واعلم: أن هذا الوجه والوجه الأول قد دل عليهما قوله: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ...}الآية[البقرة:21] فإن فيها إشارة إلى هذين الدليلين، وهما أنه لايستحق الإلهية والعبادة إلا من ثبتت له حقيقة الإله، وهو المنعم بأصول النعم وفروعها المدلول عليها بقوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ...} إلى {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً...} الآية[البقرة:22]، وأنه لا يستحق التعظيم إلا الموصوف بتلك الصفات، ولذا قال: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً}[البقرة:22] فإن معناها الذي يقتضيه السوق والذوق {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً} فتعظموها بالعبادة وتسميتها آلهة، وليس لذلك التعظيم وجه يقتضيه، ولا دليل يدل عليه. والله أعلم.
الوجه الثالث: أن الأدلة السمعية قد دلت على أن هذه الأوثان ليست بآلهة، وهي أدلة معلومة، ومنها ما نحن بصدده كما قررناه آنفاً.
تنبيه [في إبطال القول بإثبات قديم ثان]
ما تقدم من الأدلة على إبطال القول بقديم ثان فهي أدلة عامة متناولة لإبطال قول كل من يثبت قديماً ثانياً مع الله تعالى من جميع فرق الكفر، وأما الكلام على إبطال قول كل طائفة على انفراده فسيأتي في مواضعه؛ لأن الله تعالى قد ذكر النصارى والصابئين والمجوس في القرآن، وأخبر بكفرهم وعنادهم، فتأخير الكلام على كل طائفة إلى موضع ذكرها هو اللائق والأنسب كما لا يخفى، ولنتكلم في هذا الموضع على مذهب الثنوية على سبيل الاختصار فنقول: لنا على نفي قدم النور والظلمة أدلة كثيرة:
أحدها: أنهما عرضان على الخلاف، والأجسام والأعراض محدثة، وقد دللنا على حدوثها في مسائل الحمد لله رب العالمين.
الثاني: أنهما متضادان إذا حضر أحدهما زال الآخر، ويحضر أحدهما بزوال ضده، ومازال وتغير بغيره فهو ضعيف عاجز، والعجز من صفات المحدثين.
الثالث: أن كل ماله أول وآخر فهو محدث؛ لأن القديم هو الذي لا أول لوجوده، ولا انتهاء لبقائه، والنور والظلمة لهما أول وآخر، ولهذا يقال أول النهار وآخره، وأول الليل وآخره.
الرابع: أنهما لو كانا قديمين وكان أحدهما قادراً لذاته وجب في الآخر أن يكون مثله، فيكون الخير والشر مقدورين لهما جميعاً، وهذا يوجب أن يستغنى بأحدهما عن الآخر.
الخامس: أن القول بقدمهما يوجب أن يكون كل منهما في جهة صاحبه، بل يكون كل منهما في جميع الجهتين؛ إذ لا مخصص، وأما إبطال القول بأنهما موجبان فمن وجوه:
أحدها: أن بعض أصحابنا ذهب إلى أنهما جسمان، واستدل على ذلك، وإذا كانا كذلك فالأجسام لا توجب.
الثاني: أن بعض العالم أجسام، والأجسام لا يجوز أن تكون موجبة عن غيرها؛ لأن الموجبات محصورة.
الثالث: أنهما لوكانا موجبين للزم حصول العالم الخير والشر دفعة واحدة، بل يلزم قدم العالم؛ لأن الموجب لايتراخى عن الذي أوجبه.
الرابع: أن إيجابهما لا يخلو إما أن يكون إيجاب العلل، أو إيجاب الأسباب، أو إيجاب الطبع وكلها باطلة.
أما الأول: فلأنه يلزم عليه قدم العالم.
وأما الثاني: فلأن العالم متحيزات وأعراض، ولا يجوز أن تكون مسببة عن غيرها.
وأما الثالث: فلأن الطبع غير معقول .
الخامس: أنهما لو كانا موجبين لبطل المدح والذم، والأمر والنهي؛ لأن الخير إذا كان حاصلاً عن النور على جهة الإيجاب فلا فائدة في الأمر به، ولا المدح عليه، وكذلك الشر إذا كان حاصلاً عن الظلمة فلا فائدة في النهي عنه، ولا الذم عليه، وأيضاً عند بعضهم أن الظلمة غير قادرة ولا حية، فكيف يتصور منها النهي.
السادس: أنهما عندهم يستحقان المدح والذم على ما يصدر منهما، والقول بالإيجاب ينافي ذلك الاستحقاق.
وأما إبطال قولهم: بأن النور مجبول على الخير والظلمة على الشر فمن وجوه:
أحدها: أنهم بنوا ذلك على أن الخير ما تستلذه النفوس، والشر ما تنفر عنه وليس كذلك، وإنما الخير ما يستجلب به النفع، ويستدفع به الضرر، والشر عكسه، ورب مشتهى يأتي بمضار كثيرة، ورب منفور عنه يأتي بمنافع عظيمة.
الثاني: أن الظلمة قد يحصل منها خير وشر، والنور قد يحصل منه خير وشر، وذلك معلوم، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في الفاتحة.
الثالث: أن الواحد منا يصدر عنه الخير والشر ضرورة، فإن قالوا: جميع ذلك فينا من النور أو من الظلمة، بطل قولهم أنه لا يصدر من النور إلا الخير، ولا من الظلمة إلا الشر، وإن قالوا: الخير من النور، والشر من الظلمة، أبطله توجه المدح والذم إلى جهة واحدة، وفاعل واحد.
الرابع: أنه يلزمهم أن يكون الشيء الواحد حسناً قبيحاً، وخيراً وشراً في حالة واحدة؛ لأنه قد يكون طعم واحد يشتهيه شخص، وينفر عنه آخر في حالة واحدة.
وأما الكلام على القائلين بأن النور والظلمة امتزجا فتولد منهما العالم فنقول: امتزاجهما إما أن يكون على جهة الوجوب، أوعلى جهة الجواز الأول باطل، وإلالزم حصوله في الأزل فيكون قديماً فلا يحتاج إلى مازج؛ لأن القديم لا يحتاج إلى مؤثر، والثاني باطل أيضاً؛ لأن حصوله إما أن يكون من مؤثر على جهة الاختيار فهم لا يقولون به، ولو قالوا به لقيل: فهلاَّ صح من هذا الذي مزجهما أن يفعل الخير والشر باختياره، ولا حاجة إلى ثانٍ وثالث، وإما أن يكون على جهة الإيجاب فالموجب إما أن يكون قديماً أو محدثاً، باطل أن يكون قديماً؛ لأنه ليس بأن يمزجهما بأولى من أن يمزجه أحدهما بالآخر، فإن لاذوا بالطبع فهو غير معقول، وإن كان محدثاً فهم لايقولون به؛ ولأن الحوادث كلها لا تحصل إلا بعد اجتماعهما فيؤدي إلى التوقف.
وأما الكلام على الديصانية فهو داخل في جملة ما أبطلنا به قدم النور والظلمة وإيجابهما، ونخصهم هنا بوجه واحد وهو أن الظلمة إذا كانت فاعلة للشر فلا بد أن تكون قادرة حية، فكيف يصح أن تكون مواتاً، ثم أنهما عندكم قديمان، فيجب أن يشتركا في سائر الصفات، وأما ما يخص المرقيونية فقد تقدم إبطاله قريباً حيث أبطلنا القول بالامتزاج، ونزيده تأييداً وتوضيحاً بأن نقول: هذا الثالث إن كان قديماً لزم أن يكون مماثلاً للنور والظلمة في جميع الصفات الذاتية، فإن كان أحدهما قادراً وجب أن يكون الآخر قادراً، وهذا الثالث قادراً، وهذا يؤذن بوقوع الاستغناء به عنهما، وإن كان محدثاً فقد أبطلناه، وسائر أقوال الثنوية التي حكيناها فدليل إبطالها داخل فيما تقدم من الأدلة العامة، وكذلك فيما تقدم من الأدلة الخاصة في مواضع الاتفاق بينهم، وأما قول المجوس فنرجي الكلام عليه فيما يخصه إلى الموضع اللائق به.
الموضع الثالث: في شبه الخصوم قد ذكرنا فيما تقدم أن الله تعالى قد ذكر منهم طوائف في القرآن العظيم، وإنا نؤخر الكلام على بيان مذاهبهم، وإبطالها إلى تلك المواضع، وكذلك نقول في تأخير الشبه التي تعلقوا بها، وإبطالها إلا من عدا المجوس من الثنوية فإنا نذكر لهم شبهتين:
الشبهة الأولى: أن الملاذ كلها حسنة، والآلام كلها قبيحة، وما كان حسناً فهو خير، وما كان قبيحاً فهو شر، وإن الخير والشر ضدان فاستحال وقوعهما من واحد كما يستحيل التسخين والتبريد، والتبييض والتسويد من واحد، فلا بد من أصلين، ويزيده وضوحاً أن النار يصدر عنها التسخين ولا يصدر عنها ضده الذي هو التبريد، وكذلك الثلج لا يصدر عنه إلا التبريد.
والجواب: أنا لانسلم أن الملاذ كلها حسنة، ولا أن الآلام كلها قبيحة، بل في كل منهما ما يحسن ويقبح؛ لأن حسن الفعل وقبحه إنما يكون لوقوعه على وجه، ولهذا فإنه يحسن تحمل المشقة لطلب العلوم والأرباح، وفعل الحجامة والفصد طلباً للنفع، ويقبح منا الانتفاع بالأشياء المغصوبة مع عدم المشقة في ذلك.
قولكم: الخير والشر ضدان.
قلنا: لا نسلم ذلك، بل هما من جنس واحد كما بينا، وإنما يفترقان باعتبار الوجوه التي تقع عليها الأفعال، ألا ترى أن الفصد يقبح إذا وقع ممن لاينتفع به، ويحسن إذا وقع من المنتفع، سلمنا فوجود الضدين يصح من الفاعل المختار على جهة التعاقب أو مع اختلاف المحل فإن الجسم الواحد يتعاقب عليه السواد والبياض، وبعد فإنه يجوز في الفاعل الواحد أن يكون موصوفاً بالخير والشر في وقتين، فهلا جاز منه أن يفعل الألم في وقت واللذة في آخر فلا يحتاج إلى فاعلين، ثم إن عمدتهم في هذا قياس الفاعل على العلة، وهو باطل لظهور الفارق، فإن هذا مختار وهي موجبة.
الشبهة الثانية: أن الفاعل المختار لا يفعل إلا لنفع نفسه أو دفع مضرة عنه، والقديم يستحيل عليه ذلك، فيلزم أن لا يكون ثمة قديم مختار، بل ذو طبع، وإذا كان موجباً لم يوجب الضدين فلا بد من أصلين.
والجواب: بل يصح أن يفعل للحسن فقط كما مر في الفاتحة، وأول هذه السورة، فلا مانع من قديم مختار.
واعلم: أن أصحابنا قد ألزموا الثنوية بإلزامات لا محيص لهم عنها، منها: أن أحدنا يعلم أنه كاذب فمن الذي يعلم ذلك، فإن قالوا: النور فقد وصفوه بالكذب وهو شر، وإن قالوا: الظلمة فقد وصفوها بالخير وهو العلم،وليس لهم أن يقولوا إن العالم أحدهما والكاذب الآخر؛ لأن كلامنا في شخص واحد، ومنها: أن أحدنا يسيىء، ثم يعتذر فمن المسيىء ومن المعتذر، فإن قالوا: النور فقد وصفوه بخصلة من خصال الشر وهي الإساءة، وإن قالوا: الظلمة فقد وصفوها بخصلة من خصال الخير وهي الاعتذار.
فإن قالوا: المعتذر النور، والمسيء الظلمة.
قلنا: قد وصفتم النور بالشر؛ لأن الاعتذار من غير إساءة قبيح.
فإن قالوا: لا نسلم القبح، فإن الوالد يعتذر من إساءة ولده، والراكب من رفس فرسه والإساءة منهما.
قلنا: بل الوالد يعتذر من إساءته بترك تأديب ولده، والراكب يعتذر من إساءته حيث لم يحفظ دابته، ومنها أن الواحد منا يغصب ثم يرد فمن الغاصب، ومن الراد فإن قالوا:النور،قلنا:فقد وصفتموه بالشر وهو الغصب، وإن قالوا الظلمة، قلنا: فقد وصفتموها بالخير وهو الرد.
وهاهنا شبهة سمعية يتمسكون بها وهي: قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}[النور:35].
والجواب: أن الاستدلال بالقرآن لايصح إلا بعد القول بتو حيد الله وعدله، وأنتم لا تقرون بذلك، ثم إن معنى الآية الله منور السموات والأرض فأقام المصدر مقام اسم الفاعل للمبالغة، ونظائره كثيرة: كعدل بمعنى عادل، وهدى بمعنى هاد يؤكده إضافة النور إلى نفسه في قوله: {مَثَلُ نُورِهِ} إذ المضاف غير المضاف إليه، ولا يصح التغاير إلا على ماقلناه من التأويل. والله أعلم.
تنبيه [في إلزام المجبرة بإثبات المعاني القديمة]
قد مر أن أصحابنا ألزموا المجبرة إثبات الشركاء لله تعالى لقولهم بإثبات المعاني القديمة، وكفرهم بعضهم بهذا الإلزام، وغيره من اللوازم، ولسنا نتكلم هنا إلا في تكفيرهم بإثبات المعاني، وأما تكفيرهم بغيره فسنذكره في مواضعه اللائقة به كما أنا أخرنا ذكر شبههم في إثبات المعاني، وإبطالها إلى غير هذا الموضع، إلا أنا نذكر من قال بكفرهم من أصحابنا، ومن منعه إجمالاً، ثم نتبعه بذكر الخلاف في تكفيرهم بإثبات المعاني، فنقول: اختلف أصحابنا في كفر المجبرة، فقال جمهور المعتزلة، وأكثر أهل البيت، ومن تابعهم من الزيدية: إنهم كفار، وصرح به القاسم والهادي، والناصر، وأبو طالب، والإمام أحمد بن سليمان، والمنصور بالله، وروي عن زيد بن علي، وروى الإمام أبو عبد الله الداعي، والأمير الحسين إجماع أهل البيت" على ذلك، وبالغ بعضهم حتى كفر الشاك في كفرهم والشاك في كفر الشاك، وممن قال: بكفرهم عدلية الإمامية، وذهب إلى عدم كفرهم جماعة من المعتزلة، وهم المتقدمون منهم، ومنهم من متأخريهم محمد بن شبيب، وأبو الحسين، وأبو الفضل بن شروين، وهو مذهب المؤيد بالله، والإمام يحي، وروى بعض السادة عن المؤيد بالله أنه قال: طريقة التكفير والتفسيق السمع إما نص في آية لا يختلف في تأويلها، أو خبر مجمع على صحته لا يختلف في تفسيره، أو إجماع أمة، أو إجماع أهل البيت" وليس يوجد شيء من ذلك في تكفير المجبرة، وحكى الفقيه حميد عنه التصريح بأن الجبر إثم عظيم، وحوب كبير، وفي المعراج عن كتاب الهوسميات الكبير أن رأيه الأول كان تكفيرهم، ولعل هذه الرواية هي مستند ماروي عن الأمير الحسين من أنه صحح عن المؤيد بالله القول بتكفير المجبرة، ونفى عنه القول بعدم كفرهم، ولعل الأمير لم يطلع على رواية عدم التكفير، ورجوع المؤيدبالله إليه من طريق صحيحة، ولو اطلع على هذه الطرق التي حكيناها لم يجزم بنفيها عنه. والله أعلم.
وقد كان الرأي الأول للمنصور بالله عدم تكفيرهم، وصرح به في حديقة الحكمة، ثم رجع إلى القول به، وبالغ فيه، هذا وقد ذكر من قال بكفرهم في تكفيرهم وجوهاً، لكن قال القرشي: إنه لا يمكن القطع بشيء منها على كفرهم؛ لأن أكثر التعويل على القياس وهو لا يكون قطعياً إلا إذا أمكن القطع على علة الكفر في مكان، والقطع على حصولها في مقالة المجبرة، وذلك متعذر في الغالب؛ لأن المرجع بالكفر إلى بلوغ العقاب قدراً عظيماً مع إجراء أحكام مخصوصة، والمجبرة متى كانت تعترف بجمل الإسلام من إثبات الصانع، وعدله، وصفاته، وصدق رسله لم يمتنع أن يكون عقابهم فيما أخطأوا أقل من عقاب من لم يعتقد الإسلام، فلا يمكن القطع بكفرهم.
قلت: أصحابنا يكفرونهم بالإلزام في أكثر المسائل التي كفروهم بها، وقد تقدم الخلاف في التكفير بالإلزام في المسألة الثانية مما يتعلق بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُون}[البقرة:6] وكذلك قد تكلمنا هنالك على التكفير بالقياس، إذا عرفت هذا فمن جملة الوجوه التي كفروهم بها إثبات المعاني القديمة، وتكفيرهم بها من وجوه:
أحدها: إجماع الأمة في الصدر الأول والثاني على أن من أثبت مع الله قديماً آخر فهو كافر، وهو إجماع مستمر حتى نشأ الخلاف وتفرقت الآراء، واتبع الأشعري النجار وابن كلاب فقيل: بهذه المقالة.
قال أبو القاسم البستي: لم يكن خلاف بين الصدر الأول والثاني أن من أثبت قديماً سوى الله وغير الله وليس هو الله فهو كمن أثبت إلهاً ليس هو الله، والمعلوم أن من أثبت إلهاً ثانياً فهو كافر، فكذلك من أثبت قديماً ثانياً، ثم قال ما معناه: إن الصدر الأول كان يقول بذلك حتى حدث قوم من المستضعفين تمسكوا بظواهر القرآن في إثبات القدرة والعلم، حتى وردت عليهم شبه الثنوية والملحدة، وكثير من أعداء الدين فقالوا: نقول ما قال الله ورسوله ولا نتجاوز ذلك، فقيل: إن في القرآن إثبات اليد، والعين، والعلم، والقدرة، فالتزموا ذلك، وأبوا أن يفسروه ويصفوه بشيء من الصفات التي تقتضي لله شريكاً في بعض صفاته، وقالوا: إن كل ذلك صفات لله، والصفات لا توصف.
قالوا: ومن وصفها فقد كفر، فلم يزل ذلك حتى نشأ ابن كلاب بعدهم فأثبت هذه الصفات، فلما سئل عن صفاتها.
قال: مأخوذة ثابتة أزلية وليست بقديمة، وكفر من قال: بقدمها، ورأى أن في وصفها بالقدم خروجاً عن الدين، وعدل إلى وصفها بأنها أزلية؛ بعداً عن اللفظ المستشنع من القول بقديم ثان ليس هو الله، ولم يزل ذلك حتى نشأ ابن أبي بشر الأشعري فنظر في قوله فوجده في نهاية التناقض، وعلم أنه لا فرق بين القديم، والأزلي، ووجد الناس قد أنسوا بقول ابن كلاب فقال: إن صفاته تعالى قديمة، لكن ليست بأغيار له.
قال: ومن قال إنها غيره فقد كفر، ولم يزل كذلك حتى حدثت الكرامية فزعمت أن تلك الصفات إذا لم تكن هي الموصوف، ولاجملة له، ولا بعض، وتفرد بالذكر كما يفرد الموصوف بالذكر فقد حصل حقيقة التغاير، فارتكبوا القول بأنها قديمة أغيار لله تعالى، وزعموا أن الكافر إنما هو من أثبت غير الله إلهاً.
قال الشيخ أبو القاسم البستي: فحدثت هذه المذاهب على هذا التدريج وكل منهم يكفر القائل بخلاف قوله، ويطلب موضعاً للكفر يصرف إليه ما أجمعوا عليه من أن من أثبت قديماً سوى الله تعالى كمن أثبت إلهاً سوى الله تعالى، فإذا كان كذلك، وعرفت أن الإجماع قد انعقد بتكفير من هذا وصفه، ثم حصل الاتفاق من بعضهم على ما بيناه وتكفير بعضهم لبعض وابتداع الأقوال علمنا أنهم كفار بهذه المقالة.
قال: وهذه الطريقة من أقوى ما يتعلق به في تكفير هؤلاء، واعترض هذا الوجه بأنه لا يفيد القطع بكفرهم؛ لأنه يتوقف على تواتر الإجماع على كفر من أثبت مع الله قديماً مستقلاً كان أم غير مستقل، وسواء قالوا إنه مستحق للإلهية أم لا، فأما مع عدم العلم بأنهم قصدوا هذا فلا يكون الإجماع حجة بالاتفاق.
قال القرشي: ولعلهم إنما أجمعوا على كفر من أثبت مع الله إلهاً آخر، والمجبرة وإن لزمهم أن تكون هذه المعاني أمثالاً لله فالكفر لا يثبت بالإلزام.
وقال الإمام المهدي عليه السلام : الظاهر أن المتواتر إنما هو منع القديم المستقل دون ما كان على جهة الصفة، ألا ترى أن أصحابنا يصفون الأحوال بكونها أزلية ولا يتحاشون عن ذلك، ولا فرق بين المعاني، وبينها في كونها غير مستقلة، بل استقلالها مستحيل.
قال: ثم إنا لو سلمنا تواتر الإجماع على إكفار من أثبت مع الله قديماً مستقلاً كان أم غير مستقل، فإن في كون الإجماع حجة قطعية من التشكيكات مالا خفاء به.