أحدها:ما أجاب به أبو إسحاق بن عياش، وهو أن من حق كل قادرين تغاير مقدورهما سواء كانا قادرين للذات أم لمعنى؛ لأن دليل استحالة مقدر بين قادرين لم يفصل، وما دل على صحة التمانع بين القادرين لم يفصل أيضاً بين القادرين للذات أو لمعنى، واعترض بأن هذه الطريقة تنقض قولنا إن الاشتراك في صفة ذاتية يُوجب الاشتراك في سائر الصفات، فكان يجب إذا قدر أحدها على شيء لذاته أن يقدر عليه الآخر، فلا يصح الاعتماد على هذه.
الطريقة الثانية: ذكرها قاضي القضاة، وهي أنا نعلم صحة التمانع بين القادرين، وإن لم نعلم تغاير مقدورهما، ولهذا فإن نفاة الأعراض يعلمون صحة التمانع، وإن لم يخطر ببالهم تغاير المقدورات ولا تماثلها، واعترض بأنا ما لم نعلم التغاير لم نعلم صحة المتمانع، ونفاة الأعراض يعلمون تغاير المقدورات جملة، وإن لم يعلموها تفصيلاً.
الطريقة الثالثة: أَن مقدور بين قادرين محال، وإثبات الثاني يؤدي إليه، فيجب أن يكون محالاً، واعترض بأن هذا انتقال من دليل التمانع إلى غيره، وأجيب بأنه ليس بانتقال، وإنما هو استعانة ببعض ما يذكر في دليل آخر دفعاً لسؤال السائل، يبين ذلك أنا لم نعتمد في الدلالة على هذا القدر، بل قلنا: لو كان مع الله تعالى قديم آخر لكان قادراً مثله، ومن حق القادرين صحة التمانع، ثم لما ورد هذا السؤال أسقطناه باستحالة مقدور بين قادرين فلايكون انتقالاً.
قال السيد مانكديم: والأحسم للشغب أن نحرر دليل التمانع تحريراً آخر، فنقول: لو كان مع الله تعالى قديم لوجب أن يكون قادراً مثله، فإما أن يتحد مقدورهما أويتغاير، الأول باطل لاستحالة مقدور بين قادرين فتعين الثاني، وفيه صحة التمانع.
فإن قيل: دليل التمانع مبني على صحة اختلافهما في الإرادة وهما لا يختلفان فيها؛ لأنها موجودة لا في محل فلا تختص بأحدهما دون الآخر، فكما توجب لأحدهما توجب للآخر، فيلزم اتحاد المراد، فما أراده أحدهما أراده الآخر.

قيل: أما من لا يجعل إرادة الباري تعالى عرضاً لا في محل، بل يجعلها نفس المراد فلا يرد عليه هذا السؤال؛ لأن الاختلاف في الإرادة لا يمتنع لعدم وجود علة الامتناع وهي ماذكره الخصم من أنها موجودة لا في محل فلا تختص بأحدهما.
وأما القائلون بأن إرادته تعالى عرض لا في محل فقد أجابوا بوجوه:
أحدها: أن ذلك مما يؤكد إلزامنا؛ لأن إرادة كل منهما إذا كانت إرادة للآخر، وقدرنا أن أحدهما أوجد إرادة تسكين جسم، والآخر أوجد إرادة تحريكه لزم أن يكون كل منهما مريداً لتسكين الجسم وتحريكه، فيكون متحركاً ساكناً، أو لا أيهما وهو محال. وهذا ذكره الإمام المهدي.
الثاني: أن من حق كل حيين صحة اختلافهما في الإرادة، سواء كانا مريدين بإرادة لا في محل أم لا، وإلا لم ينفصل الحي الواحد من الإثنين.
قال السيد مانكديم: وفي إثبات الثاني فساد هذا الأصل فيجب فساده، وليس هذا انتقالاً، بل استعانة ببعض ما يذكر في دليل آخر كما مر.
قال السيد: على أنا لم نبن صحة وقوع التمانع بينهما على اختلافهما في الإرادة، وإنما بنينا على صحة اختلافهما في الدواعي، وما من قادرين إلا ويصح اختلافهما في الدواعي، ألا ترى أن النائمين قد يتجاذبان كساءً مع فقد الإرادة، وبعد فإن التمانع ليس بأكثر من أن يفعل أحدهما ضد ما يفعله الآخر، وهذا يصح في مجرد الفعل، ومجرد الفعل لا يحتاج إلى القصد والإرادة، وإلا لما وقع من الساهي والنائم.
قلت: وهذا إنما يستقيم على القول بأنه لاداعي لهما، وقد مر في الاستعاذة.

الوجه الثالث: ذكره القرشي وهو أنا لانسلم أن إرادتهما معنى واحد؛ لأن هذا المعنى لا يصح أن يكون فعلاً لهما جميعاً لاستحالة مقدور بين قادرين، ولجواز أن يريد أحدهما فعله ولا يريده الآخر، فيعود الإلزام من أصله، وإذا كان من فعل أحدهما استحال أن يؤثر في فعل الآخر، ولهذا لو خلق الله فينا إرادة الأكل مع توفر الصوارف عنه كأن يكون مسموماً لما أكلناه، أو خلق فينا إرادة تركه مع توفر الدواعي إليه لما تركناه.
قال: ومن هنا قال أصحابنا: إن الإرادة لو خلقت فينا لما أثرت في كون كلامنا أمراً أو خبراً.
قلت: وحاصله أن إرادة المريد لا تؤثر في فعل غيره.
واعلم: أن في كلام بعض أئمة آل محمد" ما يدل على أن التمانع، والاختلاف لازم للتعدد، وأنه لو كان لله تعالى شريك لم يكن شيء من بديع عجائب الصنع.
قال زين العابدين عليه السلام : لو كان له ضد لانتقض التدبير، ولم يتم له تقدير، وقال القاسم عليه السلام في الرد على الملحد بعد أن ذكر أن اختلاف إرادتهما لا يمتنع فقال الملحد: ما أنكرت أن يتفقا ويصطلحا.
قال القاسم عليه السلام : إن الاتفاق، والاصطلاح يدلان على حدث من تعمدهما؛ لأنهما لا يتفقان إلا عن ضرورة، والمضطر محدث لا محالة، فكلامه عليه السلام مشعر بأن الاتفاق لا يكون إلا عن ضرورة، وإنه لولاها لوقع الاختلاف وهو معنى القول بأن التمانع، والاختلاف لازم للتعدد، وهذا هو الذي يدل عليه قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا}[الأنبياء:22] وقوله: {إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}[المؤمنون:91].

قال السيد محمد بن عز الدين المفتي: لوفرض صانعان لكان بينهما تمانع في الأفعال فلم يوجد مصنوع أصلاً، وظاهر القرآن يدل على أن ذلك لازم من التعدد، واحتمال توافقهما دائماً الذي يجوزه العقل لا نظر إليه؛ لأنه مما تحيله العادة التي هي مناط الأدلة القرآنية، والسليقة العربية، فليس ذلك إقناعاً يكتفى به في المقامات الخطابية، وكون العادة تحيل مثل ذلك لا تحتاج إلى البيان؛ لأن كل من عرفها حكم أن شريكين في الإيجاد، والامداد لا يتصور دوامهما على الموافقة؛ لأن من شأن النفس أن لا تريد بقاء شريك معها، وكل ذلك باطل لمشاهدة بقاء هذا العالم على أكمل وجوه الاتقان، قال: هكذا حرره المحققون في هذا المقام.
الدليل الثاني:أن إثبات ثان للقديم تعالى يؤدي إلى محال آخر غير التمانع وهو مقدور بين قادرين على ما مر تقريره.
الدليل الثالث : أنه لو كان مع الله تعالى قديم غيره لكانت إرادته تعالى إما أن توجب لهما معاً صفة المريدية، أو لا توجب لواحد منهما، أو توجب لواحد منهما دون الثاني، الأول باطل؛ لأن المعنى لايتعدى في إيجابه صفة واحدة لموصوف واحد، والثاني باطل أيضاً؛ لأنه يؤدي إلى خروج الصفة عن حكم صفتها المقتضاة، والثالث كذلك لعدم المخصص، فبطل أن يكون معه تعالى ثان قديم.
قلت: وهذا الدليل مبني على أن الإرادة معنى توجب صفة المريدية، وفي ذلك نزاع بين الأصحاب.

الدليل الرابع: أنه لوكان لله تعالى شريك لأتتنا رسله، ولرأينا آثارصنعه، ولم يقع شيء من ذلك فانتفاؤه ليس إلا لعدم الشريك، وفيه ما نروم أو للاضطرار إلى المصالحة بينهما لما يؤدي إليه النزاع من الفساد، أو لقهر الغالب المغلوب، وأيهما كان فهو عجز، والعجز لا يكون إلا للمخلوقين؛ إذ هو ضعف الآلات والعدد، وليست إلا للمخلوقين لما ثبت من غناء الباري تعالى، وذلك يبطل كونهم آلهة، وقد نبه على هذا الدليل أمير المؤمنين صلوات الله عليه في وصيته لولده الحسن السبط عليه السلام المروية في أمالي أبي طالب، وسلوة العارفين، ونهج البلاغة، فقال: (واعلم يابني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه لا يضاده في ملكه أحد، لايزول أبداً ولم يزل) وهذا لفظ النهج،وقد جوز الاستدلال به، واستخرج درره ولآلئه العلامة ابن أبي الحديد في شرحه فقال: يمكن الاستدلال بهذا الكلام على نفي الثاني من وجهين:
أحدهما: أنه لو كان في الوجود ثان للباري تعالى لما كان القول بالوحدانية حقاً، بل كان الحق هو القول بالتثنية، ومحال أن لا يكون ذلك الثاني حكيماً، ولو كان الحق هو إثبات ثان حكيم لوجب أن يبعث رسولاً يدعو المكلفين إلى التثنية؛ لأن الأنبياء كلهم دعوا إلى التوحيد، لكن التوحيد على هذا الفرض ضلالٌ، فيجب على الثاني الحكيم أن يبعث من ينبه المكلفين على ذلك الضلال، ويرشدهم إلى الحق وهو إثبات الثاني، وإلا كان منسوباً في إهمال ذلك إلى السفه، واستفساد المكلفين، وذلك لا يجوز، ولكنا ما أتانا رسول يدعو إلى إثبات ثان في الإلهية فبطل كون القول بالتوحيد ضلالاً، وإذا لم يكن ضلالاً كان حقاً، فنقيضه وهو القول بإثبات الثاني باطل.

الوجه الثاني: أنه لو كان في الوجود ثان للقديم تعالى لوجب أن يكون لنا طريق إلى إثباته إما من مجرد أفعاله، أو من صفات أفعاله، أو من صفات نفسه، أو لا من هذا ولا من هذا، فمن التوقيف على وهذه هي الأقسام التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام ؛ لأن قوله: (أتتك رسله) هوالتوقيف، وقوله: (ولرأيت آثار ملكه وسلطانه) هي صفات أفعاله، وقوله: (ولعرفت أفعاله وصفاته) هما القسمان الآخران أما إثبات الثاني من مجرد الفعل فباطل؛ لأن الفعل إنما يدل على فاعل، ولا يدل على التعدد، وأما صفات أفعاله وهي كون أفعاله محكمة متقنة فإن الإحكام الذي نشاهده إنما يدل على عالم، ولا يدل على التعدد، وأما صفات ذات الثاني فالعلم بها فرع على العلم بذاته، فلو أثبتنا ذاته بها لزم الدور، وأما التوقيف فلم يأتنا رسول ذو معجزة صحيحة يدعو إلى الثاني، وإذا بطلت الأقسام كلها وقد ثبت أن ما لا طريق إلى إثباته لا يجوز إثباته بطل القول بإثبات الثاني.
وقال السيد محمد ابن عز الدين رحمه الله: لو كان متعدداً، ومنعت الحكمة من تخالفهما لما وصلنا رسول مؤيد بمعجز خارق يدعو إلى أحدهما، ويكذب دعوى التعدد.
قال: وأيضاً لو فرضنا التعدد من غير منع للحكمة من الاختلاف لكان ترك رسول الآخر لا يخلو إما أن يكون لعجز، وهو أمارة الحدث، أو لحكمة وهو باطل؛ لأن الكذب ينافيها، فيقتضي دفعه بالإرسال.

قلت: ويمكن أن يستدل بنفي الرسالة على نفي الثاني على وجه آخر، وهو أن يقال: قد ثبت إرسال الرسل بالدعاء إلى التوحيد، ولو كان للقديم تعالى ثان لوجب أن يشاركه في جميع صفاته، فيجب أن يكون عدلاً حكيماً مثله، وإذا كانا حكيمين لم يجز منهما، ولا من أحدهما إرسال الكاذب، فدل ذلك على صدق الأنبياء"، والمعلوم من دينهم ضرورة الإخبار بأنه لاإله إلا الله وحده لاشريك، والدعاء إلى ذلك، والتصريح به ولو كان، ثم ثان في نفس الأمر لكان ذلك كذباً، والكذب قبيح، وهذه الدلالة مركبة من العقل والسمع.
الدليل الخامس: ذكره أبو الهذيل، وأبو علي وغيرهما من قدماء المعتزلة، وهو أنه لو كان مع الله قديم ثان لما انفصل وجود ذلك الثاني من عدمه؛ لأن اشتراكهما في القدم يوجب اشتراكهما في جمع صفات الذات، فلا ينفصل أحدهما عن الآخر فيما يرجع إلى ذاته، ولاهما مما يصح عليه المكان فينفصلان بالمكان، ولا مما يصح عليه الحدوث فينفصلان بالزمان.
فإن قيل: ينفصلان بالأفعال فيدل على كل واحد منهما أفعاله.

قيل: أما من يوجب كون مقدورهما واحداً،وهم الجمهور فلا يرد عليهم هذا السؤال؛لأنهم يجعلون جميع أعيان المقدورات مقدورة للقادر للذات، ولا يقولون بأنه لا يقدر على بعض الأعيان حتى إذا وجد ذلك البعض دل على غيره لكونه ليس بمقدور له،وإنما يرد على أبي إسحق بن عياش لأنه يقول:لا يجب كون مقدورهما واحداً لامتناع مقدور بين قادرين لكنه يقول إنه قد أمكن إضافة المحدثات إلى خالق واحد، فلا يكون إلى إثبات الثاني طريق، وفيه نظر؛ لأن إمكان إضافتها إلى واحد لا ينافي ثبوت الثاني، وقد اعترض هذا الدليل الإمام يحيى بأنه إذا أريد بعدم الانفصال أنه ليس عند العاقل دليل يميز به أحد الإلهين فمسلم، لكنه لا يلزم من عدم المميز عدمه في نفس الأمر، اللهم إلا أن يقولوا لا طريق إليه فهي طريقة أخرى، وإن أريد أنه لا يمكن أن يختص أحد الإلهين في نفسه بأمر يميزه، فهذه دعوى لا بد من تصحيحها.

قال الإمام عز الدين: يمكن أنهم أرادوا الثاني لأنهما اشتراكا في القدم وهو صفة ذاتية، والاشتراك فيها يوجب الاشتراك في جنس الذات، ويلزم منه الاشتراك في جميع الصفات الذاتية فلا يعقل افتراقهما في أمر يتميز به أحدهما عن الآخر، لكن الإمام يحيى عليه السلام قد أبطل هذه القاعدة كما عرفت، ولم يصحح من أدلة أصحابنا على نفي الثاني من الأدلة العقلية إلا دليل التمانع، وأما سائر الأدلة فنقضها، هذا وأما الأدلة السمعية فأكثر من أن تحصر كتاباً، وسنة كآيات التهليل وغيرها، ومنها هذه الآية فإن النهي عن جعل الأنداد لله تعالى، إنما هو لانتفاء المثل والند لله تعالى، وأن المجعولة لا يصح فيها ذلك، ولا تستحق اسم الإلهية، ولا معناها بوجه من الوجوه؛ لأنها لو كانت آلهة لشاركته في جميع الصفات كما مر، وبالجملة فنفي إله ثان على أي صفة كان معلوم من ضرورة الدين، وإجماع المسلمين، والاستدلال بالسمع في هذه المسألة صحيح؛ لأنه لا يتوقف صحة السمع على نفي الثاني، وقد قيل: إن الاستدلال عليها بالسمع صحيح اتفاقاً، وقال الإمام يحيى: والمعتمد في نفي قديم ثان دلالة السمع.
هذا وأما الكلام على إبطال القسم الثاني وهو قول عباد الأوثان فلنا في إبطاله مع ما يؤخذ مما تقدم وجوه:
أحدها: أن هذه الأوثان لو كانت آلهة للزم أن تشاركه في جميع صفات الإلهية؛ لأن حقيقة الإله هو من يحق له العبادة، وحقيقة العبادة هي النهاية في التذلل والخضوع للمعبود، ولا يستحقها إلا المنعم بأصول النعم، وقد تقدم بيانها، ولا يكون منعماً بها إلا من كان قادراً على جميع أجناس المقدورات، عالماً بجميع المعلومات، حياً قديماً، فثبت أنها لو كانت آلهة لشاركته في جميع صفات الإلهية التي من جملتها القدم، والقدرة على كل مقدور، والعلم بكل معلوم، والمدعون لإلهية الأوثان معترفون بحدوثها، فبطل أن تكون آلهة.

فإن قيل: لا نسلم أن الإله من تحق له العبادة، بل هو من يفزع إليه العباد، ويلجؤون إليه، أو من يتحيرون في معرفة كنه ذاته على ما مر في البسملة.
قيل: لو سلم ذلك فهو حجة عليكم؛ لأنه لا يحصل الفزع، والإلتجاء إلا إلى القادر على الممكنات العالم بالمعلومات، على ما مر في الثانية من مسائل الاستعاذة، ولا يتحير العباد إلا فيما لم يمكن معرفة كنه ذاته، وليس ذلك إلا الله تعالى، وأما الأوثان فمعرفة ذواتها ممكنة، بل هي عند المتخذين لها مشاهدة مركبة.
الوجه الثاني: أن تسميتها آلهة وعبادتها تعظيم لها، وهي لاتستحق التعظيم،وقد ثبت أن تعظيم من لا يستحق التعظيم قبيح كما مر في الفاتحة.
فإن قيل: لا نسلم أنها لاتستحق التعظيم.
قيل: التعظيم لا يكون إلا لأمر صدر من المعظم، وذلك الأمر إما نعمة عظيمة لا يقدر عليها غير ذلك المنعم كالإنعام بأصول النعم، وفروعها التي لايقدر عليها إلا الله تعالى، وهذا هو الذي يستحق به العبادة، أو امتثال وانقياد للمنعم، وخضوع وتذلل له، وهذا هو الذي يستحق لأجله التعظيم بالإجلال والثواب، وعلو المنزلة كما يفعل الله بالمؤمنين في الجنة، أولإنعام غيركامل كتربية الأولاد، والإحسان إلى الغير،وهذه النعم لا شك أن المنعم بها يستحق ضرباً من التعظيم،ولذا وجب بر الوالدين، وشكر المحسن على إحسانه، لكن لا يبلغ بهذا التعظيم مبلغ العبادة وهو نهاية الخضوع والتذلل، وليس ثمة قسم رابع يستحق به التعظيم، وهذه الأوثان لا تستحق التعظيم بوجه من هذه الوجوه، فوجب قبح عبادتها، وتعظيمها، وتسميتها آلهة، وقد نبه الله على هذا بما حكاه عن إبراهيم الخليل عليه السلام من قوله: {يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئا}[مريم:42].

179 / 329
ع
En
A+
A-