تنبيه [في دلالة الآية على صفات الله تعالى]
وهذه الأدلة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية الكريمة كما تدل على إثبات الصانع المختار، فهي تدل على صفاته من كونه قادراً، عالماً، حياً، قديماً لما في ذلك من بديع الصنعة التي يعجز عنها حذاق الصناع، وعجائب وغرائب تتضاءل عندها بدائع ذوي الإبداع، وتراكيب لاتتناولها أيدي المحدثات، وإن اتسعت قواها غاية الاتساع، وكما دلت على ثبوت هذه الصفات، فقد تضمنت إبطال قول العلية، ودعوى الطبائعية ونفي التشبيه؛ لأن الصانع لايشبه صنعته، ألا ترى أن الكاتب لا يشبه كتابته، والخياط لا يماثل خياطته، وهكذا كل صانع فإنه لا يشبه صناعته، ولا يماثلها، وذلك معلوم بالضرورة.
فائدة: قال الإمام أبو طالب عليه السلام : العالم كالبيت أرض وسماء وسقف، ومهاد موضوع، والنجوم في السماء كالقناديل في السقف، والنيران كالشمعتين، والأرض كقرار البيت، والفراش الممهود وما عليها من النبات كالفواكه المعدة، وما فيها من الرياحين، وأنواع الأنوار والزهران، وأماكنها من الأرض كالروضة من البيت، وما فيها من معادن الذهب والفضة كالخزائن المخزونة في البيت، والإنسان فيها كأرباب البيوت الذين إليهم تدبيرها وسياستها، فيجب أن يكون حال السماء والأرض في الحدوث واستحالة القدم كالبيت الذي نشاهد في مفازة أو برية إن لم نشاهد له فاعلاً ولا بانياً في أنا لانشك في حدوثه، وتجدده، وكونه بنيان قادر.
قال: وحدوث الحركات الفلكية بيَّن لا بد لها من أول، وما كان له أول فله آخر، ومتى استحال قدم الحركات استحال قدم المتحركات؛ لأنه لاجسم إلا متحرك أو ساكن، وحقيقة التحرك هو الانتقال من جهة إلى جهة،وهذا لايكون إلا متجدداً حادثاً، وحقيقة الساكن لبثه مع جواز انتقاله من موضعه ذكره في شرح البالغ المدرك، ونحوه ذكر الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام ، والجاحظ، وقد تضمن دليل حدوث العالم واستحالة القدم عليه، ونحن قد بسطنا القول في ذلك في الفاتحة، وأبطلنا شبه المخالفين بما فيه مقنع، ولهذا اختصرنا الكلام في هذا الموضع، واقتصرنا على بيان وجه دلالة الأدلة المذكورة. والله الموفق.
المسألة الحادية عشرة [الحث على الزيادة من الأدلة]
اعلم: أن الله تعالى كرر الأدلة في كتابه على إثبات ذاته عز وجل وصفاته، وما يوجب له الاختصاص بالطاعة من عباده، فذكر في هذا الموضع خمسة أدلة، وفي غيره ما يقرب منها أو يزيد عليها، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي لمن أراد تحرير المسائل على وجه يحصل به اليقين، وتنشرح به الصدور أن يأتي عليه بما أمكنه من الأدلة، ولا يقتصر على دليل ولا دليلين مع إمكان الزيادة؛ إذ لو لم يكن لزيادة الأدلة فائدة في طمأنينة القلب ورسوخ الإعتقاد لكان تعداد الأدلة في كتاب الله تعالى حشواً خالياً من الفائدة، والمعلوم أن كتاب الله منزه عن ذلك، وأَن كل لفظة منه وحرف واقع موقعه في الإفادة والإرشاد، والهداية وطلب طمأنينة القلب وزيادة اليقين هو الدين المتين واشتغال الأنبيا والصالحين، قال تعالى حاكياً عن إبراهيم: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}[البقرة:260] وجعل سبحانه للذي مر على القرية فقال: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}[البقرة:259] أنواعاً من الأدلة في نفسه وفي طعامه وفي حماره {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:259] وقد قيل:إن الهداية المطلوبة في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[الفاتحة:6] هي الهداية إلى معرفة ما في كل شيء من الدلالة على إثبات الصانع وصفاته كما مر في موضعه، وقد بسطنا القول في هذا المعنى في بحث مستقل، وذكرنا فيه أيضاً أنه ينبغي للمصنفين توضيح العبارة وتجنب الإختصار المؤدي إلى عسر الفهم لمنافاته المقصود بالتأليف من إرشاد الخلق وتعريفهم بطرق الحق وهو بحث نفيس لاينبغي جهله ولولا خوف التطويل لأتينا به في هذا الموضع على أن فيما ذكرناه هنا كفاية، وقد مر في الثانية من مسائل المقدمة، وفي الثالثة من الإستعاذة شيء مما يؤدي هذا المعنى.
فإن قيل: هل فيما عدده الله تعالى من الأدلة دليل على أنه يجب النظر في كل دليل، وإن كان بعضها موصلاً إلى العلم لا يحتاج إلى غيره أم لا، وإذا قيل: بالوجوب فهل علم وجوبه عقلاً أو سمعاً.
قيل: قد قيل بوجوب ذلك عقلاً احتياطاً للدين وحراسة له، والعقل يوجب الاحتياط للدين وحراسته؛ لأنه ربما طرت شبهة على الناظر فقدحت في دليله فيزول علمه، وإذا كان معه دليل غيره لم يزل بل يجدده لما قد علمه من صحة الدليل الآخر، وقد يستعين بالدليل الآخر على حل تلك الشبهة، وقال القرشي:يجوز أن يجب ذلك سمعاً لجواز أن يكون فيه لطفٌ.
قال الإمام عز الدين: يعني فإذا علم تعالى أنا إذا نظرنا في دليل آخر كان مقرباً لنا إلى فعل واجب وترك قبيح، أوجبه علينا؛ إذ قد حصل وجه الوجوب، وكان واجباً شرعياً، وذلك داخل في الإيجاب، لايقال إذا كان كذلك فهلا عرف كونه لطفاً بالعقل؛ لأنا نقول العقل لايهتدي إلى تعيين الألطاف كالواجبات الشرعية فلا يلزم ذلك.
قلت: ومن الأدلة السمعية القاضية بالوجوب قوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ}[يونس:101] فأمر بالنظر فيما اشتملت عليه السماوات والأرض من الآيات، وذم من لاينتفع بتلك الآيات وهو معنى الوجوب وقال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}[فصلت:53] فأخبر أنه يظهر لهم الآيات المذكورة، ولافائدة لإظهارها إلا إذا كان النظر فيها مطلوباً منهم، وهومعنىالوجوب بل قوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} صريح في أنه لم يرهم تلك الآيات إلا ليعرفوا بها الحق ومعرفة الحق من الآيات لاتكون إلا بالنظر فيها، والنظر واجب، وقد مر دليله، ولقائل أن يقول المطلوب من المكلف تحصيل العلم، فإذا حصل له بالنظر في بعض الأدلة فلا وجه لوجوب طلبه ثانياً، بل يستحب ذلك لزيادة الطمأنينة والاحتياط، والآيتان واردتان في ذم من لم يؤمن مع كثرة الأدلة لا في وجوب النظر في كل دليل. والله أعلم.
المسألة الثانية عشرة [الدلالة على نزول المطر من السماء]
قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}[المؤمنون:18] يدل على نزول المطر من السماء، وقيل: إنه يتولد من أبخرة ترتفع من الأرض، وتتصاعد إلى الطبقة الباردة من الهواء فتجتمع هنالك بسبب البرد وتنزل بعد اجتماعها وذلك هو المطر.
قلنا: قد أخبر الله تعالى وهو أصدق القائلين بأنه ينزل من السماء إلا أنه يجوز أن يراد بالسماء السحاب؛ لأن السماء اسم لكل ما سماك، ويجوز أن يراد بها السماء المعروفة، وإذا كان المراد هذا الأخير وجب أن نقول: إنه ينزل من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض؛ لأنا نعلم نزوله من السحاب.
المسألة الثالثة عشرة [الأصل في الثمرات الاباحة]
قيل: في قوله تعالى: {أَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ}[البقرة:22] دليل على أن الأصل في الثمرات الإباحة، وهذا مبني على أن من للتبيين، وأما علىالقول بأنها للتبعيض فلا دلالة فيها على ذلك.
قال القرطبي: ودلت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم مشيراً إلى هذا المعنى: ((والله لئن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا أعطاه أو منعه)) أخرجه مسلم.
قال: ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الأشغال من الصنائع، وغيرها فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص، والأمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل لله نداً.
المسألة الرابعة عشرة [في نفي الشريك لله تعالى]
دل قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً}[البقرة:22] على أنه لا يجوز أن يجعل لله شريك.
قال ابن عباس: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً}[البقرة:22] أي لاتشركوا به غيره من الأنداد التى لا تضر ولا تنفع {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه لارب لكم يرزقكم غيره، ونحوه عن قتادة، وفسره ابن مسعود بالأكفاء من الرجال يطيعونهم في معصية الله.
وعن ابن عباس الأنداد الأشباه، وهذه الأقوال متقاربة في المعنى، وفي أمالي أبي طالب أخبرنا العبدكي ثنا ابن يزداذ، ثنا يونس بن حبيب، ثنا الطيالسي، ثنا شعبة، أنا واصل سمعت أباوائل يحدث، عن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)) وأخرج ابن أبي حاتم عن عوف بن عبدالله قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم من المدينة فسمع منادياً ينادي للصلاة فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((على الفطرة)) فقال أشهد أن لاإله إلا الله، فقال: ((خلع الأنداد)) وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والنسائي وابن ماجة، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: قال رجل: للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما شاء الله وشئت فقال: جعلتني لله نداً بل ماشاء الله وحده)) وأخرج ابن سعد، عن فتيلة بن صيفي قالت: جاء حبر من الأحبار إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، قال: ((وكيف)) قال: يقول أحدكم لا والكعبة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((إنه قد قال فمن حلف فليحلف برب الكعبة)) فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله أنداداً، قال: ((وكيف ذاك)) قال: يقول أحدكم ماشاء الله وشئت، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((إنه قد قال، فمن قال
منكم فليقل ماشاء الله ثم شئت)) وأخرج أحمد، وابن ماجة، والبيهقي عن طفيل ابن سخبرة أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود، فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرًا ابن الله فقالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ماشاء الله وشاء محمد، ثم مر برهط من النصارى، فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله، قالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ماشاء الله وشاء محمد، فلما أصبح أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخطب فقال: ((إن طفيلاً رأى رؤيا، وإنكم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم فلا تقولوها، ولكن قولوا ماشاء الله وحده لاشريك له)) وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي عن حذيفة ابن اليمان، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، قولوا: ما شاء الله ثم ما شاء فلان))
واعلم: أن الله تعالى إنما نهى عن اتخاذ الشركاء له جل وعلا، لأنه إثبات لما لا دليل عليه، بل إثبات لما قام الدليل على بطلانه كما سيأتي تقريره، ولا خلاف بين المسلمين في أنه لا ثاني للقديم تعالى، والخلاف في ذلك مع طوائف من فرق الكفار.
وقيل: أما إثبات ثان يشارك القديم تعالى في جميع ما يجب له من الصفات، ويستحيل عليه فلا يظهر فيه خلاف أحد من الناس، وأما إثبات ثان يشاركه في بعض الصفات فقد ظهر فيه.
قال الرازي: ليس في العالم أحد يثبت لله شريكاً يساويه في الوجود، والقدرة، والعلم، والحكمة، هذا مما لم يوجد إلى الآن، لكن الثنوية يثبتون إلهين أحدهما حليم يفعل الخير، والثاني سفيه يفعل الشر، وأما اتخاذ معبود سوى الله، ففي الذاهبين إلى ذلك كثرة، إذا عرفت هذا فاعلم أن الكلام في المسألة، وما يتعلق بها من الأدلة، والخلاف والشبه لا يتحصل منه الغرض إلا في ثلاثة مواضع:
الأول: في ذكر الخلاف.
الثاني: في أدلة المسلمين.
الثالث: في شبه المخالفين.
[ذكر الخلاف في مسألة نفي الشريك لله تعالى]
الموضع الأول في ذكر الخلاف: قد عرفت اتفاق أهل الإسلام على نفي الشريك لله تعالى، والخلاف في ذلك لطوائف من الكفار:
الطائفة الأولى: الثنوية وسموا ثنوية لقولهم بإلاهين اثنين وهم تسع فرق:
الفرقة الأولى: المانوية وهم منسوبون إلى رجل يقال له: ماني بن بريك، وقيل: مانيا وهو من دعاتهم، وأخذ مذهبه أو أكثره عن قوم كانوا يقولون بمثل مقالته، وقيل: إنه ادعى النبوة وجاء بكتابين سمى أحدهما الإنجيل، والآخر الشابرقان، وكان ينهى قومه من ادخار فوق قوت يوم وكسوة سنة، وينهى عن الزنا، والسرق، ودخول بيت الأوثان، وكان في شريعته صوم وصلاة، وروي أنه ظهر في أيام سابور ابن ازدشير وهو تلميذ الفارذون، فقال: سابور بمقالته، وهؤلاء يقولون بإلهية النور والظلمة، وقدمهما وحياتهما، وقدرتهما، وامتزاج العالم منهما، وتضاد طبعهما.
الفرقة الثانية: المزدكية وهم كذلك، إلا أنهم يجعلون النور مختارًا، والظلمة بطبعها، وقيل: المزدقية بالقاف بدل الكاف وهم منسوبون إلى رجل يقال له مزدق، وكان ادعى الربوبية، وقتله على ما روي كسرى أنو شروان.
الفرقة الثالثة: الديصانية ويقال بالراء، وقولهم كالأولين في النور، وأما الظلمة فقالوا: عاجزة جاهلة موات.