وأجيب: بأن جهل المجبرة جهل لا يتمكنون معه من العلم بصفات الله تعالى على الكمال؛ لأنهم أثبتوا معنى قديماً، وإثباته يمنع من العلم بالصفات على الوجه الذي يجب أن تعلم عليه، بل يمنع العلم بها أصلاً، فإن من اعتقدها معاني قديمة فقد اعتقدها على خلاف ماهي به وذلك جهل، والجاهل بالشيء لايوصف بأنه عالمٌ به لاجملة ولا تفصيلاً، ولا ينفعهم اعترافهم بثبوت صفات غير ثابتة، ويدل على ذلك ما مر من قول علي عليه السلام ومن جزأه فقد جهله، وأما المعتزلة فلم يثبتوا أمراً معقولاً يلزم منه حدوث الباري تعالى، وإثبات قديم آخر معه، ولذا ألزمهم في الأساس وغيره بتلاشيها.
الوجه الثالث: أن الله تعالى إنما كفر النصارى بقولهم: {إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}[المائدة:73] لأجل أنهم أثبتوا قدماء مع الله تعالى يوضحه أن أكثرهم يقول ذات وصفات والمجبرة أدخل منهم في ذلك، ولهذا قيل: لبعضهم إذا كنت موافقاً للنصارى فلم كفرتهم.
قال: لأنهم نقصوا عن الواجب واقتصروا على الثلاثة، واعترض بأن كفر القائلين بالمعاني لا يصح أخذه من ظاهر الآية؛ لأن الله تعالى إنما كفر النصارى لقولهم ثالث ثلاثة، والمجبرة لا تطلق ذلك، وأيضاً النصارى تعتقد إلاهية الثلاثة بخلاف المجبرة، ولا يصح تكفيرهم بالقياس، فيقال: إن الله إنما كفر النصارى لإثباتهم قدماء مع الله تعالى على الإطلاق؛ إذ لا يمكن القطع بأن ذلك هو العلة فقط فإن من الجائز أن تكون العلة هي ذلك مع اعتقادهم استحقاقها للعبادة كما هو ظاهر حالهم، وأما ما يحكى عن بعضهم من أنه إنما كفرهم؛ لأنهم نقصوا الواجب فإن صح هذا عنه فلاشبهة في كفره؛ لأن ظاهره يقتضي أن الحق عنده أنَّ الله تعالى ثامن ثمانية أي ذات وسبع صفات.
وأجيب: بأن ظاهر الآية يدل على أن علة كفر النصارى هو إثبات قدماء مع الله تعالى، ويؤيده قوله: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ}[المائدة:73] ولا يجوز العدول عن الظاهر إلا لدليل، ولا دليل هنا، وقد مر أن الظاهر إذا عضده غيره يصير قطعياً، وهذا الظاهر يعضده العقل والنقل، وقدعرفت ما مر عن الوصي قريباً، ومن كلامه عليه السلام في القرآن: (لو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً). رواه في النهج، فجعل إثبات الإلاهية لازم لإثبات القدم، ومن أثبت إلهاً ثانياً فهو كافر بالإجماع.
الوجه الرابع: أن القول بالإرادة القديمة يقضي بأن يكون مريداً لجميع الكائنات وفيها ما هو قبيح، ومن وصف الله بإرادة القبيح فقد وصفه بصفة نقص، وذلك كفر، واعترض بأن المجبرة لم تجعل القبائح مستندة إلى إرادة الله تعالى من حيث أنها قبيحة؛ لأن القبيح عندهم هو المنهي عنه، وذلك مما لايتعلق بالإرادة، بل كلما صدر عن الله تعالى فهو حسن عندهم، وهذا قد اعتقدوه عذراً، وفروا به من الكفر، فلا يمكن القطع بكفرهم مع اجتهادهم في دفعه.
وأجيب: بأن الدليل القاطع قد دل على أن إرادة القبيح قبيحة، وأنه يقبح من الله تعالى ما يقبح من غيره لو فعله، وأن من وصفه تعالى بصفة نقص فهو كافر ولم يفصل، ولو كان اعتقادهم عذراً لهم لكان اعتقاد المجسمة والمشبهة، بل وسائر فرق الكفر عذراً لهم فلا يوجد كافر إلا المعاند، والمعلوم خلافه.
الوجه الخامس: أن القول بالمعاني القديمة يقتضي القول بحاجة الله تعالى إلى غيره؛ لأن عندهم لولا هي لما وجد الباري تعالى، أو لكان ناقصاً، وليس الحاجة بأكثر من أن يقف الشيء في وجوده أو كماله على غيره، واعترض بأن ما يقوله من أثبت الأحوال من العدلية تقوله المجبرة في المعاني.
وأجيب: بأن من أثبت الأحوال لم يثبت أمراً مستقلاً بالمعلومية، ولذا قيل: بتلاشيها، ولا ينفع من أثبت المعاني اعتقادهم أنها غير مستقلة؛ لأنهم اعتقدوا ثبوت مالو كان ثابتاً في نفس الأمر لكان مستقلاً، بل كان إلهاً ثانياً كما قال: باب مدينة العلم.
الوجه السادس: أنه يلزمهم أن تكون أمثالاً لله تعالى لمشاركتها له في صفة ذاتية وهي القدم، ويلزمهم أيضاً تشبيه غير الله تعالى به جل وعلا، وذلك كفر، واعترض بأنهم لا يلتزمون كونها أمثالاً لله تعالى، وأما التشبيه فالظاهر من اصطلاح الناس أنه لا يطلق إلا على من شبه الله بغيره لا على من شبه غير الله به ثم إنهم لا يلتزمونه.
وأجيب: بأنه لايشترط الالتزام مهما كان اللازم بيناً، وما ذكرتموه من الاصطلاح لا ينفع لعدم الفارق، على أنا لانسلمه، فإن في كلام علي عليه السلام وهو رأس المتكلمين ما يدل على خلافه.
فائدة [في تعريف المجبرة]
قال الإمام عز الدين عليه السلام : لفظ المجبرة اسم لهذه الفرقة التي يجمعها القول بأن الوجود في الأفعال يستحيل تعليقه بقدرة العبد، وأنه مضاف إلى قدرة الله تعالى،وأَن الذي يضاف إلى قدرة العبد إما الكسب، وإما غيره على اختلاف فيه بينهم، والمراد بقولنا رجل مجبر أنه صار ذا قول بالجبر، كقولك مريب إذا صار ذا ريبة، وكذلك إذا قلت: أجبر الرجل، وأما قولنا جبري فمنسوب إلى الجبر كنمري وليثي.
قال الإمام يحيى: وفائدة وصفنا لهم بهذين الوصفين، إما على معنى أن الله خلق فينا جميع الأفعال كلها، وإما على معنى أنه خلق القدرة وهي موجبة للفعل، فمن قال بأحد هذين القولين صدق عليه هذان الوصفان مجبر وجبري، ثم قال: الصحيح أن إطلاق هذين الوصفين إنما يكون باعتبار أمر جامع لهم في الجبر؛ لأنهم أجمعوا عن آخرهم واتفقت كلمتهم على أن الوجود في الأفعال يستحيل تعليقه بقدرة العبد، وأنه مضاف إلى قدرة الله تعالى.
فائدة [في العلم بنفي الثاني وفرضه على الأعيان]
العلم بهذه المسألة -أعني مسألة نفي الثاني- من فروض الأعيان.
قال الإمام المهدي عليه السلام : الواجب على المكلف من جهة العقل إنما هو معرفة الله وعدله وحكمته لكونها لطفاً، فماظهر من الصفات له حظ في اللطفية أو تكملة بما هو لطف وجبت معرفته عقلاً، وما لم يظهر فيه شيء من ذلك فلا طريق للعقل إلى القطع بمعرفته، ثم هذا القسم نوعان:
أحدهما: إما أن يعلم وجوب معرفته من ضرورة الدين كنفي الثاني، فنقطع أن في ذلك مصلحة كسائر الواجبات السمعية.
والثاني: أيضاً نوعان:
أحدهما: إما الدليل على ثبوته مع العقل نص متواتر كما في سامع مبصر، وإنما وجبت معرفته لوجوب معرفة مقاصد خطاب الله تعالى فيكون فرض كفاية.
والثاني: لا نص فيه، ولا دليل على وجوب معرفته نحو كون صفة الوجود زائدة على الذات أم لا، فهذا لا دليل على وجوب معرفته لاعقلاً ولا سمعاً إلا بتخيل بعيد.
قال عليه السلام : وأما نفي الجسمية ونفي الحاجة فمن فروض الأعيان، وأما نفي الرؤية ففيه تردد.
المسألة الخامسة عشرة [في معرفة الله وهل هي ضرورية]
قد يتمسك بقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} على أن معرفة الله تعالى ضرورية؛ لأن الله تعالى نهاهم عن اتخاذ الأنداد مع علمهم بالمستحق للإلهية والعبادة.
قال ابن عباس فيما رواه عنه ابن جرير وغيره: نزلت في الكفار والمنافقين، وإنما عنى بقوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة:22]: لاتشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: أنه لارب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لاشك فيه.
قال قتادة: وأنتم تعلمون أن الله خلقكم، وخلق السموات والأرض.
والجواب: أنه لا متمسك لهم في الآية سواء قلنا إنها نزلت خطاباً لأهل الكتابين، أم لكفار العرب، أم لهم وللمؤمنين؛ لأنا نقول معناها وأنتم تعلمون وحدانيته تعالى بالدليل والنظر في الصنع، فلا تعاندوا وتجحدوا بعد المعرفة، لا يقال هذه دعوى منكم مجردة عن الدليل؛ لأنا نقول: دليلنا ما مر من أنه تعالى لايعرف إلا بالنظر والاستدلال، وأيضاً الآية محتملة لهذا الاحتمال، ولغيره من الاحتمالات، والمسألة قطعية لايصح الاستدلال فيها بالمحتمل، ومن الاحتمالات فيها أن يكون عبر بالعلم عن التمكن فكأنه قال: وأنتم متمكنون من العلم بالله تعالى، ونفي الشريك عنه لكمال عقولكم، وظهور الدلائل على إثبات الصانع المختار، المتفرد بصفات الكمال، فنزل تمكنهم من العلم بمنزلة العلم لقرب حصوله، وسهولة تحصيله.
قال القرطبي فيما ذكره من معاني الآية: المعنى وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والإمكان لو تدبرتم ونظرتم، ومنها: أنكم تعلمون أنه المنعم عليكم دون الأنداد، ومنها: أنكم تعلمون بكمال عقولكم أن هذه الأشياء لا يصح جعلها أنداداً لله تعالى لضعفها وعجزها فلاتقولوا ذلك فإن القبيح من العالم بقبحه أقبح، ومنها: أن يكون المؤمنون مرادين بالخطاب والمعنى لاترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا لله أنداداً بعد علمكم بأن الله واحدٌ، إلى غير ذلك من الاحتمالات، فكيف يستدل بها مع ذلك في مسألة قطعية. والله أعلم.
البقرة: (23،24)
قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[البقرة:23،24].
الريب: الشك، والعبد: مأخوذ من التعبد وهو التذلل فسمي المملوك من جنس ما يفعله، ولما كان مقام عبادة الله والتذلل له مقام شريف سمى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عبداً، وأضافه إلى نفسه تشريفاً لمقامه، وتعظيماً لشأنه، والسورة: واحدة السور وهي طائفة من القرآن مترجمة، وأقلها ثلاث آيات، وهي مأخوذة من سورالبلد؛ لأنها محيطة بطائفة من القرآن، وبفنون من العلم كاحتواء سور البلد على ما فيها، أو من السورة التي هي الرتبة؛ لأن سور القرآن في أنفسها رتب من حيث الفضل والشرف، أو من حيث الطول والقصر، أو من حيث ارتقاء القارئ إليها شيئاً فشيئاً، وعلى هذه الوجوه فواوها أصلية، وقيل: هي مبدلة عن همزة فمعناها البقية من الشيء، ولا يخفى ما فيه، والشهداء: الأعوان والنصراء، والوقود بالفتح: الحطب، وبالضم: ما يتوقد، والحجارة: قيل: هي حجارة الكبريت، وقيل: الأصنام، وفي كلام الرازي ما يدل على أنها سائر الأحجار، وفي هذه الجملة مسائل:
المسألة الأولى [إثبات نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله]
اعلم: أن الله تعالى لما ذكر دلائل إثبات الصانع المختار جل وعلا أعقبه بذكر دليل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو المعجزة العظمى، والشهادة الكبرى، الذي تحدى به فصحاء العرب قاطبة، وطلب منهم أن يأتوا بسورة من مثله، ذلك كتاب الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي المسألة مواضع:
الأول: في ذكر الخلاف في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني: في أنه لا يكون نبي من الأنبياء إلا بمعجز.
الثالث: في حقيقة المعجز وشرائطه.
الرابع: في أن القرآن معجزة لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس: في وجه إعجازه.
الموضع الأول في ذكر الخلاف: لا خلاف بين أهل الإسلام في صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ووافقهم على ذلك كثير من الفرق الخارجة عن الإسلام، هكذا ذكره في الغياصة- أعني موافقة بعض الفرق الكفرية- ولعله أراد الفلاسفة فإنهم يقولون بنبوة الأنبياء، لكن بنوها على قواعد وعقائد غير مسلمة لهم، والخلاف في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الإلحاد، واليهود، والنصارى، والمجوس، والصابئين، والبراهمة، وعباد الأوثان والنجوم، فإن هؤلاء ينكرون نبوته صلى الله عليه وآله وسلم وإن اختلفوا في التعليل، ومن المخالفين في ذلك المطرفية، والباطنية، فالمطرفية، وإن أقروا بأنه رسول من الله فهم مخالفون من جهة المعنى؛ لأنهم ينكرون أن يكون مبعوثاً من جهة الله تعالى على الحد الذي نقوله، فمنهم من يقول: النبوة يفعلها النبي لنفسه فمن شاء كان نبياً، ومنهم من قال: هي جزاء على الأعمال، ومنهم من يقول: حكم وتسمية، والباطنية يقولون: النبوة مادة ترد من السابق على قلب من وقعت للتالي به عناية، وإن المعجزات تظهر على الأنبياء لما اختصوا به من العلم بطبائع الأشياء وخواصها، فهي من قبيل الحيل.
الموضع الثاني: في أنها لا تثبت نبوة نبي إلا بمعجز:
اعلم: أنها لاتثبت نبوة نبي ولا رسالة رسول إلا بمعجز يدل على صدقه؛ لأن الطريق إلى معرفة النبوة ليس إلا خبر الصادق، أو ظهور المعجز على يديه، لكن خبر الصادق، وإن دل على ذلك فإنما يعلم صدق المخبر بالمعجز فقد عاد الأمر إلى أنه هو الدليل الحقيقي، هكذا حرره بعض أصحابنا.
قيل: وليس بواضح فإن الذي قد علمت نبوته إذا نص على نبي آخر فطريقنا إلى ثبوت نبوة هذا الأخير، إنما هي إخبار الأول لا معجزته، وإنما معجزته دالة على صدق خبره، فعلى هذا يقال: الطريق إلى إثبات النبوة: إما الخبر، وإما المعجز، وهذا هو الذي ذكره بعض أصحابنا.
قالوا:والإِخبار على ضربين إخبار من الله كالذي يخلقه في الأشجار ونحوها، قالوا: وهذا لا يكون حجة إلا إذا علمنا ضرورة أن ذلك الكلام من الشجرة لاحتمال أن يكون من شيطان أو نحوه، ونعلم أيضاً ضرورة الشخص المتوجه إليه الخطاب بعينه.
قلت: الظاهر أن خلق الكلام في الشجرة ونحوها أمر خارق للعادة فتكون معجزة، الضرب الثاني إخبار الصادق كالنبي ونحوه من المعصومين، وقد اعترض القرشي هذه الطريقة- أعني إخبار نبي بنبوة آخر- بأنه لا بد أن يظهر المعجز عقيب دعوى من أخبرنا الصادق بنبوته ليميزه عن غيره؛ لجواز أن يكون الذي أخبرنا بنبوته غير هذا الشخص، فالطريق الحقيقي هو المعجز، ورده الإمام عز الدين بأنه يتميز بالإشارة إليه، وإن كان غائباً فباسمه الذي لايشارك فيه، وصفته التي يختص بها، وقد خالفت الحشوية فقالوا: لا يشترط المعجز في ثبوت النبوة، بل تصح من دون معجز.
وأجيب بوجهين:
أحدهما: أن المعجز شاهد بصدقه، وإذا عدم الشاهد لم يصح التمييز بين الصادق والكاذب، والله تعالى عدل حكيم لا يلبس خطابه الذي لا يأتيه الباطل بالكذب والافتراء.