكفي أن يقول: أنا آتى بخارق من الخوارق، قيل: وهذا متفق عليه.
الثانية: أن يدعي أمراً فيقع خلافه كما في المثال، فهذا لا يدل على تصديقه ولا على تكذيبه، والظاهر أن مثله مما لا يصح وقوعه لعدم الفائدة.
الثالثة: أن يدعي أمراً فيقع ذلك الأمر بعينه لكنه متضمن لتكذيبه نحو أن يقول: معجزتي أن ينطق هذا الضب فنطق، وقال: إنه كاذب، فهذا لايدل على صدقه؛ لأنه متضمن لتكذيبه، بل المعجز هو نفس التكذيب فلا يفيد إلا زيادة اعتقاد تكذيبه، وأما على كلام السيد مانكديم فلا يقع مثل هذا لعدم الفائدة لإمكان تكذيبه بعدم وقوع ما ادعاه.
نعم: أما لو قال: معجزتي أن أحيي هذا الرجل الميت فأحياه فكذبه، فقال في (المواقف): الصحيح أنه لا يخرج بذلك عن كونه معجزاً؛ لأن المعجز إحياؤه وهو غير مكذب له،بل المكذب ذلك الشخص بكلامه، وهو بعد الإحياء مختار في التصديق والتكذيب ولم يتعلق به دعوى، وقيل:عدم خروجه عن كونه معجزاً إنما هو إذا عاش زماناً واستمر على التكذيب.
قال الآمدي: ولا أعرف خلافاً في هذه الصورة بين الأصحاب، فأما لو خر ميتاً في الحال فيبطل الإعجاز؛ لأنه كأنه أحيي للتكذيب فصار كتكذيب الضب، وقيل: الحق أنه لا فرق فلا يقدح لوجود الاختيار في الصورتين بخلاف الضب.
الصورة الرابعة: أن يدعي أمراً فيقع عكسه كما في قصة مسيلمة، وهذا لا يدل على تصديقه بلا خلاف، والظاهر أنه يدل على تكذيبه، ولا وجه لما قاله السيد مانكديم من منع نحو هذه الصورة لما فيه من تأكيد تكذيبه ورفع تلبيسه على أغمار العوام، ومثل هذه الفائدة تنفي العبث.
الصورة الخامسة: أن لا يدعي النبي ذلك المعجز لكنه حصل بعد دعوى النبوة معرفاً بها ودالاً على صدق مدعيها، فهذا يكون معجزاً كما في خبر الثعلب لحصول حقيقة المعجز فيه.
الشرط السادس: أن يكون ظاهراً على يد مدعي النبوة ليعلم أنه تصديق له، وهذا ذكره بعضهم، وهو الذي يدل عليه حد صاحب (الغياصة)، والراجح أنه لا يشترط ذلك، بل الشرط حصول التصديق، سواء كان بحضرة مدعي النبوة وعلى يديه كما في انشقاق القمر وفلق البحر أم لا كما في خبر الثعلب، وكلام الأصحاب يدل على ذلك حيث شرطوا في المعجز أن يكون متعلقاً بدعوى النبوة، فإن التعلق بالدعوى قد يكون بحضرة المدعي، وقد لا يكون.
قال السيد أحمد بن محمد بن لقمان ما معناه:إن المعرف بالنبوة كخبر الثعلب يكون معجزاً دالاً على صدق مدعي النبوة، وإن لم يكن في حضرته ويجب على من سمعه متابعة ذلك النبي.
الشرط السابع: التحدي بالمعجز، قال الامام المهدي: ومعنى التحدي هو طلب الفعل ممن عرف الطالب عجزه عنه اظهاراً لعجزه عنه، مأخوذ من حداء الإبل وهو حثها على السير بكلام مخصوص، فالتحدي هو حث المخاطب على فعل ما هو عاجز عنه إظهاراً لعجزه، كما أن الحدي للبعير العاجز إظهاراً لعجزه؛ لأنه إذا فعل المعتاد في الحث على السير فلم يحصل الاحتثاث دل على عجزه، وقيل: بل التحدي طلب المعارضة من صحابك بإتيانه بمثل ما فعلت أنت، مأخوذ من الحداء فإن الحاديين يتعارضان فيه، ويغني كل واحد منهما بمثل ما أتى به صاحبه، والحداء والحدو سوق الإبل والغناء لها، والمعنيان متقاربان إلا في أخذه من الحداء فإنه على الأول مأخوذ منه من حيث تضمنه الحث، وعلى الثاني من حيث تعارض الحاديين فيه، وهذا الشرط ذكره في المواقف، والنووي في شرح مسلم وغيرهما فما لم يقرن بالتحدي يسمى آية ولا يسمى معجزاً.