قال عليه السلام : فالأقرب أن الخلاف في أقرب مقدمتي المكتسب، وتوضيح كلامه عليه السلام يعرف مما رد به القرشي على ابن متويه، ولفظه: ولقائل أن يقول أنه ما لم ينته إلى أصل ضروري لم تنقطع المطالبة، وقوله: إن الواجب منا أن ننهي الخصم إلى ما إذا نظر فيه علم هو صحيح، لكنا إذا قلنا للخصم: انظر إلى ما أنهيناك إليه تعلم كان ذلك استدلالاً منا على أن ذلك المنظور فيه دليل، واستدلالنا هذا لا شك مستند إلى الضرورة، وهي الوجدان من النفس، فإنا حين نظرنا فيه وجدنا أنفسنا عالمة عند النظر فيه حتى لو لم نجد ذلك من أنفسنا لكان للخصم أن يقول قد نظرت فيما أنهيتموني إليه فلم أعلم، ونصدقه فيما قال، واعترضه الإمام عز الدين بأن هذا الوجدان خارج عما نحن فيه؛ لأن الكلام في منع جواز دليل لا ينتهي إلى أصل ضروري يعرفه المطالب والمجيب، وليس هذا بحاصل هاهنا فإنا وإن علمنا من أنفسنا ضرورة أنا حين نظرنا حصل لنا العلم فلا تنقطع مطالبته، وحاصله أنه لم ينته إلى أصل ضروري بمعرفة المطالب والمجيب، وإنما يعرفه المجيب فقط، وهو اعتراض وارد.

قال القرشي: وماذكره رحمه الله من المثال فهو صحيح، لكنه يمكن استناده إلى أصل ضروري، وإن كثرت مراتبه فإنا إن لم نعلم كون أحدنا فاعلاً ضرورة، فإنا نستدل على ذلك بما يستند إلى الضرورة وهو أن فعله يدل على قصده وداعيه، وأنه يمدح ويذم عليه، ونحو ذلك، وقال الإمام عز الدين: اعلم أن احتجاج ابن متويه وهو قوله إن إثبات الصانع مستند إلى كون أحدنا فاعلاً لتصرفه، وأنت لا تعرف ذلك ضرورة يقضي بأن الخلاف في المسألة لا يتمحض؛ لأنه لا يجهل أنه ينتهي إلى أصل ضروري، وإن كثرت مراتبه فلعله يمكن حمل كلامه على أنه لا يجب في الأدلة استنادها إلى أصل ضروري قريب من غير وسائط، ولذا قال في تذكرته: ولسنا نريد أن أصول الأدلة غير معروفة ضرورة حتى يحوج إلى إقامة دليل على كل دليل، بل أصولها معروفة باضطرار، وإنما الغرض أنه لا يجب في كل حكم ثبت في موضع بدلالة أن يثبت نظيره في موضع آخر ضرورة.
قال الإمام عليه السلام : وكلامه هذا صحيح متفق عليه، فلعل الخلاف لفظي. والله أعلم.
قلت: ولو لم يمكن حمل كلام ابن متويه على ما ذكره الإمام عليه السلام لكان لقائل أن يقول: إن احتجاج ابن متويه على ماذهب إليه بأن إثبات الصانع مبني على كون أحدنا فاعلاً وليس بضروري، ضعيف؛ لأنا لانسلم أن العلم بكون أحدنا فاعلاً ليس بضروري، بل نقول هو ضروري كما مر في الاستعاذة، سلمنا فلا يصح له الاحتجاج به إلا لو لم يكن لنا دليل على إثبات الصانع غيره، وقد مر أن لنا طرقاً في إثباته تعالى غير هذه الطريقة، وعلى هذا فليست هذه الطريقة هي الدليل على إثبات الصانع إن لم تستند إلى أصل ضروري. والله أعلم.
المقام الخامس: في أن النظر بدعة، والدليل عليه من وجوه:
أحدها: أن الله تعالى ذم الجدل في غير آية، ومنه قوله تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً}[الزخرف:58] والنظر مؤد إلى الجدل.

الثاني: قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((عليكم بدين العجائز)) ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((تفكروا في الخلق ولاتفكروا في الخالق فإنكم لاتقدرون قدره)) أخرجه أبو الشيخ من حديث ابن عباس، ورواه المتكلمون، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا ذكر القدر فامسكوا)) أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود وثوبان، وابن عدي في الكامل عن عمر.
قال العزيزي: وهو حديث حسن.
الثالث: إجماع الصحابة على الإمساك عن علم الكلام، وعدم الخوض فيه إذ لو وقع من أحدهم شيء من ذلك لنقل ولم ينقل شيء، بل كانوا من أشد الناس إنكاراً على من خاض فيه.
الرابع: ماروي عن السلف من عدم الخوض في دقائق هذا العلم، ونهيهم عنه، من ذلك قول زين العابدين عليه السلام : أسماؤه تعبير... إلى آخره، ونحوه للقاسم وغيره من أئمة العترة"، وقد مر في المسألة السابعة من مسائل قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}[البقرة:3] وقال مالك: إياكم والبدع، قيل: وما البدع يا أبا عبد الله؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه، ولايسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون، وسئل سفيان ابن عيينة عن البدعة، فقال: اتبع السنة ودع البدعة، وقال الشافعي: لأن يبتلي الله العبد بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام، وقال: لو أوصى رجل بكتبه العلمية لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل تلك الكتب في الوصية، وقال بعض العلماء: لو أوصى للعلماء لم يدخل المتكلم فيه.
الوجه الخامس: ذكره التعليمية وهو أن النظر لا معنى له، ولا فائدة فيه فوجب أن يكون بدعة محرمة لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يكون عبثاً، واحتجوا على عدم الفائدة بأن العقل لا يدرك إلا الضروريات، ومعرفة الله ليست ضرورية، بل استدلالية، والاستدلاليات يدركها الإمام والشيخ لأنهما يعلمان بالكشف ما يناسب حروف القرآن وغيره من المغيبات ضرورة ثم يعلمانه الناس.

والجواب من وجهين: جملي، وتفصيلي.
أما الجملي فنقول: قولهم إن النظر بدعة باطل لما نعلمه ضرورة من فزع العقلاء إليه عند التباس الأمور، وما ذاك إلا لحكم العقل بحسنه، وما حكم العقل بحسنه فلا يكون بدعة، هذا مع ماطابقهُ من الأدلة السمعية، فإن المعلوم من ضرورة الدين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو إلى دينه بالقرآن المشتمل على أنواع الحجج والبراهين، والرد على أهل البدع، والمنكرين للقيامة، والبعث والرسل، والآيات المتضمنة للحث على النظر في المخلوقات، والذم على ترك ذلك أكثر من أن يحصى.
وأما التفصيلي، فالجواب عن الوجه الأول: أن المنهي عنه الجدال بالباطل بدليل الأمر به في قوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[النحل:125] ونحوها، مع أنا لا نسلم أن النظر هو الذي يؤدي إلى الجدل، وإنما يؤدي إليه اللجاج والعناد، وأما النظر الصحيح إذا أنصف صاحبه من نفسه، فلا يؤدي إلا إلى اعتقاد الحق، وسكون النفس.
والجواب عن الوجه الثاني: أن حديث: ((عليكم بدين العجائز)) غير صحيح.
قال السيد أحمد بن عبد الله الوزير في المقاصد الحسنة: لا أصل له، لكن عند الديلمي من حديث محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعاً: إذا كان في آخر الزمان، واختلفت الأهواء فعليكم بدين أهل البادية والنساء. وابن البيلماني: ضعيف جداً.

قال ابن حبان: حدث عن أبيه بنسخة موضوعة لا يجوز الاحتجاج به على أنه لا حجة فيه على منع النظر؛ إذ غاية ما يدل عليه الأمر بالاكتفاء بالجمل، والعلم الجملي لا يحصل إلا بالنظر، وأما حديث: ((تفكروا في الخلق)) فهو حجة عليهم واضحة إذ أمر فيه بالنظر، وإنما نهى عن التفكر في ذات الله تعالى، وأما حديث: ((إذا ذكر القدر فامسكوا)) فهو نهي لمن يخاف عليه الإلتباس والشبهة، وعدم الاهتداء إلى الحق عن أن يخوض فيه إذ البقاء على الفطرة أسلم كما قال علي عليه السلام وقد سُئِلُ عن القدر: بيت مظلم فلاتدخلوه. أوكما قال، وإنما خصينا النهي بمن ذكر لأن أمير المؤمنين عليه السلام قد خاض في القدر، وتكلم فيه مع الشامي، وقد مر.
والجواب عن الوجه الثالث: أنا لانسلم أن الصحابة لم يتكلموا ولم ينظروا، وكيف وأول من أسس هذا الفن، ومهد قواعده أمير المؤمنين، وسيد الوصيين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة، وكلامه بذلك مشهور مزبور، وقد مر منه درر ولآلئ في كتابنا هذا، وهو كلام باهر ظاهر، جار على قواعد المتكلمين، وأهل النظر، ولاغرو فهو إمام الأمة، والمبين لكل مدلهمة، وأما غيره من الصحابة فإن عنيتم أنهم لم يستعملوا ألفاظ المتكلمين، فمسلم لكنه لا يلزم منه القدح في علم الكلام فإنهم لم يستعملوا ألفاظ الفقهاء، ولم يلزم منه القدح في الفقه، وإن عنيتم أنهم ما عرفوا الله بالدليل فبئس ما قلتم، وقد كان غالب الصحابة كعوام سائر الناس لا يهتدون إلى معرفة الدقائق وتفاصيل الأدلة، لكنه قد حصل لهم القدر الكافي من النظر على ما قررناه سابقاً من الاكتفاء بالنظر المؤدي إلى العلم الجملي، والعجز عن التعبير على اصطلاح المتكلمين لا يقدح في معرفتهم فإن المقصود العلم بالدليل والاستدلال به، وإن لم يحسن التعبير عنه؛ إذ العلم بالعبارة علم زائد لا يلزمهم. والله أعلم.

والجواب عن الوجه الرابع: أن تشديدات السلف محمولة على التعمق والتكلف لمعرفة ما لا طريق لنا إلى معرفته وهو التفكر في الذات، والتعمق في تفاصيل الصفات،وقد مر من كلام أمير المؤمنين عليه السلام النهي عن ذلك، وأنه لا طريق إلى معرفة صفات الباري تعالى كما لا طريق إلى معرفة ذاته، وأما ماذكر من الوصية فلا حجة فيه؛ لأن الوصايا محمولة على العرف، وأما قول القائل إنه لو أوصى للعلماء لم يدخل المتكلم فتهافت ومجازفة، وكيف يمنع دخولهم وهم العلماء على الحقيقة؛ لأن من لم يعرف الله فلا اعتداد بعلمه، بل لو قيل: إنهم المختصون بها لكان هو الصواب، وقد فسر قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}[فاطر:28] على الحقيقة. والله أعلم.
والجواب عن الوجه الخامس: بأنا نعلم إدراكنا لبعض المدركات بالنظر ضرورة كما نعلم أنا نروى بالماء، ونشبع بالطعام، وأما قولهم بإدراك الإمام والشيخ بالاستخراج مما ذكروا، ففاسد، وإنما ذلك دعوى منهما عليكم مجردة عن الدليل، ثم نقول: ما الفرق بينكم وبينهما حيث أدركا ذلك ضرورة دونكم، وهما من جملتكم وأنتم قادرون مثلهما، ولو نظرتم في صحة هذه الدعوى لعرفتم بطلانها، لكنكم لم تنظروا لاعتقادكم قبح النظر وعدم إفادته للعلم عندكم، وإلا فالمعلوم عند جميع العقلاء بطلان كل دعوى لا دليل عليها، وقد قررنا ذلك في المقدمة بما فيه منية الراغب، ونهاية الطالب.

المسألة الثامنة [في ذكر ما يتفكر فيه]
اعلم: أن الآية كما دلت على وجوب النظر في معرفة الله تعالى فكذلك قد دلت على بيان ما ينظر فيه، وقد ذكر جل وعلا فيها خمسة أنواع من الأدلة اثنين من الأنفس، وثلاثة من الآفاق، وهاتان الدلالتان هما أعظم الدلائل على إثبات الصانع المختار؛ لأنهما باقيتان على ما بقي الليل والنهار، واضحتان لذوي العقول والأبصار، ولذا كرر الله تعالى التوبيخ والذم لمن لم يكتفِ بهما، وينقاد لواضح دلالتهما، وحكم عليه بأنه من المعاندين المعرضين، فقال سبحانه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}[يوسف:105] وقال تعالى: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}[الذاريات:20،21] وقال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}[فصلت:53] إلى غير ذلك من الآيات، وإذا تقرر لديك ما ذكرنا فنقول: أما الدليلان اللذان من الأنفس: فهما خلق الإنسان، وخلق من قبله من الآباء والأمهات.
وبيان دلالتهما من وجوه:

أحدها: أنا نعلم ضرورة أن لخلق الإنسان ابتداء وانتهاء، وذلك أنه كان نطفة ثم علقة، ثم نقل من طور إلى طور حتى صار طفلاً قد أعد له جميع ما يصلح له دينه ودنياه قبل حاجته إليه فأعطي عينين، وأذنين، وأنفاً، ولساناً، وفماً، وسبيلين، ويدين، ورجلين، وعصباً، ومعدة، ومعاً، وغير ذلك مما لاتتم أفعاله ولا تزكو أحواله من دونه، أو لايصح بقاؤه ونشوءه ونماؤه إلا به، ثم رأيناه يزيد شيئاً فشيئاً حتى يبلغ أشده، ويعطى العقل الكامل الذي به يعرف مصالحه في دنياه وآخرته، وكل ماذكرنا فآيات بينات، ودلالات واضحات على حدوث الإنسان واحتياجه إلى محدث أحدثه، وصانع صنعه، ومؤثر أثر فيه، وقد مر أن احتياج الأثر إلى المؤثر معلوم ضرورة، وما أحسن ما قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام لولده الحسن، ونبهه عليه من الطريق الموصلة إلى العلم بخالقه: ألا ترى يابني أن من رأى كتاباً علم أن له كاتباً، وأن من كتبه عنه غائب، وكذلك من رأى أثراً علم أن له مؤثراً وصورة ما كانت علم أن لها مصوراً، أو سمع منطقاً علم أن له ناطقاً، وكذلك ما يرى من هذ الخلق العجيب فقد يوقن من نظر وفكر أن له خالقاً ليس له مثل ولا شبيه كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}[الحج:73] قال عليه السلام : يخبر تعالى أنه لن يفعل أحد فعله، وكيف يفعل ذلك من ليس مثله، وإنما يكون تشابه الأفعال بين النظراء والأمثال.
الوجه الثاني: أنا نعلم بالضرورة وجودنا أحياء قادرين، عالمين، ناطقين، مدركين بعد أن لم نكن شيئاً، وأن أول وجودنا كان نطفة قذرة، مستوية الأجزاء والطبيعة غاية الاستواء بحيث يمتنع في عقل كل عاقل أن يكون منها بغير صانع حكيم ما يختلف أجناساً، وأنواعاً، وأشخاصاً.

الوجه الثالث: أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه ما كان موجوداً ثم صار الآن موجوداً، وأن كل ما وجد بعد عدم فلابد له من موجد، وذلك الموجد ليس هو نفسه، ولا الأبوان، ولا سائر الناس، ولا غيرهم من سائر أنواع الأجسام والأعراض؛ لما تقرر من عجز الخلق عن مثل هذا التركيب، وذلك معلوم ضرورة فلا بد من موجد يخالف هذه الموجودات وهو الله رب الأرض والسماوات.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المؤثر طبائع الفصول والنجوم والأفلاك؟
قيل: لا تخلو هذه الأشياء إما أن تكون جسماً أو عرضاً، أو لا أيهما، فإن كان جسماً أو عرضاً فلا يصح منه الإحداث كما مر في الفاتحة، وإن لم يكن أيهما فلا يعقل، وما لايعقل وجب نفيه.
وقال المؤيد بالله في الزيادات في الطبع: إن سلمنا وجوده لا يحصل به الشيء على قدر الحاجة، وإنما يكون بمقدار قوته وضعفه، ألا ترى أن النار تحرق لا على قدر الحاجة، بل على قدر قوتها، وتنقص عن الحاجة إذا ضعفت، وكذلك الماء الجاري، والحكيم يجربه ويقطعه على قدر الحاجة.
قال في إيثار الحق: وفيه تنبيه حسن على الفرق الجلي.

واعلم: أن علمنا بأن الله تعالى الذي خلق من قبلنا كعلمنا بأنه الذي خلقنا؛ لأن طريقة العلم بذلك واحدة، ولذلك كان الاستدلال على إثبات الصانع بالأمرين مع ما في ذلك من التذكير بالنعمة العظيمة، وهي خلق أصولهم، وما ألقاه في قلوبهم من التحنن عليهم، والشفقة بهم، وتربيتهم وتأديبهم بحيث لو لم يكن منهم ذلك لهلكوا، وقد أشار إلى ذلك كله القاسم ابن إبراهيم عليه السلام حيث قال: فلو كان الناس إذا ابتدأوا عندما فطروا ونشأوا لم يجعل لهم ولا فيهم من يغذوهم، ويقوم عليهم لهلكوا، ولم يبقوا وقت يوم واحد لما يحتاجون إليه في النفاس، وعند المولد من تلفيف الولدان بخرقها، وتسويته أعضاء خلقها، ولكن الله تبارك وتعالى جعل لهم في الابتداء آباء قاموا بكفاية المصلحة والغذاء حدهم في العلم بمصلحتهم غير حدهم فغذوهم برأفة الأبوة، وبصر التربية من مولدهم إلى بلوغ قوة الرجال، والاستغناء بنهاية الكمال، ولا بد لهذه الآباء التي قامت على الأبناء من أن تكون في المبتدأ، وعند أول المنشأ من الجهالة في مثل حال أبنائها، محتاجة إلى تربية آبائها، ولا بد كيف ما ارتفع الكلام في هذا المعنى من أبناء يقوم عليها آباؤها، وآباء كانوا كذلك في الأصل إذ ابتدأ إنشاؤها في حد أبنائها من جهلها، وقلة اكتفائها حتى يعود ذلك إلى أب واحد منه كان ابتداء النسل والتوالد، ولا بد للأب الأول من أن يكون أدبه، وتعليمه على خلاف أدب من يكون بعده؛ إذ لا أب له، ولا يكون أدبه وتعليمه إلا من الله ومن بعض من يؤدبه ويعلمه من خلق الله، فإن كان من المخلوق أخذ أدبه فلا يخلو ذلك من أن يكون الله أو غيره أدبه، وكيف ما ارتفع الكلام في هذا المعنى فلابد أن يعود إلى أن خلق ابتداء أدبه من قبل الله الأول البدي. ذكره في كتاب تثبيت الإمامة.

175 / 329
ع
En
A+
A-