الفرقة الرابعة: المرقيونية وهم منسوبون إلى رجل يقال له مرقيونا، وهؤلاء يثبتون ثالثاً ليس نوراً ولاظلمة، بل حصل بسبب امتزاجهما، وامتزاجهما كان بواسطة ممازج، فقالوا: متوسط دون الله في النور، ودون الشيطان في الطبع، واختلفوا في موضع الامتزاج وكيفيته، أما موضعه فمنهم من قال: إن الامتزاج واقع في حد الظلمة، وقيل: إنه واقع في فرجة بين النور والظلمة، وأما كيفية الامتزاج فقيل: إن قطعة من الظلمة خرجت غازية للنور، وخرجت من النور قطع غازية للظلمة فأحاطت الظلمة بالتي من النور، وأحاط النور بالتي من الظلمة، فوقع الامتزاج بين النور وقطعة الظلمة، وبين الظلمة وقطعة النور، وقيل: إنه كان في الظلمة غلظة على النور، فأراد النور الدخول فيها ليلينها ويخفض من حالها، فلما دخل فيها غلبت عليه فمازجها، وقيل: لما كان جهة الظلمة السفل، وجهة النورالعلو دفعها عن نفسه بالاعتماد عليها فاندفعت فيها لشدة اعتماده فخالطها، وحكى القرشي عنهم أن العالم امتزج من هذا الثالث ومن الظلمة، وإن النور لما رأى تعدي الظلمة على هذا المتوسط بعث إلى هذا العالم الممتزج روحاً وهو ابنه عيسى، ومرقيون هذا لحق بعض أصحاب عيسى، وأخذوا عنه.
الفرقة الخامسة: الماهانية: وهم موافقون للثنوية إلا في النكاح والذبائح، وجعلهم المسيح ثالثاً.
الفرقة السادسة: الكيسانية زعموا أن الأشياء من أصول ثلاثة الماء، والأرض، والنار.
الفرقة السابعة: الصامية، قيل: وهم من الصابئين، وقيل: من الدهرية، ولا كتاب لهم معروف ولا أقاويل معروفة.
[الفرقة] الثامنة: المهركية واختصوا بأن قالوا لابد في كل زمان من رئيس يخلص من الآفات ويرشد للسداد، وهم أقرب إلى الما نوية.
الفرقة التاسعة: المجوس، وهم يقولون بقدم الشيطان مع الله تعالى على خلاف بينهم، وتفاصيل ستأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى.
واعلم: أن الثنوية متفقون على أمور بعضها يفهم مما ذكرنا، وجملة ما اتفقوا عليه هو القول بأن النور والظلمة صانعان للعالم قديمان، وأنهما موجبان، وأن النور مجبول على الخير ولا يقدر على الشر، والظلمة بالعكس، وأنهما امتزجا فحصل منهما العالم، وأن جهة النور العلو وجهة الظلمة السفل، وأن لكل واحد منهما ست جهات، خمس لايتناهى منها ويتناهى من السادسة، فجهات النور خلف، وأمام، ويمين، وشمال، وفوق، وتحت وهو لايتناهى إلا من جهة السفل؛ لأن الظلمة تلاقيه منها، وكذلك جهة الظلمة كالنور لاتتناهى إلا من جهة العلو؛ لأن النور يلاقيها منها قالوا: وجوهر النور خير صالح، صافٍ طيب الرائحة، حسن المنظر، مجبول على الخير، وجوهر الظلمة على العكس من ذلك، وكل واحد منا مركب من خمسة أشياء أربعة أبدان، والخامس روح، فأبدان النور: النار، والنور، والماء، والريح، وروحه النسيم، وأبدان الظلمة أربعة كذلك، وهي:
الظلمة، والحريق ، والسموم، والضباب، وروحها الدخان قالوا ورح النور نافعة لأبدانه، وأبدانه نافعة لروحه وكل واحد من الأبدان نافع للآخر، والظلمة على العكس من ذلك، فهذا جملة ما اتفقوا عليه، وأما ما اختلفوا فيه فقد عرفته.
الطائفة الثانية: الصابئون فزعموا أن للعالم صانعاً واحداً، لكنه خلق الأفلاك حية قادرة عالمة، وجعلها آلهة فعبدوها، وعظموها، وسموها الملائكة، وجعلوا بيوت العبادات بعدة الأملاك السبعة، وزعموا أن بيت الله الحرام هو بيت زحل، وأنكروا الآخرة، وفيهم قائلون بالتناسخ، وزعموا أن لهم أنبياء، وأنهم على دين شيث.
الطائفة الثالثة: النصارى وهم فرق متعددة، ومذاهبهم مختلفة، واتفقوا على أشياء منها، وسيأتي تحقيق مذاهبهم في مواضعها إنشاء الله تعالى.
الطائفة الرابعة:عباد الأوثان، قال الرازي: ودينهم أقدم الأديان، وذلك؛ لأن نوحاً عليه السلام من أقدم الأنبياء، وقد حكى الله عن قومه أنهم: {قَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ}[نوح:23] الآية، وهذه المقالة باقية إلى الآن، بل أكثر أهل العالم مستمرون عليها.
قال: والدين والمذهب الذي هذا شأنه يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماوات والأرض علم ضروري، فيستحيل إطباق الجمع العظيم عليه، فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض سوى ذلك يعني غرضًا في عبادتها، وتعظيهما سوى اعتقاد كونها الخالقة لهم، ولسائر أصناف العالم.
قلت: وقد ذكر الإمام المهدي، والرازي وغيرهما من أصحاب المقالات وجوهاً في سبب ذلك:
أحدها: أن منشأ ذلك من الهند والصين، وكانوا مقرين بالله وبملائكته، ويعتقدون أن الله تعالى جسم، وأن الملائكة تشبهه، فعظموها،واتخذوا أصناماً على صورتها، واعتقدوا أنها تنفع وتضر. هكذا ذكره الإمام المهدي عليه السلام .
وقال الرازي: إنهم اتخذوا تلك الصور وعبدوها لتقربهم إلى الله زلفى، وفي حكاية الإمام المهدي عليه السلام أن بعض حكمائهم قال لهم: إن الكواكب أقرب إلى الله تعالى حية ناطقة مدبرة فعبدوها، فلما خفيت عليهم نهاراً اتخذوا أصناماً على شكلها لتستمر لهم رؤيتها، وزعموا أن تعظيمها يحرك لهم الكواكب بما يحبون، وأول من عبد الصنم في العرب عمرو بن لحي.
الثاني: أن الناس لما رأوا تغيرات أحوال العالم مرتبطة بتغير أحوال الكواكب فإن بحسب قرب الشمس وبعدها من سمت الرأس تحدث الفصول المختلفة، ثم رصدوا أحوال الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة بكيفية وقوعها في طوالع الناس، فبالغوا في تعظيمها، فمنهم من اعتقد أنها واجبة الوجود، وأنها هي الإله الخالق للعالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر، لكنها الخالقة للعالم فهي الواسطة بين الله وبين البشر فاشتغلوا بعبادتها، ولما كانت غير مرئية في كثير من الأوقات اتخذوا لها أصناماً وتقربوا بعبادتها إلى تلك الأشباح الغائبة، فلما طالت المدة تنوسي هذا السبب فعبدوا الأصنام أنفسها، وألغوا ذكر الكواكب.
الثالث: أن منهم من كان يتخذ طلسماً يترصد له وقتاً مخصوصاً، ويزعم أنه ينفع ويجلب السعادة، ويدفع الآفات، ثم يعظمون ذلك الطلسم حتى صار تعظيمهم كالعبادة، فلما طالت المدة نسوا السبب فعبدوها على الجهالة بمبدأ الأمر.
الرابع: أنه كان إذا مات منهم رجل مجاب الدعوة، مقبول الشفاعة عند الله، اتخذوا صنماً على صورته يعبدونه على اعتقاد أن يكون من شفعائهم عند الله.
الخامس: لعلهم اتخذوها محاريب وقبلة لصلواتهم، ولما استمرت الحال ظن الجاهل أنه يجب عبادتها.
السادس: لعلهم كانوا مجسمة فاعتقدوا حلول الرب عز وجل فيها.
الطائفة الخامسة: ما ألزم به أصحابنا المجبرة من إثبات الشركاء لله تعالى، فإنهم ألزموهم مذهب المجوس في القول بإلهية النور والظلمة، ويزدان والشيطان على اختلاف مقالتهم في ذلك، وألزموهم مذهب النصارى حيث أثبتوا قدماء مع الله تعالى وسموها صفات، فإن هذا مذهب جمهور النصارى في الأقانيم.
قال القرشي: وكذلك إذا لم تكن المعاني أغيارًا لله تعالى كانت هي هو، وهو مذهب النصارى في الأقانيم أيضاً، وكذلك قولهم ليست بمستقلة مع القول بأنها معاني هو كقول النصارى فإن عندهم أن الأقانيم ليست بمستقلة، ولا يصح انفراد بعضها عن بعض، وكذلك تسميتهم للمعاني علماً وحياة، وهو مذهب جمهور النصارى في الأقانيم.
وتوضيح الإلزام أنه لم يقل أحد إن لله ثانياً يشاركه في جميع الصفات، وإنما يقولون بالمشاركة في وجوب الوجود، والمجبرة إما أن يقولوا بأن هذه المعاني جائزة الوجود لزم حدوثها؛ لأن دليلهم على حدوث العالم هو كونه جائز الوجود، وإما أن يقولوا بأنها واجبة الوجود، فإما من ذاتها فهو مذهب الثانوية، أو من غيرها وهو مذهب الفلاسفة في العقول والأفلاك، وقدم العالم.
فإن قيل: الثنوية اعتقدوا استحقاق العبادة.
قيل: لا نسلم فإنهم لم يعبدوا أهرمن ولا الظلمة.
قال القرشي: على أن المجبرة متى لم يعترفوا بأن هذه المعاني أغيار لله تعالى لزمهم أن تكون هي هو فتكون مستحقة للعبادة، قال: ولم يذمهم الله على مجرد القول باستحقاق العبادة بدليل قوله تعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ}[يونس:68] فبين أن هذه المقالة تستلزم جواز الحاجة عليه تعالى، وهذا لازم للمجبرة.
الموضع الثاني: في الحجج على نفي الشريك لله تعالى في إلهيته وعظمته وجلاله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
اعلم: أن المخالفين لنا في هذا الباب على قسمين قسم يثبت لله تعالى شريكاً يماثله في القدم وهم من عدا عباد الأوثان، وقسم يثبت له شريكاً يشاركه في استحقاق العبادة فقط مع الإقرار بحدوث تلك الآلهة المعبودة، وهذا قول عباد الأوثان فيما يظهر من حكاية أقوالهم، وكلا القسمين قد تناولهما إطلاق النهي في قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً}[البقرة:22] ونحن نتكلم على إبطال كل قسم على انفراده فنقول:
أما القسم الأول: فلنا في إبطاله حجج كثيرة عقلية، ونقلية، أما العقلية:
فأحدها: دليل التمانع وهو مبني على ستة أصول.
الأول: أن القديم قديم لذاته، وقد مر الدليل على ذلك في المسألة الثامنة عشرة من المسائل المتعلقة بقوله تعالى الحمد لله رب العالمين.
الأصل الثاني: أن الاشتراك في هذه الصفة يوجب التماثل في سائر صفات الذات، ودليله أن الصفتين لو اشتركا في صفة ذاتية،ثم افترقا في أخرى ذاتية لم يكونا مثلين لاتفاقهما في صفة، بأولى من أن يكونا مختلفين لافتراقها في أخرى،وإنه محال إذ التماثل هو سد إحدى الذاتين مسد الأخرى فيما يرجع إلى ذاتها، والاختلاف أن لا تسد إحداهما مسد الأخرى في ذلك، فيلزم أن تكون كل واحدة منهما سادة مسد الأخرى، وغير سادة مسدها إذا ثبت هذا، فنقول لو كان للباري تعالى مثل يشاركه في القدم لوجب أن يشاركه في سائر صفاته الذاتية، وإلا لكان ذلك القديم الذي لا يشارك الباري تعالى في سائر صفاته الذاتية مثلاً له لمشاركته في القدم مخالفاً للذات؛ لأنه لم يشاركه في سائرها، وإنه محال.
فإن قيل: هذا لا يستقيم إلا على قول أبي علي إن القدم صفة ذاتية، وأما على قول أبي هاشم إنه صفة مقتضاة عن الذاتية فلا.
قيل: بل هو مستقيم على القولين معاً؛ لأنه وإن كان صفة مقتضاة عن الذاتية، فالاشتراك يكشف عن الاشتراك في صفة ذاتية فيحصل التماثل.
الأصل الثالث: أن القديم تعالى قادر لذاته كما مر في قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:284] فيجب في المماثل أن يشاركه في القادرية.
الرابع: أن من حق كل قادرين صحة تمانعهما، وذلك ضروري في الشاهد، ولا علة لهذه الصحة إلا لكونهما قادرين بدليل أن العلم بها يدور مع العلم بالقادرية ثبوتاً وانتفاء، مع فقد ما هو أولى من القادرية بأن تعلق عليه صحة التمانع، واستدل على هذا الأصل في شرح الأصول بأن من حق القادر على الشيء أن يكون قادراً على جنس ضده إذا كان له ضد، وإذا قدر عليه صح وقوع التمانع بينهما، والتمانع هو أن يفعل كل واحد من القادرين ما يمنع به صاحبه كمتجاذبي الحبل، فإن كل واحد منهما يفعل من الاعتماد ما لأجله يتعذر على صاحبه تحصيل الحبل في جهته التي يحذبه إليها.
الأصل الخامس: أن من حق القادر على الشيء إذا دعاه إليه الداعي أن يحصل لا محالة حتى لو لم يحصل لخرج عن كونه قادراً، دليله الجائع إذا كان بين يديه طعام شهي لذيذ ولا مانع منه، فإنه إذا لم يأكل والحال هذه لخرج عن كونه قادراً
الأصل السادس: أن من لم يحصل مراده يكون ممنوعاً، وهذا ظاهر لا إشكال فيه؛ إذ لو لم يكن ممنوعاً لحصل مراده مع قوة الداعي إليه، إذا عرفت هذا فلو قدرنا وقوع التمانع منهما بأن يريد أحدهما تحريك جسم، والآخر يريد تسكينه فإما أن يوجد مرادهما جميعاً، وهو محال لما فيه من اجتماع الضدين، وإما أن لايوجد مراد واحد منهما، وفيه خروجهما عن كونهما قادرين، وإما أن يوجد مراد أحدهما دون الآخر، وفيه خروج من لم يحصل مراده عن كونه قادراً لذاته؛ لأن القادر للذات يجب حصول مراده عند توفر دواعيه، وإلالم يكن قادراً للذات، وكان متناهي المقدور بدليل أنه يجب فيمن حاول حمل ثقيل أن تكون قدرته زائدة على ثقله حتى يمكنه رفعه، فحيث لا يمكنه علم أن مقدوره قد تناهى، وكل من تناهى مقدوره فهو قادر بقدرة؛ لأن الذي يحصر المقدورات في الجنس والعدد إنما هو القدرة، فإذا تناهى مقدوره دل على أنه قادر بقدرة، وكل قادر بقدرة جسم؛ لأنه لا يصح الفعل بها إلا بعد استعمال محلهافي الفعل أوفي سببه، ألا ترى أنه لا يمكننا رفع الثقيل بمافي أيدينا من القدرة إلا بعد استعمال اليد في الفعل أو في سببه، وما كان كذلك وجب أن يكون جسماً، وكل جسم محدث فلايصح أن يكون إلهاً.
فإن قيل: المفروض أن القادرين حكيمان فلايتمانعان؛ لأن كل واحد منهما يعلم أن الذي يريد الآخر فعله حكمة فلا يمانعه، بخلاف القادرين في الشاهد.
قيل:الحكمة لا تمنع إلا من وقوع التمانع، ولم نستدل على المسألة إلا بصحة التمانع، إذ لو كانت دلالتنا وقوع التمانع لكنا قد اعترفنا بمذهب الخصم؛ إذ وقوع التمانع فرع على ثبوت القديم الثاني، وإذا كان الاستدلال بالصحة حصل غرضنا، وقال الإمام المهدي عليه السلام : حكمتهما، وإن منعت من وقوع اختلاف مرادهما فإنها لا تحيل، بل هو جائز تقديراً لا تحقيقاً أي يصح تقدير وقوع تمانعهما، لكونه حينئذ ليس بمحال في نفسه، وما أدى إلى صحة تقدير المحال فهو محال؛ إذ يتضمن اعتقاد صحة ما علم بالبديهة إحالته وهو وقوع التمانع؛ لأنا إذا قدرنا أن أحدهما أراد تحريك جسم، والآخر أراد تسكينه، وقد علمنا بالبديهة أنه محال؛ لأنه إذا تمانع الفعلان لزم أن يخرج الجسم عن كونه متحركاً وساكناً، والمعلوم بالبديهة استحالة خلو الجسم منهما، فما أدى إلى صحة تقدير خلوه منهما فهو محال،فوجب نفي الثاني لتأديته إلى صحة تقدير المحال.
قال السيد مانكديم: التقدير كالتحقيق ها هنا، وصار الحال في ذلك كالحال في تقدير الاصطراع بين زيد وأسد، وإن علمنا أنهما لايتصارعان البتة، فكما أنا إذا قدرنا بينهما الاصطراع أمكننا أن نعلم كون أحدهما غالباً و الآخر مغلوباً، ونعلم أن من غلب فهو الممنوع، والممنوع ضعيف متناهي القدرة.
فإن قيل: لم قلتم إن صحة تقدير المحال محال فجعلتم تقدير اختلافهما في الداعي والإرادة يقوم مقام الوقوع في الدلالة على صحة التمانع، ولم يقم تقدير وقوع الظلم من جهة الله تعالى مقام وقوعه في الدلالة على الجهل والحاجة.
قيل: أما على ماذهب إليه القرشي من أنه لايصح تقدير وقوع الظلم من الله فالسؤال ساقط، وقد مر كلامه في الثامنة من مسائل الحمد لله، وأما سائر أصحابنا فقالوا إن التقدير يقوم مقام التحقيق في إفادة العلم بنفي الثاني، كما يفيده لزوم وقوع التمانع؛ إذ تقدير صحة التمانع في الاستحالة كوقوعه في الاستحالة؛ لأن صحة تقدير وقوع المحال محال، بخلاف تقدير وقوع الظلم فإنه لا يدل على ثبوت الجهل والحاجة، وإنما يدل عليه وقوعه فلم يقم التقدير هنا في التزامه الجهل والحاجة مقام الوقوع؛ إذ لوكان التقدير يستلزمها كالوقوع لم يحكم بإحالة السؤال، بل كنا نجيب بأنه يدل على الجهل والحاجة كما قلنا إن تقدير صحة التمانع يدل على نفي الثاني للقديم تعالى، فليس لهم أنه يحيلوا السؤال كما أحلناه هنالك، ثم إنا إنما أحلناه هنالك لأن الجواب بنعم أو بلا ينقض أصلا، قد تقرر كما مر في الفاتحة وليس هذا كذلك؛ لأنه لم يتقرر نفي الثاني ولا ثبوته، فصحت الإجابة بنعم على من قال إذا قدرنا وقوع التمانع بين الإلهين، هل يدل على نفي الثاني لأنا لم ننقض أصلاً قد تقرر، وقال النجري: في جواب هذا السؤال صحة وقوع المحال محال مطلقاً؛ لأن المراد بهذه الصحة هو نقيض الاستحالة ووقوع المحال مستحيل، ولو وصف بالصحة التي هي نقيض الاستحالة لوصف بالنقيضين وهو محال.
قال: وأما قول أصحابنا بصحة فعل الله تعالى للقبائح، وأن تلك الصحة لاتوصف بالاستحالة، وإنما المستحيل هو الوقوع فمرادهم صحة الفعل وهو الحكم المقتضى عن القادرية، لا الصحة التي هي نقيض الاستحالة، ألا تراهم يقولون إن فعل الله للقبائح صحيح من جهة القادرية، مستحيل من جهة الحكمة، فظهر أن بين الصحتين فرقاً، وأن صحة وقوع المحال محال مطلقاً.
فإن قيل: هما قادران للذات فمقدورهما واحد، وإذا اتحد لم يصح بينهما التمانع، كما أن الواحد منا لا يصح منه ممانعة نفسه.
قيل: لنا في الجواب عن ذلك طرق: